← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

إلى ما تقدم من الآيات والأحاديث، الدالة على تحريم الأغاني والمعازف. ويدل الجميع على أن استعمالها، والاشتغال بها من وسائل غضب الله، وحلول عقوبته، والضلال والإضلال عن سبيله؛ نسأل الله لنا وللمسلمين العافية من ذلك، والسلامة من مضلات الفتن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأما كلام العلماء في الأغاني والمعازف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهو كثير جدا، وقد سبق لك بعضه. وإليك جملة من كلامهم، على سبيل التكملة والتأييد لما تقدم، والله ولي التوفيق. روى علي بن الجعد وغيره، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع" وقد روى ذلك عن النبي ﷺ مرفوعا والمحفوظ أنه من كلام ابن مسعود ﵁. قال العلامة بن القيم، ﵀، في كتاب: "الإغاثة" لما ذكر هذا الأثر، ما نصه: فإن قيل فما وجه إنباته للنفاق في القلب، من بين سائر المعاصي؟ قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة، في أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها، وأدوائها، وأنهم: هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم الذين داووا

стр. 7037

أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل. وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف، والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوى مادة المرض، فاشتد البلاء وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى، وقام كل جهول يطبب الناس. فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء. فمن خواصه: أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه. فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا، لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة ومجانبة شهوات النفوس وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان. والغناء يأمر بذلك كله ويحسنة، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح؛ فهو والخمر رضيعا لبان، وفي تهييجهما على القبائح فرسا- رهان؛ فإنه صنو الخمر ورضيعه، ونائبه وحليفه، وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما شريعة الوفاء التي لا تفسخ.

стр. 7038

وهو جاسوس القلب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب على محل التخيل، فيثير ما فيه من الهوى والشهوة، والسخافة والرقاعة، والرعونة والحماقة. فبينا الرجل وعليه سمة الوقار، وبهاء العقل وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن، فإذا استمع الغناء ومال إليه، نقص عقله وقل حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى إيمانه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد. فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة، إلى كثرة الكلام والكذب، والهزهزة، والفرقعة بالأصابع، فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الذباب، ويدور دوران الحمار في الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد كخوران الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين. ولقد صدق الخبير به من أهله، حيث يقول: أتذكر ليلة وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح ودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح فلم تر فيهم إلا النشاوى ... سرورا والسرور هناك صاحي

стр. 7039

إذا نادى أخو اللذات فيه ... ولم نملك سوى المهجات شيئا أجاب اللهو حي على السماح ... أرقناها لألحاظ الملاح وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والعناد في قوم، والكذب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم، وأكثر ما يورث عشق الصور، واستحسان الفواحش؛ وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصية؛ وإن لم يكن هذا نفاقا فما للنفاق حقيقة. وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان كما سيأتي، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدا، وأيضا: فإن أساس النفاق، أن يخالف الظاهر الباطنوصاحب الغناء بين أمرين: إما أن يتهتك فيكون فاجرا، أو يظهر النسك فيكون منافقا. فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة، وقلبه يغلي بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله، من أصوات المعازف، وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله، وكراهة ما يكره، قفر؛ وهذا محض النفاق. وأيضا، فمن علامات النفاق: قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، ونقر الصلاة، وقل أن تجد مفتونا بالغناء إلا وهذا وصفه. وأيضا: فإن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فإنه يحسن القبيح ويزينه ويأمر به، ويقبح

стр. 7040

الحسن ويزهد فيه، وذلك عين النفاق. وأيضا: فإن النفاق غش ومكر وخداع، والغناء مؤسس على ذلك. وأيضا: فإن النفاق يفسد من حيث يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين. وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث يظن أنه يصلحه، والمغني يدعو القلوب إلى فتنه الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات. قال الضحاك: "الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب" وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده:?"ليكن أول ما يعتقدون من أدبك، بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن". فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بها، ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب على الماء فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق. وبالجملة: فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء، وحال أهل القرآن، تبين له حذق الصحابة، ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها، وبالله التوفيق. وقال ابن القيم، في موضع آخر من الإغاثة: قال الإمام أبو بكر الطرطوشي- وهو من أئمة المالكية- في خطبة كتابه، في تحريم السماع: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة

