بلادكم، وزادكم عزا على عز.
وقال نوح لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراًوَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٠-١٢] . قال قتادة: علم نبي الله، أنهم أهل حرص على الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله، فإن في طاعة الله سعادة الدنيا والآخرة.
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [سورة الجن آية: ١٦] ، ومعنى الآية: لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام، واستمروا عليها: ﴿مَاءً غَدَقاً﴾ [سورة الجن آية: ١٦] ، أي: كثيرا، يعني: سعة الرزق، وضرب الماء الغدق مثلا، لأن الخير والرزق كله من المطر.
هذه الآيات تدل على أن المعاصي سبب لحبس المطر، وذهاب البركة، وأن طاعة الله سبب للمطر والبركات.
وقد روى الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي مخلد أنه قال: وجد رجل في زمان زياد، أو ابن زياد، صرة فيها حب - يعني: من بر - أمثال النوى، مكتوب فيها: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه العدل، وجاءت في هذا المعنى أحاديث.
روى ابن ماجة والبزار والبيهقي - واللفظ لابن ماجة - عن ابن عمر ﵄، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال
стр. 6792
إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم; وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم ١ ورواه الحاكم من حديث ابن بريدة بنحوه.
ورواه مالك بنحوه، موقوفا على ابن عباس ﵄، بلفظ: ما ظهر الغلول في قوم، إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب. ولا فشا الزنى في قوم، إلا كثر فيهم الموت. ولا نقص قوم المكيال والميزان، إلا قطع الله عنهم الرزق. ولا حكم قوم بغير حق، إلا فشا فيهم الدم. ولا خفر قوم بالعهد، إلا سلط الله عليهم العدو ٢.
ورفعه الطبراني إلى النبي ﷺ في معجمه، من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ما طفف قوم كيلا، ولا بخسوا ميزانا، إلا منعهم الله القطر. وما ظهر في قوم الزنى، إلا ظهر فيهم الموت. وما ظهر في قوم الربا، إلا سلط الله عليهم الجنون.
стр. 6793
ولا ظهر في قوم القتال، يقتل بعضهم بعضا، إلا سلط الله عليهم عدوهم. ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط، إلا ظهر فيهم الخسف. وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا لم ترفع أعمالهم، ولم يسمع دعاؤهم.
وروى الإمام أحمد، عن عمرو بن العاص، ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من قوم يظهر فيهم الربا، إلا أخذوا بالسنين، وما من قوم يظهر فيهم الرشا، إلا أخذوا بالرعب ١ والسنة: العام القحط.
عباد الله إنه ليس في الدنيا شر إلا سببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى؟
وبالإيمان كفرا، وبموالاة الولي الحميد، أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل، بزجل الكفر والشرك، والكذب والزور والغش، وبلباس الإيمان، لباس الكفر والعصيان والفسوق؟ فهان على الله غاية الهوان، وسقط من رحمته غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى، فمقته أكبر المقت وأرداه.
وما الذي أغرق أهل الأرض، حتى علا الماء فوق
стр. 6794
رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على عاد، حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل على ثمود الصيحة، حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية، حتى سمعت الملائكة نبح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا، ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء، أمطرها عليهم؟ فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد.
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجسام للغرق والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح، بأنواع العقوبات، ودمرها تدميرا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة، حتى خمدوا عن آخرهم؟
وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، فقتلوا الرجال، وأخربوا الديار، ونهبوا الأموال، ثم بعثهم إليهم مرة ثانية، فأهلكوا
стр. 6795
ما قدروا عليه، وتبروا ما علوا تتبيرا؟
وما الذي سلط عليهم أنواع العذاب والعقوبات، مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب ﵎: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٧] ؟
وروى الإمام أحمد: عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: لما فتحت قبرص، فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك! ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى!! وروى النسائي بإسناد صحيح، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الرجل يحرم الرزق بالذنب يصيبه ١.
واعلموا أن كل معصية من المعاصي هي ميراث أمة من الأمم التي أهلكها الله : فاللواط ميراث عن قوم لوط; وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم شعيب; والعلو في الأرض والفساد ميراث عن قوم فرعون;
стр. 6796
والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود; فالعاصي لابس لباس ثياب بعض هذه الأمم.
وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد، في "كتاب الزهد"لأبيه عن مالك بن دينار، قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: لا تدخلوا مداخل أعدائي، وتلبسوا ملابس أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، فتكونوا أعدائي، كما هم أعدائي.
فتوبوا إلى الله، واحذروا من الاغترار بنعمه عليكم، فقد روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا قول الله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٤] .
قال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره، فإنما هو استدراج منه، يستدرجك به، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَوَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣٣-٣٥] .
وقد رد سبحانه على من ظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا
стр. 6797
الأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [سورة الفجر آية: ١٥-١٦] ، وفي جامع الترمذي عن النبي ﷺ : إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب ١. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. [التذكير بنعم الله والتحذير من أسباب النقم والقيام بواجب النصيحة]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن إبراهيم، إلى من يراه من المسلمين، بصّرني الله وإياهم في الدين، وفقهني وإياهم فيما بعث له محمدا ﷺ سيد المرسلين.
وبعد: فالحامل على هذا، تذكيركم نعم ربكم لتشكروه، وتحذيركم أسباب نقمه لتتقوه، وقياما بما أوجب الله علينا من النصيحة، وقد قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] .
وقال النبي ﷺ الدين النصيحة، قالها ثلاثا، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ٢.
