← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

غير أن الناصح الداعي، والآمر الناهي، ينبغي أن يوطن نفسه على الصبر، ويثق بالثواب من الله ؛ ومن وثق بالثواب من الله، لم يجد مس الأذى، وهان عليه كل ما يلاقيه في سبيل ذلك. وحين لم يرد بعمله إلا وجه الله والدار الآخرة، فإن الله يحفظه من بأس الصائلين والمعتدين، وذلك ببركة إخلاصه وحسن مقصده وقوة توكله على الله. فإن من أخلص لله النية أثر كلامه في القلوب القاسية فلينها، وفي الألسن الذربة فقيدها، وفي يد السلطة فعقلها، ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، ١٩\٢\١٣٧٨ هـ. [رسالة من صالح الخريصي إلى من يراه من المسلمين في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] وقال الشيخ: صالح بن أحمد الخريصي، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من صالح بن أحمد الخريصي، إلى من يراه من إخواننا المسلمين وفقنا الله وإياهم لما يرضيه، وجنبنا وإياهم أسباب سخطه ومناهيه، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: تعلمون ما أوجبه الله علينا وعليكم، وعهده إلينا نبينا ﷺ من التعاون على البر والتقوى، ونصيحة بعضنا

стр. 6897

البعض، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ وبالقيام بهذه الأمور على وجهها تتم سعادتنا بالدنيا والآخرة، قال الله وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ٢٤] ، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠-٤١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٧] ، وقال ﷺ "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ١، وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ٢.

стр. 6898

فإذا بلغ الإنسان إلى غاية لا يعرف قلبه المعروف، ولا ينكر المنكر، فلا خير فيه؛ لكن هذا الواجب يختلف باختلاف درجات أهله ومنازلهم.. فعلى العلماء من واجب التبليغ والنصيحة وبذلها والقيام بواجبها ما ليس على غيرهم، فإن الله أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وأخذ عليهم أن لا يقولوا عليه إلا الحق. وعلى أهل الحسبة- وهم النواب- من الحق الواجب من القيام بما في رقابهم ما ليس على آحاد الناس؛ فإنهم مسؤولون أمام الله يوم القيامة عما استرعاهم عليه وأسند إليهم؛ والعذر منتف، والحجة قائمة، لأن الولاية بحمد الله مساعدة على حسب الحال. وعلى أئمة المساجد والمؤذنين ما ليس على غيرهم، من تفقد جماعتهم، وإرشادهم وتعليمهم، والقيام على المتخلف منهم، ورفع أمره إلى أهل الحسبة؛ فإن الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. ومن لم يقم بهذه الوظيفة على وجهها، فليتق الله وليعاف المسلمين من شره، فإن بقاءه على هذه الحالة نقص ظاهر عليه وعلى جماعته؛ كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل أحد بحسبه، والرجل مسؤول عن أهل بيته ومن تحت يده، ومسؤول عن جاره.

стр. 6899

وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم آية: ٦] ، ومعنى الآية: مروهم وانهوهم، وعلموهم وأرشدوهم، وخذوا على أيديهم، كما قال ﷺ : "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم" ١. وقال في حق الأهل والعيال: "ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأخفهم في الله " ٢ وقال: "ما نحل والد ولده" ٣ أي أعطاه عطية "أفضل من أدب حسن" ٤ وقال: "لأن يؤدب أحدكم ولده خير من أن يتصدق بصاع" ٥، وورد "أن الجار يتعلق بجاره، ويوقفه بين يدي الله ويقول: يا رب، سل هذا لما خانني؟ فيقول: يا رب ما خنته في أهل ولا مال، ويقول: رآني على ذنب كذا وكذا، فلم يأمرني ولم ينهني" معناه: رآني على فعل محظور، أو ترك مأمور. وقال ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال: أنصره إذا كان مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: "تحجزه وتمنعة من الظلم" ٦ فهذا نصره في الحقيقة، فإذا أمرته ونهيته وأدبته فقد نصرته؛ وإذا تركته فقد خنته وغششته، وتحملت تبعته يوم القيامة؛ وهو كالغريق في

стр. 6900

البحر؛ وقيامك عليه، كإخراجه وإنقاذه من الغرق؛ وسكوتك عنه كتركه غريقا سواء بسواء. فاتق الله في أخيك المسلم، وخذ على يده بكل ما تقدر عليه، من نصحه وإرشاده، وأمره ونهيه؛ ولا تدعه يفترسه الشيطان وأنت تنظر. فيا معشر العلماء، ويا أهل الحسبة، ويا معشر الأئمة والمؤذنين، ويا أهل الحل والعقد، ويا معشر المنتسبين إلى الخير، اتقوا الله في أنفسكم، وخذوا على أيدي إخوانكم، ولا تأخذكم في ذلك لومة لائم، وذودوهم عن مرتع الهلكة، فليس هذا زمن الإحجام والتأخر، بل هذا زمن الإقدام والتقدم، وأعدوا للسؤال جوابا، وللجواب صوابا. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٥] ، واحذروا ما جرى على الأمم الماضية، والقرون الخالية، من العقوبات والمثلات، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة هود آية: ١٠٢] . ولا يغرنكم ما بسط عليكم من النعم التي لا يحصيها عدد، ولا ينهيها أمد، من صحة الأبدان، وأمن في الأوطان، وبسط في الرزق وخفض في العيش؛ فإنها إذا لم تكن على استقامة، سريعة الذهاب، وشيكة التغير والانقلاب.

стр. 6901

وما أخذ قوم إلا عند سلوتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، قال الله ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٤] . فاستجلبوا نعم الله واستديموها بالقيام بما أوجب عليكم، واستدفعوا نقمه بذلك؛ فإنها ما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل ذلك، قال الله تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٥] . وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود آية: ١١٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] ، فإذا غيروا غير عليهم جزاء وفاقا؛ وما ربك بظلام للعبيد. وقد ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده، إن المعروف والمنكر خليقتان تنصبان للناس يوم القيامة، فأما المعروف فيبشر أصحابه ويعدهم الخير، وأما المنكر فيقول: إليكم إليكم، وما يستطيعون له إلا لزوما" ١ رواه أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان. وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه سيصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم شدائد، لا ينجو

стр. 6902

منها إلا رجل عرف دين الله، فجاهد عليه بلسانه ويده". وتعلمون أن هذا الواجب لا يسقط عن أحد، ولو كان من أعبد الناس؛ بل لا تنفعه عبادته إلا بقيامه بهذا الواجب العظيم، كما في حديث جابر، أن النبي ﷺ قال: "أوحى الله إلى جبريل أن أقلب مدينة كذا وكذا بأهلها، فقال يا رب: إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين، فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة". وعن عدي بن عدي الكندي، قال: حدثنا مولى لنا، أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله العامة والخاصة" ١ رواه في شرح السنة. وذلك أن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة والخاصة؛ وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح. ومن أعظم المعروف الذي ينبغي الأمر به والتحريض عليه: الصلاة في جماعة؛ فإن كثيرا من الناس استخف بها، ولم يبال بها، ومعلوم أن التخلف عنها عظيمة من العظائم؛ ولولا أنه عظيمة لما هم النبي ﷺ بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة بالنار. وقال ابن مسعود ﵁: "ولقد رأيتنا وما يتخلف

