← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

مؤذنه، ففي غاية المناسبة، فإن الغناء قرآنه، والتصفيق والرقص اللذين هما المكاء والتصدية صلاته; فلا بد لهذه الصلاة من مؤذن وإمام ومأموم، فالمؤذن المزمار، والإمام المغني، والمأمومون الحاضرون. وقال بعض العارفين: وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا أوقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها؛ ثم كثر الجهل وقلّ العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارا. ثم ازداد الأمر حتى استزلهم الشيطان، وأسبغ عقولهم في حب اللهو وسماع الطقطقة، واعتقد أنه من الدين الذي يقرب من الله، فجاهروا به، وخالفوا الفقهاء والعلماء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] . وقد صرح علماء الأمة بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، والضرب بالقضيب، وصرحوا أنه معصية يوجب الفسق، وترد به شهادته. قال النووي: فإذا كان الزمر - الذي هو آلات اللهو - حراما، فكيف بما هو أشد منه، كالعود والطنبور؟ ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه أنه من شعائر الفسّاق.

стр. 6827

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول ما تعتقد وتبغض الملاهي، التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن أصوات المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بها، ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب على الماء; فالغناء يفسد القلب، فإذا فسد القلب هاج فيه النفاق. والمقصود: أن هذه الأصوات المطربة، الحاصلة من "المحَّال"١ داخلة في مسمى المعازف والملاهي والمزامير، لأنها تصد عن ذكر الله وعن القرآن، وتجلب الغناء الذي هو قرآن الشيطان، وفعل السيئ وتقدم فعله. والعوائد التي تخالف الشرع لا يقر الناس عليها، بل يجب إزالتها؛ والسكوت عن مثل ذلك، وعدم النهي عنه بخصوص، لا يدل على جواز فعله، ولا يقتضي عدم كراهته، لأن الدين ما شرعه الله على لسان رسوله; وبكل حال: فأصوات "المحَّال"من المحرمات بلا ريب. وما أعظم ضرر الغفلة عن مثل ذلك وعدم النهي عنه، حتى يستحكم في أنفس الجهال، فيرون أنه من الدين، فإذا غير أنكرته طباعهم، لما في قلوبهم من الشك وعدم اليقين، كما قال النبي ﷺ : يأتي على الناس زمان تتخذ فيه البدعة سنة، فإذا غيرت، قالوا غيّرت السنة والمحتج

стр. 6828

بالعادة أو فعل متقدم، بلا دليل شرعي، فحجته باطلة لا يلتفت إليها والحق - بحمد الله - واضح لمن وفق لقبوله. ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن; وإقامة الحدود، والأمر [بالعقوبات] واجب على ولاة الأمور، والعقوبة تكون على فعل محرم، أو ترك واجب. فإياكم عباد الله والمداهنة في الدين، وعدم الإنكار على من خالف سبيل المؤمنين، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: والذي نفسي بيده، ليخرجن أناس من أمتي من قبورهم، في صورة القردة والخنازير لمداهنتهم في المعاصي وكفهم عن المنهي، وهم يستطيعون. وقال ﷺ : لا يمنعن أحدكم هيبة الناس، أن يقول الحق إذا رآه، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يبعد من رزق أو كما قال. وقال ﷺ : لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعو خياركم، فلا يستجاب لهم وقال ﷺ وإن آية سخط الله على العباد أن يسلط عليهم صبيانهم، فينهونهم فلا ينتهون.

стр. 6829

وقال علي ﵁: الجهاد ثلاثة: جهاد بيد، وجهاد بلسان، وجهاد بقلب. فأول ما يغلب عليه من الجهاد جهاد اليد، ثم جهاد اللسان، ثم جهاد القلب؛ فإذا كان القلب لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، نكس وجعل أعلاه سافله. وقال الحسن: لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا استووا فذلك حين هلاكهم. وقال ﷺ : ألا أخبركم بأقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمنازلهم من الله، على منابر من نور، يعرفون؟! الذين يحببون عباد الله إلى الله، ويحببون الله إلى عباده، ويمشون في الأرض نصحا; قيل: كيف يحببون عباد الله إلى الله؟ قال يأمرونهم بما يحب الله، وينهونهم عما يكرهه الله، فإذا أطاعوهم أحبوهم. والأحاديث والآثار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كثيرة; والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه أجمعين.

стр. 6830

[الشيخ سليمان بن سحمان يذكر الإمام عبد العزيز آل فيصل بأسماء الله وصفاته وكمال قدرته] وقال الشيخ: سليمان بن سحمان، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل الابتلاء والامتحان طهرة وتمحيصا لأهل الإيمان، ورجزا ونقمة على أهل الظلم والطغيان، وأزال به عن قلوب أوليائه، حجاب العجب ورؤية القدرة، وأعقبهم الصبر والإيقان، فيُري عباده عزته، ويبدي لهم لطفه، لتظهر آثار الحكمة لمن له بصيرة وعرفان. إلى حضرة محبنا وفاضلنا، ذي السعادة والسيادة، الشيخ المفضل، والرئيس المبجل، الإمام: عبد العزيز بن الإمام المكرم عبد الرحمن آل فيصل، أمده الله بالتوفيق والتسديد، وخذل كل عدو له وللإسلام من قريب أو بعيد، وأزاح عنه علل الشكوك، ورزقه الإيقان والسلوك، وألبسه لباس العز والتمكين، ونصر به شريعة سيد المرسلين، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأزكى وأشرف تحياته. أما بعد: فإن من عرف الله بأسمائه وصفاته، وعزته وقدرته، وكمال مجده وملكه وغناه، وعرف نفسه بالنقص والعيب، والعجز والضعف، والفقر والذل، أوجب له الرضى والتسليم؛ فمقدورات الرب سبحانه وبحمده أنه حكيم عليم، ما شاء كان، وما لم يشأ لا يكون. وأن جميع من في السماوات ومن في الأرض تحت قهره، وفي قبضته وتصرفه; فإذا أيقن العبد بذلك، انزاحت عنه العلل، وعلم أن لنفسه