فجعل الدين محصورا في النصيحة، لأنها تتضمن أصوله وفروعه، وقواعده المهمة، فيدخل في النصيحة لله: الإيمان بالله، ومحبته وخشيته والخضوع له، وتعظيم أمره ونهيه وتنْزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته، من تعطيل وإلحاد، وشرك وتكذيب، لأن النصيحة لله: خلوص الباطن والسر،
стр. 6798
من الغش والريب والغل، والحقد والتكذيب، وكل ما يضاد كمال الإيمان، ويعارضه.
وكذلك النصيحة لكتابه تتضمن: العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه، وتحليل حلاله، وتحريم حرامه، والاعتبار بأمثاله، والوقوف عند عجائبه، ورد مسائل النّزاع إليه، وترك الإلحاد في ألفاظه ومعانيه.
والنصح لرسوله، يقتضي: الإيمان به وتصديقه ومحبته، وتوقيره وتعزيره، ومتابعته والانقياد لحكمه، والتسليم لأمره، وتقديمه على كل ما عارضه وخالفه، من هوى أو بدعة أو قول.
والنصح لأئمة المسلمين: أمرهم بطاعة الله ورسوله، وطاعتهم في المعروف، ومعاونتهم على القيام بأمر الله، وترك مشاقتهم ومنازعتهم.
والنصح لعامة المسلمين هو: تعليمهم وإرشادهم، لما فيه صلاحهم وفلاحهم، والرفق بهم، وكفهم عما فيه هلاكهم وشقاؤهم، وذهاب دينهم ودنياهم، من معصية الله ورسوله، ومخالفه أمره، ومشابهة الجاهلين فيما كانوا عليه، من التفرق والاختلاف، وترك الحقوق الإسلامية.
وأعظم نعمة أذكّركم بها: ما منّ الله به على المسلمين من نعمة الإسلام، فإنه ما طرق العالم ولا يطرقه نعمة هي أعظم وأكبر من هذه النعمة، التي منّ بها جلّ شأنه على
стр. 6799
عباده بواسطة من اصطفاهم من رسله، بتبليغ رسالاته، وأداء هذه الأمانة إلى من اختارهم من برياته.
وأوصيكم ونفسي بتقوى الله التي هي حقيقة شكر هذه النعمة، فإنها جماع الدين وقد وصى الله تعالى بها عباده، في غير موضع من كتابه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة النساء آية: ١] إلى قوله تعالى:: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [سورة النساء آية: ١] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٧٠-٧١] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١٨] ، إلى غير ذلك من الآيات.
وجعل جزاء المتقين: توفيقهم للفرقان بين الحق والباطل، وتكفير السيئات، ومغفرة الخطيئات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٩] .
ولا نجاة لأحد من النار بعد ورودها إلا بالتقوى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٧١-
стр. 6800
٧٢] . وهي وصية الله تعالى لعباده، أولهم وآخرهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] .
ووصية الرسول ﷺ لأمته عموما وخصوصا، كما قال ﷺ لما طلب منه الصحابة، رضى الله عنهم، الوصية: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ١. وقال لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن، وأبي ذر، ﵁ حين طلب منه الوصية: اتق الله حيثما كنت ٢.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣] .
قال ابن مسعود: تقوى الله حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وقال طلق بن حبيب، في تفسيرها: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
وللسلف في تفسير التقوى عبارات متقاربة المعنى، وحقيقتها: جعل العباد بينهم وبين غضب الله وعقابه وقاية تقيهم ذلك، بفعل الطاعات، وترك المعاصي.
стр. 6801
وأعظم خصال التقوى، وآكدها، وأصلها، ورأسها: إفراد الله تعالى بالعبادة، وإفراد رسوله ﷺ بالمتابعة فلا يدعى مع الله أحد من الخلق، كائنا من كان، ولا يتبع في الدين غير الرسول ﷺ ، ولا يحكم غير ما جاء به ﷺ ولا يرد عند التنازع إلا إليه، وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
فيفرد الرب بجميع أنواع العبادة من غاية الحب، وكمال الذل له جل شأنه، وخشيته، ومخافته، ورجائه، والتوكل عليه، والرهبة، والرغبة، والإنابة إليه والخشوع له، إلى غير ذلك من أنواع العبادة الواجب صرفها له، وحده لا شريك له، دون كل من سواه، من الأنبياء والملائكة، والصالحين، وغيرهم.
ويفرد الرسول ﷺ بالمتابعة، والتحكيم عند التنازع؛ فمن دعا غير الله، من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، فما شهد أن لا إله إلا الله، شاء أم أبى؛ ومن أطاع غير الرسول ﷺ واتبعه في خلاف ما جاء به الرسول، عالما، وحكّم القوانين الوضعية، أو حكم بها، فما شهد أن محمدا رسول الله، شاء أم أبى.
بل إما أن يكون كافرا، أو تاركا لواجب شهادة أن محمدا رسول الله، ويتبع هذين الأصلين العظيمين، فعل بقية فرائض الدين وواجباته التي أوجبها الله تعالى في كتابه، وسنة رسوله ﷺ مما هو داخل في واجب التقوى.
стр. 6802
ومن أهم خصال التقوى: الصلاة، والجهاد في سبيل الله; والجهاد على مراتب عديدة; من أشهرها وآكدها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا قوام للعباد والبلاد بدونهما; والمعروف: اسم عام يتناول التوحيد، فما دونه من الطاعات. وكذا المنكر، يشمل الشرك فما دونه، من البدع والمعاصي.
ومن أعظم الجرائم: تعاطي المسكرات من الخمور وغيرها. ومن المنكرات: جميع أنواع الميسر، وهو: القمار، كالشطرنج بجميع أنواعه; ومن أنواعه: اللعب بالورق، المسمى "الزنجفة"سواء كان اللعب به على عوض أو لا.