стр. 6903

عنها إلا منافع معلوم النفاق"، وقال عمر ﵁: "ما بال أقوام يتخلفون عن الصلاة جماعة، فيتخلف بتخلفهم آخرون، ليحضرن المسجد أو لأبعثن إليهم من يجافي رقابهم، ثم قال ﵁: احضروا الصلاة، احضروا الصلاة، احضروا الصلاة) . فاتقوا الله عباد الله، وأمروا بالصلاة جماعة، وانهوا من تخلف عنها، فإن لم تفعلوا تكونوا آثمين، ومن أوزارهم غير سالمين. [وصية عبد الله بن سليمان بن حميد إلى المسلمين بتقوى الله] وقال الشيخ: عبد الله بن سليمان بن حميد، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن سليمان بن حميد، إلى من يراه ويسمعه من إخواننا المسلمين، سلك الله بنا وبهم طريق أهل السعادة، وجنب الجميع أسباب الشقاوة، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: تعلمون أن من الواجب علينا لكم، النصيحة، والذكرى تنفع المؤمنين؛ فنوصيكم بوصية الله لعباده وهي: التقوى، ومراقبة الله في السر والعلانية، والشكر لنعمه والصبر على بلائه، والاستغفار عند مخالفة أمره؛ فإن هذه الأمور إذا رزقها العبد عنوان سعادته. والتقوى، هي: فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه،

стр. 6904

وقوام التقوى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة آية: ٢] وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] . وقال ﷺ "من رأى منكرا فليغيره بيده.." ١ الحديث، وقال: "يا أيها الناس، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وتستغفروه فلا يغفر لكم" ٢. والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، وكلها تدل بمنطوقها ومفهومها، أنه يتعين على كل مسلم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومساعدة من قام به، كل على حسب حاله. فتارك إنكار المنكر، مع القدرة على إنكاره، كمرتكبه؛ وهو من الفاسقين، الداخلين في الوعيد؟ وبالتعاون على إنكار المنكر، يقوم الدين، ويتم الخير، وتستقر النعم، وتبقى الآداب والأخلاق الفاضلة؛ وبتركه ومداهنة أهله، ينتشر الفساد، ويظهر الفجور، فتعم العقوبة، والعياذ بالله من غضبه. ومما يجب الاهتمام به على الجميع: معرفة دين الإسلام؛ فأصل كل بلاء وفساد، هو: الجهل بالدين والإعراض عن تعلمه، وأكثر الناس وإن تكلموا بالشهادتين لفظا، فقد جهلوها معنى.

стр. 6905

فيجب على الناصح لنفسه أن يتعلم ما يعرف به ربه، ودينه، ونبيه محمدا ﷺ ويؤدي به عبادته، ويصحح به معاملته؛ وهذا أمر واجب، لا عذر لأحد بجهله، والله يقول: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٢] . ومما يجب الاهتمام به: الصلاة، فهي عمود الإسلام، وآكد أركانه بعد الشهادتين، ومن تركها فقد كفر، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع؛ وهي آخر ما يفقد من الدين، ولا عذر لأحد في التخلف عن صلاة الجماعة في المسجد إلا من عذر الله. لقوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وجار المسجد، هو الذي يسمع النداء. وقد هم ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة بالنار؛ ولم يرخص في ترك الجماعة، ولا لأعمى بعيد الدار، وليس له قائد، وبينه وبين المسجد واد كثير السباع والهوام. وقد شرعت صلاة الجماعة مع الخوف، وحضور العدو وقتاله؛ وكثير من الناس يتهاونون بصلاة الجماعة، ولا يبالون بحضورها مع فراغهم وصحتهم، كسلا وعدم رغبة في الخير؛ فيجب الإنكار على هؤلاء، وتأديبهم إذا لم تنفع فيهم النصيحة. ومما يجب في الصلاة: إتمام الركوع والسجود،

стр. 6906

والطمأنينة في جميع أركانها، وعدم مسابقة المأموم لإمامه؛ ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وهي: أم القرآن. وكثير من الأئمة والمأمومين لا يحسنون قراءة الفاتحة، ويحرفونها؛ ومن حرف معانيها بطلت صلاته. فتنبهوا لهذا، وتعلموا ما يجب عليكم في صلاتكم؛ فمن قبلت صلاتة قبل سائر عمله؛ ومن ردت صلاته رد سائر عمله. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [فصل في تعاون المسؤلين مع أهل الحسبة] فصل ومن تعاون المسؤولين مع أهل الحسبة: ما جاء في خطاب رئيس مجلس الوزراء في ٢٨/ ١٢/ ١٣٨٥ هـ المبلغ بخطاب رئيس الحرس الوطني بتاريخ ٧/١/ ١٣٨٦ هـ إلى وزير الإعلام وهذا نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صاحب المعالي وزير الإعلام، تقدم بعض الغيورين على عقيدتهم وبلادهم بملاحظات حول ما يكتب في الصحف، ويذاع في الإذاعة، وأنه في حاجة إلى الإصلاح، طبق ما يساير نهضتنا الإسلامية؛ وأشاروا إلى وجود دور للسينماء وأن الناس أقبلوا عليها، رغم أن بعض ما يعرض فيها سموم قاتلة، وكثير من الكتب الداعية إلى الإباحية والإلحاد، بالمكتبات،

стр. 6907

وقد أقبل الشباب عليها بصورة مرعبة. كما أن بعض المدرسين يتكاسلون عن أداء الصلاة، والأسواق مليئة بالبائعين في أوقات الصلاة. وأشاروا إلى وجود تبرج في الأسواق، وأن ذلك دعوة جريئة، وتحريض على التآمر والتقليد، ولأن ذلك إن صح وقوعه فإنه يستدعي النظر. لذلك نرى أن على كل جهة أن تقوم بواجبها فيما يخصها، وملاحظة منع السفور والتبرج، مع أخذ تعهد على كل شخص يتم التعاقد معه، باحترام أنظمة البلاد وتقاليدها؛ كما يجب تدعيم الرقابة على الكتب بمفتشين؛ من كبار طلبة العلم الموثوقين، ممن اتسعت آفاقهم، وصحت مداركهم، وأن لا يذاع أو ينشر في الصحف إلا ما يتفق عليه أنظمتنا وعقيدتنا وتقاليدنا. أما السينماء فلا يسمح لذويها بعرضها في أماكن عامة مطلقا، ومن يقبض عليه يجازى بمصادرة الآلة والأفلام، والسجن والجلد؛ وقد زودت جميع الوزارات والإدارات بصورة من هذا التنبيه على الموظفين بأداء الصلاة في أوقاتها جماعة. انتهى. فيصل بن عبد العزيز رئيس مجلس الوزراء.