стр. 6831

دسائس وكمائن، فيعود عليها باللوم، والتوبيخ، والتبكيت. وليعلم: أن العليم الحكيم إنما ابتلاه ليعلم صبره وإيقانه، فيزداد رغبة لربه وانطراحا بين يديه، وانكسارا ودخولا على ربه، من باب الافتقار الصرف فعند ذلك يعود عليه ربه بعائدة بره ولطفه وكرمه، ويمده بمدد يرى أثره في حياته، وعقباه في آخرته؛ والابتلاء والامتحان يتميز به صادق الإيمان من كاذبه. وقد ابتلى الله أولياءه وأصفياءه، وخاصة رسله، قال الله تعالى لعبده ورسوله، فيما أوحاه إليه: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٥-٢٦] . وكذلك ما جرى عليه صلوات الله وسلامه عليه يوم أحد، حين كسرت رباعيته، وشج رأسه، وما ذلك لهوانه، وهوان أصحابه عليه، ولكن لزيادة ثوابهم، ورفعة درجاتهم: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٤١] . والمؤمن الموفق، إذا ناله شيء من الابتلاء، أوجب له عدم اتهام ربه بقضائه وقدره، وصبر واحتسب، وانتقل من الحال التي يكرهها الله، إلى الحال التي يحبها، وأما من ضعف صبره ويقينه، وقل احتسابه، فالمصائب لا تزيده إلا ريبا، وشكا، وإساءة ظن، واتهاما لمولاه، فيرجع بأخسر

стр. 6832

الصفقتين، وينقلب بأعماله وأحواله صفر اليدين. وأنت - من فضل الله وكرمه - عوائد ربك ومننه عليك لا تحصى كم نالك من وصمة، وشدة وكربة، ورد الله لك الكرة المرة بعد المرة؟ وباء عدوك بالخزي والعار والمذلة; فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، فجلت عظمته، وعزت قدرته. فاشكر مولاك الذي أنجاك، واصرف همتك لما يرضيه، واجعل أمره ونهيه، وخوفه ورجاءه، نصب عينيك؛ وأدم له التضرع والابتهال، والقيام بواجبات الشكر، تفز بخير الدنيا والآخرة، وتنال مطلوبك ومأمولك. ونحن لما سمعنا ما أجرى الله، ضاقت بنا الأرض بما رحبت، ووددنا أن نفديك بأنفسنا، ومن تحت أيدينا، ولكن الكربة انفرجت في آن قريب، فلما سمعنا بسلامتك وعافيتك، اطمأنت نفوسنا ونفوس المسلمين، وظهر فيما بينهم الفرح والسرور. ونرجو من الكريم المنان أن يديم لهم وجودك وسلامتك، وهدايتك لما فيه صلاح العباد والبلاد، لينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون؛ وإلا فالدنيا لا بد فيها من الافتراق، ولا بد لها من الزوال، والله ولي الهداية والتوفيق، وصلى الله على محمد.

стр. 6833

[الوصية بإخلاص العبادة وذكر بعض آيات في التوحيد وذكر عظم الشرك] وقال بعضهم، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا، ونصب الأدلة على صحته وبينه تبيينا، ومنّ على من أنعم به عليه، وكفى بربك هاديا ومعينا; إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من المسلمين خاصة أهل الدين، وفقنا الله وإياهم للتمسك بحبله المتين، ورزقنا الاستقامة على الحق المبين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى، وتدبر كتابه المجيد، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] . وقد حكم تعالى في كتابه، على إخلاص العبادة له وحده لا شريك له، وأخبركم أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] . وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [سورة الزمر آية: ١٤] . وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] . وأمركم بعبادته وحده، ونهاكم عن الشرك به، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو

стр. 6834

وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] . فهذا أصل الدين وأساس ملة الإسلام، الذي لا يصح لأحد عمل إلا به، وهو دعوة جميع الرسل، وهو الذي خلق الله له جميع الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . والآيات في بيان هذا التوحيد، وأن جميع الرسل دعوا الناس إليه في القرآن أكثر من أن تحصر؛ يعرف ذلك من تدبره، وشرح الله صدره، ونصب الأدلة على أنه لا يستحق العبادة غيره، فمن ذلك ما ذكره الله تعالى من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا التي هي صفات الكمال، وكذلك ما يشاهدونه من عظيم مخلوقاته. ولذلك صار الشرك في العبادة أعظم ذنب عُصي الله به، وأوجب على المؤمنين مقاطعة أهله، والبراءة منهم، وجهادهم، والكفر بهم، وأباح دماءهم وأموالهم؛ فلا يكون المؤمن موحدا إلا بهذا، وهو مقتضى كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله، "قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٣] . فلا يصح للمؤمن دين، إلا بموالاة أهل التوحيد ومحبتهم، وبغض أهل الشرك والنفاق، والبراءة منهم، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا

стр. 6835

بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] . وهذه هي أصل عرى الدين. فإياكم إياكم أن تنقضوا هذه العرى، بالغفلة والإعراض عنها، والاشتغال بالدنيا عن هذا الأصل العظيم، الذي لا يصح لكم دين إلا بالإتيان به باطنا وظاهرا، واعتقادا وعملا؛ وحاسبوا أنفسكم عن هذا الأصل العظيم، وميزوا الناس بدينهم، وقربهم من ربهم وبعدهم عنه، وعن العمل بما أمروا به. فيا سعادة من صح له هذا الدين، وأحب في الله وأبغض في الله، وعادى في الله ووالى في الله، وقرب لله وأبعد لله، وأعطى لله ومنع لله، محبة للدين وعملا بما فرضه الله. واعلموا أنه لا يقوم هذا الدين إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] ، والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحث عليه كثيرة جدا. الأمر الثاني: جهاد من خرج عن طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٦] ، وملاك ذلك: الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله، علما وعملا.

