(ب) إني أرجعه إلى استهتار متعاطي المكيفات بالقيم الأخلاقية، التي عليها معول الأمم، ثم إلى البيئة، وعدم مراقبة الآباء لأبنائهم، ولا سيما في دور المراهقة.
(ج) يمكن الاستغناء عن جميع المكيفات، وإن كنت أعتقد أن الدخان يحتاج إلى إرادة غير عادية من جانب المريض للاستغناء عنه.
(د) قوة إرادة كفيلة بتخليصة من جميع المكيفات، وإنه ليحزنني أن أرى حكومتنا تسمح بوضع إعلانات مضاءة عن الخمر؛ إن في هذا تحريضا لا تستقيم معه دعوة محاربة الخمور.
ولنا في حكومتنا الرشيدة أمل كبير، في منع الإعلانات عنها، والضرب على أيدي المتجرين بها وشاربيها، كما ضربت على أيدي العابثين بحقوقها.
وقال غيره: يقبل الناس على المكيفات، لأسباب أهمها: التقليد، وكثرة المعاشرة لقرناء السوء، وضعف إرادة الشخص؛ ولا أعتقد أن هناك عادة يستعصي إبطالها والاستغناء عنها.
ولا شك، فإن ذوي العزيمة الصادقة، يستغنون عن جميع المكيفات؛ أما المدمنون فيفضل علاجهم في مصحات خاصة. وكذا أجمع المحقون من العلماء على تحريم المكيفات، ومنها الدخان.
стр. 6932
وقال الدكتور: إسماعيل رشدي، مفتش صحة الغربية، في أدب المحلى: "التنباك، والدخان": هو نبات سمته العرب الطباق، وبتحليله: اتضح أنه يحتوي على مادة سامة، إذا وضع منها نقطتان في فم الكلب، مات في الحال، وخمس نقط تكفي منها لقتل جمل. والأمم المتوحشة تمضغه، وهذه الطريقة أكبر الطرق ضررا، لدخوله في المعدة مع الريق؛ وقد انتشر استعمال الطباق بين الأمم، على ما به من الضرر.
وقد أثبت الأطباء أن الطباق يؤثر على القلب فيحدث فيه خفقانا، وفي الرئتين فيحدت سعالا، وفي المعدة فينشئ فيها ضعفا في شهوة الأكل، وفي العينين فيحدث فيهما رمدا، وفي المجموع العصبي فتورا.
أسباب التدخين، والمخدرات: مما لا شك فيه أن تعاطي التبغ والدخان، وسائر المخدرات، بادئ بدء، لا تكون إلا بالتكلف واحتمال المكروه والألم، لأنها مكروهة بالطبع، كما أخبر المجربون.
وإنما يتكلفون طلبا للذة متوهمة، يقلد بها الشارب غيره، ثم يصير المؤلم بالتعود ملائما بإزالته للألم المتولد منه إزالة مؤقتة؛ ذلك بأن هذه الأشياء سموم مكروهة في نفسها.
ومتى أثر سمها في الأعصاب، بالتنبيه الزائد وغيره، أعقب ذلك ضده من الفتور والألم، وهما يطاردان بالعودة إلى
стр. 6933
الشراب، كما قال أحد المدمنين في السكر: داوني بالتي كانت هي الداء، اهـ من المنار.
هذا وقد أثبت العلم الحديث أن النيكوتين الذي اشتمل عليه التبغ، مادة سامة، أشد فتكا من المورفين، والأستركنين، والكوكايين، لهذا لم يستطع الطب أن يستخدمه لصالح البشر كدواء، كما استخدم غيره من السموم، ولو أن العلم استخدمه في قتل الحشرات، والأوبئة التي تصيب بعض الأشجار.
وقال الدكتور "دمرداش أحمد":
ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام
لا أظن الجنس البشري منذ الخليقة، ضعف واستكان أمام عدو من أعدائه، كما فعل أمام تدوين التبغ، كما أسرته هذه العادة، وأوثقته، وأذلت كبرياءه.
استوى في ذلك صغار العمال الكادحين، الذين يقتطعون من أقواتهم وأقوات عيالهم، وكبار الأطباء والفلاسفة المنكوبين الذين ضاءت عبقرياتهم، وكشفوا هذه الآفاق البعيدة، في مختلف العلوم والفنون.
وقد كان السائد المعروف أن التدخين باعتدال قليل الضرر، أو عديمه، للشخص السليم؛ ولكن البحوث العلمية المتصلة في السنوات الأخيرة أثبتت أن الضرر الذي يحدثه التدخين لم يخطر أبدا على بال مدخن.
стр. 6934
وإليك الحقائق التي أثبتتها هذه البحوث: قال الأستاذ: "ريموند بالمير" يتتبع عشرين ألف حالة، منهم مسرفون ومعتدلون وممتنعون، أنشأ لكل منهم سجلا خاصا بجامعة "جون هوبكنز" أثبت فيه كل ما يتعلق بصحتهم وأمراضهم وعوائدهم.
وبدأت أبحاثه سنة ١٩١٩ م، وانتهت سنة ١٩٤٥ م بالنتيجة الآتية: يؤثر تدخين التبغ على حياة الإنسان أثرا بالغا، فتقصر هذه الحياة قصرا بينا، يتناسب مع كمية التبغ، والممتنعون أطول أعمارا من المعتدلين، والمعتدلين أطول من المسرفين اهـ. كثير من الناس، وربما كانوا متعلمين، يبيحون التدخين، وتعاطي الحشيش، ويتعلق بالأول الأحكام الخمسة، وهذا جهل بدين الإسلام، لم يحرم شيئا إلا إذا كان فيه ضرر، أو يؤدي إلى الضرر.
مثال المؤدي إلى الضرر: النهي عن الأخلاط، والخمر القليل الذي لا يسكر، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن جابر مرفوعا: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" ١، ودليل ذلك حديث لرسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" ٢، وكذلك الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر" ٣، ودليل ذلك من القرآن الكريم، من سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ
стр. 6935
وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] .
فالإثم في الآية الشريفة كما جاء في كتب اللغة، هو: الضرر؛ وأي ضرر أكبر من إتلاف الصحة، وإحراق المال، وهضم حق الزوجة لمن كان له زوجة، وحق الأولاد لمن كان له أولاد؛ وذلك لأن المال الذي بيده ليس خاصا به، بل لزوجته وأولاده فيه حقوق.
يتبين من هذا أن أضراره أربعة: جسماني، واقتصادي، واجتماعي، وتبذير، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٧] .