стр. 6908

[الباب الثاني في تحريم التتن بأنواعه] الباب الثاني: تحريم التتن بأنواعه وغيره، وقد كثر استعماله في هذا العصر، حتى استعمله بعض صبيان المدارس تبعا لمعلميهم من أهل الخارج، فعسى الله أن يمنع أهل الإسلام من هذه الرذيلة المضرة بالدين والبدن وغيرهما، ويوفق علماء المسلمين مع ولاة الأمر على منعه من الخارج، وأن لا يزرع في المملكة؛ فهم سُراة الإسلام، وحماته، وإليك نصائحهم في ذلك. [فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم في تحريم التتن وذكر الأدلة وكلام العلماء] قال الشيخ: محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ﵀ ١. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فقد سئلت عن حكم التنباك الذي أولع بشربه كثير من الجهال والسفهاء، مما يعلم كل أحد تحريمنا إياه، نحن ومشائخنا ومشائخ مشائخنا ومشائخهم، وكافة المحققين من أئمة الدعوة النجدية، وسائر المحققين سواهم من العلماء في عامة الأمصار، من لدن وجوده بعد الألف بعشرة أعوام أو نحوها حتى يومنا هذا، استنادا على الأصول الشرعية والقواعد المرعية.

стр. 6909

وكنت رأيت عدم إجابة السائل لذلك، لكن نظرا إلى أن للسائل حقا، وإلى فشو تعاطي هذا الخبيث بما لا يخطر على البال، آثرت الجواب على ذلك. فأقول: لا ريب في خبث الدخان ونتنه، وإسكاره أحيانا وتفتيره، وتحريمه بالنقل الصحيح، والعقل الصريح، وكلام الأطباء المعتبرين. أما النقل الصحيح فقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] . وفي الصحيح عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" ١، ولمسلم: "وكل مسكر حرام" ٢، وروى أبو داود والترمذي وحسنه، عن عائشة موفوعا: "كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام" ٣. وكل من الآية الكريمة، والأحاديث الصحيحة دال على تحريمه، فإنه خبيث، مسكر تارة ومفتر أخرى؛ لا يماري في ذلك إلا مكابر للحس والواقع. ولا ريب أيضا في إفادتها تحريم ما عداه من المسكرات والمفترات. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أم سلمة ﵂، قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل

стр. 6910

مسكر ومفتر" ١. قال الحافظ الزين العراقي: إسناده صحيح، وصححه السيوطي في الجامع الصغير. وفيه من إضاعة المال، واستهلاك المبالغ الطائلة المسببة لضلع الدِّين، الحامل على بيع كثير من ضروريات الحياة في هذا السبيل، ما لا يسع أحدا إنكاره، وفي الصحيحين عن النبي عليه أنه قال: "إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات. وكره لكم: قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال" ٢. يوضحه ما سنذكره من كلام العلماء، من أرباب المذاهب الأربعة: فممن ذكر تحريمه من فقهاء الحنفية: الشيخ محمد العيني، ذكر في رسالته تحريم التدخين، من أربعة أوجه. أحدها: كونه مضرا للصحة، بإخبار الأطباء المعتبرين؛ وكل ما كان كذلك يحرم استعماله اتفاقا. ثانيها: كونه من المخدرات المتفق عليها عندهم، المنهي عن استعمالها شرعا، لحديث أحمد عن أم سلمة: (نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر) ، وهو مفتر باتفاق الأطباء؛ وكلامهم حجة في ذلك وأمثاله، باتفاق الفقهاء سلفا وخلفا. ثالثها: كون رائحته الكريهة تؤذي الناس الذين لا

стр. 6911

يستعملونه، وعلى الخصوص في مجامع الصلاة ونحوها؛ بل وتؤذي الملائكة المكرمين. وقد روى الشيخان في صحيحيهما، عن جابر مرفوعا: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته" ١ ومعلوم: أن رائحة التدخين ليس أقل كراهية من رائحة الثوم والبصل. وفي الصحيحين أيضا عن جابر ﵁ أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس ; وفي الحديث عنه ﵊، أنه قال: "من آذى مسلما فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله" رواه الطبراني في الأوسط، عن أنس ﵁ بإسناد حسن. رابعا: كونه سرفا، إذ ليس فيه نفع مباح خال عن الضرر، بل فيه الضرر المحقق، بإخبار أهل الخبرة، ومنهم أبو الحسن المصري الحنفي قال ما نصه: الآثار النقلية الصحيحة، والدلائل العقلية الصريحة، تعلن بتحريم الدخان. وكان حدوثه في حدود الألف، وأول خروجه بأرض اليهود والنصارى والمجوس. وأتى به رجل يهودي، يزعم أنه حكيم، إلى أرض المغرب، ودعا الناس إليه. وأول من جلبه إلى البر الرومي رجل اسمه "الانكلين" من النصارى، وأول من أخرجه ببلاد السودان المجوس، ثم جلب إلى مصر والحجاز، وسائر الأقطار.

стр. 6912

وقد نهى الله عن كل مسكر، وإن قيل إنه لا يسكر فهو يخدر ويفتر أعضاء شاربه، الباطنة والظاهرة، والمراد بالإسكار: مطلق تغطية العقل، وإن لم تكن معه الشدة المطربة. ولا ريب أنها حاصلة لمن يتعاطاه أول مرة، وإن لم يسلم أنه يسكر فهو يخدر ويفتر. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ " (نهى عن كل مسكر ومفتر" ١. قال العلماء: المفتر ما يورث الفتور والخدور في الأطراف، وحسبك بهذا الحديث دليلا على تحريمه؛ وأنه يضر بالبدن والروح، ويفسد القلب، ويضعف القوى، ويغير اللون بالصفرة. والأطباء مجمعون على أنه مضر، ويضر بالبدن والمروءة والعرض والمال، لأن فيه التشبه بالفسقة، لأنه لا يشربه غالبا إلا الفساق، والأنذال، ورائحة فم شاربه خبيثة. ومن فقهاء الحنابلة: الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قدس الله أرواحهم، قال في أثناء جوابه على التنباك، ما نصه: وبما ذكرنا من كلام رسول الله ﷺ وكلام أهل العلم، يتبين لك تحريم "التتن" الذي كثر في هذا الزمان استعماله. وصح بالتواتر عندنا والمشاهدة إسكاره في بعض الأوقات، خصوصا إذا أكثر منه، أو تركه يوما أو يومين لا يشربه ثم شربه، فإنه يسكر ويزيل العقل، حتى إن صاحبه