стр. 6836

وقد أمر الله تعالى بالاجتماع على دينه، ونهى عن التفرق والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ١٠٣ - ١٠٥] . الأمر الثالث: طاعة من ولاه الله أمر المسلمين، فيما يأمركم به من طاعة الله ورسوله، وما ينهاكم من معصية الله ورسوله ونحو ذلك، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، كحديث العرباض بن سارية، مرفوعا: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي ... ١ إلخ. وقد أعطاكم الله بهذا الدين، من جلائل النعم، ووفرتها ما لا يحصى، فاشكروا الله تعالى على ما أعطاكم من نعم الدين والدنيا، بامتثال ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه، واتقاء سخطه وعقابه، وحلول نقمته وعذابه، ولا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور. وفي الحديث: المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ٢. وقد ابتليتم بالهوى، وحب الدنيا

стр. 6837

فإياكم إياكم أن تأمنوا مكر الله، واعتبروا بمن مضى من الدول، وما صاروا إليه، واحذروا غير الله، فـ: ﴿نَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [سورة التوبة آية: ٣٦] . أعاذنا الله وإياكم من التمادي في التغيير، ونسأله التوبة النصوح، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. [أوجب الواجبات التوحيد وإجابة المرسلين ومعرفة ذلك والعمل به والحث على لزوم الشريعة] وقال بعضهم، ﵏: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى من يراه من المسلمين، وفقهم الله لسلوك صراطه المستقيم، وجنبنا وإياهم طرق الجحيم، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فموجب هذا الكتاب، النصيحة لكم، والشفقة عليكم، ومعذرة من الله فيما أخذه علينا من الميثاق، من بيان أمره للعباد، والتحذير من ارتكاب نهيه، كما أوجب الله علينا معرفته ومعرفة نبيه، ومعرفة ما شرعه هذا النبي الكريم ﷺ . وواجب على من علم: العمل بالعلم وتعليمه، والصبر على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرإِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [سورة العصر آية: ١-٢] ، إلى آخر السورة.

стр. 6838

وأوجب الواجبات: علم التوحيد; وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، ومتابعة رسوله ﷺ ، وهو معنى شهادة أن محمدا رسول الله; فهاتان الكلمتان عليهما مدار الدين كله، ولهذا لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟. فعبادة الله، هي إفراده سبحانه بأنواع العبادة، دون ما سواه، وإجابة المرسلين: طاعتهم فيما أمروا، واجتناب ما عنه نهوا وزجروا، وأن لا يعبد الله إلا بما شرعوا. فإذا تحققتم هذا، فواجب عليكم معرفة هذين الأصلين، والعمل بهما؛ ولا يحصل هذا إلا بتعلم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتدبر ما أمرا به وما نهيا عنه، والوقوف عند ذلك بالامتثال، خوفا ورجاء، ومحبة وشوقا إلى الله، وما لديه من النعيم، وهربا من العذاب الأليم. فقد أقام الله ورسوله علينا حججه ببيان الحق، وأمرا باتباعه، وبيان الباطل، وأمرا باجتنابه; ووعدا وتوعدا، وحذرا وأنذرا، وبلغا البلاغ المبين، إجمالا وتفصيلا، حتى صار الدين لطالبه أوضح من الشمس في رابعة النهار; ولهذا قال النبي ﷺ : لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا يزيغ عنها إلا هالك ١. وقال ﷺ : الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن ترك الشبهات،

стр. 6839

فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ١ متفق عليه. ففي هذا الحديث أن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وهو المحكم الذي لا يحتاج إلى بيان وتفسير من القرآن، والأحاديث عن النبي ﷺ التي يفهمها كل من سمعها; وبين ذلك أمور، لا يعلمها إلا أهل العلم; وأن سليم القلب بالصلاح، يترك المتشابه، خشية من الوقوع في الحرام الصريح، كما في الحديث عن النبي ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ٢. إذا عرفتم هذا إجمالا، فأول ما يجب على الإنسان: معرفة التوحيد والتزامه، ومعرفة الشرك والبراءة منه وأهله، ثم معرفة فرضية الصلاة، وما وجب على المصلي فيها، من شروط وأركان وواجبات، وما يبطلها وما يخل فيها؛ والزكاة والصوم والحج مثل ذلك: هذه هي أركان الإسلام الخمسة. ثم معرفة ما به قوام الإسلام، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد على حسب طاقة المكلف، ثم معرفة الحلال البيّن، والحرام البيّن، والورع عما بين ذلك من الشبهات، وسؤال أهل العلم عن المشكلات، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 6840

لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] . وقد يقع بعض الناس في أمور، إما جهلا، وإما تهاونا وعدم مبالاة، من المخالفة لأمر الله وأمر رسوله، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [سورة النور آية: ٥٤] ، فعلق الهداية تعالى في طاعة الرسول ﷺ . فخطير على من خالف أمر الرسول، أو تهاون به أن ينقلب قلبه عن الحق، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [سورة الأنعام آية: ١١٠] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [سورة الصف آية: ٥] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال ﷺ : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى ١. فالنجاة من غضب الله وعقابه، ودخول الجنة، في طاعة الرسول ﷺ والهلاك والعذاب، وحرمان النعيم في الدنيا والآخرة في معصية الرسول ﷺ . فالله الله عباد الله! الفرار من ذلك; والحذر الحذر مما يقرب إليه، من الوسائل الموصلة إلى تلك المسالك. فما يقع من الناس: الإعراض عن العلم، مثل ثلاثة الأصول وغير ذلك من الواجبات; ومن ذلك التهاون بالذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والسخرية بهم، وعدم مساعدتهم ممن له قدرة على ذلك; ومن ذلك: الربا

стр. 6841

والغش، والسوم على السوم في البيع والشراء. ومن ذلك: الخطبة في النكاح على خطبة المسلم، وتخبيب المرأة على زوجها، والخطبة في العدة، وقد ذكر شيخ الإسلام، ﵀: أن الخاطب في العدة يعزر; ومن ذلك: أن لا يتزوج مخطوبته، وهو مقتضى الأصول، فإن الشرع قد نهى عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد. ومن ذلك: نكاح الشغار، فإن النبي ﷺ قد نهى عنه; وهو: أن يزوج الرجل وليته، على أن يزوجه الآخر وليته، وليس بينهم صداق المثل; لكن يحصل من بعض الناس حيلة دعوا بها; وهو: أن يجعلوا مهرا دون مهرها، ولو لم يكن بينهم شرط. وقد جاء في الحديث: لا تستحلوا محارم الله بأدنى الحيل وللعلماء في هذا كلام طويل؛ لكن صالح القلب السليم من الفساد، ينظر إلى الحقائق، فلا يروج على الله البهرج بالتحيل، فإن الخطر شديد، والناقد بصير، والحساب عسير. وقد جاء في الحديث، عن النبي ﷺ : أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم; قال الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ١ رواه أحمد. ففي هذا الحديث: فضيلة من جمع هذه الخصال;

стр. 6842

وهو: معرفة الحق وقبوله، وبذله لطالبه، والإنصاف من النفس؛ ولا يحصل هذا إلا بجهاد النفس عن شهواتها، وذلك بمخالفة الهوى بالبصيرة في الدين، والعمل به، وتعليمه، والصبر عليه، فالمؤمن ضالته الحقّ، ولو خالف نفسه، وهواه؛ والمنافق والفاسق، لا يقبل من الحق إلا ما وافق هواه. فحذار حذار مما يسخط الجبار، ويكون عاقبة صاحبه دار البوار، فلا بد من يوم يشيب هوله المولود، وقال تعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [سورة الحج آية: ٢] . فعليكم لزوم الشريعة تعلما وعملا، وإرشادا وموادة، فإن من كان بهذه المثابة، فالتوفيق له أقرب من حبل الوريد؛ وإياكم والتشاحن والتباغض على الدنيا، والحسد والكبر والفخر، وغير ذلك من المعاصي مما هو أكبر من ذلك. لكن ذكرنا هذا لوجوده في كثير من الناس، عذرا أو نذرا، لأنه واجب على من عرف الحق نشره، وواجب على من لا يعلم أن يتعلم؛ وكل عليه أن يقوم بما يجب عليه، من العلماء والمتعلمين والولاة، من الأمراء والأئمة والنواب وعامة الناس. فإن الدين النصيحة، كما ثبت بذلك الحديث عن النبي ﷺ وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، على حسب

стр. 6843

قدرتهم، كما في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فإنه واجب على حسب القدرة في المراتب الثلاث، باليد، فإن عجز فباللسان، فإن عجز فبالقلب، وذلك أضعف الإيمان. والله المسؤول المرجو الإجابة أن يوفقنا وإياكم للحق والإصابة، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [التذكير بما جرى لبعض الأمم وسنن الله في ذلك وما يخرج في آخر الزمان من أشياء مذمومة] ولبعضهم أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى من يراه من المسلمين سلك الله بهم طريقة سيد المرسلين، وأعاذهم من طريق المغضوب عليهم والضالين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فالموجب للخط النصيحة لي ولكم، والشفقة عليكم، والتذكير لكم، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [سورة الأعلى آية: ٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ [سورة غافر آية: ١٣] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ [سورة آل عمران آية: ٣٠] . وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] . وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ

стр. 6844

بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . وقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٤] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] . فالشكر على ثلاثة أنواع: نطق باللسان، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى آية: ١١] ، وعمل بالأركان، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] ، واعتقاد بالجنان، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل آية: ٥٣] . وفي سنن ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر قال: كنت عاشر عشرة، رهط من المهاجرين، عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا بوجهه، فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها، إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن بأسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال والميزان، إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم. وما منع قوم زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا نكث قوم العهد، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم يعمل أئمتهم

стр. 6845

بما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم. وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي عبيدة بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إن من كان قبلكم إذا عمل العامل منهم بالخطيئة، جاءه الناهي تعذيرا، فإذا كان الغد جالسه، وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على ألسنة أنبيائهم، داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم. وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم ابن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم، قال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم. وذكر أبو عمر بن عبد البر، قال: بعث الله ملكين إلى قرية: أن دمراها بما فيها، فوجدا فيها رجلا قائما يصلي في مسجد; فقالا: يا رب إن فيها فلانا يصلي; فقال الله: دمراها ودمراه معهم، فإنه ما تمعر وجهه في قط.