رأي علماء الفقه في تحريم الدخان
قال العلامة الشيخ: محمد فقهي الحنفي: وجه تحريم الدخان من أربعة أوجه.
الأول: كونه مضرا، بإخبار الأطباء؛ وفي الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال قال رسوله الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" ١.
والثاني: كونه من المفترات، وقد (نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر) ، رواه الإمام أحمد في مسندة عن أم سلمة.
والثالث: كون رائحته كريهة تؤذي من لا يستعمله،
стр. 6936
ولا سيما في مجامع الصلاة وغيرها، بل تؤذي الملائكة، وعن جابر: أن النبي ﷺ قال: "من أكل الثوم أو البصل أو الكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" ١ أخرجه الشيخان.
ومعلوم أن رائحة الدخان ليست أقل خبثا من رائحة الثوم والبصل، وعن أنس أن النبي ﷺ قال: "من آذى مسلما فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى" أخرجه الطبراني في الأوسط.
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] ، قال بعض المتشرعين: إن الدخان من الخبائث.
والرابع: كونه إسرافا إذ لا نفع فيه، بل ضرره محقق؛ وكذلك أفتى\ ابن عابدين في الدر المختار، وفي شرح الوهابية للشرنبلالي بمنع الدخان وشربه، وغيرهم من الأئمة الذين وجدت هذه الشجرة في زمانهم، لأنها وجدت بعد الهجرة النبوية بألف سنة تقريبا، والله أعلم.
وقال الشيخ: عبد الله بن سليمان بن حميد: مما حدث في هذا الزمان من البدع الشنيعة والعادات الخبيثة: شرب الدخان، المعروف بالتتن والتنباك، على اختلاف أجناسه وصفات استعماله؛ قد تكلم العلماء الأعلام في تحريمه
стр. 6937
وبالغوا في الزجر عنه، وذكروا الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة والإجماع والطب والعقل.
وخلاصة ما استدلوا به، قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] فهذه الآية دلت بمنطوقها على تحريم كل خبيث، والدخان خبيث.
[جواب الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد عن استعمال القات]
وسئل الشيخ: عبد الله بن سليمان بن حميد عن القات؟ فأجاب بقوله: فأقول مستعينا بالله تعالى: إن القات المعروف في هذه الجهات، المستعمل في كثير من نواحيها، هو بلية من البلوى ومصيبة من المصائب، لأنه لا يعود على مستعمله بفائدة، لا في دينه، ولا في بدنه. بل إنه مخل بالبدن والدين والدنيا، فقد شاهدنا كثيرا من مستعمليه مبتلى بنحالة الجسم، وأمراض الباسور، ومخل بالصحة، ومحطم للأضراس، ودائما آكله في سلس البول لا يطهر منه أبدا، هذا ما علمته من مضاره بالبدن.
أما مضرته بالمال فشيئ محسوس للصغير والكبير، فقد تبلغ قيمة قبضة اليد منه عشرة ريالات إلى خمسة عشر؛ ويضطر متعاطيه إلى ترك قوت عياله الضروري، ويشتري ما يسد به شدقه منه بالغا ما بلغ، وعياله يتضاغون جوعا، الأمر
стр. 6938
الذي لا يرتضيه دين، ولا خلق، ولا إنسانية.
وأما مضرته من جهة الخلق والدين، فإن بعض أهل المحلة يجتمعون عليه، من نصف النهار إلى غروب الشمس وبعضهم يجلس إلى نصف الليل، عكوفا على أكله، مشتغلين بالقيل والقال، والخوض بالباطل، والخيبة والنميمة، والكلام الذي لا فائدة فيه.
وتمر بهم صلاة الظهر والعصر والمغرب، لا يصلونها جماعة؛ والمشهور منهم بالتقى يصليها قضاء. فأصبح الناس أسارى لهذه المادة الخبيثة، ولا يستطيع متعاطيه تعاطي أي عمل خلال أكلها، وقد استحكمت عليهم هذه الشهوة، فهذا بعض مما تحتوي عليه شجرة القات.
أما حكمه في الحل والحرمة، فالنزاع بين المتأخرين فيه كثير، والقول بتحريمه هو الصواب، لما اشتمل عليه من المضار الدينية والدنيوية، ولما ثبت من أنه مخدر ومفتر، وقد يسكر في بعض الأحيان.
وجميع ما قيل في الحشيش من الخصال المذمومة، فهي موجودة في القات، مع زيادة التهالك عليه، وبذل المال الكثير فيه، وكل مضر بالإنسان في بدنه، أو عقله أو ماله، فهو حرام.
وفي الحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ١, وفي الحديث أيضا: "البر ما اطمأنت إليه النفس وانشرح
стр. 6939
له الصدر، والإثم ما حاك في صدرك وترددت عنه النفس، وإن أفتاك الناس وأفتوك" ١.
وبناء على ما تقرر, فالذي نراه تبرئة للذمة، ومكافحة للضرر الناشئ من هذه الشجرة، أن يمنع ورودها منعا باتا من البلاد المجاورة، وعدم السماح لمن يريد زراعتها من الأهالي؛ وبذلك ترفع المفسدة، وتحصل المصلحة. والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم في ٢٥/٤/١٣٦٨ هـ.
[قول الشيخ عبد الرحمن بن فريان عن أهمية النصيحة والتعاون على البر والتقوى]
وقال الشيخ: عبد الرحمن بن فريان ٢:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن من نصح لشخص وأرشده ودله، وأمره بالخير فقد أحبه، ومن لم ينصح لشخص، أو دله وسهل له طريق الشر، فقد أبغضه وغشه وخدعه.
وأن الواجب الديني، يأمر بإسداء النصيحة للمسلم، ويأمر بالتعاون على الخير، وينهى عن التعاون على ضده; يقول تعالى، وهو الحكيم العليم، وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] .
ويقول نبيه ﷺ "الدين النصيحة ثلاثا،
стр. 6940
قيل: لمن يا رسول الله: قال؟ لله, ولكتابه، ولرسوله, ولأئمة المسلمين, وعامتهم" ١.
ويقول ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢.
قف يا أخي: وتأمل هذه النصوص الشرعية والمنشورات السماوية، هدانا الله وإياك طريق الخير، وجنبنا جميعا طرق الضلال والهلاك.
