عقيصتي أبي عبيدة تنقزان، وهو خلفه على فرس عربي".
[من الرياضات الشرعية المسابقة على الإبل]
ومن الرياضات الشرعية أيضا: المسابقة على الإبل، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ ، وفعله أصحابه والمسلمون بعدهم.
وفي صحيح البخاري، والمسند، وسنن أبي داود، والنسائي، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان للنبي ﷺ ناقة تسمى "العضباء" لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال: حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" ١.
وفي رواية للنسائي، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: "سابق رسول الله ﷺ أعرابي فسبقه، فكأن أصحاب رسول الله ﷺ وجدوا في أنفسهم من ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: حق على الله أن لا يرفع شيء نفسه في الدنيا إلا وضعه الله" ٢، وكذا رواه الدارقطني في سننه، من طريق النسائي.
وفي رواية لأبي داود، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: "كانت العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له، فسابقها فسبقها الأعرابي، فكأن ذلك شق على أصحاب رسول الله ﷺ فقال: حق على الله أن لا يرفع شيء إلا وضعه" ٣، ورواه البخاري تعليقا.
стр. 7072
وفي سنن الدارقطني عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كانت ناقة رسول الله ﷺ القصوى، لا تدفع في سباق إلا سبقت، قال سعيد بن المسيب: فجاء رجل فسابقها فسبقها، فوجد الناس من ذلك أن سبقت ناقة رسول الله ﷺ ، وبلغ ذلك إلى النبي ﷺ فقال: إن الناس لم يرفعوا شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه الله ".
وفي رواية له، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كانت القصوى لا تسبق، فجاء أعرابي على بكر، فسابقه فسبقها فشق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، سبقت العضباء، وقال النبي ﷺ إنه حق على الله أن لا يرفع شيئا من الأرض إلا وضعه" ١.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تأمل قوله: "أن لا يرفع شيء" وفي اللفظ الثاني "أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" فجعل الوضع لما رفع أو ارتفع، لا لما رفعه سبحانه، فإنه سبحانه إذا رفع عبده بطاعته وأعزه بها، لا يضعه بها. انتهى.
[من الرياضات الشرعية المسابقة على الأقدام]
ومن الرياضات الشرعية أيضا: المسابقة على الأقدام، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ ، وفعله أصحابه والمسلمون بعدهم.
وروى الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، عن عائشة ﵂:
стр. 7073
أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر، قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته، فسبقني، فقال: "هذه بتلك السبقة".
وفي رواية: "أنهم كانوا في سفر، فقال النبي ﷺ لأصحابه: تقدموا، فتقدموا. ثم قال لعائشة: سابقيني، فسابقها، فسبقته، ثم سافرت معه مرة أخرى، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال: سابقيني، فسبقته، ثم سابقني وسبقني فقال هذه بتلك" ١.
وفي المسند وصحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثه الطويل، في غزوة ذي قرد، قال: "ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة، قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار، لا يسبق شدا، قال فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من سابق؟ فجعل يعيد ذلك.
قال: فلما سمعت كلامه، قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله ﷺ . قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل، قال: إن شئت، قال: قلت: أذهب إليك، وثنيت رجلي، فطفرت فعدوت.
قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي، ثم عدوت في أثره فربطت عليه شرفا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه، قال: فأصكه بين كتفيه، قال: قلت: قد سبقت
стр. 7074
والله، قال: أنا أظن، قال: فسبقته إلى المدينة" ١.
قال النووي: قوله: شدا، يعني: عدوا على الرجلين، وقوله: فطفرت، أي: وثبت وقفزت، وقوله: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقى نفسي، معنى ربطت: حبست نفسي عن الجري الشديد.
والشرف: ما ارتفع من الأرض، وقوله: أستبقي نفسي بفتح الفاء، أي: لئلا يقطعني البهر.
وفي هذا دليل لجواز المسابقة على الأقدام، وهو جائز بلا خلاف إذا تسابقا بلا عوض، فإن تسابقا على عوض ففي صحتها خلاف، الأصح عند أصحابنا: لا تصح، قلت: وهو مذهب مالك وأحمد.
[من الرياضات الشرعية المصارعة]
ومن الرياضات الشرعية أيضا: المصارعة، وقد روى أبو داود، والترمذي، والبخاري في التأريخ، من حديث أبي جعفر بن محمد بن ركانة، عن أبيه: "أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ " ٢ قال الترمذي: هذا حديث غريب، وإسناده ليس بالقائم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة: وقصة الصراع مشهورة لركانة.
لكن جاء من وجه آخر: أنه يزيد بن ركانة، فأخرج الخطيب في المؤتلف من طريق أحمد بن عتاب العسكري، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄،
стр. 7075
قال: "جاء يزيد بن ركانة إلى النبي ﷺ ومعه ثلاثمائة من الغنم، فقال: يا محمد، هل لك أن تصارعني؟ قال: وما تجعل لي إن صرعتك؟ قال: مائة من الغنم، فصارعه فصرعه.
ثم قال: هل لك في العود؟ فقال: ما تجعل لي؟ قال مائة أخرى، فصارعه فصرعه. وذكر الثالثة، فقال: يا محمد، ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقام عنه، ورد عليه غنمه".
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد، عن ابن عباس ﵄: "أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم" ١ وذكر بقية القصة بمثل ما في رواية الخطيب.
وذكر ابن إسحاق: "أن رسول الله ﷺ كان يعرض غلمان الأنصار، فمر به غلام فأجازه في البعث. وعرض عليه سمرة بن جندب ﵁ فرده، فقال: لقد أجزت هذا، ورددتني، ولو صارعته لصرعته. قال: فدونكه، فصارعه فصرعه سمرة، فأجازه" ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب بنحوه.
[من الرياضات الشرعية الرمي]
ومن الرياضات الشرعية أيضا: الرمي ونحوه، مما فيه إعانة على الجهاد في سبيل الله ؛ وقد روى الإمام
стр. 7076
أحمد، والبخاري، عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "مر النبي ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون، فقال النبي ﷺ : ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان. قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال النبي ﷺ : ارموا وأنا معكم كلكم" ١.
قال الجوهري: ناضله، أي: راماه، يقال: ناضلت فلانا فنضلته إذا غلبته، وانتضل القوم، وتناضلوا، أي: رموا للسبق، وفلان يناضل عن فلان، إذا تكلم عنه بعذره ودافع.
وقال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، في مسنده: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس، ﵄، قال: "مر النبي ﷺ بنفر يرمون، فقال رميا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا" ٢.