стр. 6846

وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد، عن مسعر: أن ملكا أمر أن يخسف بقرية، فقال: يا رب فيها فلان العابد، فأوحى الله إليه: فبه فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط. وذكر ابن أبي الدنيا، عن وهب بن منبه، قال: لما أصاب داود الخطيئة، قال: يا رب اغفر لي، قال: قد غفرت لك، وألزمت عارها بني إسرائيل; قال: يا رب كيف وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدا، أعمل الخطيئة وتلزم عارها غيري؟ فأوحى الله إليه: إنك لما عملت الخطيئة، لم يعجلوا عليك بالإنكار وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس ابن مالك أنه دخل على عائشة، هو ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة; فقالت: إذا استباحوا الزنى وشربوا الخمر، وضربوا بالمعازف، غار الله في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمتها عليهم; قال: يا أم المؤمنين: أعذابا لهم؟ قالت: بل رحمة للمؤمنين، ونكالا وسخطا على الكافرين. وفي مناقب عمر، عند ابن أبي الدنيا: أن الأرض تزلزلت على عهد عمر، فضرب بيده عليها، فقال: ما لك؟ أما إنها لو كانت القيامة، حدثت أخبارها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة، فليس فيها ذراع، ولا شبر، إلا وهو ينطق. وقال كعب: إنما تزلزلت

стр. 6847

الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي، فترعد فزعا من الرب ﷻ أن يطلع عليها. وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب; يقول الله : أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت؛ لأبعثن على أولئك فتنة، تدع الحليم حيرانا" ١. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي: يأتي على الناس زمان، لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء؛ منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود. وقال حذيفة: إذا أذنب العبد، نكت في قلبه نكتة سوداء، حتى يصبح كالشاة الربدا; وقيل أوحى الله إلى موسى ﵇: يا موسى، إن أول من مات من خلقي إبليس، وذلك أنه عصاني وإنما أعد من عصاني من الأموات ٢. وذكر من حديث سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: إذا ظهر الزنى بقرية، أذن الله بهلاكها; ومن مراسيل الحسن: إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسنة، وتباغضوا بالقلوب

стр. 6848

وتقاطعوا الأرحام، لعنهم الله عند ذلك، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم ومما ينبغي أن يعلم أن الذنوب تضر الأبدان، وضررها في القلب، كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرا وداءً، إلا وسببه الذنوب والمعاصي. وفي مراسيل الحسن، عن النبي ﷺ لا تزال هذه الأمة تحت يده وفي كنفه، ما لم يمال قراؤها أمراءها، وما لم يزك صلحاؤها فجارها، وما لم يهن أخيارها أشرارها، فإذا فعلوا ذلك، رفع الله عنهم يده، ثم سلط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفقر والفاقة. وقال الحسن: إن الفتنة ما هي إلا عقوبة من الله وذكر ابن أبي الدنيا، من حديث عمار بن ياسر، وحذيفة، عن النبي ﷺ إن الله إذا أراد بالعباد نقمة، أمات الأطفال، وأعقم النساء، فتنْزل النقمة وليس فيهم مرحوم. وذكر مالك بن دينار، قال: قرأت في الحكم: يقول الله : أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة؛ فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن أقبلوا عليّ أعطفهم عليكم.

стр. 6849

وذكر الإمام أحمد وغيره، عن قتادة: قال موسى: يا رب أنت في السماء، ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم أشراركم، فهو علامة غضبي عليكم. وذكر ابن أبي الدنيا، من حديث ابن عباس، يرفعه، قال: يأتي زمان يذوب فيه قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء، قيل: ممّ ذلك يا رسول الله؟ قال: مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره. وقال سليمان التيمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته. وقال يحيى بن معاذ الرازي: عجبت من ذي عقل، يقول في دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء، ثم يشمت بنفسه كل عدو له; قيل كيف ذلك؟ قال: يعصي الله، ويشمت به في القيامة كل عدو له. اللهم إني أسألك التوفيق والهداية إلى طريق الرشاد، ونعوذ بك من طريق أهل الغي والبدع والعناد; ونقول: ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وصلى الله على محمد.

стр. 6850

[التذكير بأهمية النصيحة والتنبيه على ما وقع من قسوة القلوب وعدم المبالاة بواجبات الدين] وقال بعضهم، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى من يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم لقبول النصائح، وجنبني وإياهم طريق الفضائح، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٩١] . وقال ﷺ : الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة ـ والتكرير يفيد الاهتمام بالمكرر ـ; قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ١. وقد وقع في هذا الزمان قسوة في القلوب، وعدم مبالاة بما فات من أعمال الخير والطاعات، ولا سيما واجبات الدين، من صلاة وزكاة، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر. والأمر بالمعروف: كلمة جامعة لكل معروف، والنهي عن المنكر: كلمة جامعة لكل منكر; فالمنكرات واقعة بين أناس، ولا يشعرون أنها منكرات، أو يشعرون ولا يبالون بها. فمن ذلك: عدم المبالاة بما خرج من اللسان، كالاستهزاء بالدين، وبمن يأمر بشيء من الدين; كمن إذا قيل له: لا تتكاسل عن الصلاة، ولا تلعن، ولا تخالط النساء،