إن من الواجب عليك أيها المسلم أن تأخذ بيدي إلى طريق الحق والهدى، وأن آخذ بيدك إذا تأخرت، وتكاسلت، إلى طريق الحق والهدى، وأن نكون جميعا متعاونين على البر والتقوى، دعاة إلى ربنا نلتمس رضاه، ونلتمس جنته، نخشى من غضبه وعذابه، ونحب من أحب، ونعادي من عادى، لأنه لذلك خلقنا، وبه أمرنا؛ لم نخلق لنأكل ونشرب وننكح فقط، لأن هذه صفة بهيمية، إذا بقي الإنسان لا يهمه إلا الأكل والشرب والنزوان، فقد اتصف بهذه الصفة البهيمية، ولم يلتفت إلى ما خلق له، وهي: عبادة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ٣.
فهذه هي الحكمة في خلقنا وإيجادنا. وربنا سبحانه وبحمده، من رحمته لعباده أن أرسل إليهم رسوله، وأنزل عليهم كتابه، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، لأن الكتاب والسنة هما الهدى والنور، والشفاء النافع لمن تمسك بهما، ويا خيبة وخسارة من أعرض عنهما.
стр. 6941
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [سورة فصلت آية: ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٢] .
ومن رحمته سبحانه بعباده: أن أحل لهم الطيبات، من المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، وغير ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٢] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٢] .
وقال في وصف نبيه ﷺ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] .
وإنه ليسوؤنا كثيرا، بل ويسوء كل مسلم: ما حصل على بعض المسلمين من النقص في أمر دينهم خاصة، وتهاونهم به، وما تبلورت به أفهامهم، من ضعف نظرهم فيما يصلحهم، وإغضائهم، بل ومحبتهم فيما لا ينفعهم، بل يضرهم في أمر دينهم. فإن ثمرة حياة الإنسان هي ما اكتسب من الأعمال الصالحة التي ترضي ربه، ليست ما جمع من درهم ودينار، ورئاسة وجاه وغير ذلك؛ فإني أنصح كل مسلم عن
стр. 6942
تعاطي هذه الشجرة الخبيثة ألا وهي: "الدخان" التتن المنتن، فوالله ما دخل على مسلم بخير؛ بل غير فطرهم، وأفسد أخلاقهم، هو وغيره من الرذائل.
فلقد والله فتح علينا أعداؤنا باب كل رذيلة. قل لي بالله واصدق أيها المسلم: أي خير في هذا الدخان بجميع أنواعه؟ أي نفع يرجع لصاحبه منه؟ وأنصف إذا قلت، ولا تنخدع بمروجي بضائعهم، الذين دلسوا وكذبوا على الناس، وأبرزوا دعايات كاذبة، تدل على سخافتهم وغشهم للمسلمين. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
مع العلم بأن الشرع المطهر نهى عن الغش والخيانة؛ قال ﷺ : "من غشنا فليس منا" ١. وهذا الدخان لا يشك عاقل أنه من الخبائث.
ويكفي دليل في تحريم الخبائث بطريق العموم، قوله في صفة عبده ورسوله محمد ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] . فلله الحمد والمنة على بعثة هذا النبي الكريم، فإنها أكبر النعم. وقد نهى الرسول ﷺ عن كل مخدر ومفتر، كما في سنن أبي داود، والنهي يقتضي التحريم كما نص على ذلك العلماء ﵏ أخذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] .
стр. 6943
وقد ثبت تخديره وتفتيره لديهم، وذلك محقق إذا أبطأ عنه صاحبه ثم شربه، أو أكثر منه، أنه يسكر ويغيب عقله ١؛ وقد حرم الله علينا كل مسكر، وفي الحديث الآخر: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" ٢.
وهذا الدخان بجميع أنواعه حرام لشربه وتعاطيه، حرام بيعه وشراؤه، حرام توريده وتدخيله، حرام زرعه وصناعته، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان؛ وقد نهى الرب سبحانه عن التعاون على الإثم والعدوان، والنهي يفيد التحريم، ولا يصرف عن ذلك إلا بدليل.
والخمر تسمى أم الخبائث، ويجلد صاحبها؛ وقد كان العلماء ﵏ يرون إقام الحد على شارب الدخان، كما يقام الحد على شارب الخمر بثمانين جلدة، لأجل ثبوت إسكاره عندهم.
والحدود كما يعلم: كفارات لأهل الذنوب، وفي إقامتها فضل كبير، كما في الحديث: "حد من حدود الله، يقام في أرض الله خير من أن يمطروا أربعين صباحا" ٣, وفي لفظ "أربعين خريفا"، وفي التهاون بها خطر عظيم. في الحديث: "إذا بلغت الحدود السلطان، فلعن الله الشافع والمشفع" ٤, وفيه أيضا: "من حالت شفاعته دون حد
стр. 6944
من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره" ١ وفي لفظ (فقد ضاد الله في أرضه) .
أيها المسلم، إن هذه الشريعة المطهرة، جاءت- ولله الحمد- بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد، وإحلال الطيبات لما فيها من المنافع، وتحريم الخبائث، لما فيها من المضار.
وكما نهت الشريعة عما كان ضررا كله، فقد نهت أيضا عما كان ضرره أكبر من نفعه، كما قال تعالى في الخمر: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٩] .
وهذا في أول الإسلام، ثم نهى عنها تدريجيا وهذا من حكمة هذه الشريعة لتعلق قلوب الحديث عهدهم بكفر بالخمر. ثم نهى عنها نهيا باتا كما في سورة المائدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٩٠] ، وحرمت الخمر لما فيها من الضرر الكبير، ولأنها أم الخبائث.
ولقد اتفق الأطباء المنصفون، والكيميائيون المحققون، على خبث هذا الدخان ومضرته؛ ولا يزالون يحذرون منه، ويبينون أضراره، ولا تغتر أيها العاقل بمن يتعاطاه منهم، فإن حب الشيء يعمي ويصم، بل قد يرى المكروه حسنا، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
стр. 6945
فَرَآهُ حَسَناً﴾ [سورة فاطر آية: ٨] .
وقال الشاعر:
يُقضَى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وهكذا الإنسان إذا لم يكن عنده وازع إيماني حال ارتكابه للمعصية، فإنه يفعلها لشهوة أو شبهة أو لهما معا. وأذكر لك بعض كلام الأطباء في الدخان، لا لأستدل على حكمه، فإن الشرع كاف شاف لمن تمسك به ولكن أذكره تنزلا مع الخصم الذي ابتلي بتقليد من يراه من أهل العلم الجديد والحضارة.