ورواه ابن ماجه في سننه، عن محمد بن يحيى، والحاكم في مستدركه، من طريق إسحاق بن إبراهيم الصنعاني، وأحمد بن حنبل، كلهم عن عبد الرزاق به، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
стр. 7077
وروى الحاكم أيضا: عن أبي هريرة ﵁ قال: "خرج النبي ﷺ وقوم من أسلم يرمون، فقال: ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، وأنا مع ابن الأدرع، فأمسك القوم قسيهم، فقالوا: يا رسول الله من كنت معه غلب، قال: أرموا وأنا معكم كلكم" ١ قال الحاكم صيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الحاكم أيضا: عن محمد بن إياس بن سلمة، عن أبيه، عن جده، ﵁: "أن رسول الله ﷺ مر على ناس ينتضلون، فقال: حسن هذا اللهم، مرتين أو ثلاثا، ارموا وأنا مع ابن الأدرع، فأمسك القوم بأيديهم، فقالوا: لا والله لا نرمي معه، وأنت معه يا رسول الله، إذاً ينضلنا، فقال: ارموا وأنا معكم جميعا. قال: فلقد رموا عامة يومهم ذلك، ثم تفرقوا على السواء، ما نضل بعضهم بعضا" قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد، وأهل السنن، من حديث عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله. وقال: ارموا، واركبوا، وأن ترموا خير لكم من أن
стр. 7078
تركبوا. وقال: كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل، إلا ثلاثا: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله؛ فإنهن من الحق" ١ قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعند الحاكم في أوله قصة، ولفظه عن خالد بن زيد الجهني، قال: "كنت راميا أرامي عقبة بن عامر ﵁، فمر بي ذات يوم، فقال: يا خالد اخرج بنا نرمي فأبطأت عليه.
فقال: يا خالد، تعال أحدثك ما حدثني رسول الله ﷺ ، وأقول لك كما قال رسول الله ﷺ . إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي احتسب في صنعته الخير، ومنبله، والرامي.
ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وليس من اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته زوجته، ورميه بنبله عن قوسه، ومن علم الرمي ثم تركه، فهي نعمة كفرها" وقد رواه سعيد بن منصور، والنسائي بنحو هذا اللفظ.
وفي رواية أبي داود: "ومن ترك الرمي بعد ما علمه، رغبة عنه، فإنها نعمة تركها" ٢ أو قال: "كفرها"، ورواه أبو داود الطيالسي، والدارمي في مسنديهما بنحو ما تقدم،
стр. 7079
وعندهما في آخره وقال: "من ترك الرمي بعد ما علمه، فقد كفر الذي علمه" ١.
وفي صحيح مسلم عن الحارث بن يعقوب، عن عبد الرحمن بن شماسة "أن فقيما اللخمي، قال لعقبة بن عامر ﵁: تختلف بين هذين الغرضين، وأنت كبير يشق عليك؟ قال عقبة: لولا كلام سمعته من رسوله الله ﷺ لم أعانه، قال الحارث: فقلت لابن شماسة: وما ذاك؟ قال: إنه قال: من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو قد عصى" ٢.
وفي المسند، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستفتح عليكم أرضون، ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بسهمه" ٣.
وفي المسند أيضا: عن أبي أمامة بن سهل، قال: "كتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁ أن علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي. فكانوا يختلفون إلى الأغراض ... الحديث" قال أهل اللغة: العوم: السباحة.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، وأبو نعيم في الحلية عن بلال بن سعد رحمه الله تعالى قال: "أدركتهم يشتدون بين الأغراض، ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهبانا".
стр. 7080
وذكر الشيخ: أبو محمد المقدسي في المغني، عن مجاهد قال: "رأيت ابن عمر ﵄ يشتد بين الهدفين، إذا أصاب خصلة، قال: أنا بها أنا بها" وعن حذيفة ﵁ مثله، وذكر الطبراني عن مصعب بن سعد قال: "كان سعد ﵁ يقول: أي بني تعلموا الرماية، فإنها خير لعبكم".
وذكر الشيخ أبو محمد المقدسي أيضا: عن مجاهد، قال: قال رسول الله ﷺ "إن الملائكة لا تحضر من لهوكم إلا الرهان، والنضال" قال الأزهري: النضال في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق فيهما.
وذكر الشيخ أيضا: "أن النبي ﷺ مر بقوم يربعون حجرا، يعني: يرفعونه، ليعرفوا الأشد منهم، فلم ينكر عليهم".
قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام، واستعماله الأسلحة، لما في ذلك من التدريب على الحرب. انتهى. فهذا ما تيسر ذكره من رياضات المسلمين ولهوهم المباح، وفيها كفاية لكل مسلم.
ومن لم يكتف بالرياضات الشرعية، ولم يسعه ما وسع السلف الصالح، فلا كفاه الله، ولا وسع عليه في الدنيا والآخرة، ومن آثر الرياضات الإفرنجية على الرياضات
стр. 7081
الشرعية، فذلك عنوان على زيغ قلبه، عياذا بالله من موجبات غضبه.
[فصل في أن من أعظم الملاهي وأشدها فسادا التلفزيون]
فصل: وأعظم من ذلك وأدهى وأمر، وأشد فسادا للأديان والأخلاق، وفساد العوائل: ما حدث في هذا العصر، وهو: ما يسمونه: "التلفزيون" وكلام الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، فيه كفاية عن التدليل على قبحه، وعظيم مفسدته.
قال ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ما همع وبل، وومض وبرق.
وبعد: فقد كثر التساؤل عن حكم هذه الآلة، المعروفة بالتلفزيون، هل يجوز اتخاذها واستعمالها؟ أم أن ذلك ممنوع شرعا؟
وقد تنوعت الأسئلة في ذلك، إلا أنها ترجع إلى شيء واحد، وهو: أن هذه الآلة، آلة تثقيف وتعليم تارة، وآلة شر وبلاء أخرى، لما يعرض على شاشتها، مما يضعه
стр. 7082
المخططون لبرامجه، فأقول مستعينا بالله معتمدا عليه:
لا شك أن هذه الآلة المعروفة بالتلفزيون، التي انتشرت في كثير من البلاد، واستعملها الكثيرون من الناس في بيوتهم، وبين فتيانهم وفتياتهم، حتى عمت الأندية والمجالس العامة.
وقبل أن نتكلم على حكمها، ونبين مضارها ومفاسدها، لابد من مقدمة قبل ذلك، نبين فيها ما ينبغي للمسلم التنبه له، من بيان حكم اللهو الممنوع، وتقسيم القلوب، وإشراب بعضها بالفتن ومحبتها لها، وإنكار البعض لها، واستنارتها بنور الإيمان.