قال تعالي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٩٠-٩١] .
والأحاديت في تغليظ تحريم الخمر والميسر، ووجوب الحد في الخمر، وشدة الوعيد فيه معلومة.
ومن أعظم المعاصي: استعمال الملاهي، من الفتح على السينماء وغيرها، ولا سيما ما يشتمل على المناظر والمسامع المحرمة، فإنها تشتمل من الصد عن ذكر الله،
стр. 6803
وعن الصلاة، والإغراء بالفواحش، وغير دلك، ما يعرفه أرباب البصائر.
ومن أكبر المنكرات: إكباب الجهال والشباب على مطالعة كتب الزيغ والإلحاد والزندقة، والصحف المشتملة على ذلك، وعلى الصور الخليعة، فما أحرى من أدمن النظر فيها من الشباب ونحوهم، أن يصبح أسيرا للشيطان، إن لم يقتله بالكلية، ويسلبه جميع الإيمان.
ومن المنكرات: التشبه بالكفار، ولا فرق بين الأمور الدينية والعادية، كالزي ونحوه، روى أبو داود بسند جيد: أن رسول الله ﷺ قال: من تشبه بقوم فهو منهم ١. ويدخل فيه حلق اللحى، لما روى البخاري ومسلم: أن رسول الله ﷺ قال: خالفوا المشركين، احفوا الشوارب واعفوا اللحى ٢.
ومن أعظم المنكرات: تصوير ذوات الأرواح، واتخاذها واستعمالها، ولا فرق بين المجسّد، وما في الأوراق مما أخذ بالآلة وغيره، ذكر معناه النووي ﵀، في شرح صحيح مسلم، وذكر أنه مذهب جماهير العلماء; والأحاديث في الوعيد على ذلك، والتغليظ فيه معلومة.
وأغلظ أنواعه: صور المعظمين، على وجه التعظيم والتبجيل، وهذا أحد الذريعتين المفضيتين إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وهما فتنة القبور، وفتنة التماثيل، المشار إليهما في قوله ﷺ : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح،
стр. 6804
والعبد الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله ١.
ومن أعظم المنكرات، وأشدها ضررا: فشوّ الأغاني من "الراديوات"واستيلاؤها على ألسنةٍ كثيرًا، وشغف قلوبهم بها، فاستبدل كثير من الناس عمارة بيوتهم بأنواع الأذكار، وتلاوة القرآن، آناء الليل وآناء النهار، بأغاني أم كلثوم، وفلان وفلان، من مشاهير المغنين الفجار، بئس للظالمين بدلا; فيا لله ما أخسر صفقة أصحاب، هذا الاستبدال! وما أسوأ وأقبح هذا التحول والانتقال؟!
ومن أكبر الكبائر، وأعظم المنكرات، بل هو من جملة المكفرات: ترك الصلاة؛ فإنها قرينة التوحيد، في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهي آخر ما يفقد من الدين، كما قال ﷺ : أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة.
قال الإمام أحمد ﵀: كل شيء ذهب آخره، لم يبق منه شيء; وهي: عمود الدين، كما تقدم في حديث معاذ; وهي: أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة، كما قال ﷺ : أول ما يحاسب عنه العبد من عمله الصلاة ٢.
وتركها تهاونا وكسلا، مبيح للدم، بعد أن يدعى تاركها إلى فعلها، ويستتاب ثلاثا؛ فإن تاب ورجع إلى فعلها فذاك، وإلا تحتم قتله حدا عند قوم، وردة عند آخرين، وهو
стр. 6805
الراجح، وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين; بل قد نقل إسحاق بن راهويه، ﵀، الإجماع على أنه كافر.
ومن الأدلة على كفره، ما تقدم، وحديث: بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة ١، وحديث: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ٢، وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر، إلا الصلاة.
وقال ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ْ﴾ [سورة مريم آية: ٥٩] ، قال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها، ولو تركوها لكانوا كفارا.
وها هنا منكر فوق ما يخطر بالبال، ويدور في الخيال، وأعظم مما قدمناه من جميع المنكرات، وهو منكر عدم تغيير المنكرات، وعدم الغيرة لمحارم فاطر السماوات والأرض، والتماوت في ذلك، والتسويف فيه، والاغترار بهذه الزهرة الذاوية عن قرب، مع القدرة على التغيير.
ولهذا اشتد في ذلك الوعيد، وغلظ فيه التهديد، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] .
стр. 6806
وروى الترمذي عن حذيفة: أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ١.
وروى ابن ماجة، والترمذي وصححه، عن أبي بكر الصديق، قال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٥] ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه ٢ ولأحمد: إنكم تقرءون هذه الآية، وتضعونها في غير موضعها; فذكره.
وروى الترمذي، وأبو داود عن ابن مسعود،، قال قال رسول الله ﷺ لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون
قال: فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئا، فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطرا ٣ وفي رواية أبي داود، قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم ٤.
стр. 6807
فيا أمراء المسلمين، ويا حماة الذين، ويا علماء شرع رب العالمين، ويا كافة إخواننا المسلمين الله الله أن تستلب نعمتكم عيانا، وأنتم تقدرون على ثبوتها فيكم، ألا وهي نعمة التوحيد، وتحكيم الشريعة المحمدية، وحفظ المحارم والأولاد والعز والشرف.
واعتصموا بالله جميعا في إقامة الحق، والقضاء على جميع المنكرات، والأخذ على أيدي السفهاء والعصاة، من قبل أن يحل بكم ما حل بمن قبلكم، من سالف الأمم، سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنه الله تبديلا.