стр. 7041

للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونسأله أن يرينا الحق حقا فنتبعه، والباطل باطلا فنجتنبه. وقد كان الناس فيما مضى يستر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل، وقل العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارا. ثم ازداد الأمر إدبارا حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين- وفقنا الله وإياهم- استزلهم الشيطان، واستغوى عقولهم، في حب الأغاني واللهو، وسماع الطقطقة، والنقير، واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله. وجاهرت به جماعة المسلمين، وشاقت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء وحملة الدين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] . فرأيت أن أوضح الحق، وأكشف عن شبهة أهل الباطل، بالحجج التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله. وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم، في أقاصي الأرض ودانيها، حتى تعلم هذه الطائفة، أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها، والله ولي التوفيق. تم قال أما مالك، فإنه ينهى عن الغناء وعن

стр. 7042

استماعه، وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية، كان له أن يردها بالعيب. وسئل مالك ﵀ عما رخص فيه أهل المدينه من الغناء؟ فقال: إنما يفعله الفساق. قال: وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب. وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبي، وغيرهم، لاختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة في المنع منه. انتهى كلام الطرطوشي. قلت: ومراده بالطائفة التي أحبت الغناء، واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله: جماعة من الصوفية، أحدثوا بدعة سماع الغناء، وزعموا أنه ينشطهم على العبادة والتقرب إلى الله بأنواع القربات. فأنكر علماء زمانهم عليهم ذلك، وصاحوا بهم من كل جانب. وأجمع علماء الحق على أن ما أحدثته هذه الطائفة، بدعة منكرة. وألف الطرطوشي: كتابه المشار إليه في الرد عليهم، وبيان بطلان مذهبهم. ومن هنا، يعلم القارئ أن المفتونين بسماع الغناء والملاهي طائفتان: الطائفة الأولى: اتخذته دينا وعبادة، وهم شر الطائفتين وأشدهما إثما وخطرا، لكونهم ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وجعلوا الغناء والملاهي اللذين

стр. 7043

هما أداة الفسق والعصيان دينا يتقربون به إلى الملك الديان. والطائفة الثانية: اتخذوا الغناء والملاهي لهوا ولعبا، وترويحا عن النفوس، وتسليا بذلك عن مشاغل الدنيا وأتعابها؛ وهم مخطئون في ذلك، وعلى خطر عظيم من الضلال والإضلال. ولكنهم أخف من الطائفة الأولى، لكونهم لم يتخذوا ذلك دينا وعبادة؛ وإنما اتخذوه لهوا ولعبا وتجميما للنفوس. وقد صرح أهل العلم بتحريم هذا وهذا، وإنكار هذا وهذا. ثم قال العلامة ابن القيم، رحمة الله عليه، بعدما نقل كلام الطرطوشي المتقدم، ما نصه: قلت: مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية توجب الفسق وترد به الشهادة. وأبلغ من ذلك: أنهم قالوا إن السماع فسق، والتلذذ به كفر. هذا لفظهم، ورووا في ذلك حديثا لا يصح رفعه، قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به، أو كان في جواره. وقال أبو يوسف في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي: ادخل عليهم بغير إذنهم، لأن النهي عن المنكر

стр. 7044

فرض، فلو لم يجز الدخول بغير إذن، لامتنع الناس من إقامة الفرض. قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصر حبسه أو ضربه سياطا، وإن شاء أزعجه عن داره. وأما الشافعي فقال في كتاب أدب القضاء: إن الغناء لهو مكروه، يشبه الباطل والمحال؛ ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته؛ وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله، كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق، وابن الصباغ. قال الشيخ أبو إسحاق في التنبيه: ولا تصح، يعني- الإجارة- على منفعة محرمة، كالغناء، والزمر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافا. وقال في المهذب: ولا يجوز على المنافع المحرمة، كالغناء، لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه، كالميتة والدم. فقد تضمن كلام الشيخ أمورا; أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة. الثاني: أن الاستئجار عليها باطل. الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل، بمنْزلة أكله عوضا عن الميتة والدم. الرابع: أنه لا يجوز لرجل بذل ماله للمغني، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ماله في مقابلة محرم؛ وأن بذله في ذلك، كبذله في مقابلة الدم والميتة. الخامس: أن الزمر حرام، وإذا كان الزمر الذي هو