المقدمة
روى أبو داود والترمذي والنسائي، والحاكم، وقالت صحيح الإسناد عن عقبة بن عامر، ﵁ أن رسوله الله ﷺ قال: "كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق" ١.
في هذا الحديث دليل، على أن كل لهو يلهوه ابن آدم فهو باطل، أي: محرم ممنوع، ما عدا هذه الثلاثة، التي استثناها رسول الله ﷺ فإنها من الحق، أو وسيلة إليه؛ قال الخطابي في معالم السنن، قوله: "ليس من اللهو إلا ثلاث" ٢ يريد ليس من اللهو المباح إلا ثلاث؛ وقد جاء معنى ذلك
стр. 7083
مفسرا في الحديث من رواية أخرى.
قلت: وفي هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة، وإنما استثنى رسول الله ﷺ هذه الخلال، من جملة ما حرم منها، لأن كل واحدة منها، إذا تأملتها وجدتها معينة على حق، أو ذريعة إليه.
ويدخل في معناها: ما كان من المناقفة بالسلاح، والشد على الأقدام ونحوها، مما يرتاض به الإنسان، فيتوقح بذلك بدنه، ويتقوى به على مجالدة العدو.
فأما سائر ما يتلهى به البطالون، من أنواع اللهو كالنرد، والشطرنج، والمزاجلة بالحمام، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق، ولا يستجم به لدرك واجبه، فمحظور كله.
وقال الشوكاني، فيه: أن ما صدق عليه مسمى اللهو، داخل في حيز البطلان، إلا تلك الثلاثة الأمور، فإنها وإن كانت في صورة اللهو، فهي طاعات مقربة إلى الله ، مع الالتفات إلى ما يترتب على ذلك الفعل من النفع الديني ... إلخ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه، ﵀، في الكلام على حديث عقبة: "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل ... " ١ الحديث، ما معناه: الباطل ضد الحق، فكل ما لم يكن حقا، أو وسيلة إليه، ولم يكن نافعا، فإنه باطل، مشغل
стр. 7084
للوقت، مفوت على الإنسان ما ينفعه في دينه ودنياه، فيستحيل على الشرع إباحة مثل هذا.
فهذا كلام العلماء، ﵏، في اللهو الباطل، من أنه محرم، في حين أنه مقصور على صاحبه، ولم يكن بصورة عامة فاتنة، للكثيرين من الناس في قعر بيوتهم، مما يعرض على شاشة التلفزيون، من المناظر الفاتنة، والحفلات الداعرة، والمراقص الماجنة، واختلاط الرجال بالنساء، ومعانقة كل منهم الآخر، بدون حياء ولا خجل.
وبانتشار فظيع في كل بيت، وفي كل مكان، ينظر إليه البطالون، فيفسد أخلاقهم، ويقتل غيرتهم الدينية، ومروءتهم العربية، أين هذا من اللهو الباطل، المقصور على صاحبه؟ مما لم يكن بهذا الشكل، ولا هذه الكيفية؟ فالله المستعان.
قال حذيفة بن اليمان، ﵁: قال رسول الله ﷺ : "تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير، عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مربادا، كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض، فلا تضره فتنة، ما دامت السماوات والأرض".
قال ابن القيم: فشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا، كعرض عيدان الحصير- وهي: طاقاتها- شيئا فشيئا، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين:
стр. 7085
قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب الإسفنج الماء، فتنكت فيه نكتة سوداء؛ فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله: كالكوز مجخيا، أي: منكوسا.
فإذا اسود وانتكس، عرض له من هاتين الآفتين، خطران متراميان به إلى الهلاك:
أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا؛ وربما استحكم عليه هذا المرض، حتى يعتقد المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والحق باطلا، والباطل حقا.
الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول ﷺ ، وانقياده للهوى واتباعه له. وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته.
والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي: فتن الشهوات، وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى: توجب فساد القصد والإرادة، والثانية: توجب فساد العلم والاعتقاد. انتهى.
فالقلوب نوعان: قلب إذا عرضت عليه الفتنة، أشربها
стр. 7086
وحبها، ومال إليها وأيدها، وقلب: ينكرها، ويبغضها، ويحذر منها، فذلك مثل ما يعرض على شاشة التلفزيون، من الفتن المهلكة، والمناظر الضارة، والمراقص والحفلات، والتمثيليات، وغيرها.
قلب يألفها ويحبها ويدعو إليها، فهذا القلب قد اسود وماتت غيرته، واستحكم مرضه. وقلب ينكرها وينفر منها ويحذر عنها، فذلك القلب الأبيض الذي أشرق بنور الإيمان، وهو معنى ما تقدم في خبر حذيفة.
وقال أيضا: ومن حيل الشيطان ومكايده: الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التي هي زبالة الأذهان، ونحاتة الأفكار، والزبد الذي يقذف به القلوب المظلمة المتحيرة، التي تعدل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب.
وقد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخيالات، فمركبها القيل والقال، والشك والتشكيك، وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
وقد اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا، وقالوا من عند أنفسهم منكرا من القول وزورا، فهم في شكهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون.
стр. 7087
نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تلته الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال، فهم إليه يحاكمون، وبه يتخاصمون، فارقوا الدليل، واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.
ولا شك، أن المؤيدين لهذه الآلة: "التلفزيون" من هذا القبيل، قذف الشيطان بزبده في تلك القلوب المظلمة، فرأوا أن التلفزيون أداة تعليم وتثقيف، وبها تتسع مدارك الإنسان، ويتسع أفقه.
وأن التلفزيون بمنْزلة النافذة، التي يطل معها الإنسان إلى العالم، فيعرف ما كانوا عليه، لما يعرض على شاشته، مما يضعه مخططو برامجه؛ هؤلاء وأمثالهم، فارقوا الدليل، واتبعوا أهواءهم، قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل، فلا عبرة بزخرف القول الباطل، والخيالات الفارغة، والتهافتات الساقطة.
فمن تأمل ما يعرض على شاشة التلفزيون من المضار، وقتل الغيرة الدينية، والميوعة، والانحراف الغريب، الذي طرأ على المسلمين في دينهم، وعقيدتهم، وتقاليدهم الحسنة، ومروءاتهم العربية، لم يشك أن هذا من مكايد الشيطان وحيله، ولم يتوقف في تحريمه، والمنع منه؛ ولا عبرة بمن استحسنه، واستعمله في بيته، واتبع هواه، وأعرض عن الحق وتولى عنه؛ ذلك مبلغهم من العلم.