فعلى العلماء إقامة الحجة، وإيضاح المحجة، وأخذ ما جاء به نبيهم محمد ﷺ بالقوة، وأن يقوموا بواجب بث النصائح والإرشاد، للجماعات والأفراد، وأن يعلموا الجاهل، وأن يقوموا بواجب التعليم.
أعني تعليم العلوم الشرعية، المبعوث بها صفوة الخلق وخيرة البرية، علوم العقائد، والتوحيد بنوعيه، والعبادات، وعلوم الإيمان باليوم الآخر، وعلوم الحلال والحرام هذا والله هو العلم، وما سواه من أنواع العلوم المباحة في ذاتها، إن لم يكن معينا ومؤيدا لهذا العلم، وموصلا إلى اجتناء ثمراته، وخادما له في كافة حالاته، فإن الجهل به خير من العلم.
وعلى ولاة المسلمين تجريد صوارم العزمات، ومتابعة
стр. 6808
صواعق التغليظ والتهديدات، والضرب على أيدي العصاة، بيد من حديد، ليرجعوا إلى نجاتهم وحماتهم، وأن يؤكدوا على العلماء فردا فردا، غاية التأكيد أن يقوموا بواجبهم، ويساعدوهم، ويشدوا أعضادهم بالتنفيذ.
وليعلم أن طريق إزالة المنكرات من أبين شيء لسالكيه، وأسهل مطلوب لراغبيه، إن صدقنا الموقف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٩] ، وصلى الله على محمد.
[التذكير بما من الله به من فتح الحرم الشريف وبالأحاديث الواردة في منع البناء على القبور]
وقال الشيخ: سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سعد بن حمد بن عتيق، إلى جناب الإمام المكرم: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، أيده الله بالعز والتمكين، وجعله من حماة سنة سيد المرسلين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالموجب لتحرير الكتاب إبلاغ شريف جنابكم جزيل السلام، والنصيحة لكم، فإن النصيحة لكم تتعين على كل مسلم، فإن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ١.
ثم لا يخفى ما منّ الله به من فتح الحرم الشريف، وما
стр. 6809
حصل به من إعلاء كلمة الإسلام، وخذلان أهل الشرك والطغيان والآثام، وهدم ما أحدثه أهل الضلال، من القباب، والمقامات، والبنايات التي على القبور، هو من أكبر النعم عليكم، وعلى المسلمين.
وقد علم من عرف ما بعث الله به رسوله من الدين، وما ثبت عنه ﷺ في الأحاديث الواردة عنه أن البنايات على القبور، وإسراجها، واتخاذها مساجد، من أعظم البدع والمحدثات; وأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وبالغ في النهي عنه، حتى لعن من فعله.
والأحاديث في ذلك لا تخفى على مثلك، مثل قوله ﷺ في الحديث الصحيح: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك ١.
وقوله ﷺ : لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ٢ تحذيرا لأمته أن يفعلوا ذلك، فيستحقوا اللعنة من الله، وفي حديث ابن عباس ﵁ قالت: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ٣.
وإنما نهى ﷺ عن هذه الأمور، وغلظ في النهي عنها، لأنها ذريعة إلى عبادة القبور، والشرك بأربابها، وهذا هو المحذور الأكبر؛ وقد وقع الشرك وعبادة القبور، لما فعلت الأمة ما نهى عنه ﷺ من البنايات على القبور،
стр. 6810
وإسراجها، واتخاذها مساجد وأعيادا.
وقد جمع هؤلاء الضلال بين فتنة القبور، وبين دعاء الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإجابة الدعوات، وهذا هو المذهب الوخيم، والشرك العظيم، و: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٧٢] .
وبهذا تعلم - حفظك الله - أن هدم هذه المشاهد، واستئصالها ومحوها، وعدم إبقاء شيء منها من أعظم الحسنات، وأن تركها، أو ترك شيء منها، والإعراض عن التحريض على محوها وإعدامها، من أعظم السيئات على القادر على ذلك؛ فحينئذ يجب على الإمام أيده الله أن يحرص أشد الحرص على محو هذه القباب، وما أشبهها من مواطن الشرك.
وكان الناس يتحدثون أن الإمام أيده الله يريد أن يقرر رجلا يتفق عليه الناس، ويكون ذلك الرجل أميرا على الحرمين، على شريطة تقديم كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وتحكيمهما، وعزل ما خالفهما.
فإذا كان المحكم في الحرمين الشريفين، هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والعمل على ما اقتضياه، في أصول الدين وفروعه، فما أحسنه من صنيع! ما على حسنه من مزيد; وما أجمله عند أهل الإسلام والتوحيد! وما أشقه وأصعبه على نفوس أهل الشرك والتنديد! : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ
стр. 6811
أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] .
وقد قيل:
قالوا حديثك هند وهي مصغية ... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا
وقد تعلم - سلمك الله - أن سلامة دين الإنسان، لا يحصل إلا بالقيام بأمر الله، والنصيحة لله ولعباده، والصدق مع الله، وعدم المداهنة في دين الله، والخوف من الوقوع فيما يضر دينه، ويقدح فيه.
فاحرص يا أخي على سلامة دينك، وإياك والإعراض عن دين الله، وعدم الالتفات إليه، وترك أهل الشرك والبدع والمعاصي، على ما كانوا عليه؛ فإن ذلك أمر عظيم، ومورد وخيم، أعاذك الله من ذلك.