стр. 7045

أخف آلات اللهو حراما، فكيف بما هو أشد منه، كالعود، والطنبور، واليراع. ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم، أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه أنه من شعار العشاق، وشاربي الخمور. وكذلك قال أبو زكريا النووي، في روضته. القسم الثاني: أن يغني ببعض آلات الغناء، بما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مطرب، كالطنبور، والعود، والصنج، وسائر المعازف، والأوتار، يحرم استعماله واستماعه. قال: وفي اليراع وجهان، صحح البغوي التحريم، ثم ذكر عن الغزالي الجواز. قال: والصحيح تحريم اليراع، وهو: الشبابة، وقد صنف أبو القاسم الدولعي كتابا في تحريم اليراع. وقد حكى أبو عمرو ابن الصلاح الإجماع على تحريم السماع، الذي جمع الدف، والشبابة، والغناء، فقال في فتاويه: وأما إباحة هذا السماع وتحليله، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء، إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين؛ ولم يثبت عن أحد ممن يعتبر بقوله إلى الإجماع والاختلاف، أنه أباح هذا السماع.

стр. 7046

والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي، إنما نقل في الشبابة المنفردة، والدف منفردا، فمن لا يحصل أو لا يتأمل، ربما اعتقد اختلافا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهم بيّن من الصائر إليه، تنادي عليه أدلة الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه ويعتمد عليه. ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم، تزندق، أو كاد، قال: وقولهم في السماع المذكور أنه من القربات والطاعات، قول مخالف لإجماع المسلمين. ومن خالف إجماعهم، فعليه ما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] . وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين بلاء المسلمين منهما، المحللون لما حرم الله، والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه. والشافعي وقدماء أصحابه، والعارفون بمذهبه، من أغلظ الناس قولا في ذلك، وقد تواترت عن الشافعي، أنه قال: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة، يسمونه: التغبير، يصدون به الناس عن القرآن.

стр. 7047

فإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليله أنه يصد عن القرآن، وهو شعر يزهد في الدنيا، يغني به مغن، فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخدة، على توقيع غنائه، فليت شعري ما يقول فيمن سماع التغبير عنده كتفلة في بحر؟ قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرم، فالله بين دينه، وبين كل متعلم مفتون، وعابد جاهل. قال سفيان بن عيينة: كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة، وجده من هذين المفتونين. وأما مذهب الإمام أحمد، فقال عبد الله ابنه: سألت أبي عن الغناء؟ قال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني. ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. قال عبد الله: وسمعت أبي يقول، سمعت يحيى القطان يقول: لو أن رجلا عمل بكل رخصة، بقول أهل الكوفه في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، لكان فاسقا. قال أحمد: وقال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله"، ونص على كسر آلات اللهو، كالطنبور وغيره، إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرها; وعنه في كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان. ونص في أيتام ورثوا جارية مغنية، وأرادوا بيعها

стр. 7048

فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة، فقالوا: إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفا أو نحوها، وإذا بيعت ساذجة لا تساوي ألفين، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام. وأما سماعه من المرأة الأجنبية أو الأمرد، فمن أعظم المحرمات، وأشدها فسادا للدين. قال الشافعي ﵀: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها، فهو سفيه ترد شهادته؛ وأغلظ القول فيه وقال: هو دياثة، فمن فعل ذلك كان ديوثا. قال القاضي أبو الطيب: وإنما جعل صاحبها سفيها، لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقا، قال: وكان الشافعي يكره التغبير وهو الطقطقة بالقضيب ويقول: وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن. قال: وأما العود، والطنبور وسائر الملاهي فحرام، ومستمعه فاسق، واتباع الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعون عليهما، قلت: يريد بهما: إبراهيم بن سعد، وعبيد الله بن الحسن. فإنه قال: وما خالف في الغناء إلا رجلان: إبراهيم بن سعد، فإن الساجي حكى عنه أنه كان لا يرى به بأسا، والثاني: عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وهو مطعون فيه. انتهى كلام ابن القيم ﵀.