стр. 7088
فتجد الكثير من هؤلاء لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن، دون المصلحة الحقيقية، وهي: مصلحة الأسر، وتربيتهم التربية الدينية النافعة، وصلاح الدين يتبعه صلاح المال والبدن، دون العكس، والله أعلم.
تحريمه:
أسلفنا حديث عقبة الذي رواه: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل ... " ١ الحديث، والباطل: ضد الحق، فكل ما ألهى عن أداء واجب، ولم يكن ذريعة إلى حق فهو حرام، كما تقدم في قول الإمام الخطابي والشوكاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم.
وقال ابن القيم ﵀: إذا أشكل حكم شيء، هل هو الإباحة، أو التحريم، فلينظر إلى مفسدته، وثمرته وغايته؛ فإن كان مشتملا على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي، ولا سيما إذا كان طريقا مفضيا إلى ما يغضب الله ورسوله، موصلا إليه عن قرب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: لا يجوز اللعب المعروف بالطابة والمنقلة، وكل ما أفضى كثيره إلى حرمة، وإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، لأنه يكون سببا للشر والفساد، وما ألهى أو شغل عما أمر الله به، فهو
стр. 7089
منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه، كالبيع والتجارة، وسائر ما يلهى به البطالون، من أنواع اللهو، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به على حق شرعي، فكله حرام. انتهى.
فاتضح من كلام هذين الإمامين: أن الشيء إذا أشكل حكمه، ينظر في مفسدته وثمرته وغايته، فإن كانت مصلحته أرجح من مفسدته، فالشرع لا يحرمه، بل تغتفر المفاسد الجزئية، في جانب المصالح الكلية.
وإن رجحت مفسدته على مصلحته، بأن كانت مفسدته كلية، وإن اشتمل على مصالح جزئية، فيستحيل على الشارع إباحته، بل هو محرم قطعا. وكل ما يلهو به الإنسان من أنواع اللهو، فهو باطل، وإن لم يحرم جنسه، إذا أدى إلى ترك واجب، كالبيع، والزراعة، ونحوهما.
فهذه وإن كانت أعمالا مطلوبة، ومرغبا فيها، لكنها تكون محرمة إذا أفضت إلى ما يسخط الله ويغضبه، كترك صلاة في جماعة، أو إلى أن يخرج وقتها، وما لم يكن فيه مصلحة راجحة، فهو أيضا ممنوع، لأنه يكون سببا للشر والفساد.
أين هذا من آلة التلفزيون؟ مع قطع النظر عما يعرض على شاشته، من الخلاعة والدعارة، وتربية الأطفال على الرقص والمجون؛ فإنه مشغل للوقت، مذهب له بدون
стр. 7090
فائدة، مؤد إلى ترك الصلاة في جماعة، أو إلى خروج وقتها، فهذا أولى بالتحريم.
مضار التلفزيون، ومفاسده:
نشرت جريدة الشهاب البيروتية، في عددها الثاني، الصادر في ١٧/١١/١٣٨٧هـ مقالا للأستاذ المحامي: محمد علي ضاوي، نقتطف منه ما يلي: قال: التلفزيون: سرطان في الروح والمجتمع; التلفزيون: سرطان في الجسم والمال؛ التلفزيون: مائدة للشيطان، تعرض عليها المفاسد.
قال: فالتلفزيون بما هو عليه الآن، وفي أكثر برامجه شر، ومائدة للشيطان، يعرض عليها أنواعا من المفاسد والمجون، وتحريفات في القيم، والأفكار، والعادات، وذلك بمختلف الوسائل الفنية: أغنية، صورة، تمثيلية، حفلة، دعاية.... إلخ.
وأكثر الناس، وخاصة الأخلاقيين، والمحافظين، والإسلاميين، يعرفون ذلك، ويدركون أنهم بشرائهم للجهاز، يمكنون للانحلال والتميع في عائلاتهم، ويعودون الأهل عليهما؛ ومع هذا فهم يبتاعونه، وربما يستدينون، أو يقطعون عن معداتهم، لأجل الشيطان وجهازه التلفزيون، وقال: اقتله قبل أن يقتلك.
ثانيا: ولا ريب أن التلفزيون ببرامجه الحالية، عمل
стр. 7091
ويعمل على تخدير أعصاب الآباء، إن لم تقل: إنه جبههم في عقر ديارهم، وانتزع منهم السلطة الأبوية، وخاصة فيما يتعلق بالتوجيه.
فرب العائلة الأخلاقي، أو المحافظ، أو الإسلامي، يتردد بادئ ذي بدء في شراء الجهاز وفي اقتنائه، إلا أن ضغط الزوجة، ومن ورائها ضغوط الأولاد، يدفعه إلى الشراء، شريطة التقيد بمواعيد محددة لاستعماله، موطنا نفسه عند ابتياعه، على استخدام نفوذه للحد من مفاسده وإغلاقه في اللحظات المناسبة والحاسمة.
بيد أنه بعد وقوعه في الفخ، وبعد جلوسه مع زوجته وفتيانه وفتياته، تضعف إرادته، ثم تتراخى، ثم تتخدر؛ ونراه ونرى عائلته يتسابقون في النظر والاستماع، وهم يتبعون الصور والحركات، وينتقلون من برنامج إلى آخر؛ وإذا سألته بعد حين، عن توجيه الأولاد، تأوه، وأطلق زفرات حرى، وتمتم: لا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد أطلق أحد الأخصائيين الاجتماعيين في ألمانيا منذ سنوات، عبارة تلخص بعمق مدى خطورة التلفزيون على النشء، وعلى المجتمع، وذلك بعد دراسة مباشرة أجراها في مدارس ومؤسسات مختلفة، فقال: اقتله قبل أن يقتلك. ولكن عندما يشتد التخدير، يغدو القتل البطيء لذة محببة للنفوس المخدرة.
ثم لو أراد مخططو البرامج والمشرفون عليها أن تنتشر
стр. 7092
بين الناس عادة من العادات، أو تتأصل فيهم فكرة من الأفكار في أعلى الدرجات، أو أسلوب في الكلام والزينة في أدناها، لوجدنا أن البرامج تلاحمت في جهد مشترك للوصول إلى الغاية المحددة، سيئة كانت أو حسنة.
ودسا للدسم في السم، يعمل التلفزيون بين حين وآخر على تجميد غضب المعارضين للبرامج، فينقل عبر محطاته وقنواته التي سبق لها أن نقلت السم الزعاف، ومبيدات الأخلاق والقيم، نماذج من البرامج الدينية والوطنية، وربما الثقافية، فيسكت الغضب عند المغضبين، ويقولون عند هذا: له حسنات، وله سيئات!!