ونحن نعلم، أو نظن غالبا أن الأمير بمكة إذا كان من أهل تلك الأمكنة، فلا بد أن يكون منه إخلال بما يجب من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وأن يحصل منه عدم اهتمام بدين الله، وإعراض عما أوجب الله على عباده، من القيام بأمر الله، والدعوة إلى توحيده، وإفراده بجميع أنواع العبادة، والنهي عما يخالف ذلك، من الشرك في العبادة، وما يؤول إليه من البدع والضلالات، التي تفضي بصاحبها إلى الشرك والكفر، والخروج من الدين.
وإذا أهمل المتولّى على الحرم ما يجب عليه من القيام
стр. 6812
بدين الله، فلا بد أن يقع المحذور الأكبر، ويعود أهل تلك المواطن إلى ما كانوا عليه قبل ولاية أهل الإسلام عليهم، من الشرك والبدع والمعاصي الظاهرة، فتعمر القباب على القبور، وتنتشر دعوة الغائبين والأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإجابة الدعوات، ويظهر الزنى، وأكل الربا، وغير ذلك من المنكرات.
فينبغي للإمام أيده الله أن ينتبه لهذا الأمر، ويخاف أشد الخوف من أن يكون عليه كفل من الآثام، بسبب توليته من ليس له رغبة في دين الله، ولا التفات إلى القيام بشرائع الإسلام، والحث عليها وحمل الرعية عليها، والنهي عما ينافيها، من الشرك والبدع والمحدثات.
وطريق السلامة والخلاص للإمام أيده الله، من هذه الشبكة، والنجاة من هذه المعضلة، أن يأخذ العهد والميثاق على من يوليه على الحرمين، على اتباع الكتاب والسنة، والنهي عن الشرك، ودعوة الأموات، ونفي المعاصي والمخالفات، وعلى هدم القباب ونفي البنايات، وغير ذلك من المنكرات.
وليحذر الإمام سلمه الله من الإعراض عن ذلك، وعدم إلزام الأمير القيام بذلك كله، وليتأمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَِ إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨-
стр. 6813
١٩] .
وقوله:: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٤٩] .
وأنت أيدك الله إذا أخذت العهد والميثاق على من توليه، حصل لك بذلك سلامة دينك، وحصل لك الثناء والدعاء لك، من كل موحد يبلغه ذلك في جميع الأقطار؛ فإن حصل استمرار على ما تعهده إليه، وتأخذ الميثاق منه عليه، وذلك من أعظم النعم، ويحصل لكم من الأجر والثواب - إن شاء الله - ما وعد الله به أهل دينه، والدعاة إلى سبيله، وإن تكن الأخرى فسوف تنظر في أمرك، وتعرف الذي فيه المصلحة، من جهاد وغيره.
ولا يكن همّك وأعظم مطلوبك أن يحج المسلمون، وأن لا يمنعوا عن البيت، مع إعراضك عما ذكرته لك، من اهتمام بأهل الدين، وتجريد التوحيد؛ وقد علمت أن التوحيد هو أساس الأعمال الذي لا تصح بدونه، ولا تقبل إلا معه وهذه النصيحة كتبتها لك إعذارا وإنذارا، وقياما بما يجب لك علي من النصيحة، والخوف عليك من الوقوع فيما يضر دينك.
وأسأل الله تعالى أن يجعلك ممن يقبل النصائح، ويدرأ أسباب الندم والفضائح، وأن يثبتك علي الصراط المستقيم، وأن يجعلك من الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج آية: ٤١] . والله
стр. 6814
أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. حرر في ٢٣ شعبان سنة ١٣٤٣هـ. [التذكير بوجوب التفقه في الدين ومحبة وصول الخير ووجوب تعلم الدين]
وقال أيضا الشيخ: سعد، وعبد العزيز، ابنا الشيخ حمد بن عتيق، ﵏:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سعد وعبد العزيز ابني حمد بن عتيق، إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من إخواننا المسلمين من أهل الجنوب، وفقنا الله وإياهم لاتباع سبيل الهدى، وجنبنا مواقع الهلاك والردى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالموجب لهذا الكتاب، النصيحة لكم، والشفقة عليكم، ومحبة وصول الخير إليكم، فإن ذلك مما أمر الله به عباده، من التعاون على البر والتقوى، بل من واجبات الدين التي أوجب الله على عباده، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] .
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله، قال: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ١.
стр. 6815
فالنصيحة لله سبحانة: الإيمان به، وعدم الشرك به، ووصفه بما تعرف به إلى عباده، من صفات كماله، ونعوت جلاله، وعدم الإلحاد في أسمائه وصفاته، وطاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه.
والنصيحة لكتابه: الإيمان بأنه من عند الله، ووحيه وتنْزيله، وتلاوته مع تدبره، والعمل به واتباع ما فيه. والنصيحة لرسوله ﷺ الإيمان به، ومحبته وتصديقه، والتمسك بسنته، واتباع ما جاء به من الهدى ودين الحق.
والنصيحة لأئمة المسلمين: طاعتهم فيما أمروا به من الحق، والجهاد معهم، وأداء الزكاة إليهم إذا طلبوها، وترك الخروج عليهم وإن جاروا، والدعاء لهم بالصلاح.
والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم في دنياهم وآخرتهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودعوتهم إلى الحق، والحرص على إيصال الخير لهم ودفع المضار عنهم، وحثهم على تقوى الله تعالى، ونهيهم عن التفرق والاختلاف.
كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣] ، والتقوى: طاعة الله ، بامتثال أمره، واجتناب نهيه. قال بعض السلف: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على
стр. 6816
نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. وقال بعض السلف: حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ١.
وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ٢، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: اعبدوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم ٣.
ويجب علينا وعليكم أن نتعلم دين الله ونعمل به، وهو دينه الذي شرعه لعباده ورضيه لهم دينا، وجعل معرفته والعمل به سببا لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سببا لدخول النار.