стр. 6913

يحدث عند الناس، ولا يشعر بذلك، نعوذ بالله من الخزي وسوء البأس. فلا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر: أن يلتفت إلى قول أحد من الناس، إذا تبين له كلام الله، وكلام رسوله، في مثله من المسائل؛ وذلك لأن الشهادة بأنه رسول الله تقتضي طاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر. [جواب الشيخ أبا بطين عن التنباك] وأجاب الشيخ: عبد الله أبا بطين ﵀، عن التنباك بقوله: الذي نرى فيه التحريم لعلتين: إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدة ثم شربه، وإن لم يحصل إسكار، حصل تخدير وتفتير، وروى الإمام أحمد حديثا مرفوعا أنه ﷺ "نهى عن كل مسكر ومفتر" ١. والعلة الثانية: أنه منتن مستخبث عند من لم يعتده، واحتج العلماء بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] . وأما من ألفه واعتاده فلا يرى خبثه، كالجعل لا يستخبث العذرة. ومن فقهاء الشافعية: الشيخ الشهير بالنجم الغزي الشافعي، قال ما نصه: والتوتون الذي حدث، وكان حدوثه بدمشق سنة خمس عشرة بعد الألف، يدعي شاربه أنه لا يسكر، وإن سلم له فإنه مفتر؛ وهو حرام، لحديث أحمد بسنده عن أم سلمة، قالت: (نهى رسوله الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر) .

стр. 6914

قال: وليس من الكبائر تناوله المرة أو المرتين، بل الإصرار عليه يكون كبيرة كسائر الكبائر. وقد ذكر بعض العلماء أن الصغيرة تعطى حكم الكبيرة بواحد من خمسة أشياء؟ أحدها: الإصرار عليها. والثانية: التهاون بها، وهو الاستخفاف وعدم المبالاة بفعلها، والثالثة: الفرح والسرور بها. والرابعة: التفاخر بها بين الناس. والخامسة: صدورها من عالم، أو ممن يقتدى به. وأجاب الشيخ خالد بن أحمد من فقهاء المالكية بقوله: لا تجوز إمامة من يشرب التنباك، ولا يجوز الاتجار به ولا بما يسكر. وممن حرم الدخان ونهى عنه من علماء مصر: الشيخ أحمد السنهوري الحنبلي، وشيخ المالكية إبراهيم اللقاني؛ ومن علماء المغرب: أبو الغيث القشاش المالكي؛ ومن علماء اليمن إبراهيم بن جمعان، وتلميذه أبو بكر الأهدل؛ ومن علماء الحرمين المحقق عبد الملك العصامي، وتلميذه محمد بن علان شارح رياض الصالحين، والسيد عمر البصري. وفي الديار الرومية الشيخ: محمد خواجة، وعيسى الشهادي الحنفي؛ ومكي بن فروخ; والسيد سعد البلخي المدني، ومحمد البرزنجي المدني الشافعي، وقال: رأيت من يتعاطاه عند النزع، يقولون له قل: لا إله إلا الله،

стр. 6915

فيقول: هذا تتن حار. كل هؤلاء من علماء الأمة وأكابر الأئمة أفتوا بتحريمه، ونهوا عنه وعن تعاطيه. وأما العقل الصريح: فلما علم بالتواتر والتجربة والمشاهدة، ما يترتب على شاربه غالبا، من الضرر في صحته وجسمه وعقله، وقد شوهد موت وغشي وأمراض عسرة كالسعال المؤدي إلى مرض السل الرئوي، ومرض القلب والموت بالسكتة القلبية، وتقلص الأوعية الدموية بالأطراف وغير ذلك، مما يحصل به القطع العقلي أن تعاطيه حرام. فإن العقل الصريح يقضي ولا بد بتعاطي أسباب الصحة والحصول على المنافع، كما يقضي حتما بالامتناع من أسباب المضار والمهالك، والمبالغة في مباعدتها، لا يرتاب في ذلك ذو لب البتة. ولا عبرة بمن استولت الشبهة والشهوة، على أداة عقله، فاسعتبدته وأولعته بالأوهام والخيالات، حتى بقي أسيرا لهواه مجانبا أسباب رشده وهداه. وأما كلام الأطباء، فإن الحكماء الأقدمين مجمعون على التحذير من ثلاثة أشياء، ومتفقون على ضررها. أحدها: النتن، وهو: الروائح المستخبثة بجميع أجناسها وأنواعها؟ الثاني: الغبار، الثالث: الدخان، وكتبهم طافحة بذلك.

стр. 6916

وأما المتأخرون منهم، الذين أدركوا هذه الشجرة الخبيثة، فنلخص ما ذكروه من أضراره، وما اشتمل عليه من الأجزاء، والعناصر التي نشأت عنها أضراره الفتاكة. وهذا ملخص ما ذكروه: قالوا: هو نبات حشيشي مخدر، مر الطعم، وبعد التحقيق والتجربة، ظهر أن التبغ بنوعيه: التوتون، والتنباك، من الفصيلة الباذنجانية، التي تشتمل على أشر النباتات السامة، كالبلادونا، والبرش والبنج، وهما مركبان من أملاح البوتاس، والنوشادر، ومنه مادة صمغية، ومادة حريفة تسمى "نيكوتين" قالوا: وهي من أشد السموم فعلا. وله استعمالات، أحدها: استعماله استنشاقا بالفم، وهو أقبح استعمالاته وأشدها ضررا، وهو من المخدرات القوية، فتسري مواده السامة في الأمعاء سريعا، وتحدث تأثيرا قويا في الأعصاب البدنية. والثانية: استعماله استنشاقا مسحوقا مع أجزاء منبهة وهو مضر أيضا لاحتوائه على مواد سامة. والثالث: استعماله تدخينا من طريق السيجارة وهي أعظم أدوات التدخين، لأن الدخان يصل إلى الفم حارا، ومن طريق النارجيلة، والقصبة المعروفة بالغليون. وقد أثبت الأطباء له مضارا عظيمة، وقالوا: إنها تكمن في الجسم أولا، ثم تظهر فيه تدريجيا؛ وذكروا أن الدخان

стр. 6917

الذي يتصاعد عن أوراق التبغ المحترقة، يحتوي على كمية وافرة من المادة السامة، هي "النيكوتين"؛ فإذا دخل الفم والرئتين، أثر فيهما تأثيرا موضعيا وعموميا، لأنه عند دخوله الفم، تؤثر المادة الحريفة السامة التي فيه، في الغشاء المخاطي، فتهيجه تهييجا قويا، وتسيل منه كمية زائدة من اللعاب، وتغير تركيبه الكيماوي بعض التغير، بحيث تقلل فعله في هضم الطعام، وكذلك تفعل في مفرز المعدة، كما فعلت في مفرز الفم فيحصل حينئذ عسر الهضم. وعند وصول الدخان إلى الرئتين، على طريق الحنجرة، تؤثر فيهما المادة الحريفة، فتزيد مفرزهما، وتحدث فيهما التهابا قويا مزمنا، فتهيج السعال حينئذ لإخراج ذلك المفرز الغزير، الذي هو: البلغم، ويتسبب عن ذلك تعطيل الشرايين الصدرية، وعروض أمراض صدرية يتعذر البرء منها. وما يجتمع على باطن القصبة من آثار التدخين الكريهة الرائحة، يجتمع مثله على القلب، فيضغط على فتحاته، ويصد عنه الهواء، فيحصل حينئذ عسر التنفس، وتضعف المعدة، ويقل هضم الطعام، ويحصل عند المباشر له الذي لم يعتده دوار، وغثيان، وقيء، وصداع، وارتخاء العضلات- وهي الأعصاب- ثم سبات، وهي: كناية عن حالة التخدير، الذي هو من لوازم التبغ المتفق عليه، وذلك لما يحويه من المادة السامة. ومن اعتاده حصل عنده من فساد الذوق، وعسر