غير أن الكثيرين أو الأكثر يتعامون عن أضراره ومفاسده، وذلك لانتشاره بين مختلف العائلات والطبقات، واستعباده لقلوبهم، فقد تعامى الناس عما فيه من الأضرار الاجتماعية، والأخلاقية، والدينية والصحية.
فهم يتثاقلون عن استماع ما يقوله الطب، عن تأثير الأشعة النووية بأجسام الأطفال خاصة، وإذا استمعوها تغافلوا عنها، وربما لم يصدقوها، لأن التلفزة قد استعبدتهم، واستحوذت على قلوبهم، وفتنتهم ببرامجها الخليعة الضارة.
كالتدخين، يقول الطب والطبيب والناس بضرره، ومع هذا فهم مدمنون على استعماله، لا يستطيعون الانفكاك عنه، وهم يصطرخون فيه.
стр. 7093
قال الأستاذ الضناوي: ولقد قرأت أن العالم الشهير في التصوير الشعاعي: الدكتور "أميل كروب" قد أكد بمرارة، وهو يحتضر في أحد مستشفيات شيكاغو، بأمريكا: أن أجهزة التلفزيون في البيوت، هي عبارة عن عدو لدود، وأخطبوط سرطاني خطير، يمتد إلى أجسام الأطفال.
وقد كان الدكتور نفسه، أحد ضحايا السرطان، الناتج عن إشعاعات التلفزيون؛ وقد أجريت له قبل وفاته، ست وتسعون عملية جراحية، لاستئصال الدرنات السرطانية دون جدوى، إذ إنه وصل إلى النهاية المؤلمة، بعد أن استؤصل قسم كبير من وجهه، وبترت ذراعه.
وأضاف الدكتور كروب قبل موته: أن شركات التلفزيون تكذب وتخدع الناس، عندما تزعم بأن هنالك حدا أدنى للطاقة الإشعاعية لا تضر، وتزود بها أجهزتها. فالعلم يقول- بعد التجارب العديدة- أن أية كمية من الإشعاع مضرة بالجسم، على درجات متفاوته، وذلك حسب نسبة التعرض والجلوس أمام التلفزيون؛ كما فند الطبيب المحتضر بالسرطان نفسه، مزاعم الشركة التي تدعي أنها توجه الأشعة في جهازها نحو الأرض، لا إلى المشاهد الذي يجلس بالقرب من جهاز التلفزيون.
واستغرب الدكتور كروب: كيف لا يهتم هؤلاء بالناس، الذين يقطنون في الطوابق السفلى، علما بأن الإشعاعات
стр. 7094
الضوئية، والذرية، والنووية، المستعملة في التصوير الشعاعي، والتلفزيون تخترق جميع الحواجز، بما فيها الجدران السميكة؟ !
وأيد كل من الدكتور "هاسل" والدكتور "لامب" أقوال الدكتور "كروب" الذي يعاني آلام الاحتضار.
ولقد طالبت مجلة الاقتصاد، التي نقلت هذه المعلومات، والتي تصدر في بيروت، في نهاية مقترحاتها: أن على كل أب، وكل أم، أن يتناولوا مطرقة ضخمة، ويحطموا بها كل ما لديهم من أجهزة تلفزيونية؛ العدد ٢٣ كانون الأول عام ١٩٦٧ م.
ولا شك أنها آلة بلاء وشر، داعية إلى كل رذيلة ومجون، داعية إلى كل فساد وخراب للعائلات، مشغلة للوقت، مذهبة له بغير فائدة، بل ربما أدت إلى ترك الواجبات، من صلاة، وقيام بطاعة؛ هذا لو سلمت من الخلاعة والدعارة.
كيف وقد يعرض على شاشته مناظر مزرية، وصور داعرة لنساء خليعات، ورجال أراذل؟! فيتحدثان بكلمات عشق ووصال، وصد وهجران؛ مما يدعو إلى الفجور، وارتكاب الجريمة، بمشاهدة الخلق الكثير، من الرجال والنساء.
فتجد الرجل عندما يرى هذه الصورة أمامه، ويسمع ما
стр. 7095
يقع بينهما، وبجانب الرجل أو الرجال امرأة أو نساء أجنبيات، وهم ينظرون ويسمعون، ما عرض على شاشة التلفزيون، من غرام وحب ومعانقة.
أليس هذا بأعظم دعوة إلى الفساد، وارتكاب الفاحشة؟! وقد وجد بمجتمعنا اليوم، من يكتب ويدعو إلى التلفزيون، وأنه مصلحة وأداة خير للتثقيف والتعليم؟ !
فقل للعيون الرمد للشمس أعين ... وسامح نفوسا أطفأ الله نورها
سواك تراها في مغيب ومطلع ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي
إنها لغفلة مخيفة، لم ينتبه أكثر الناس إلى ما وراء ذلك، من الفسق، والدعارة، وفساد البيوت، وخراب الأسر، واختلاط الحابل بالنابل.
بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
وها هو التلفزيون الممنوع بالأمس، أصبح الآن بيننا في حكم المباح، إن لم يكن في حكم المستحب، أو الواجب; وكل ما نقوله أو نعتقده في الماضي، كنا فيه اليوم على غير هدى، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
كفى حزنا للدين أن حماته ... متى يسلم الإسلام مما أصابه
إذا خذلوه قل لنا كيف ينصر ... إذا كان من يرجى يخاف ويحذر
أيها المسلم لقد تكانفتنا الشرور من كل حدب وصوب، ونرقب إلى الله الخروج من هذه المآزق، ولا شك أن اجتماع الجنسين، عند هذه الآلة، وما يرونه على الشاشة، من الخلاعة العظيمة، والدعارة الفظيعة، لا شك أن
стр. 7096
القلوب مع هذا ترقص طربا، وتذهب كل مذهب في هذه المناظرة الهائلة، ولا يعلم إلا عالم الجنسين وقتئذ بالغ منتهاه.
وإذا كانت المقدمات تدل على النتائج، فإن هذه المقدمات لا تنتج في الحالة، ولا في المآل، إلا بلاء وشقاء. وماذا ينتظر من نساء قطرة من الحياء، وهن كل ليلة ينسلن من كل حدب إلى حيث تمثل روايات الغرام المهيجة، على شاشة الآلة المسماة بالتلفزيون، حيث ترى المرأة بعينها، كيف يعمل العاشق مع معشوقته، وما يقع بينهما من الأنات والكلمات الغرامية، وتبادل كلمات التلاقي، والشوق المبرح، وما إلى ذلك مما لا أعرفه أنا.