وأعظم ذلك وأهمه: ما بعث الله به محمدا ﷺ وأمر به عباده، وتعبدهم بالقيام به، مما تضمنته شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، واجتناب الشرك ووسائله، وتحكيم رسوله ﷺ في الدقيق والجليل.
стр. 6817
والقيام بواجبات الدين وفرائضه، كالصلاة والزكاة، والحج وصوم رمضان، فإن هذه أركان الإسلام ومبانيه، كما قال ﷺ في حديث ابن عمر، ﵄: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت ١.
فيجب على كل مسلم معرفة هذه الأركان، والعمل بها، والإتيان بها كما أمر الله ، وبينه على لسان رسوله ﷺ ، مع ما يلتحق بذلك من الحب في الله، والبغض في الله، وموالاة أهل الإسلام والتوحيد، ومعاداة أهل الكفر والشرك والتنديد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والسمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، وعدم الخروج عليه، ونزع اليد من طاعته.
فإن في مخالفة ولاة الأمور، ونزع اليد من طاعتهم، من المضرات والمفاسد في الدين والدنيا ما لا يحصيه إلا الله، وقد منّ الله عليكم، وأنعم عليكم بنعمة الإسلام والدين، والدخول في ولاية المسلمين، والانتظام في سلكهم، فاعرفوا هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم، واشكروه عليها.
وعليكم بالتراحم، والتواصل، والتواد فيما بينكم، فإن المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، وقال ﷺ : مثل المؤمنين في توادهم تراحمهم وتعاطفهم،
стр. 6818
كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، بالحمى والسهر ١.
وعليكم بإفشاء السلام، وصلة الأرحام، وإطعام الطعام وحسن الجوار، والإحسان إلى الفقراء والمساكين والأيتام.
واجتنبوا ما نهى الله عنه كالزنى، والربا، والغيبة، والنميمة، والكذب، وقول الزور، وعقوق الوالدين، والظلم والعدوان، والشدة على عباد الله المؤمنين; واحذروا المراء والخوض في دين الله، والإفتاء بالجهل، والقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته، وشرعه وأحكامه.
فإن ذلك من أكبر أسباب الضلال، كما قال ﷺ : إن الله لا يقبض العمل انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخد الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ٢.
فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨١] ، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة آية: ١٨] ، فنسأل الله الكريم أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم سنة، ١٣٣٨ هـ ٣.
стр. 6819
[وصية الشيخ سعد بن حمد بن عتيق إلى الإمام عبد العزيز آل فيصل بالتقوى والحرص على إقامة الدين]
وقال أيضا الشيخ: سعد بن حمد بن عتيق، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سعد بن حمد بن عتيق، إلى الإمام المكرم: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، سلمه الله تعالى، وهداه، وجعله ممن اتبع هداه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: أوصيك ونفسي بتقوى الله تعالى، فإنها وصية الله لعباده، قال تعالى:: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٦] . والتقوى كلمة جامعة، يدخل فيها فعل جميع الطاعات، واجتناب المحرمات. ومن أعظم ذلك: الحرص على إقامة دين الله تعالى، وحمل الرعية على العمل بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده، وتعبدهم بالقيام به، وخلقهم من أجله، وهو دين الإسلام، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام؛ وهذه أركان الإسلام، ومبانيه التي بني عليها، كما أخبر بذلك نبينا محمد ﷺ في الحديث الصحيح.
وأعظم ذلك: معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهو إخلاص العبادة لله تعالى، واجتناب الشرك في العبادة، مثل دعاء القبور، والاستمداد من الأموات، وسؤالهم الحاجات وتفريج الكربات، وما يئول إلى ذلك ويفضي إليه، من بناء
стр. 6820
المساجد عند القبور، والصلاة عندها، وقصدها للدعاء، وغير ذلك من ذارئع الشرك ووسائله، كالحلف بغير الله، وقول الرجل: وحياة فلان، وقول الرجل: لولا الله وفلان; وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يجعل قائلها المخلوق ندا لله تعالى، ولما قال رجل للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت: قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده ١.
ومن أعظم ما أمر الله به: الصلاة، فإن الله تعالى افترضها على عباده، وجعلها أحد أركان الإسلام؛ فيجب المسارعة في إقامتها، والاجتماع لها في المساجد، والنهي عن التخلف عنها.
فعليكم بالاهتمام بهذه الأصول، وحمل الرعية على القيام بها على الوجه المطلوب، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن ذلك من واجبات الدين; وقد وقع من كثيرين من الناس الإخلال بالصلاة، والتهاون بها، وعدم الاجتماع لها جمعة وجماعة.
وأعظم من بلغنا عنهم الإخلال بالصلاة، وعدم الاجتماع لها في المساجد: أهل جهة الحجاز، فعندهم من ذلك ما يفوق الوصف، كما وقع من كثير منهم الإخلال بالزكاة، وعدم اعتبار ما أمر الله ورسوله باعتباره.
ومن ذلك: عدم مراعاة نصاب الزكاة، وأخذهم من
стр. 6821
القليل والكثير، وعدم الالتفات إلى الحدود الشرعية؛ فيما تجب فيه الزكاة، من الحبوب، والثمار، والمواشي، وهذا من الإعراض عما أوجب الله على عباده من العمل بالشريعة المحمدية.
ولا شك أن الذي يأخذ شيئا من المال الذي لا يبلغ النصاب، ويسميه زكاة، ويدعي أنه هو الزكاة التي أمر الله بها عباده وافترضها عليهم، أن فعل هذا من الجنايات على الشريعة، والتغيير لدين الله، وشرع دين لم يأذن به الله; وهذا مما يجب عليكم الاهتمام به، وتحذير العمال، وأمراء البلدان، من خرص شيء لا يبلغ النصاب فإن ذلك من المنكر الذي يجب إنكاره.