стр. 7049

ونقل القرطبي في تفسيره عن الطبري ما نصه: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء، والمنع منه، وإنما فارق الجماعة: إبراهيم بن سعد، وعبيد الله العنبري. انتهى. قلت: وإبراهيم بن سعد، وعبيد الله بن الحسن العنبري، من ثقات أتباع التابعين، ولعل ما نقل عنهما من سماع الغناء، إنما هو في الشيء القليل الذي يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة؛ وحملهما على أحسن المحامل أولى من حملهما على سماع الغناء المحرم. وهكذا يروى عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ من سماع الغناء وشراء الجواري المغنيات، يجب أن يحمل على الشيء اليسير الذي لا يصد عن الحق، ولا يوقع في الباطل، مع أن ابن عمر والحسن البصري، قد أنكر عليه ذلك. ومعلوم عند أهل العلم والإيمان أن الحق أولى بالاتباع، وأنه لا يجوز مخالفة الجماعة، والأخذ بالأقوال الشاذة من غير برهان؛ بل يجب حمل أهلها على أحسن المحامل، مهما وجد إلى ذلك سبيل، إذا كانوا أهلا لإحسان الظن بهم، لما عرف من تقواهم وإيمانهم. وسبق لك أيها القارئ قول سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله". وذكر القرطبي في تفسيره ما نصه:

стр. 7050

قال أبو الفرج، وقال القفال من أصحابنا: لا تقبل شهادة المغني والرقاص. قلت: وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز، فأخذ الأجرة لا يجوز. وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك. انتهى ما نقله القرطبي. وهذا آخر ما تيسر إملاؤه في هذه المسألة- أعني: مسألة الأغاني والمعازف- ولو ذهبنا نتتبع ما جاء في ذلك من الأحاديث والآثار، وكلام أهل العلم، لطال بنا الكلام; وفيما تقدم كفاية ومقنع لطالب الحق، وأما صاحب الهوى فلا حيلة فيه. ونسأل الله لنا ولسائر المسلمين التوفيق لما يرضيه، والسلامة من أسباب غضبه وموجبات نقمه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ونصيحتي لأبي تراب وغيره، من المشغوفين بالغناء والمعازف، أن يراقبوا الله، ويتوبوا إليه، وأن ينيبوا إلى الحق، لأن الرجوع إلى الحق فضيلة، والتمادي في الباطل رذيلة، ولولا طلب الاختصار، لنبهنا على جميع ما وقع في مقال أبي تراب من الأخطاء. وصاحب البصيرة يعرف ذلك مما تقدم، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حوله ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه وسلم.

стр. 7051

[فصل في اللعب بالكرة وممارسة الألعاب الرياضية] فصل: ومن الملاهي ما يسمونه: "لعب الكرة" لم يكن في عهد الخلفاء، ولا ملوك المسلمين، ولا في هذه الدعوة المباركة، إلى وفاة الشيخ عبد الله. وإنما سرت إلى هذه المملكة، من تلاميذ الغرب، حيث تلقتها بعض الدول المنحلة، عن الترك وغيرهم؛ فقد رغب فيها من قل نصيبه من العلم والدين، ليصدوا بها عن ذكر الله وعن الصلاة، وحتى يترك بعضهم صلاة العصر والمغرب، وحتى قال من لا نصيب له من الإسلام: إن الصلاة رياضة، وهذه بدلها. وقد أنكر ذلك من له غيرة على دين الإسلام، من معلمين وغيرهم، فعسى الله أن يوفق ولاة أمورنا لمنعهم، ويقيموا مكانها، التعليم على آلات الحرب، ليدفعوا عدوهم عن بلادهم، وعسى الله أن يؤيدهم بروح منه، فيقيموا علم الجهاد، مقتفين بذلك آثار آبائهم، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، والله الموفق.