стр. 6918

الهضم، وقلة القابلية للطعام، ما لا يخفى. والإكثار منه يفضي إلى الهلاك، إما تدريجا، وإلا في الحال، كما وقع لأخوين تراهنا على أيهما يدخن أكثر من الآخر، فمات أحدهما قبل السيجارة السابعة عشرة، ومات الآخر قبل أن يتم الثامنة عشرة. ومن مضاره: تخريب كريات الدم، وتأثيره على القلب بتشويش انتظام ضرباته، ومعارضته القوية لشهية الطعام، وانحطاط القوة العصبية عامة، ويظهر هذا بالخدور، والدوار، الذي يحدث عقب استعماله لمن لم يألفه. ويحكي الأستاذ مصطفى الحماصي عن نفسه مرة أنه قال: كنت أمشي يوما مع أحد طلبة العلم، فعرج على بائع دخان اشترى منه سيجارتين، أشعل إحداهما، وأقسم علي يمينا غليظا، أن آخذها منه وأستعملها. قال: فتناولت السيجارة أجذب في دخانها وأنفخه من فمي، دون أن يتجاوز الفم للداخل، رأى هو ذلك، فقال: ابتلع ما تجذبه، فإن قسمي على هذا. لم أمانع وفعلت ما قال نفسا واحدا، والله ما زدت عليه، وإذ دارت الأرض حولي دورة، تشبه دورة المغزل، فبادرت إلى الجلوس على الأرض، وظننت بنفسي أني انتهيت، وظننت بصاحبي الظنون. وبكل تعب وصلت إلى بيتي وأنا راكب، وهو معي يحافظ علي، وبعد ذلك مكثت

стр. 6919

إلى آخر اليوم التالي تقريبا، حتى أحسست بخفة ما كنت أجده. فحكيت هذا لكثير من الناس، أستكشف ما كان يخبو لي في السيجارة؛ فأخبروني أن الدخان يعمل هذا العمل، في كل من لم يعتده، فقلت إذا كان نفس واحد فعل بي كل هذا، فماذا تفعله الأنفاس التي لا تعد، كل يوم يجتذبها معتاد الدخان، خصوصا المكثر منه؟ اهـ. ومنها: إحداث الجنون المعروف بالتوتوني، وهو أن من يتركه بعد استعماله، يختل نظام سيره في أعماله وأشغاله حتى يدخنه، فإذا دخنه سكن حاله. وقد ذكر جمع من أكابر العلماء وجهابذة الأطباء، أن من العقل فضلا عن الشرع، وجوب اجتناب التدخين حفظا للصحة، ودفعا لدواعي الضعف، الجالب للهلاك والدمار، وخصوصا ضعيف البنية، وكبير السن الذي ليست عنده قوة لمكافحة الأمراض، وأصحاب المزاج البلغمي. ولذلك يتركه كثير من الناس، خوفا من ضرره، وكراهية لرائحته، وقد يعلقون طلاق نسائهم على العود إليه، يريدون بذلك تركة نهائيا، فإذا حمل إليهم وقت الحاجة إليه، لم يستطيعوا الإعراض عنه أبدا، بل يقبلون عليه بكلياتهم كل الإقبال، ولو طلقت نساؤهم. فله سلطان عظيم على عاشقيه، وتأثير على العقل،

стр. 6920

وذلك أن شاربه يفزع إلى شربه إذا نزل به مكدر، فيتسلى ويذهل العقل بعض الذهول، فيخف حزنه، والله أعلم، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى الله وصحبه وسلم. قال ذلك وأملاه ﵀ في ٤/٦ / سنة ١٣٨٣هـ. [جواب الشيخ السعدي عن حكم شرب الدخان والإتجار به] وسئل الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمة الله، عن حكم شرب الدخان والإتجار به؟ فأجاب: أما الدخان، شربه، والاتجار به، والإعانة على ذلك، فهو حرام؛ لا يحل لمسلم تعاطيه شربا، واستعمالا، واتجارا؛ وعلى من كان يتعاطاه أن يتوب إلى الله توبة نصوحا، كما يجب عليه أن يتوب من جميع الذنوب. وذلك أنه داخل في عموم النصوص الدالة على التحريم، داخل في لفظها العام، وفي معناها، وذلك لمضاره الدينية، والبدنية، والمالية، التي يكفي بعضها في الحكم بتحريمه، فكيف إذا اجتمعت؟ أما مضاره الدينية، ودلالة النصوص على منعه وتحريمه، فمن وجوه كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] وقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٥] وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ

стр. 6921

إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٢٩] . فهذه الآيات وما أشبهها حرم الله بها كل خبيث أو ضار؛ فكل ما يستخبث أو يضر فإنه لا يحل؛ والخبث والضرر يتعرف بآثاره، وما يترتب عليه من المفاسد. فهذا الدخان له مفاسد وأضرار كثيرة محسوسة، كل أحد يعرفها؛ وأهله من أعرف الناس بها، ولكن إراداتهم ضعيفة، ونفوسهم تغلبهم، مع شعورهم بالضرر؛ وقد قال العلماء: يحرم كل طعام أو شراب فيه مضرة. ومن مضاره الدينية: أنه يثقل على العبد العبادات، والقيام بالمأمورات، خصوصا الصيام، وما كره العبد للخير فإنه شر؛ وكذلك يدعو إلى مخالطة الأراذل، ويزهد في مجالس الأخيار كما هو مشاهد؛ وهذا من أعظم النقائص، أن يكون العبد مؤالفا للأشرار، متباعدا عن الأخيار. ويترتب على ذلك: العداوة لأهل الخير والبغض لهم، والقدح فيهم، والزهد في طريقهم، ومتى ابتلي به الصغار والشباب سقطوا بالمرة، ودخلوا في مداخل قبيحة، وكان ذلك عنوانا على سقوط أخلاقهم؛ فهو باب لشرور كثيرة، فضلا عن ضرره الذاتي. وأما أضراره البدنية فكثيرة جدا، فإنه يوهن القوة ويضعفها، ويضعف البصر؛ وله سريان ونفوذ في البدن والعروق، فيوهن القوى، ويمنع الانتفاع الكلي بالغذاء، ومتى اجتمع الأمران اشتد الخطر وعظم البلاء.