ترى المرأة هذا وتسمعه بأذنها، فتقوم من هذا المجلس في حماس عظيم، وإلهاب هائل، فتكون في مثل هذا المنظر الذي تراه ألذ منظر في الوجود. ولو أنها لا ترى هذا إلا مرة واحدة في حياتها، لكفى في فسادها أبد الدهر؛ ولكنها ترى كل ليلة يتكرر على سمعها وبصرها، وهي امرأة ضعيفة في عقلها ودينها، وفي تفكيرها، ولا يهمها في الوجود شيء أكثر من إرضاء شهوتها البهيمية.
ليس ذلك فقط الذي تراه المرأة، وترى مع ذلك نساء برعن في الرقص بنوعيه، الخليع والإفرنجي; الخليع الذي
стр. 7097
تكون فيه المرأة شبه عارية، وبعبارة أخرى عارية البدن كله، إلا مكانا مخصوصا منه.
ورؤية المرأة- وهي هكذا- شديد على النفس جدا، خصوصا إذا انضم إليه ما تفعله في رقصها من حركات في البطن والخصر، وما إلى ذلك، حركات تطرف الناظرين من الرجال.
وقد أجنبوا وهم ينظرون، كما يكون ذلك منهم حينما يرون المرأة مع الرجل، يرقصان ذلك الرقص الإفرنجي، الذي يتخاصران فيه، ويتلاصقان، وهو والحق يقال: منظر يثير الجماد، ويحرك من لا يتحرك، يرى النساء هذا المنظر، ويتكرر نظرهن له.
فما قولك في امرأة هذه حالتها؟! أيبقى فيها شيء من الحياء، أو العفة؟ ولماذا لا تكون هي كهذه التي تخاصر هذا؟ وتتمتع بمثل من تمتع، بالرقص معه، متعة فوق متعتها بآلاف المرات، والنفوس مولعة بالتقليد، خصوصا نفوس النساء.
أيها المسلمون: مالي أراكم تتحمسون وتقومون من أجل حطام قليل من حطام الدنيا، أو شبر من الأرض يتعدى عليه من بعضكم لبعض، أو من دولة مجاورة، تزأر الحكومة من أجله، وتقوم وتقعد، وتجند كل إمكانياتها حماية لهذا الشبر؟!
стр. 7098
ولا أراكم تتحمسون لدينكم، ولا تغارون من أجل الشرف والعرض ديست كرامته! فأي الشيئين أهم وأقدس: أوامر دينكم والتمسك بتعاليم إسلامكم؟ أم حطام يسير من الدنيا، أو شبر من أرض أحدكم تعدى عليه الآخر؟ !
نرى منكم في الهين البسيط الحماس والتفاني، ولا نرى منكم نحو الأهم الخطير إلا التهاون والتواني؛ تتقون وتخشون عدوا من العباد، ولا تخشون عدوا في نفوسكم اسمه "الفساد"، يقتل النفوس ويستحي الأجساد؟ !
ألا ومنه التلفزيون المعروض على شاشته حفلة خليعة، مرقص، تمثيلية، مسرح، أغنية، غرام، التي هي: رقية زنا ١؟ !.
وقد شاهد الناس أنه ما غنى الغناء صبي إلا وفسد، ولا امرأة إلا وبغت ولا شاب إلا وإلا ... ولا شيخ إلا وإلا ...
ألا فانتبهوا أيها المسلمون، وناصحوا بعضكم بعضا، ممن امتهن أوامر الإسلام، ونبهوا من خرج على الآداب والاحتشام، وحاربوا هذا الداء الوبيل، الذي يفتك ويهتك بالأعراض والأجسام! فلا تعتبروا نفوسا ألفت الفساد،
стр. 7099
فصارت عميا لا ترى للحق نورا، ولا تعرف للفضيلة جمالا، يظهر أمامها الحق واضحا جليا ساطعا نوره، فتراه باطلا مظلما، وتتجلى بين يديها الفضائل، فتراها رذائل، فهذه النفوس الدنيئة القذرة، هي بالحشرات أشبه، وبالديدان أقرب، يتعذر إقناعها، ويستعصي على الدعاة الناصحين علاجها؛ فمن العنا سياسة الهرم، ومن التعذيب تهذيب الذئب؛ لأن أمثال هؤلاء لا يميلون إلى الرشد، ولا إلى طلب الحق والفضائل.
وقد تستحسن بعض العقول استعمال هذه الآلة المسماة بالتلفزيون، ظنا منها أنها أداة تثقيف وتعليم، وأداة لنشر الفضائل، ولم تنتبه العقول لخطورتها، وما يعرض على شاشتها، من الخلاعة والدعارة، والمناظر الفاتنة، والحفلات المفسدة للبيوتات، والمخربة للأسر، ولم تعرف قواعد الشريعة الصحيحة.
بل كلما تجلى أمامها من نور مزيف مآله إلى الظلمة، وكلمات معسولة التي بها السم الزعاف، تلقته بالقبول والاستسلام، ونسيت ما يعرض على تلفزيونات البلاد الأخرى، من الشر والبلاء والفتنة؛ أضف إلى ذلك ضياع الوقت الذي هو من ذهب.
أيها المسلمون، لا تعتبروا عقولكم وما تستحسن في هذا السبيل اعتبروا بغيركم، وقيسوا الأشباه بالنظائر، وتثبتوا في أموركم حتى تروا الحق واضحا جليا؛ فإن العقول
стр. 7100
البشرية، لا تستقل بإدراك المصالح الدنيوية، فكيف تستقل بمعرفة المصالح الأخروية؟ !
ولا تتمكن العقول وحدها إلى تمييز الخير من الشر، ولا إلى معرفة المعروف من المنكر، وليس في إمكانها أن تقف على حقائق الأمور، ولا أن تدير أمورها وحكمها على نظام تام، ومحكم مستقيم، لا خلل فيه ولا جور.
فإنها وإن وصلت إلى ما وصلت إليه من المعرفة والإدراك، فقد تميل إلى الباطل عن الحق، وتنحرف إلى الفساد عن الصلاح، ويخفى عليها وجه المصلحة، ولا تصل إلى الاهتداء لمغبة الأعمال؛ وكثيرا ما يبدو لها الشر في لباس الخير، فتظنه خيرا وهو شر محض، وبلاء مستطير، فتقع فيه؛ وكثيرا ما ظهر لها الخير فتظنه شرا، لعجزها عن إدراك الحقائق، فتقع فيه ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٦] . وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 7101
الباب الرابع التبرج
هو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يعرف في سلفنا، ولا في السلف الصالح؛ وإنما تسرب إلى هذه البقعة، على هذه الصفات في هذا العصر، للاختلاط بأهل الخارج، وفتح الباب لهن باسم التربية والتعليم، والمصحات.