стр. 7052

[جواب الشيخ محمد بن إبراهيم عن ممارسة الألعاب الرياضية] وقد سئل الشيخ: محمد بن إبراهيم، رحمه الله تعالى، عن ممارسة الألعاب الرياضية، بالقرب من المسجد، هل هي جائزة أم لا؟ وعن حكم الرياضة في الإسلام؟ فأجاب رحمه الله تعالى بما يلي: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فالجواب على السؤال الأولى، الخاص بطلب حكم ممارسة الألعاب الرياضية، بالقرب من المسجد، لا يخلو الحال من أمرين، إما أن يكون اللعب بأنواع الرياضات، في وقت الصلاة المكتوبة، أو ما يقارب وقتها قبل دخوله، فهذا لا يجوز بحال؛ وهو من المنكرات الواجب إنكارها، حكمه حكم غيره مما يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة. وإما أن تكون ممارسة الألعاب الرياضية في غير أوقات الصلاة، فما كان منها مباحا، كالسباق، والسباحة، والمصارعة، ونضال السهام، وما يشبهه، ونحو هذه الأمور، فإذا لم يكن في ممارستها قرب المسجد، ما يشوش على من في المسجد، من قراء ومصلين ونحوهم، فلا نرى مانعا يمنع جوازه. لما في ممارسة هذه الألعاب، من تنشيط للأبدان، وقلع الأمراض المزمنة فيها، وتقوية لها على الأعمال الخيرية، كالجهاد، والتدريب على الكر والفر. فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن عائشة

стр. 7053

رضي الله عنها، أنها قالت: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يوما على باب حجرتي، والحبشة يلعبون فى المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم" ١ وفي رواية لهما: "رأيت النبي ﷺ والحبشة يلعبون بحرابهم" ٢. وفي رواية عند أحمد عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة" ٣ ففي هذا الحديث دليل على جواز اللعب بالحراب في المسجد، لا سيما إذا كان اللعب من أناس يشبهون الحبشة في التأثر بهذه الألعاب. قال المهلب في فتح الباري، في شرح "باب أصحاب الحراب في المسجد": المسجد موضوع لأمر جماعة من المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله، جاز فيه. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: وفيه- أي: في هذا الحديث- جواز اللعب بالسلاح ونحوه، من آلات الحرب، ويقاس عليه ما في معناه، من الأشياء المعينة على الجهاد، وأنواع البر. فما دام الأمر هكذا في نفس المسجد، فما كان بالقرب منه أولى بالجواز، بشرط أن يكون اللعب في غير أوقات الصلوات، وألا يشوش على من في المسجد، من قراء ومصلين ونحوهم، وأن يكون مثمرا منفعة الدين وأهله.

стр. 7054

[حكم الرياضة في الإسلام] أما السؤال: عن حكم الرياضة في الإسلام، فلا شك في جواز، أو استحباب، ما كان منها بريئا هادفا، مما فيه تدريب على الجهاد، وتنشيط للأبدان، وقلع للأمراض، وتقوية للأرواح. فلقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سابق بالأقدام وسابق بين الإبل، وسابق بين الخيل، وحضر نضال السهام، وصارع مع إحدى الطائفتين، وطعن بالرمح، وركب الخيل مسرجة ومعراة، وصارع ركانة فصرعه. وقد بسط الإمام ابن القيم ﵀ بحث هذا في كتابه: "الفروسية" كما أشار ﵀ في كتاب زاد المعاد، إلى أن ركوب الخيل، ورمي النشاب، والمصارعة، والمسابقة بالأقدام، كل ذلك رياضة للبدن، قالعة للأمراض المزمنة، كالاستسقاء، والقولنج. ونص شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، على حكم الشرع في الكرة نفسها ١ فقال في باب السبق، في مختصر فتاواه: ولعب الكرة إذا كان قصد صاحبه المنفعة للخيل والرجال، بحيث يستعان بها على الكر والفر،