стр. 6922

ومنها: إضعاف القلب، واضطراب الأعصاب، وفقد شهية الطعام، ومنها: السعال، والنزلات الشديدة، التي ربما أدت إلى الاختناق، وضيق التنفس؛ فكم له من قتيل أو مشرف على الهلاك. وقد قرر غير واحد من الأطباء المعتبرين أن لشرب الدخان الأثر الأكبر في الأمراض الصدرية، وهي: السل وتوابعه، وله أثر محسوس في مرض السرطان؛ وهذه من أخطر الأمراض وأصعبها. فيا عجبا لعاقل حريص على حفظ صحته، وهو مقيم على شربه، مع مشاهدة هذه الأضرار أو بعضها؟ ! فكم تلف بسببه خلق كثير! وكم تعرض منهم لأكثر من ذلك! وكم قويت بسببة الأمراض البسيطة حتى عظمت، وعز على الأطباء دواؤها! وكم أسرع بصاحبه إلى الانحطاط السريع من قوته وصحته!. ومن العجب أن كثيرا من الناس يتقيدون بإرشادات الأطباء في الأمور التي هي دون ذلك بكثير، فيكف يتهاونون بهذا الأمر الخطير؟ ! ذلك لغلبة الهوى، واستيلاء النفس على إرادة الإنسان، وضعف إرادته عن مقاومتها، وتقديم العادات على ما تعلم مضرته. ولا تستغرب حالة كثير من الأطباء الذين يدخنون، وهم يعترفون بلسان حالهم، أو لسان مقالهم بمضرته الطبية، فإن العادات تسيطر على عقل صاحبها وعلى إرادته، ويشعر كثيرا أو أحيانا بالمضرة، وهو مقيم على ما يضره.

стр. 6923

وهذه المضار التي أشرنا إليها إشارة، مع ما فيه من تسويد الفم، والشفتين، والأسنان، وسرعة بلائها وتحطمها وتآكلها بالسوس، وانهيار الفم والبلعوم، ومداخل الطعام والشراب، حتى يجعلها كاللحم المنهار المحترق، تتألم مما لا يتألم منه. وكثير من أمراض الالتهابات ناشئة عنه، ومن تتبع مضاره، وجدها أكثر مما ذكرنا. وأما مضاره المالية: فقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال، وأي إضاعة أبلغ من حرقه في هذا الدخان، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا نفع فيه بوجه من الوجوه؛ حتى إن كثيرا من المنهمكين فيه، يغرمون فيه الأموال الكثيرة، وربما تركوا ما يجب عليهم من النفقات الواجبة؛ وهذا انحراف عظيم، وضرر جسيم، فصرف المال في الأمور التي لا نفع فيها منهي عنه، فكيف بصرفه بشيء محقق ضرره؟! ولما كان الدخان بهذه المثابة: مضر بالدين، والبدن، والمال، كانت التجارة فيه محرمة، وتجارته بائرة غير رابحة. وقد شاهد الناس أن كل متجر فيه، وإن استدرج ونما له المال في وقت ما، فإنه يبتلى بالقلة في آخر أمره، ويكون عواقبه وخيمة. ثم إن النجديين- ولله الحمد- جميع علمائهم متفقون على تحريمه ومنعه، والعوام تبع للعلماء؛ فلا يسوغ ولا يحل

стр. 6924

للعوام أن يتبعوا الهوى، ويتأولوا، ويتعللوا أنه يوجد من علماء الأمصار من يحلله ولا يحرمه؛ فإن هذا التأويل من العوام لا يحل باتفاق العلماء، فإن العوام تبع لعلمائهم، ليسوا مستقلين. وليس لهم أن يخرجوا عن أقوال علمائهم، وهذا واجبهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] . وما نظير هذا التأويل الفاسد الجاري على ألسنة بعض العوام- اتباعا للهوى، لا اتباعا للحق والهدى- إلا كما لو قال بعضهم: يوجد بعض علماء الأمصار لا يوجبون الطمأنينة في الصلاة، فلا تنكروا علينا إذا اتبعناهم، أو يوجد من يبيح ربا الفضل، فلنا أن نتبعهم، أو يوجد من لا يحرم أكل ذوات المخالب من الطير، فلنا أن نتبعهم. ولو فتح هذا الباب، فتح على الناس شر كبير، وصار سببا لانحلال العوام عن دينهم؛ وكل أحد يعرف أن تتبع مثل هذه الأقوال المخالفة لما دلت عليه الأدلة الشرعية، ولما عليه أهل العلم، من الأمور التي لا تحل ولا تجوز. والميزان الحقيقي هو: ما دلت عليه أصول الشرع وقواعده؛ وقد دلت على تحريم الدخان، لما يترتب عليه من المفاسد والمضار المتنوعة. وكل أمر فيه ضرر على العبد في دينه أو بدنه أو ماله، من غير نفع، فهو محرم، فكيف إذا تنوعت المفاسد، وتجمعت؟ ! أليس من المتعين شرعا وعقلا وطبا، تركه والتحذير منه، ونصيحة من يقبل النصيحة؟

стр. 6925

فالواجب: على من نصح نفسه، وصار لها عنده قدر، وقيمة، أن يتوب إلى الله عن شربه، ويعزم عزما جازما، مقرونا بالاستعانة بالله، لا تردد فيه ولا ضعف عزيمة، فإن من فعل ذلك أعانه الله على تركه، وهون عليه ذلك. ومما يهون عليه الأمر، أن يعرف أن من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه. وكما أن ثواب الطاعة الشاقة، أعظم مما لا مشقة فيه، فكذلك ثواب تارك المعصية إذا شق عليه الأمر وصعب، أعظم أجرا، وأعظم ثوابا. فمن وفقه الله وأعانه على ترك الدخان، فإنه يجد المشقة في أول الأمر، ثم لا يزال يسلو شيئا فشيئا، حتى يتم الله عليه نعمته، فيغتبط بفضل الله عليه، وحفظه وإعانته، وينصح إخوانه بما ينصح به نفسه، والتوفيق بيد الله. ومن علم الله من قلبه صدق النية، في طلب ما عنده، بفعل المأمورات، وترك المحظورات، يسره لليسرى، وجنبه العسرى، وسهل له طرق الخير كلها. فنسأل الله الذي بيده أزمة الأمور أن يأخذ بنواصينا، ونواصي إخواننا إلى الخير، وأن يحفظنا وإياهم من الشر، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. كتبها ﵀ سنة ١٣٧٦هـ وقد طبعت مفردة، وانتشرت والحمد لله.