قال الدكتور: "دمرداش أحمد" لا أظن الجنس البشري منذ بدء الخليقة ضعف أمام عدو من أعدائه، كما فعل أمام تدخين التبغ، كما أسرته هذه العادة وأوثقته وأذلت كبرياءه، استوى في ذلك صغار الكادحين، وكبار الأطباء، والفلاسفة المفكرين، الذين أضاءت الكون عبقرياتهم، وكشفوا هذه الآفاق البعيدة، في مختلف العلوم والفنون ... إلى أن قال: والبحوث العلمية أثبتت أن الضرر الذي يحدثه الدخان، لم يخطر على بال مدخن.
وقال الدكتور: "إسماعيل رشدي" مفتش صحة الغربية في أدب المحلى: "التنباك والدخان" نبات سمته العرب: الطباق، وبتحليله اتضح أنه يحتوي على مادة سامة، إذا وضع منها نقطتان في فم كلب مات في الحال، وخمس نقاط منها تكفي لقتل جمل، والأمم المتوحشة تمضغه، وهذه أكثر الطرق ضررا، لدخوله في المعدة مع الريق. وقد نشأ
стр. 6946
استعمال الطباق بين الأمم على ما فيه من ضرر.
وقد أثبت الأطباء أن الطباق يؤثر في القلب فيحدث الخفقان، وفي الرئتين فيحدث سعالا، وفي المعدة فينشئ فيها ضعفا في شهوة الأكل، وفي المجموع العصبي فتورا، اهـ.
وقال أحمد علي الشحات: للتدخين من الأضرار الاقتصادية، والصحية، ما يستحق الدراسة وعمق البحث.
وقد تكلم غير هؤلاء من الأطباء في أضرار الدخان والنهي عنه، بما يطول ذكره؛ فتبين بهذا أنه ضار على الإنسان الذي يتعاطاه، في دينة، وفي صحته، وفي ماله.
فهو هادم للصحة، محرق للجوف، محدث لموت السكتة، محدث لداء السرطان، محدث للسعال، محرق للرئة، مسود للشفتين والأضراس، ونفاد أيضا للمال في مضرة الدين والبدن.
وقد سحب أعداؤنا ثروتنا، واكتسحوا أموالنا في هذا الضرر علينا، مع أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال، ونهى الرب عن أكل المال بالباطل، فلو أن هذا المبتلى بهذا الدخان، ينفق من ماله كل يوم ريالين أو نحوها، قدر ما ينفق في هذا الضار عليه، فيعطيها الفقير والمسكين، لكان أنفع له عند ربه. أين أنتم يا عباد الله! يا معشر المسلمين! يا معشر
стр. 6947
المصلحين! يا معشر المعلمين والمتعلمين! كونوا عباد الله إخوانا، واحذروا صحبة الأشرار، فإن صحبتهم عار ودمار.
وفي الحديث: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" ١. أيها الناس؛ خذوا على أيدي سفهائكم، يبارك لكم في أعمالكم، وجهوا شبيبتكم إلى الخير ولا تهملوهم، فيتولاهم أعداؤكم فيفسدوا أخلاقهم، ويصرفوا وجهتهم، ويغيروا فطرتهم فتخسروهم.
وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" ٢.
يا عباد الله, ما هو المسوغ لكم السكوت عن هذه المنكرات التي قد ظهرت وانتشرت من ترك صلاة الجماعة، وظهور الأغاني، وشرب الدخان في الأسواق والمقاهي والدوائر، وغير ذلك، وسفور النساء، ووجود الصور، وغير ذلك من المنكرات؟ !.
أليس إذا ظهر المنكر ولم يغير، يخشى أن تعم العقوبة؟ كما في الحديث لما قيل له ﷺ : "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث" ٣ وقال: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه" ٤.
عباد الله، لا تتخلوا عن إنكار المنكرات، ساعدوا
стр. 6948
الهيئات ولو بإنكاره بالكلام على قدر الاستطاعة، فلو أن صاحب المنكر يصاح عليه من كل جانب كما يصاح باللص أو بالمخالف لنظام المرور، لانْفشل صاحب المنكر وقلت المنكرات.
ولكن مع الأسف الشديد كل يعرض ويسند الأمر إلى غيره، ويقول: الواجب على النواب؛ وهذا في الحقيقة لا يجوز، لقوله ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ١، وفي لفظ: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ٢.
أيها الناس، تنبهوا واعملوا بأمر ربكم، ونصوص نبيكم ﷺ ؛ واغتنموا حياتكم، واذكروا الموت هادم اللذات وما بعده، ولا بد أن يأتيكم، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٥] . حاولوا منع الرذائل، وما يفسد الأخلاق، ومنها: الدخان، عن دخوله بلدانكم، وتناصحوا فيما بينكم، ولا تغتروا بالباطل لكثرة أهله، ولا تزهدوا في الحق لقلة أهله، ولا تأخذكم في الله لومة لائم.
وادعوا لأئمتكم بالخير والصلاح، والهداية والتوفيق؛ فإن هذا شيء أمر به ربكم ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٧] .
стр. 6949
ونرجو الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم من أنصاره، وأن يصلح قلوب الجميع، وأن يوفق إمام المسلمين وولي عهده، لما فيه الخير والصلاح، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم ١.
فصل في تحريم الخمر
سواء كان من عنب، أو تمر، أو ذرة، أو غيرها، وإن كان تحريمه أغلظ من التتن، فإنما قدمناه لكثرة انتشاره في هذا العصر؛ وتحريم الخمر بنص الكتاب والسنة وقد أوضحه العلماء في مؤلفاتهم من الحديث والفقه.
قال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀: حرم الإسلام الخمر تحريما قاطعا، ولم يستثن حالا من الأحوال، ولا أباحه، ولا أجازه لهضم الطعام، ولا رضيه لتقوية الشهوة عليه، ولا لإكثار دم في جسم، ولا لغير ذلك.
بل عمم التحريم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 6950
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة آية:] .
"وقد سأل طارق بن سويد رسول الله ﷺ عن الخمر؟ فقال: إنا نصنعها للدواء؟ فقال: لا، ولكنها داء" ١ فأخبر النبي ﷺ بأنه لا دواء فيها، وأثبت ضررها بما فيها من الداء.
فكم فيها من رذائل ومفاسد، طرحها غير واحد من أطباء الإفرنج وغيرهم.