стр. 6851

وغير ذلك، أخذ يقول: خلّ عنا طوعك، ويعلج لسانه. وهذا من أعظم المنكرات، ولكن لعدم مبالاتهم، لا يبالون بوقوعه منهم، بل عده العلماء من المحبطات للإيمان، والكفر بعد الإيمان، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٥] . وقد ترجم شيخنا، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في "كتاب التوحيد"ترجمة ذكر فيها الآيات، والأحاديث الدالة على انتقاض إسلام متعاطي مثل ذلك، وذكر أيضا في بعض رسائله، أنه داخل في مثل ذلك: مد الشفة وغمز بالعين. وقد ذكر لنا أن عبد الله بن الشيخ لما غزا مع عبد الله بن سعود، ومر رجل من المسلمين رجلا يغني، فنهاه عن ذلك، ثم رد عليه المنهي وقال: خلّ عنا طوعك; أنكر ذلك الشيخ عبد الله غاية الإنكار، وذهب إلى عبد الله بن سعود، وقال: تغزو العدو البعيد، وتترك العدو الباطني؟ فأمر به فضرب. وهذا أمر يقع ولا يبالى به، ولا يرى منكرا; وإن رئي منكرا، فلا أحد ينكره; ويتعاطاه متعاطيه عامدا لذلك، عالما به أنه منكر. ومن المنكرات: مخالطة الرجال للنساء الأجنبيات، في الأسواق والسكك، لا سيما أيام العرضات، ومع ذلك تجدها ووجهها باد، وما عليها إلا شيلة رهيفة، وتجدها تقف للرجال تنظر إليهم وينظرون إليها; وأول معصية وقعت في

стр. 6852

بني آدم، خلطة الرجال بالنساء، ثم الزنى. ومن المنكرات: قذف الرجال بعضهم بعضا، والنساء بعضهن بعضا ; يقول الرجل لأخيه: يا زاني، يا ولد القحبة; وتقول المرأة لأختها: يا زانية، يا قحبة; وهذا من أعظم المنكرات، بل من السبع الموبقات. ومن المنكرات أيضا: لعن الرجل لأخيه، ولعن الصبيان بعضهم بعضا، ومع ذلك هذه المنكرات لا يبالى بها، ولا ينكرها منكر; وإن أنكرت فعلى ضعف; وقد أعظم القرآن والسنة أمرها وشناعتها، ليست بخافية على العامة، فضلا عن الخاصة. فيجب على ولاة الأمور إنكار المنكرات، والأمر بالمعروف; وقد ذكر بعض العلماء أن على ولاة الأمور عبودية تخصهم ليست على غيرهم، وعلى العلماء عبودية تخصهم؛ فعلى ولاة الأمور تنفيذ أمر الله، وعلى العلماء التبليغ والنصح، وعدم الغفلة عن التناصح، لمن له قدرة على ذلك؛ وعلى العامة القبول والمساعدة ومما هو لازم وواجب: قسر الجاهل على تعلم دينه بدليله; ومن ذلك: زجر الناس من أكل أعراض بعضهم بعضا; وبالجملة: فكل ما حرم الله فهو منكر، وكل ما أمر الله به فهو معروف، فيجب إنكار المنكر، والائتمار بما وجب من الأمر، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 6853

فائدة: روي أن عيسى - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - مر على قرية فوجد أهلها أمواتا على الطرقات من غير دفن، فسأل ربه عنهم، فأوحى الله تعالى إليه: إذا كان الليل، فادعهم إنهم يجيبونك. فلما كان الليل ناداهم، فقال رجل منهم: لبيك يا روح الله; قال: ما قصتكم؟ قال: بتنا في عافية، وأصبحنا في الهاوية، قال: ولِمَ؟ قال: بحبنا للدنيا كحب الصبي لأمه، إذا أقبلت فرح، وإذا أدبرت بكى; قال: فما بال أصحابك لم يجيبوني؟ قال إنهم ملجمون بلجام من النار، بأيدي ملائكة غلاظ شداد. قال: كيف أنت أجبتني من بينهم؟ قال: لست منهم، بل مررت بهم، فلما نزل العذاب أصابني ما أصابهم، وأنا مطروح على شفير جهنم، فلا أدري أنجو أم لا. وفقنا الله وإياكم إلى طريق الخير والصلاح والهدى، وعصمنا وإياكم من أسباب الجهل، وطريق المعاصي والردى، وسلمنا من شرور أنفسنا، فإن النفس أشر العداء; والله أعلم، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم. آخر الجزء الرابع عشر من الدرر السنية ويليه الجزء الخامس عشر إن شاء الله تعالى. صلى الله عليه وسلم

стр. 6854

المجلد الخامس عشر: (القسم الأول من البيان الواضح وأنبل النصائح عن ارتكاب الفضائح) مقدمة ... [مقدمة] القسم الأول من البيان الواضح وأنبل النصائح عن ارتكاب الفضائح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، يبصرونهم عن العمى، ويصبرون منهم على الأذى. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، أنزل كتابه المبين، هدى ورحمة، وذكرى للمؤمنين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، أرسله الله تبصرة ورحمة للعالمين، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. وبعد: فحيث حصل بسبب الاختلاط بأهل الخارج، المشابهة في بعض المحظورات، من أنظمة، وتعليم، وترك فرائض، ومشابهة في المكس، واللباس، وحلق اللحى، والتصوير، والتبرج، والملاهي، والتنزه، وغير ذلك مما حدث في هذا العصر، وهو ما بعد وفاة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ﵀، سنة ١٣٣٩ هـ.