стр. 7055

والدخول والخروج، ونحوه، في الجهاد، وغرض الاستعانة على الجهاد، الذي أمر الله به رسوله ﷺ ، فهو حسن؛ وإن كان في ذلك مضرة بالخيل أو الرجال، فإنه ينهى عنه. وبمناسبة الحديث عن الألعاب الرياضية، وتعريجنا على اللعب بالكرة، وإيرادنا ما ذكره الشيخ من النهي عن اللعب بها، إذا كان فيه مضرة بالخيل أو الرجال. يحسن أن نغتنم هذه الفرصة لنقول بأن اللعب بالكرة الآن ١ يصاحبه من الأمور المنكرة، ما يقضي بالنهي عن لعبها، هذه الأمور، نلخصها فيما يأتي: أولا: ثبت لدينا مزاولة لعبها في أوقات الصلاة، مما ترتب عليه ترك اللاعبين ومشاهديهم للصلاة، أو الصلاة جماعة، أو تأخيرهم أدائها عن وقتها؛ ولا شك في تحريم أي عمل يحول دون أداء الصلاة في وقتها، أو يفوت فعلها جماعة، ما لم يكن ثم عذر شرعي. ثانيا: ما عن طبيعة هذه اللعبة من التحزبات، أو إثارة الفتن، وتنمية الأحقاد، وهذه النتائج عكس ما يدعو إليه الإسلام من وجوب التسامح، والتآلف والتآخي، وتطهير النفوس والضمائر من الأحقاد، والضغائن والتنافر. ثالثا: ما يصاحب اللعب بها من الأخطار على أبدان اللاعبين بها، نتيجة التصادم والتلاكم، مع ما سبق ذكره،

стр. 7056

فلا ينتهي اللاعبون بها من لعبتهم في الغالب، دون أن يسقط بعضهم في ميدان اللعب مغمى عليه، أو مكسورة رجله أو يده، وليس أدل على صدق هذا، من ضرورة وجود سيارة إسعاف طبية تقف بجانبهم وقت اللعب بها. رابعا: عرفنا مما تقدم، أن الغرض من إباحة الألعاب الرياضية، تنشيط الأبدان، والتدريب على القتال، وقلع الأمراض المزمنة، ولكن اللعب بالكرة الآن لا يهدف إلى شيء من مبررات إباحة الألعاب الرياضية. وإن هدف إلى شيء من ذلك، فقد اقترن به- مع ما سبق ذكره- ابتزاز المال بالباطل، فضلا عن أنه يعرض الأبدان للإصابات، وينمي في نفوس اللاعبين والمشاهدين الأحقاد وإثارة الفتن. بل قد يتجاوز أمر تحيز بعض المشاهدين لبعض اللاعبين، إلى الاعتداء والقتل، كما حدث في إحدى مباريات جرت في إحدى المدن منذ أشهر، ويكفي هذا بمفرده لمنعها، وبالله التوفيق. انتهى ١.

стр. 7057

[قول الشيخ حمود التويجري من التشبه بأعداء الله، اللعب بالكرة] وقال الشيخ: حمود بن عبد الله التويجري، ﵀ ١: ومن التشبه بأعداء الله تعالى: اللعب بالكرة على الوجه المعمول به عند السفهاء في هذه الأزمان، وذلك: لأن اللعب بها على هذا الوجه، مأخوذ عن الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى. وقد رأيت عمل الأمريكان في أخشاب الكرة، ومواضع اللعب بها، ورأيت عمل سفهاء المسلمين في ذلك، فرأيته مطابقا لعمل الأمريكان أتم المطابقة. وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رسوله الله ﷺ قال: "من تشبه بقوم فهو منهم" ٢، وتقدم أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا من تشبة بغيرنا" ٣. إذا علم هذا، فاللعب بالكرة على الوجه الذي أشرنا إليه، من جملة المنكر الذي ينبغي تغييره، وبيان ذلك من وجوه: أحدها: ما فيه من التشبه بالإفرنج، وأضرابهم من أعداء الله تعالى، وأقل الأحوال في حديث عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن عمرو، ﵃، أنهما يقتضيان تحريم التشبه بأعداء الله تعالى، في كل شيء من زيهم