والتبرج هو: إظهار الجمال، وإبراز محاسن الوجه والجسم ومفاتنه، وقال البخاري ﵀، التبرج: أن تخرج المرأة محاسنها. وأصل التبرج: مأخوذ من البروج، وهي: القصور العالية لارتفاعها، فالمرأة المتبرجة تعلن عن محاسنها بإبرازها مفاتنها، وتحديدها، كما تعلن البروج عن نفسها بارتفاعها.
وقال رسول الله ﷺ :"إذا خرجت المرأة متعطرة، فإنها زانية" وهو يثبت أن التبرج كذلك، يكون بنضوح ريحها، فيلفت النظر إليها.
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ... " ١ الحديث.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: كاسيات بلباس رقيق
стр. 7102
لا يستر البشرة، أو ضيق يبدو منه حجم العضد والعجيزة، فهن عاريات حقيقة. وقال: يجب على ولي المرأة، كأبيها، وزوجها أن يمنعها من ذلك، فإن لم يفعلا عزرا.
وقال: لا يجوز للمرأة أن تلبس الخف الذي يبدي ضخامة القدم، وفي هذا العصر لبس بعضهن خفا يسمى: "أم كعب" يضخم معه القدم، وتنبو معه العجيزة.
ولم يقفن على ما وصفه الشيخ، بل أبدين، العضدين والساعدين، بلباس ضيق، وجعلن حمالات للثديين، واستعملن لباسا يسمونه "الكرته" و "أم صدر" ضيق الأعالي، فتبدو منه الخاصرة، ويضخمن العجيزة، دون حياء ولا خجل.
وقصصن الرأس- مع العلم أنه لم يؤذن لها أن تقص منه إلا قدر أنملة، إذا تحللت من الإحرام- لتبدو الرقبة بارزة، ويبقين في مقدم الرأس ثلة من الشعر، نحو ما على رأس بعض الحمير بين الأذنين، وأملن المفرق.
وتركن الذي كانت تستعمله العرب، في الجاهلية والإسلام، وسط الرأس، ويبقين ثلة في مؤخر الرأس، مرفوعة عن الرقبة، محزومة، تشبه ذنب الثعلب.
قال شيخ الإسلام: ما يضع الشعر بين الكتفين إلا العاهرات، وقد يجمعنها ويحزمنها مرتفعة، تشبه ذنب المعز. وقد قال بعض أهل العلم: يحتار الخاطب بين جمال
стр. 7103
الوجه، أو الشعر، وقال امرء القيس يصف جمالها:
وفرع يزين الوجه أسود فاحم ... أثبت كقنو النخلة المتعثكل
فجمعن بين الوعيد بالنار، وعدم رائحة الجنة، وتشبهن بنساء الإفرنج، ومن سلك سبيلهم من الدول المنحلة، وقد قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من تشبه بغيرنا" ١، وقال: "من تشبه بقوم فهو منهم" ٢، وقال: "من تشبه بقوم حشر معهم".
فالعجب ممن يعلم هذا الوعيد الشديد، ويرضى بثمرة فؤاده أو ضجيعته، أن تتصف بهذه الصفات الشنيعة المحرمة! ويالله! يا للمسلمين! يا للعرب! يا للعقول!!!
وأعظم من ذلك وأدهى: أنهن يسخرن ممن يلبسن لباس المسلمات، ويرضين أن تشاطر الرجال في المكاتب وغيرها، وتخلو بدون محرم. ويأتي في كلام الشيخ وغيره ما يكفي عن بيان ما تشبهن فيه بالإفرنج، من كشف بعض الأعضاء وغير ذلك.
والعجب مما ذكر محمد رشيد رضا، قال: حدثني الأمير شكيب أرسلان في جنيف سويسرة، عن طلعت باشا التركي: أن عظيم الألمان، لما زار الأستانة في أثناء الحرب، ورأى النساء التركيات، سافرات متبرجات، عذله على ذلك، وذكر له ما فيه من المفاسد الأدبية، والمضار الاقتصادية، التي تئن منها أوروبا، وتعجز عن تلافيها.
وقال له: إن لكم وقاية من ذلك كله، ألا وهو الدين
стр. 7104
الإسلامي، أفتزيلونها بأيديكم؟! قال حمود التويجري، قلت: وهذا الألماني أعقل من كثير من المنتسبين إلى الإسلام، وقد ذكرت في الصارم المشهور، عن بعض عقلاء الإيطاليين نحو ذلك، فليراجع.
وقيل: أبحنا الشابات ليتمتع الشباب، ففسدت أزواجنا. والحق ما شهدت به الأعداء.
[قول الشيخ محمد بن إبراهيم في شأن ما ابتلي به كثير من النساء من التهتك]
وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
من محمد بن إبراهيم: إلى من يراه من إخواننا المسلمين، وفقني الله وإياهم لما يرضيه، وجنبنا جميعا أسباب سخطه ومعاصيه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فقد تغيرت الأحوال في هذه الأزمان، وابتلي الكثير من النساء بخلع جلباب الحياء، والتهتك، وعدم المبالاة، وتتابعن في ذلك، وانهمكن فيه إلى حد يخشى
стр. 7105
منه الانحدار في هوة سحيقة من السفور والانحلال، وحلول المثلات والعقوبات من ذي العزة والجلال.
وذلك مثل لبسهن ما يبدي تقاطيع أبدانهن، من عضدين، وثديين، وخصر، وعجيزة، ونحو ذلك، ومثل لباس الثياب الرقيقة التي تصف البشرة، وكذلك الثياب القصيرة التي لا تستر العضدين ولا الساقين، ونحو ذلك.
ولا شك أن هذه الأشياء تسربت عليهن، من بلدان الإفرنج، ومن يتشبه بهم، لأنها لم تكن معروفة فيما سبق، ولا مستعملة. ولا شك أن هذا من أعظم المنكرات، وفيه من المفاسد المغلظة، والمداهنة في حدود الله لمن سكت عنها، وطاعة للسفهاء في معاصي الله.
وكونه يجر إلى ما هو أطم وأعظم، ويؤدي إلى ما هو أدهى وأمر، من فتح أبواب الشرور والفساد، وتسهيل أمر التبرج والسفور، ولهذا لزم التنبيه على مفاسدها، والتدليل على تحريمها والمنع منها، ونكتفي بذكر أمهات المسائل ومجملاتها، طلبا للاختصار.