стр. 6926

[قول الشيخ إبراهيم بن عبد الباقي ١ خطران يهددان الأمم الإسلامية] وقال الشيخ: إبراهيم بن عبد الباقي: خطران يهددان الأمم الإسلامية ليس شيء أدعى إلى الشجن، وأحس بالأسف، من تلك الموجات العاتية، التي انحدرت من الغرب إلى الشرق، من انحلال في الأخلاق، وولوغ في الفساد، وجحود ما كان لأمتنا من مجد تليد، وشرف رفيع، وحياة كلها حشمة ووقار، وعفة وإباء. فلقد دخل الأجانب بلادنا ضيوفا، فاستعمروها باسم الإصلاح، ونشروا المجون والفسوق باسم الحريات، وشيدوا المراقص والملاهي باسم الترفية عن الأجسام، وأحلوا الربا باسم الاقتصاد، حتى انحلت أخلاق الأمة، وعم الفساد في الأسرة، وانتشر الوباء في المجتمع، فتبدلت سعادتها شقاء، ورخاؤها تعاسة. ولم يكفهم هذا كله، بل جلبوا إلينا الخمور والمخدرات، التي قضت على الشباب والكهول والشيوخ، وزينوها لهم؛ حتى عم خطرها في كل مجتمع وناد، وأصبحوا لا غنى لهم عنها في مجالسهم ومحافلهم؛ فأضرت بصحتهم، وأضعفت عزيمتهم، وأوهنت قوتهم، وأسقطت كرامتهم.

стр. 6927

وبددت ثروتهم إلى جيوب تجار المواد السامة، غنيمة باردة، ولقمة سائغة. فكم من أسرة كانت ناعمة البال، قريرة العين، رغيدة العيش، متقلبة في أعطاف النعيم، أصبحت في ذل وشقاء، وفقر وإملاق، من جراء هذا الوباء! ولو كنا ممن ينتفع بالذكريات، ويستفيد من العظات، لأخذنا حذرنا، وأمنا مكرهم، وظفرنا بما لهم من علوم، وما استفادوا من حضارة، وضع أساسها، ورفع قواعدها، الإسلام في الأندلس. ولكننا- ويا للأسف- أحسنا الظن بهم في العهود الغابرة، وعمينا عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٨] , فوقعنا في محنة لا زلنا نتجرع غصصها، ونتذوق مرارتها. أليسوا هم الذين أبادوا دولة الإسلام في الأندلس؟ ومحوا صحيفة أمة عاشت ثمانية قرون في قلب أوروبا؟ ولا تزال ذكراها حية في صدر كل مسلم غيور. أليسوا هم الذين أضعفوا روح التعليم بين أفراد الشعب، حتى انتشر الفقر والمرض والجهل فينا؟ أليسوا هم الذين ظاهروا اليهود على أهل فلسطين فشردوهم أليسوا هم

стр. 6928

الذين غلوا أيدينا عن الانتفاع بمعادن أرضنا؟ فحظروا علينا أن نستخرج معادنها، ونستخدمها في شؤون بلادنا. يا قومنا, لا تبددوا جهودكم في التجارب، ولا تفسدوا أموركم بالتردد، ولا تختلفوا بينكم فتذهب ريحكم، ولا تحسنوا ظنكم بعدو دينكم; واعلموا أن العدو واقف لكم بالمرصاد، يترقب الشتات والفرقة، فيفسد عليكم أمركم، ويلبس عليكم دينكم. ولقد صدق الله: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٧] , ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٥] حتى يقيكم من الأعداء، وينقذكم من أسر الاستعمار. والخطر الثاني: وهو التبغ، أي: الدخان، والمخدرات. قبل أن نتحدث عن الدخان، أوثر أن أبدي كلمة قصيرة عن الحشيش، لأنه أعظم جرما، وأشد فتكا بالجسم، وأعظم حرمة، لأني وجدت الدروس العملية فيه، أكثر مني بيانا، وأفصح لسانا. إذ أن متعاطيه لا يكاد يصل إلى درجة الشيخوخة، حتى تتبدل صحته سقما، وقوته ضعفا، ونضرته ذبولا، وأعصابه اضطرابا، وكثيرا منهم يموت بالسكتة القلبية. وكذلك الأفيون، فهو: أشد ضررا منه، إذ إن مدمنه

стр. 6929

يصاب بفقر في دمه، وإمساك معوي حاد، واضطراب في الأعصاب، وضعف في الذاكرة. وكذلك باقي المخدرات الأخرى. ومثل ذلك الدخان؛ فالدخان: نبات خشبي، تابع لفصيلة الباذنجان: مخدر، مر الطعم، كريه الرائحة، يبلغ ارتفاع شجرته مترا تقريبا، وأوراقه تشبه أوراق القلقاس. واستعماله على أنواع خمسة: الأول: يدخن بواسطة ما يسمونه: "الشيشة" وما يماثلها، والثاني: يستعمل تدخينا بواسطة ورق رقيق جدا. والثالث: يستعمل سعوطا في الأنف، بعد أن يدق ناعما، ويوضع عليه جزء من أملاح النطرون، وقد يوضع عليه أجزاء أخرى تكسبه رائحة زكية. والرابع: يستعمل مضغا بأن يوضع مع جزء صغير من النطرون في الفم. والخامس: ما يستعمل بواسطة "جوزة" بعد أن يضاف إليه جزء من العسل. وهو في جميع استعمالاته حرام، وترجع حرمته إلى الأضرار التي تنجم عنه، وتلك الأضرار، اقتصادية واجتماعية وجسمانية. أما الاقتصادية فلا مرية فيها؛ وقد أطبقت شرائع الله على حرمة ضياع المال. وأما الاجتماعية فلأن مدمنه يغتصب حقوق أسرته ليشبع شهوته منه، سيما إذا كان فقيرا. أما أضراره الجسمانية، فحسبي فيها ما قرره الأطباء،

стр. 6930

ونشروه في المجلات، وأذاعوه في المجتمعات، وها هي ذي أقوالهم بالنفي، حينما سئلوا عن المكيفات النافع منها والضار، وعن تعليل إقبال الناس على المكيفات؟ وهل يمكن الاستغناء عن جميعها؟ وما هي أحسن طريقة لتخليص مدمن المكيفات؟. قال الدكتور: سليمان عزمي وزير الصحة الأسبق: (أ) كلا، بل كلها ضارة؛ وضررها شديد، ويختلف ضررها حسب نوعها ودرجة تعاطيها. والمكيفات الثقيلة، مثل: الكوكايين، والحشيش، والأفيون، أضر بحالة الشخص النفسية والحسية. (ب) ويدخل في إقبال الناس على المكيفات التقليد الأعمى والمحاكاة، وتأثير البيئة، وضعف إرادة الشخص، وقوة إرادة من يؤثر عليه. (ج) نعم، ممكن، وقد رأيت بعيني آلافا من الناس، لم يتذوقوا في حياتهم شيئا منها. كما أنني أعرف كثيرا ممن يتعاطونها، ثم أقلعوا عنها. وإرشادات طبية، ومنها ما يحتاج إلى العلاج بالمصحات بواسطة الأطباء. وقال الدكتور: محمد سليمان مدير مستشفى الملك سعود سابقا: (أ) لا أعتقد أن هناك مكيفات نافعة أبدا، حتى الدخان.