فقد قال: بنتام الإنجليزي: من محاسن الشريعة الإسلامية: تحريم الخمر، فإن من شربها من أبناء افريقيا، يؤول أمر نسله إلى الجنون، ومن استدامها من أهل أوروبا، زاغ عقله، فليحرم شربها على الإفريقيين، ويعاقب عقابا صارما الأوروبيون، وليكن العقاب مقيدا بمقدار الضرر.
وقال هنري الفرنسي في كتابه: "خواطر وسواغ في الإسلام": إن أحد سلاح يستأصل به الشرقيون، وأمضى سيف يقتل به المسلمون، هو: الخمر، وإدخالها عليهم، ولقد جردنا هذا السلاح على أهل الجزائر، حين دخلناها، فأبت شريعتهم الإسلامية أن يتجرعوه، فتضاعف نسلهم، وكثر عددهم. ولو أنهم استقبلونا، كما استقبلنا قوم من منافقيهم، بالتهليل والترحيب، وشربوها، لأصبحوا أذلاء لنا، كتلك القبيلة التي تشرب خمرنا، وتحملت إذلالنا.
стр. 6951
وقال الطبيب: كيلوج الأمريكي: يمنع التداوي بالخمر, إذ بان له أن ضررها في الجسم عند التداوي، أكثر من نفعها بالشفاء المؤقت، لما تفعل بالأمعاء وباقي الأحشاء من الضرر.
وقال أيضا: لما فشت الخمر في بلادنا، أغرم بها قوم، حتى أخربت البيوت، وأذهبت العقول، ونحن نرقب من الخروج من مأزقنا. وكلام الأطباء من الألمان، والروس، وغيرهم، في الخمر ومضاره، وما يترتب عليه من الأدواء، أكثر من أن يحصر.
ولكن هجمت على المسلمين المدنية الزائفة بخيلها ورجلها، وشاركتهم في الأموال والأولاد؛ وبهجومها لم يبق للدين في النفوس أثره، ولا في القلوب سطوته، فانحسر عن المدن إلى القرى، ثم انحاز إلى أطراف البلاد، وهى تطارد الدين.
وتحكيم المدينة بلا علم ضلال، والعلم الناقص عناء ووبال، والبلاهة- كما قال بعضهم- خير من الفطانة، والجهلاء أفضل من الأذكياء المغرورين. فإما الدين كله، وإما العلم كله.
ونحن أخذنا من الديانات أسماءها، ومن العلوم قشورها، فخسرنا الصفقتين وربحنا الرذيلتين، وسبقنا المتدينون، وفاتنا من الفرنجة العلماء العاملون. فويل ثم ويل
стр. 6952
لمن لا دين له ولا علم، أولئك ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٤] .
ثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء، فيلعب ببوله وعذرته، حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله، ويقول: اللهم اجعلني من التوابين إليك, واجعلني من المتطهرين. ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه، وهو يقول: أكرمك الله. فانظر إلى مطابقة ما قاله الغربيون، كما أخبر به النبي ﷺ أن الخمر ضرر ومفاسد بقوله: (إنها داء) , والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على محمد، وقد نشر هذا المقال في جريدة اليمامة في ١٢/٩/١٣٧٥ هـ.
стр. 6953
الباب الثالث: كثرة الملاهي في هذا العصر
ومن أعظم أسبابها: السياحة في بلاد الخارج، ولم تكن توجد في عصر الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وطبقته، ولا في هذه الدعوه المباركة، ولا في زمن النبوة والخلفاء، وأئمة الدين المقتدى بهم.
قال ابن القيم ﵀: والذي شاهدناه نحن وغيرنا، وعرفناه بالتجارب، أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم، وفشت فيهم، واشتغلوا بها، إلا سلط عليهم العدو، وابتلوا بالقحط والجدب، وولاة السوء.
стр. 6954
[رسالة الشيخ محمد بن إبراهيم في تعزيز ما طلب منعه وإزالته]
وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فنظرا لما حدث مؤخرا في هذه البلاد، من الأمور التي توجب غضب الرب، وفساد المجتمع، والتحلل من الأخلاق الفاضلة، ولما أوجبه الله على أهل العلم من النصح لولاة الأمور، وبيان حكم كل حادثة وما أوجبه الله على ولاة الأمور من حماية الدين وتعزيزه، والقضاء على الفساد، وسد أبوابه وطرقة، وحسم مواده، والوسائل المفضية إليه، رأينا تعزيز الكتب السابقة بهذا الكتاب، موضحين أدلة ما طلبنا من سموكم منعه وإزالته. وفي ما يلي ذكر بعض الأدلة. تظاهرت أدلة الكتاب والسنة على تحريمه في الجملة، وحكى غير واحد من العلماء، إجماع العلماء على تحريمه، منهم القرطبي في تفسيره المشهور.
وقد بسط ابن القيم ﵀ أدلة المنع في كتابه: "إغاثة اللهفان" ونقل الأدئة من الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم، في ذمه وتحريمه، وبيان ما يترتب عليه من المفاسد
стр. 6955
الكثيرة، والعواقب الوخيمة، هذا كله إذا كان غناء مجردا من آلات العزف والطرب.
فأما إذا اقترن به شيء من ذلك، صار التحريم أشد، والإثم أكبر، والمفاسد أكثر. وقد حكى العلامة ابن الصلاح: إجماع العلماء على تحريم الغناء، إذا اقترن به شيء من آلات اللهو والطرب، نقله عنه العلامة ابن القيم وغيره.
ومن أدلة الكتاب على ذلك، قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] حكى غير واحد من المفسرين عن أكثر العلماء، تفسير اللهو هنا بالغناء، وبذلك فسره عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر، وكان عبد الله بن مسعود يحلف على ذلك.
وهؤلاء الثلاثة، من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ وعلمائهم، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، وهم أعلم الناس بتفسير كتاب الله؛ وقد تبعهم على ذلك أكثر العلماء.
وقال ابن جرير، ﵀، في تفسيره، وجماعة من العلماء: إن الآية الكريمة شاملة للغناء وغيره من آلات اللهو، وأخبار الكفرة، وغير ذلك مما يصد عن ذكر الله.
والآية الكريمة تدل على أن الاشتغال بلهو الحديث، يفضي بأهله إلى الضلال عن سبيل الله، واتخاذ آيات الله
стр. 6956
هزوا، وكفى بذلك قبحا وشناعة وذما للغناء وما يقترن به من آلات اللهو والطرب.