أولا: أنها من التشبه بالإفرنج والأعاجم ونحوهم، وقد ثبت في الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة النبوية، النهي عن التشبه بهم، في عدة مواضع معروفة؛ وبهذا يعرف أن النهي عن التشبه بهم أمر مقصود للشارع في الجملة.
стр. 7106
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه: "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم": فجاءت الشريعة باتباع أولئك السابقين، على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم، إما لمعصيته، وإما لنقيصته، وإما لأنه مظنة النقيصة.
فإذا نهت الشريعة عن مشابهة العجم، دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار قديما وحديثا، ودخل في ذلك ما عليه الأعاجم المسلمون، مما لم يكن عليه السابقون الأولون، كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية، ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها؛ ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم، ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم.
ثانيا: أن المرأة عورة، ومأمورة بالاحتجاب والستر، ومنهية عن التبرج، وإظهار زينتها، ومحاسنها ومفاتنها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٩] الآية وقال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٣] . وهذا اللباس مع ما فيه من التشبه، ليس بساتر للمرأة، بل هو مبرز لمفاتنها، ومعر لها، ومغر بها من رآها وشاهدها، وهي بذلك داخلة في الحديث الصحيح عن
стр. 7107
أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
"صنفان من أهل النار من أمتي، لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، على رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر، يضربون بها الناس" ١.
وقد فسر الحديث: بأن تكتفي المرأة بما لا يسترها، فهي كاسية، ولكنها عارية في الحقيقة، مثل أن تكتسي بالثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي مقاطع خلقها: عجيزتها، وساعدها ونحو ذلك.
لأن كسوة المرأة في الحقيقة هو: ما سترها سترا كاملا، بحيث يكون كثيفا فلا يبدي جسمها، ولا يصف لون بشرتها لرقته وصفائه، ويكون واسعا فلا يبدي حجم أعضائها، ولا تقاطيع بدنها لضيقه.
فهي مأمورة بالاستتار والاحتجاب، لأنها عورة؛ ولهذا أمرت أن تغطي رأسها في الصلاة، ولو كانت في جوف بيتها، بحيث لا يراها أحد من الأجانب، لحديث "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" ٢.
فدل على أنها مأمورة من جهة الشرع، بستر خاص لم يؤمر به الرجل، حقا لله تعالى، وإن لم يرها بشر؛ وستر العورة واجب لحق الله حتى في غير الصلاة، ولو كان في
стр. 7108
ظلمة، أو في حال خلوة، بحيث لا يراه أحد، وحتى عن نفسه.
ويجب سترها بلباس ساتر لا يصف لون البشرة، لحديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، قال "قلت: يا رسول الله؛ عوراتنا، ما نأتي وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".
قلت: فإن كان القوم بعضهم مع بعض؟ قال: فإن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله تعالى أحق أن يستحى منه" ١ رواه أبو داود.
وقد صرح الفقهاء، ﵏، بالمنع من لبس الرقيق من الثياب، وهو ما يصف البشرة، أي: ما يستر العورة بالسترة الكافية، في حق كل من الرجل والمرأة، ولو في بيتها، نص عليه الإمام أحمد ﵀.
كما صرحوا بالمنع من لبس ما يصف اللين والخشونة والحجم، لما روى الإمام أحمد عن أسامة بن زيد ﵁ قال: "كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة كانت مما أهدى له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي. فقال ﷺ : ما لك لا تلبس القبطية؟ قلت: يا رسول الله كسوتها امرأتي. فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها" ٢.
стр. 7109
وكما صرحوا بمنع المرأة من شد وسطها مطلقا، أي: سواء كان يشبه الزنار، أو غيره، وسواء كانت في الصلاة، أو خارجها، لأنه يبين حجم عجيزتها، وتبين به مقاطع بدنها.
قالوا: ولا تضم المرأة ثيابها حال قيامها، لأنه يبين به تقاطيع بدنها، فتشبه الحزام. وهذا اللباس المذكور، أبلغ من الحزام، وضم الثياب حال القيام، وأحق بالمنع منه.
ثالثا: إن في بعض ما وقعنا فيه: شيئا من تشبه النساء بالرجال، وهذا من كبائر الذنوب؛ ففي الحديث: "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء" ١، وفي لفظ: "لعن الله المتخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء" ٢.
فالمرأة المتشبهة بالرجال، تكتسب من أخلاقهم، حتى يصير فيها من الظهور والتبرج والبروز، ومشاركة الرجال، ما قد يفضي لبعضهن إلى أن تظهر بدنها، كما يظهره الرجال، أو أكثر، لضعف عقلها، وتطلب أن تعلو على الرجال، كما يعلو الرجال على النساء، وتفعل من الأفعال ما ينافي الحياء، والحق المشروع في حق النساء.
كما أن الرجل المتشبه بالنساء، يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه، حتى يفضي به الأمر إلى التخنث والميوعة، والتمكين من نفسه، كأنه امرأة - والعياذ بالله-؛ وهذا
стр. 7110
مشاهد في الواقع؛ فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين، وبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة.
قلت: وقد أفضى الحال بكثير ممن يقلدون المتفرنجين، إلى أن تشارك كثير من النساء الرجال، في البروز، والخروج، والوظائف، والتجارة، والأسفار بدون محرم، وغير ذلك.
كما شارك كثير من الرجال النساء في المبالغة في التزين، والتخنث في الكلام، وحلق اللحى، والتثني عند المشي، والتحلي بخواتيم الذهب، والأزارير وغيرها، وساعات اليد التي فيها شيء من الذهب، ونحو ذلك، وأمثاله مما هو معروف، حتى صارت العادة عندهم تطويل ثياب الرجال، وتقصير ثياب المرأة إلى ركبتها، أو ما فوق الركبة، بحيث يبدو فخذها. نعوذ بالله من قلة الحياء، والتجرؤ على محارم الله.
رابعا: إن هذه الأشياء، وإن كان يعدها بعض من لا خلاق له من الزينة، فإن حسبانهم باطل، وما الزينة الحقيقة إلا التستر، والتجمل باللباس الذي امتن الله به على عباده، بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٦] .
وليست الزينة بالتعري، والتشبة بالإفرنج، ونحوهم، ممن لا خلاق له.
وأيضا: فلو نسلم أنه من الزينة، فليس لكل امرأة أن تخترع لها من الزينة ما تختاره، ويخطر ببالها،