ومن أعظم المنكرات: اختلاط الرجال بالنساء، في البيوت، والمجالس، والأسواق، وخروج النساء بالزينة في الأسواق، والمعاملات الربوية، والكذب في البيوع، والتطفيف في المكيال والميزان، والظلم لعباد الله، والعدوان عليهم في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم.
وينبغي أن نذكر، في هذه الورقة مقادير ما تجب فيه الزكاة، من الحبوب، والثمار، والمواشي، ومقدار ما يؤخذ زكاة من الأموال المذكورة. فأما الإبل: فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه; فإذا بلغت خمسا وعشرين
стр. 6822
ففيها بنت مخاض لها سنة; فإذا بلغت ستا وثلاثين، ففيها بنت لبون لها سنتان، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة لها ثلاث سنين.
فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة لها أربع سنين; فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون، فإدا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان; فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون; ثم في كل أربعين بنت لبون; وفي كل خمسين حقة.
وأما البقر: فلا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين; فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع له سنة; وفي أربعين مسنة لها سنتان; ثم في كل ثلاثين تبيع; وفي كل أربعين مسنة.
وأما الغنم: فلا زكاة عليها حتى تبلغ الأربعين; فإذا بلغت أربعين ففيها شاة; فإذا زادت على مائة وعشرين واحدة ففيها شاتان; فإذا زادت على مائتين واحدة، ففيها ثلاث شياه; ثم في كل مائة شاة.
وأما الحبوب: فالنصاب منها مائتان وسبعون صاعا، بالصاع المعروف في بلدان نجد اليوم.
وأما التمر: فالنصاب منه أربعمائة وزنة، بالوزنة المعروفة في نجد اليوم، وأما القدر في الذي تجب زكاته: فما سقي بلا مؤونة، كالذي يسقى بالسيول والأمطار والثلج، فيجب فيه العشر، والدي يسقى بالسواني ونحوها، ففيه نصف العشر، وصلى الله على محمد.
стр. 6823
[حث النواب والأمراء على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحث على منع اختلاط الرجال بالنساء]
وقال بعضهم، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن الله بعث محمدا ﷺ رحمة لهذه الأمة، وأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة; فلا خير إلا دل عليه، ولا شر إلا حذر عنه; فعلى العباد أن يأخذوا بما أتى به نبيه ﷺ من الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] ، ومن ذلك: الأمر والنهي، اللذان بهما قوام الدين؛ وبالقيام بهما صلاح البلاد والعباد، وبإضاعتهما يكثر الخبث ويعم الفساد، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] .
فعلى نواب البلدان، الذين عينهم الإمام، وألزمهم القيام بذلك أن يعتنوا بهذا الأمر، ويقوموا به أتم القيام، ويلزم الأمراء مساعدتهم على ما ألزموا القيام به.
стр. 6824
لأن الأمر من قاعدة الحسبة، وأصلها هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ووصف به هذه الأمة، وفضلها به على سائر الأمم التي أخرجت للناس.
وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض كفاية; ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره، من ذوي الولاية، فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة.
فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن آية: ١٦] ، وقال ﵊: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ١.
فيجب على الولاة أن يأمروا العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها، ويعاقبوا من لم يصل مع الجماعة في المساجد بالضرب والحبس، ويتعاهدوا الأئمة والمؤذنين، فمن فرط منهم فيما يجب عليه من حقوق الأمة، وخروجهم عن المشروع، ألزموهم به، والاعتناء بإلزام الرعية بإقام الصلاة، وهي من أعظم كل شيء، فإنها عماد الدين، وأساسه وقاعدته.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أشد إضاعة.
стр. 6825
ويأمر بالجمع والجماعات، وأداء الأمانة، والصدق، والنصح في الأقوال والأعمال، وينهى عن الخيانة، والغش في المبايعات والصناعات، وتفقد أحوال المكاييل والموازين.
ويجب على الآمر أن يمنع النساء من الاختلاط بالرجال، في الأسواق ومجامع الرجال، كالمساجد، قال ﵊: ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء ١.
ويجب عليهم منع النساء من الخروج، متزينات متجملات متطيبات، ومنعهن من الثياب التي يكنّ بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة والرقاق، ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات.
وفي الحديث: إن المرأة إذا تطيبت، وخرجت من بيتها، فهي زانية وصح منعها إذا أصابت بخورا، أن تشهد العشاء الآخرة في المسجد، ولا ريب أن اختلاط الرجال بالنساء، هو رأس كل بلية وشر.
وقد بعث الله محمدا ﷺ رحمة وهدى للعالمين; ومما بعثه الله به: الأمر بمحق المعازف والمزامير والملاهي; وفي الحديث: إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: يا رب، اجعل لي مجلسا; قال: الأسواق ومجامع الطرق، قال: فاجعل لي مؤذنا; قال: المزمار.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أما كون المزمار
стр. 6826
مؤذنه، ففي غاية المناسبة، فإن الغناء قرآنه، والتصفيق والرقص اللذين هما المكاء والتصدية صلاته; فلا بد لهذه الصلاة من مؤذن وإمام ومأموم، فالمؤذن المزمار، والإمام المغني، والمأمومون الحاضرون.
وقال بعض العارفين: وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا أوقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها؛ ثم كثر الجهل وقلّ العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارا.