ومن ذلك قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٤] فسر كثير من السلف الصوت بالغناء، وآلات الطرب، وكل صوت يدعو إلى باطل. ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [سورة الفرقان آية: ٧٢] فسر كثير من العلماء: الزور، بالغناء وآلات اللهو، ولا شك أنه داخل في ذلك، والزور يشمله وغيره من أنواع الباطل.
وهذه الآيات الكريمات تدل دلالة واضحة على ذم الغناء، والتحذير منه، سواء كان المغني رجلا أو امرأة. ولا شك أن الغناء إذا كان من الأنثى، كانت الفتنة به أعظم، والفساد الناتج منه أكثر.
وقد دل القرآن الكريم على تحريم خضوع المرأة بالقول في قوله سبحانه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٢] .
وإذا كانت أمهات المؤمنين ينهين عن الخضوع في القول، مع طهارتهن وتقواهن، فكيف بغيرهن من النساء اللاتي لا نسبة بينهن وبين أمهات المؤمنين، في كمال التقوى
стр. 6957
والطهارة؟ فكيف بنساء العصر الفاتنات المفتونات، إلا ما شاء الله منهن؟ !
وإذا كان الله ينهى عن الخضوع في القول. فالغناء من باب أولى وأحرى، لأن الفتنة فيه أشد من مجرد القول، ولا يخفى على كل من له أدنى بصيرة، ما في صوت المرأة بالغناء، ومخاطبتها الناس في الإذاعة ونحوها، من الفتنة وإثارة الغرائز.
لا سيما مع ترخيم الصوت وتحسينه، وعلاوة على ذلك ما يترتب على ذلك من اختلاطها بالرجال، وخلوتهم بها، والتساهل بالحجاب، أو تركه بالكلية، كما هو الواقع من نساء العصر الضالات للرجال، وتحريم هذا معلوم من الدين بالضرورة.
ومن الأدلة على ذلك قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٣] , وقوله ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [سورة النور آية: ٣١] الآية.
وأصح ما قيل في تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [سورة النور آية: ٣١] أنه الملابس الظاهرة، قاله ابن مسعود وغيره؛ ومن فسره بالوجه
стр. 6958
والكفين فمراده مع أمن الفتنة، والمحافظة على العفة، وستر ما سوى ذلك.
والواقع من نساء العصر خلاف ذلك، لضعف إيمانهن، وقلة حيائهن؟ ومعلوم أن سد الذرائع المفضية للمحرمات، من أهم أبواب الشريعة الكاملة. وقال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [سورة النور آية: ٦٠] الآية.
فإذا كانت القواعد- وهن العجائز- يمنعن من وضع الثياب عن محاسنهن كالوجه والكفين، ونحو ذلك، فكيف بالشابات الجميلات الفاتنات؟ وإذا كانت العجائز يمنعن من التبرج بالزينة، فهو في الشابات أشد منعا، والفتنة بسببهن أكبر.
ولما ذكر ابن القيم رحمة الله: الغناء وما ورد فيه عن ابن عباس وغيره من الذم، وأنه من الباطل الذي لا يرضاه الله، قال ما نصه:
فهذا جواب ابن عباس ﵄، عن غناء الأعراب، الذي ليس فيه مدح الخمر، والزنى، واللواط, والتشبيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف، والآلات المطربة، فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو سمعوا هذا الغناء، لقالوا فيه أعظم قول؛ فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم منه فتنة؛ فمن أبطل
стр. 6959
الباطل أن تأتي الشريعة بإباحته.
فمن قاس هذا على غناء القوم، فقياسه من جنس قياس الربا على البيع، والميتة على المذكاة، والتحليل الملعون فاعله، على النكاح الذي هو سنة رسول الله ﷺ .
وإذا كان هذا كلام ابن القيم في غناء أهل عصره، فكيف بغناء هذا العصر الذي يذاع، ويسمع الرجال والنساء، والخاص والعام فيما شاء الله من البلاد؟ ! فتعم مضرتة، وتنتشر الفتنة به، ولا شك أن هذا أشد إثما وأعظم مضرة.
وأما الأحاديث: فمنها، ما رواه الترمذي وحسنه، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب، ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة، خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة" ١.
قال ابن القيم ﵀، بعد هذا الحديث: فانظر إلى هذا النهي المؤكد، بتسمية صوت الغناء صوتا أحمق، ولم يقتصر على ذلك حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك، حتى سماه من مزامير الشيطان.
وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر على تسميته الغناء مزمور الشيطان، في الحديث الصحيح؛ فإن لم يستفد التحريم من هذا، لم نستفده من نهي أبدا.
ثم قال: فكيف يستجيز العارف إباحة ما نهى عنه
стр. 6960
رسول الله ﷺ وسماه صوتا، أحمق فاجرا، ومزمور الشيطان، وجعله والنياحة التي لعن فاعلها أخوين، وأخرج النهي عنهما مخرجا واحدا، ووصفهما بالحمق والفجور وصفا واحدا. وقال "ابن مسعود ﵁: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل".
وفي صحيح البخاري، عن "أبي مالك الأشعري، ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليكوننّ من أمتي أقوام، يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة".
وأخرج ابن ماجه عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف، والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير" ١.
قال ابن القيم ﵀، في هذا الحديث: إسناده صحيح. قال: وقد توعد مستحلي المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير، قال: والمعازف، هي: آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك. قال: ولو كانت حلالا، لما ذمهم على استحلالها، وإنما قرن باستحلال الخمر، اهـ.
стр. 6961
ولقد وقع مصداق ما أخبر به النبي ﷺ من استحلال بعض أمته المعازف، وصوت المغنيات؛ ولا شك أن هذا من تزيين الشيطان، وخداعه للناس، حتى يفعلوا هذه المعاصي، ولا يتوبون منها، لاستحلالهم لها.
وفيما ذكرناه من الآيات، والأحاديث، وكلام أهل العلم، الدلالة الصريحة، والبرهان القاطع على تحريم الأغاني، وآلات الملاهي، من الرجال والنساء، لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة التي تقدم بيان بعضها.
ومما يؤكد تحريم ذلك، ويوجب مضاعفة الإثم: كون ذلك يلقى في مهبط الوحي، ومطلع شمس الرسالة، لما يترتب على ذلك، من إضلال الناس وفتنتهم، ولبس الأمور عليهم، حتى يعتقدوا ذلك من الحق، لكونه صدر من مهبط الوحي وحماة الحرمين الشريفين، الذين هما محط أنظار العالم وأمل المسلمين.