стр. 6855

مع أنهم لا يرون أنهم في رتبة طبقة الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والإمام فيصل، وكذلك أولئك، لا يرون أنهم يماثلون طبقة مجدد الدعوة، وذريته الذين بذلوا مهجهم، وأبناءهم، وأموالهم، في جهاد من يليهم، إلى أن يدخلوهم في الإسلام طوعا وقسرا، فضلا عن عصر النبوة والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من الأئمة المهديين، فلما حدث من ذلك، من المعاول الهدامة لدين الإسلام، استعنت بالله جل وعلا، أن أثبت ما وقفت عليه من نصائح بعض علمائنا ١ وما لم أقف على شيء منه، أورد قبله ما تيسر بلاغا عن الله، وإقامة لحججه وبيناته من كتاب الله وسنة نبيه، على عباده، وتوكلا على الله، واتباعا لقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] ، وامتثالا لما ثبت عنه ﷺ من قوله: "وأن تقول الحق ولا تخاف في الله لومة لائم" وأسأله تعالى أن يوفق علماء هذا العصر، الذين هم ما بين قاض ومعلم وغيرهم، بأن يتساعدوا مع ولاة الأمر، على أن يخففوا وطأة هذه المنكرات التي حدثت، فيبنوا ما تهدم مما أطده سلفهم، إلى أن يعود الأمر إلى نصابه. وأبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث إنه

стр. 6856

إذا استقام قضى على تلك المحظورات، فأقول:

стр. 6857

[الباب الأول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] الباب الأول أوجب الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثنى على من قام به، فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] ، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] ، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] وقال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ١، وفي رواية: "وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان" ٢، وقال ﷺ "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليعمنكم الله بعقاب من عنده" ٣.

стр. 6858

ويأتي من النصائح ما فيه كفاية. [نصيحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد] وأبدأ بنصيحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، لتصويره الواقع فيها، فقال رحمه الله تعالى ١: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن محمد بن حميد، إلى كافة إخواننا المسلمين، وفقني الله وإياهم للعمل بما يرضيه، وجنبنا أسباب سخطه ومناهيه، آمين. سلام عليكم ورحمه الله وبركاته. وبعد: فلا يخفى ما أصيب به الإسلام والمسلمون، من الشرور والفتن، والدواهي والمحن، وأن الإسلام قد أدبر وآذن بالوداع، والنفاق قد أشرف وأقبل باطلاع. والإسلام بدأ يرتحل من عقر داره، لتقصير أهله إذ لم يشرحوا للناس محاسنه وفضائله وحكمه وأسراره؛ ولم يقوموا بالدعوة إليه، بغرس محبته في القلوب بذكر ما تقدم؛ فإن الآيات القرآنية الدالة على الدعوة أكثر من آيات الصوم والحج اللذين هما ركنان من أركان الإسلام الخمسة. والاجتماع المأمور به، في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] تهدمت مبانيه،

стр. 6859

والائتلاف والتعاون ذهب وذهبت معانيه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. نرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو ركن من أركان الإسلام، في قول طائفة، من العلماء، ضعف جانبه، وكثر في الناس مجانبه، وتنوعت مقاصد الخلق، وتباينت آراؤهم؛ فالمنكر للمنكر في هذه الأزمنة، يقول الناس فيه: ما أكثر فضوله، وما أسفه رأيه! وربما غمزوه بنقص في عقله؟ ومن سكت وأخلد، قيل: ما أحسن عقله، وما أقوى رأيه، في معاشرته للناس، ومخالطته لهم! والله قد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فأخص أوصاف المؤمنين، المميزة لهم عن غيرهم، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس الأمر بالمعروف: الدعوة إلى الإسلام، وإرشاد الناس إلى ما خلقوا له، وتبصيرهم بما دل عليه كتاب ربهم وسنة نبيهم، وتحذيرهم من مخالفة ذلك. قال الإمام الغزالي، في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] : وصف الله المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خارج عن هؤلاء المؤمنين. انتهى، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٥] ما يدل على أن الناجي هو

стр. 6860

الذي ينهى عن السوء، دون الواقع فيه والمداهن. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأساس الأعظم للدين، والمهم الذي بعث الله لأجلة النبيين، ولو أهمل لأضمحلت الديانة، وفشت الضلالة، وعم الفساد، وهلك العباد; إن في النهي عن المنكر حفاظ الدين، وسياج الآداب والكمالات، فإذا أهمل أو تسوهل فيه، تجرأ الفساق على إظهار الفسوق والفجور، بلا مبالاة ولا خجل. ومتى صار العامة يرون المنكرات بأعينهم، ويسمعونها بآذانهم، زالت وحشتها وقبحها من نفوسهم؛ ثم يتجرأ الكثيرون، أو الأكثر على ارتكابها، ولكن يا للأسف! استولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، حيث اندرس من هذا الباب عمله وعلمه، وانمحى معظمه ورسمه، واسترسل الناس في اتباع الأهواء والشهوات. ولا شك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظ للشريعة، وحماية لأحكامها، تدل عليه- بعد إجماع الأمة، وإرشاد العقول السليمة إليه- الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ?يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٣-١١٤] ، فدلت الآية الكريمة على عدم صلاحهم بمجرد الإيمان

стр. 6861

بالله واليوم الآخر، حيث، لم يشهد لهم بذلك إلا بعد أن أضاف إليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد ذم : من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] وهذا غاية التشديد، ونهاية التهديد، فبين : أن السبب للعنهم هو: ترك التناهي عن المنكر، وبين أن ذلك بئس الفعل. ولا شك، أن من رأى أخاه على منكر ولم ينهه عنه، فقد أعانه عليه، بالتخلية بينه وبين ذلك المنكر، وهو عدم الجد في إبعاد أخيه عن ارتكابه. قال ابن عباس ﵁: "لعنوا في كل لسان على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل ولعنوا على عهد نبيكم محمد ﷺ في القرآن". ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ?﴾ [سورة المائدة آية: ٦٣] قال القرطبي: وبخ علماءهم في تركهم نهيهم، فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٣] ، كما وبخ من سارع في الإثم، بقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٢] ، وقال: ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر. ا. هـ.