ثم ازداد الأمر حتى استزلهم الشيطان، وأسبغ عقولهم في حب اللهو وسماع الطقطقة، واعتقد أنه من الدين الذي يقرب من الله، فجاهروا به، وخالفوا الفقهاء والعلماء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] .
وقد صرح علماء الأمة بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، والضرب بالقضيب، وصرحوا أنه معصية يوجب الفسق، وترد به شهادته.
قال النووي: فإذا كان الزمر - الذي هو آلات اللهو - حراما، فكيف بما هو أشد منه، كالعود والطنبور؟ ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه أنه من شعائر الفسّاق.
стр. 6827
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول ما تعتقد وتبغض الملاهي، التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن أصوات المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بها، ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب على الماء; فالغناء يفسد القلب، فإذا فسد القلب هاج فيه النفاق.
والمقصود: أن هذه الأصوات المطربة، الحاصلة من "المحَّال"١ داخلة في مسمى المعازف والملاهي والمزامير، لأنها تصد عن ذكر الله وعن القرآن، وتجلب الغناء الذي هو قرآن الشيطان، وفعل السيئ وتقدم فعله.
والعوائد التي تخالف الشرع لا يقر الناس عليها، بل يجب إزالتها؛ والسكوت عن مثل ذلك، وعدم النهي عنه بخصوص، لا يدل على جواز فعله، ولا يقتضي عدم كراهته، لأن الدين ما شرعه الله على لسان رسوله; وبكل حال: فأصوات "المحَّال"من المحرمات بلا ريب.
وما أعظم ضرر الغفلة عن مثل ذلك وعدم النهي عنه، حتى يستحكم في أنفس الجهال، فيرون أنه من الدين، فإذا غير أنكرته طباعهم، لما في قلوبهم من الشك وعدم اليقين، كما قال النبي ﷺ : يأتي على الناس زمان تتخذ فيه البدعة سنة، فإذا غيرت، قالوا غيّرت السنة والمحتج
стр. 6828
بالعادة أو فعل متقدم، بلا دليل شرعي، فحجته باطلة لا يلتفت إليها والحق - بحمد الله - واضح لمن وفق لقبوله.
ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن; وإقامة الحدود، والأمر [بالعقوبات] واجب على ولاة الأمور، والعقوبة تكون على فعل محرم، أو ترك واجب.
فإياكم عباد الله والمداهنة في الدين، وعدم الإنكار على من خالف سبيل المؤمنين، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: والذي نفسي بيده، ليخرجن أناس من أمتي من قبورهم، في صورة القردة والخنازير لمداهنتهم في المعاصي وكفهم عن المنهي، وهم يستطيعون.
وقال ﷺ : لا يمنعن أحدكم هيبة الناس، أن يقول الحق إذا رآه، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يبعد من رزق أو كما قال.
وقال ﷺ : لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعو خياركم، فلا يستجاب لهم وقال ﷺ وإن آية سخط الله على العباد أن يسلط عليهم صبيانهم، فينهونهم فلا ينتهون.
стр. 6829
وقال علي ﵁: الجهاد ثلاثة: جهاد بيد، وجهاد بلسان، وجهاد بقلب.
فأول ما يغلب عليه من الجهاد جهاد اليد، ثم جهاد اللسان، ثم جهاد القلب؛ فإذا كان القلب لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، نكس وجعل أعلاه سافله.
وقال الحسن: لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا استووا فذلك حين هلاكهم.
وقال ﷺ : ألا أخبركم بأقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمنازلهم من الله، على منابر من نور، يعرفون؟! الذين يحببون عباد الله إلى الله، ويحببون الله إلى عباده، ويمشون في الأرض نصحا; قيل: كيف يحببون عباد الله إلى الله؟ قال يأمرونهم بما يحب الله، وينهونهم عما يكرهه الله، فإذا أطاعوهم أحبوهم.
والأحاديث والآثار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كثيرة; والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه أجمعين.
стр. 6830
[الشيخ سليمان بن سحمان يذكر الإمام عبد العزيز آل فيصل بأسماء الله وصفاته وكمال قدرته]
وقال الشيخ: سليمان بن سحمان، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل الابتلاء والامتحان طهرة وتمحيصا لأهل الإيمان، ورجزا ونقمة على أهل الظلم والطغيان، وأزال به عن قلوب أوليائه، حجاب العجب ورؤية القدرة، وأعقبهم الصبر والإيقان، فيُري عباده عزته، ويبدي لهم لطفه، لتظهر آثار الحكمة لمن له بصيرة وعرفان.
إلى حضرة محبنا وفاضلنا، ذي السعادة والسيادة، الشيخ المفضل، والرئيس المبجل، الإمام: عبد العزيز بن الإمام المكرم عبد الرحمن آل فيصل، أمده الله بالتوفيق والتسديد، وخذل كل عدو له وللإسلام من قريب أو بعيد، وأزاح عنه علل الشكوك، ورزقه الإيقان والسلوك، وألبسه لباس العز والتمكين، ونصر به شريعة سيد المرسلين، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأزكى وأشرف تحياته.
أما بعد: فإن من عرف الله بأسمائه وصفاته، وعزته وقدرته، وكمال مجده وملكه وغناه، وعرف نفسه بالنقص والعيب، والعجز والضعف، والفقر والذل، أوجب له الرضى والتسليم؛ فمقدورات الرب سبحانه وبحمده أنه حكيم عليم، ما شاء كان، وما لم يشأ لا يكون.
وأن جميع من في السماوات ومن في الأرض تحت قهره، وفي قبضته وتصرفه; فإذا أيقن العبد بذلك، انزاحت عنه العلل، وعلم أن لنفسه