ومما يزيد الإثم أيضا، ويضاعف الفتنة: أن يشارك في ذلك النساء؟ بأصواتهن الفاتنة، المثيرة للغرائز، وقد قال ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" ١ رواه البخاري.
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال للنساء: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم منكن" ٢ هذا مع تحجبهن وتأدبهن بالآداب
стр. 6962
الشرعية، فكيف بحال نسائنا اليوم؟ ! ١.
[رد الشيخ عبد الله بن محمد على أبي تراب القائل بإباحة الغناء وآلات اللهو]
وقال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"تعقيب وجواب". نشرت مجلة الرائد، في عددها ٦٧ وتأريخ ٦/٨/١٣٨١هـ، مقالا للأستاذ أبي تراب الظاهري، قال فيه بإباحة الغناء، وآلات اللهو من المزامير والمعازف، والاستماع إليها, وأن الكتاب والسنة لم يحرما ذلك، كما نشرت أيضا جريدة عكاظ، في عددها ٥٥، وتأريخ ٤/ ١/ ٨١ كلمة للأستاذ المقنع أورد فيها أحاديث في الغناء، ويطلب الجواب عنها، وإني أشكر الأخ الأستاذ المقنع، على اجتهاده وتطلبه للحق.
لا شك أن الغناء حرام، دل عليه الكتاب والسنة، لما فيه من الضرر البين، والفساد العريض، فإنه يلهب النفوس، ويوقدها فيقيمها ويقعدها، لأنه وضع ليفعل أقصى ما يتصور من التأثير على السامعين والسامعات.
стр. 6963
لا يمكن أن تحمل سماعه شاب أو شابة، دون أن يعمل فيهما عمله، لاسيما ما يخرج من تلك النغمات الرخيمة، لما فيه من التألم والاشتياق، والتلهف على اللقاء؛ إن مثل هذا ليذهب الغيرة الدينية، ويثير من القلوب كأمنها، ويحرك ساكنها.
وإن "الراديو" الذي لم يبق بلد، ولا بيت، ولا قطر، إلا وقد وصل إليه، تجلس المغنية أمام الآلات المبلغة، فترفع صوتها الرخيم المهيج للنفوس، الباعث للوجد والتوجع، تشكو وتهيج، وتستعطف، فتؤثر على النفوس أعظم تأثير.
فهل هؤلاء الصحابة والتابعون ﵃، مثل عبد الله بن عمر، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن المسيب، ومالك بن أنس، وغيرهم، ممن نقل الأستاذ أبو تراب عنهم أنهم يسمعون الغناء، هل يسمعون مثل هذا الذي يذيعه "الراديو"؟ كغناء أم كلثوم، وفريد الأطرش، وأمثالهما؟ !.
فلو تفضل الأستاذ بنقل مسموعهم من الغناء المزعوم، أهو كهذا الغناء الذي نحن بصدده؟ ! هذا لم يكن، ولا يكون أبدا إن شاء الله.
ثم هؤلاء المغنون من الرجال، يجلس الواحد منهم أمام الآلة المؤدية للصوت، يفعل بصوته الطنان مع النساء، مما
стр. 6964
يجعل الواحدة منهن تكاد تهيم على وجهها، باحثة منقبة عمن يبادلها الآهات والأنات، والمغازلات، وما وراء ذلك، والعياذ بالله.
أقول هذا- ولم تسمع أذني غناء قط والحمد لله، كفى الله العباد والبلاد شر هذا الغناء- وأعوذ بالله أن يقول مسلم بإباحة ما يحرض على الزنى ويدعو إليه، وأعتقد أن سماع صوت المغنيات، الباعث إلى هذا الفحش، لا يجرُؤ مسلم على أي مذهب، بأن يقول بإباحته.
فلا يجوز لمن يتولى الحكم على أفعال المكلفين، بالإباحة والحرمة، إلا أن ينظر في ذلك، نظر تأنٍ وحكمة، لينفذ بثاقب فكره إلى الأعماق منها، بتأمل الأدلة الشرعية، المفيدة حكم التحريم والإباحة، ثم بعد ذلك يحكم.
أما ما أورده أبو تراب من الأحاديث الدالة على منع الغناء، وطعنه في أسانيدها، وأنها غير صالحة للاحتجاج بها, فقد سلك في هذا مسلك ابن حزم، ورد عليه أئمة هذا الشأن وخطؤوه.
كقوله فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه، حيث قال: قال هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، وساق بسنده إلى أبي عامر، وأبي مالك ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "ليكونن أقوام من أمتي، يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف" بأن هذا حديث منقطع، لا يصح الاحتجاج به.
стр. 6965
وغلط الأستاذ في هذا، فإن البخاري علقه جازما به، وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها، بصيغة الجزم، يكون صحيحا إلى من علق عنه، لا سيما في مقام الاحتجاج، كهذا الحديث.
والبخاري قد لقي هشام بن عمار، وقد أخرج أبو داود هذا الحديث، في كتاب اللباس من سننه، بسند متصل. وقد ثبت هذا الحديث من طرق كثيرة، لم يكن لقائل معها مقال.
والأحاديث الأخرى الدالة على تحريم الغناء والمعازف، كثيرة جدا، روى بعضها أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأبو داود الطيالسي، والطبراني، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، فإنها وإن كان بعضها فيه مقال، فهي صالحة للاحتجاج بها في تحريم الغناء، لكثرتها وتعدد طرقها.
وهؤلاء حماة الإسلام، والأئمة الأعلام، ينهون عن الغناء والمعازف، ويبينون مضارها ومفاسدها بما لا مزيد عليه، مستدلين بهذه الأحاديث وغيرها.
بل نقل الإمام القرطبي إجماع أهل العلم على تحريم الغناء، لأنه من اللهو واللعب المذموم، لما اشتمل عليه من وصف محاسن الصبيان والنساء.
أما ما نقل أبو تراب عن الإمام أبي حنيفة: أن من سرق
стр. 6966
مزمارا أو عودا، قطعت يده، ومن كسرهما ضمنهما، فالمنصوص في كتب أصحابه الذين هم أعرف الناس بمذهبه، وأعرفهم بأقواله، بأنه لا قطع ولا ضمان على من أتلف آلات اللهو؛ وهو المفتى به عندهم، وعند غيرهم، رحمة الله عليهم, وحكاه بعض الحنفية إجماعا.
وقول الأستاذ أبي تراب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] بأنه الغناء فلا يصح عن رسول الله ﷺ ولا ثبت عن أحد من الصحابة، وإنما هو قول من لا تقوم به الحجة.