стр. 6862

فإن الأمة في عهد استقامتها وتمسكها بالسنن، لا تطيق أن ترى بين أظهرها عاصيا ولا معصية؛ فإذا رأت شيئا من ذلك ثارت ثورة الأسد، ولم تهدأ إلا إذا أذاقت المجرم ما يليق به، وما يستحق على قدر جريمته، تفعل ذلك غيرة على دينها وطلبا لمرضاة ربها. والمجرمون إذا رأوا ذلك، كفوا عن إجرامهم وبالغوا في التستر، إذا أرادوا تلويث أنفسهم بما يرتكبون. فإذا لم تستقم الأمة، ولم تراع سنن دينها، ضعفت غيرتها، أو انعدمت انعداما كليا في نفوسها؛ إذ لو شاهدت ما شاهدت من المعاصي، إما أن يتحرك بعض أفرادها حركة ضعيفة، لا يخاف معها العاصي، ولا ينزجر عن معصيته؛ بم وإما أن يتفق الجميع على الإغماض عن ذلك العاصي، فيفعل ما يشاء بدون خوف ولا خجل، وإذاً يرفع ذوو الإجراء رؤوسهم غير هيابين، ولا خجلين من أحد. ولقد وصلنا إلى حد ماتت فيه الغيرة الدينية عند كل أحد، حتى من يرجى ويظن أنهم حماة الإسلام، وأبطال الدين، مما جعل العصاة يمرحون في ميادين شهواتهم، ويفتخرون بعصيانهم، بدون حسيب ولا رقيب؛ ولو شئت لقلت- ولا أخشى لائما- نحن في زمن علا فيه واعتز أرباب الرذائل، وأصبحت الدولة لهم. وأهل الفضيلة، المتمسكون بأهداب دينهم، عندما ينكرون على المجرمين إجرامهم، يكونون كالمضغة في الأفواه

стр. 6863

البذيئة، ترميهم بكل نقيصة، وأقل ما يقولون: إنهم متأخرون، جامدون في بقايا قرون الهمجية، يبتسمون ويقهقهون، ويغمزون بالحواجب والعيون، ويخرجون ألسنتهم سخرية واستهزاء بهم، ويضحكون من عقولهم، لما راجت الرذيلة في هذا العصر هذا الرواج. وما درى هؤلاء المرذولون، أنهم في غاية من السقوط والهمجية، التي ليست دونها همجية، لفساد عقولهم، وبعدهم عن معرفة أوامر دينهم ; وناهيك لو قام كل منا بما عليه من الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الناس وعظتهم، وتذكيرهم بما فيه صلاحهم واستقامتهم، لاستقر الخير والمعروف فينا، وامتنع فشو الشر والمنكر بيننا، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٥] . وقد صرح العلماء رحمة الله عليهم بأنه يجب على الإمام أن يولي هذا المنصب الجليل، والأمر الهام، الذي هو في الحقيقة مقام الرسل، محتسبا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويكون ذا رأي وصرامة، وقوة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . فدلت الآية الكريمة على أنه يجب على المسلمين أن تقوم منهم طائفة بوظيفة الدعوة إلى الخير، وتوجيه

стр. 6864

الناس، وعظتهم وتذكيرهم إلى ما فيه صلاحهم، واستقامة دينهم، وأن يكونوا على المنهج القويم، والصراط المستقيم. والمخاطب بهذا كافة المسلمين، فهم المكلفون، لا سيما الإمام الأعظم، وأن يختاروا طائفة منهم، تقوم بهذه الفريضة الهامة، التي هي أحد أركان الإسلام في قول طائفة من العلماء. قفا نبك على رسوم علوم الدين والإسلام الذي بدأ يرتحل من بلاده، ولكن يا للأسف على منام القلوب، وقيام الألسنة بالقول، والتأويه على الإسلام، بما لا حقيقة له، لقد انطمس المعنى وذهب اللب، وما بقي إلا قشور ورسوم. واكتفى الكثيرون من الإسلام بمجرد الانتساب إليه، بدون أن يعملوا به، ويقوموا بالدعوة إليه تحذيرا وإنذارا، وأمرا ونهيا، وتبصيرا للناس بدينهم؛ بذكر فضله وعظمته، وإيضاح أسراره وحكمه، وغرس العقيدة الحقة في قلوبهم، فهذا واجب المسلمين بعضهم لبعض، كل على قدر استطاعته ومقدرته. هذا، وأسأل الله أن يوفق المسلمين، وولاة أمورهم، لما فيه صلاحهم، وصلاح دينهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما إلى يوم الدين.

стр. 6865

[كلمة وجهها الشيخ محمد بن إبراهيم إلى المسلمين في أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم، ﵀ ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم، إلى إخواننا المسلمين، جعلنا الله وإياهم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له الأنبياء والمرسلين؛ فلو طوى بساطه، وأهمل علمه وعمله لفشت الضلالة وشاعت الجهالة، وخربت البلاد، وهلك العباد. قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] . فنعوذ بالله من اندراس هذا المهم العظيم، واستيلاء المداهنة على القلوب، وذهاب الغيرة الدينية. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو عنوان الإيمان، ودليل السعادة والفلاح، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
следующие страницы →