стр. 6931

(ب) إني أرجعه إلى استهتار متعاطي المكيفات بالقيم الأخلاقية، التي عليها معول الأمم، ثم إلى البيئة، وعدم مراقبة الآباء لأبنائهم، ولا سيما في دور المراهقة. (ج) يمكن الاستغناء عن جميع المكيفات، وإن كنت أعتقد أن الدخان يحتاج إلى إرادة غير عادية من جانب المريض للاستغناء عنه. (د) قوة إرادة كفيلة بتخليصة من جميع المكيفات، وإنه ليحزنني أن أرى حكومتنا تسمح بوضع إعلانات مضاءة عن الخمر؛ إن في هذا تحريضا لا تستقيم معه دعوة محاربة الخمور. ولنا في حكومتنا الرشيدة أمل كبير، في منع الإعلانات عنها، والضرب على أيدي المتجرين بها وشاربيها، كما ضربت على أيدي العابثين بحقوقها. وقال غيره: يقبل الناس على المكيفات، لأسباب أهمها: التقليد، وكثرة المعاشرة لقرناء السوء، وضعف إرادة الشخص؛ ولا أعتقد أن هناك عادة يستعصي إبطالها والاستغناء عنها. ولا شك، فإن ذوي العزيمة الصادقة، يستغنون عن جميع المكيفات؛ أما المدمنون فيفضل علاجهم في مصحات خاصة. وكذا أجمع المحقون من العلماء على تحريم المكيفات، ومنها الدخان.

стр. 6932

وقال الدكتور: إسماعيل رشدي، مفتش صحة الغربية، في أدب المحلى: "التنباك، والدخان": هو نبات سمته العرب الطباق، وبتحليله: اتضح أنه يحتوي على مادة سامة، إذا وضع منها نقطتان في فم الكلب، مات في الحال، وخمس نقط تكفي منها لقتل جمل. والأمم المتوحشة تمضغه، وهذه الطريقة أكبر الطرق ضررا، لدخوله في المعدة مع الريق؛ وقد انتشر استعمال الطباق بين الأمم، على ما به من الضرر. وقد أثبت الأطباء أن الطباق يؤثر على القلب فيحدث فيه خفقانا، وفي الرئتين فيحدت سعالا، وفي المعدة فينشئ فيها ضعفا في شهوة الأكل، وفي العينين فيحدث فيهما رمدا، وفي المجموع العصبي فتورا. أسباب التدخين، والمخدرات: مما لا شك فيه أن تعاطي التبغ والدخان، وسائر المخدرات، بادئ بدء، لا تكون إلا بالتكلف واحتمال المكروه والألم، لأنها مكروهة بالطبع، كما أخبر المجربون. وإنما يتكلفون طلبا للذة متوهمة، يقلد بها الشارب غيره، ثم يصير المؤلم بالتعود ملائما بإزالته للألم المتولد منه إزالة مؤقتة؛ ذلك بأن هذه الأشياء سموم مكروهة في نفسها. ومتى أثر سمها في الأعصاب، بالتنبيه الزائد وغيره، أعقب ذلك ضده من الفتور والألم، وهما يطاردان بالعودة إلى

стр. 6933

الشراب، كما قال أحد المدمنين في السكر: داوني بالتي كانت هي الداء، اهـ من المنار. هذا وقد أثبت العلم الحديث أن النيكوتين الذي اشتمل عليه التبغ، مادة سامة، أشد فتكا من المورفين، والأستركنين، والكوكايين، لهذا لم يستطع الطب أن يستخدمه لصالح البشر كدواء، كما استخدم غيره من السموم، ولو أن العلم استخدمه في قتل الحشرات، والأوبئة التي تصيب بعض الأشجار. وقال الدكتور "دمرداش أحمد": ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام لا أظن الجنس البشري منذ الخليقة، ضعف واستكان أمام عدو من أعدائه، كما فعل أمام تدوين التبغ، كما أسرته هذه العادة، وأوثقته، وأذلت كبرياءه. استوى في ذلك صغار العمال الكادحين، الذين يقتطعون من أقواتهم وأقوات عيالهم، وكبار الأطباء والفلاسفة المنكوبين الذين ضاءت عبقرياتهم، وكشفوا هذه الآفاق البعيدة، في مختلف العلوم والفنون. وقد كان السائد المعروف أن التدخين باعتدال قليل الضرر، أو عديمه، للشخص السليم؛ ولكن البحوث العلمية المتصلة في السنوات الأخيرة أثبتت أن الضرر الذي يحدثه التدخين لم يخطر أبدا على بال مدخن.

стр. 6934

وإليك الحقائق التي أثبتتها هذه البحوث: قال الأستاذ: "ريموند بالمير" يتتبع عشرين ألف حالة، منهم مسرفون ومعتدلون وممتنعون، أنشأ لكل منهم سجلا خاصا بجامعة "جون هوبكنز" أثبت فيه كل ما يتعلق بصحتهم وأمراضهم وعوائدهم. وبدأت أبحاثه سنة ١٩١٩ م، وانتهت سنة ١٩٤٥ م بالنتيجة الآتية: يؤثر تدخين التبغ على حياة الإنسان أثرا بالغا، فتقصر هذه الحياة قصرا بينا، يتناسب مع كمية التبغ، والممتنعون أطول أعمارا من المعتدلين، والمعتدلين أطول من المسرفين اهـ. كثير من الناس، وربما كانوا متعلمين، يبيحون التدخين، وتعاطي الحشيش، ويتعلق بالأول الأحكام الخمسة، وهذا جهل بدين الإسلام، لم يحرم شيئا إلا إذا كان فيه ضرر، أو يؤدي إلى الضرر. مثال المؤدي إلى الضرر: النهي عن الأخلاط، والخمر القليل الذي لا يسكر، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن جابر مرفوعا: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" ١، ودليل ذلك حديث لرسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" ٢، وكذلك الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر" ٣، ودليل ذلك من القرآن الكريم، من سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ

стр. 6935

وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] . فالإثم في الآية الشريفة كما جاء في كتب اللغة، هو: الضرر؛ وأي ضرر أكبر من إتلاف الصحة، وإحراق المال، وهضم حق الزوجة لمن كان له زوجة، وحق الأولاد لمن كان له أولاد؛ وذلك لأن المال الذي بيده ليس خاصا به، بل لزوجته وأولاده فيه حقوق. يتبين من هذا أن أضراره أربعة: جسماني، واقتصادي، واجتماعي، وتبذير، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٧] . رأي علماء الفقه في تحريم الدخان قال العلامة الشيخ: محمد فقهي الحنفي: وجه تحريم الدخان من أربعة أوجه. الأول: كونه مضرا، بإخبار الأطباء؛ وفي الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال قال رسوله الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" ١. والثاني: كونه من المفترات، وقد (نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر) ، رواه الإمام أحمد في مسندة عن أم سلمة. والثالث: كون رائحته كريهة تؤذي من لا يستعمله،
следующие страницы →