هلا وقف الأستاذ، وتثبت فيما يقول؟ من نفي ثبوت ذلك عن الصحابة، ﵃، فالقول بأن لهو الحديث هو: الغناء، قال به أكثر المفسرين، وصح عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهم ﵃.
وقول الأستاذ أبي تراب: صح أن رسول الله ﷺ سمع مزمارا، فوضع أصبعيه في أذنيه، وكان معه ابن عمر، انتهى، ما كان للرسول ﷺ ليسد أذنيه عن سماع المباح، ولا أنه يأمر بذلك.
مع أن المعروف في هذا ما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ "أنه سمع مزمار راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، فقال: هل تسمع يا نافع؟ فيقول نعم، فمضى حتى قال نافع:
стр. 6967
لا أسمع شيئا، فرفع أصبعيه عن أذنيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل الذي فعلت" أو كما قال ﵁.
لعل الأستاذ يريد هذا، فيما أشار إليه بقوله: صح أن رسول الله ﷺ وهذا ضعيف عند الحفاظ، بل قال أبو داود: هو منكر لا تقوم به حجة، ونافع صغير، لم يبلغ على تقدير ثبوته.
وهذه أقوال الأئمة الأربعة في ذلك:
أما أبو حنيفة، فمذهبه أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، فقد نقل أئمة مذهبه: بأن استماعه فسق، والتلذذ به كفر، وليس بعد الكفر غاية.
ومالك ﵀، سئل عن الغناء, فقال: إنما يفعله عندنا الفساق, وفي كتب أصحابه: إذا اشترى جارية، وتبين أنها مغنية، فلمشتريها ردها بالعيب.
والإمام أحمد، فقد سأله ابنه عبد الله عنه، فقال. يا بني الغناء ينبت النفاق في القلب. ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق.
والشافعي ﵀، فقد قال في كتابه: "أدب القضاء": إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل. وقال لأصحابه بمصر: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة، يسمى "التغبير" يصدون به الناس عن القرآن.
стр. 6968
فإذا كان قوله هذا في التغبير، الذي هو عبارة عن شعر مزهد في الدنيا، إذا غنى المغني به، ضرب الحاضرون بقضيب على نطع، أو مخدة، ضربا موافقا للأوزان الشعرية.
فليت شعري ماذا يقول في هذا الغناء الماجن، الذي تنقله الإذاعات إلى كل مكان؟ فمن قال بإباحة هذا النوع، فقد أحدث في دين الله ما ليس منه.
أما ما نشرت جريدة عكاظ من الأحاديث التي يطلب الأستاذ المقنع إيضاح معناها، كخبر الجاريتين اللتين كانتا تغنيان عند عائشة يوم العيد, وحديث محمد بن حاطب: "فصل ما بين الحلال والحرام، الدف، والصوت، في النكاح" ١, وخبر: "أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم" ٢, وحديث الربيع بنت معوذ، وأمثال هذه الأحاديث.
لم يكن في هذا ما يدل على إباحة الغناء الماجن، الذي نحن بصدده، فهل في غناء جاريتين صغيرتين، غير مكلفتين، عند صبية، تغنيان يوم عيد، بما تقاولته الأنصار يوم بعاث، من وصف الحرب والشجاعة والبطولة، ما يدل على إباحة غناء تلك المغنيات المستهترات الذي تنقله الإذاعات إلى كل مكان من وصف محاسن النساء المهيج للشرور، والباعث في النفوس الفتن والفجور؟!.
والأحاديث الأخرى هي في النكاح وأمثاله، في أوقات مخصوصة، بمثل هذا الغناء الذي لم يشتمل على
стр. 6969
فحش، ولا ذكر محرم؛ فإذا كان الغناء على نحو ما اعتاد الناس استعماله، لمحاولة عمل، وحمل ثقيل, وقطع مفاوز سفر، وسرور بعرس، ونحوه، ترويحا للنفوس وتنشيطا لها, كحداء الأعراب بإبلهم، وغناء النساء في بيوتهن لتسكين صغارهن، ولعب الجواري الصغار بلعبهن، فهذا إذا سلم المغني من فحش، وذكر محظور، فهو المباح؛ وهو الذي جاء ذكره في الأحاديث التي أشار إلى بعضها الأستاذ المقنع.
أما ما انتحله الكثيرون من المغنين والمغنيات، العارفين بصنعة الغناء، مما يحرك الساكن، ويهيج الكامن، والمشتمل على أوصاف محاسن الصبيان والنساء، من ذكر الجمال، والهجر، والوصال، والصبابة، والمعانقة، وما أشبه ذلك، فهو الممنوع.
وأعتقد أنه لا يقول مسلم بإباحة مثل هذا الغناء الفاتن؛ وقى الله العباد والبلاد شر هذا الغناء، ووفقهم جميعا إلى ما فيه رضاه، ومن عليهم باتباع كتاب ربهم، والتمسك بهدى نبيهم، في أمورهم كلها. والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 6970
[رد الشيخ ابن باز على ماكتب في الصحف من الدعوة إلى تزويد الإذاعة بالأغاني]
وقال الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وفقه الله: لقد اطلعت على ما كتبته بعض الصحف المحلية عن بعض الكتاب، من الدعوة إلى تزويد الإذاعة السعودية بالأغاني، والمطربين المشهورين، والمطربات المشهورات، تأسيا باليهود وأشباههم في ذلك، ورغبة في جذب أسماع المشغوفين بالغناء، والراغبين في سماعه من الإذاعات الأخرى، إلى سماعه من الإذاعة السعودية ١.
وقرأت أيضا ما كتبه، فضيلة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، والشيخ حسن بن عبد الله، وكاتب آخر لم يفصح باسمه، من الرد على هذه الدعوة الحمقاء، والفكرة النكراء، والرغبة المنحرفة، إلى أسباب الردى؛ فجزى الله أنصار الحق كل خير، وهدى الله من حاد عنه إلى رشده، وكفى المسلمين شره وفتنته.
أيها القارئ الكريم إن الإذاعة في حد ذاتها أداة ذات حدين، إن أحسنت استعمالها فهي لك، وإن أسأت استعمالها فهي عليك. ولا شك أن الواجب في نفس الأمر، شرعا وعقلا، إما أن تكون هذه الأداة أداة تعمير وتوجيه وإرشاد، إلى ما ينفع الأمة في الدين والدنيا، ولا يجوز بوجه من الوجوه، أن تكون أداة تخريب وإفساد،