стр. 7058

وأفعالهم، ففيها دليل على المنع من اللعب بالكرة. ويدل على المنع من اللعب بها أيضا: قول النبي ﷺ : "خالفوا المشركين" ١ متفق عليه، من حديث ابن عمر ﵄، ويدل على المنع منه أيضا، قول النبي ﷺ : "هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك" رواه الشافعي مرسلا، والحاكم موصولا، من حديث المسور بن مخرمة ﵄. الوجه الثاني: ما في اللعب بها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا أمر معروف عند الناس عامتهم وخاصتهم، وربما أوقعت الحقد بين اللاعبين، حتى يؤول بهم ذلك إلى العداوة والبغضاء. وتعاطي ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وما يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين حرام، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة المائدة آية: ٩٠-٩١-٩٢] . واللعب بالكرة نوع من الميسر، لأنه يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد روى ابن جرير في تفسيره، من طريق عبيد الله بن عمر، أنه سمع عمر بن عبيد الله، يقول

стр. 7059

للقاسم بن محمد: النرد ميسر، أرأيت الشطرنج: ميسر هو؟ فقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو ميسر، وإذا كان اللعب بالكرة على عوض، فهو من الميسر بلا شك. قال الشيخ: أبو محمد المقدسي في المغني: كل لعب فيه قمار، فهو محرم، أي لعب كان، وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته. انتهى. وقد روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عمر وابن عباس ﵃، أنهما قالا: "الميسر القمار"، وروى أيضا عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وطاووس، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة والسدي، ومكحول، وعطاء بن ميسرة نحو ذلك. وفي رواية له عن مجاهد، وسعيد بن جبير، أنهما قالا: "الميسر: القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان"، وفي رواية له عن طاووس وعطاء قالا: "كل قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز". وذكر ابن كثير في تفسيره، عن راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، أنهما قالا: "حتى الكعاب والجوز والبيض، التي يلعب بها الصبيان". وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله

стр. 7060

تعالى: الميسر محرم بالنص والإجماع. إذا علم هذا، فمن استحل العوض على اللعب بالكرة، فقد استحل ما هو محرم بالنص والإجماع، من الميسر، وأكل المال بالباطل، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء آية: ٢٩] . وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أبى علي أن يدخل الجنة لحما نبت من سحت، فالنار أولى به" ١ رواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي المستدرك أيضا، من حديث جابر بن عبد الله، ﵄: أن النبي ﷺ قال: "يا كعب بن عجرة، إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به" ٢ وفي المستدرك أيضا، عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من نبت لحمه من السحت، فالنار أولى به" ٣. وفي المستدرك أيضا، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من نبت لحمه من السحت، فالنار أولى به"، وروى أبو نعيم في الحلية، من حديث ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به" ٤.

стр. 7061

الوجه الثالث: أن في اللعب بالكرة ضررا على اللاعبين، فربما سقط أحدهم، فتخلعت أعضاؤه، وربما انكسرت رجل أحدهم، أو يده، أو بعض أضلاعه، وربما حصل فيه شجاج في وجهه، أو رأسه، وربما سقط أحدهم فغشي عليه ساعة، أو أكثر أو أقل، بل ربما آل الأمر ببعضهم إلى الهلاك، كما قد ذكر لنا عن غير واحد من اللاعبين بها، وما كان هذا شأنه، فاللعب به لا يجوز. الوجه الرابع: أن اللعب بالكرة من الأشر والمرح، ومقابلة نعم الله تعالى بضد الشكر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٧] ، واللعب بالكرة نوع من المرح. وروى البخاري في الأدب المفرد، عن البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأشرة: شر" قال أبو معاوية أحد رواته، الأشرة: العبث، واللعب بالكرة نوع من العبث؛ فلا يجوز. الوجه الخامس: ما في اللعب بها من اعتياد وقاحة الوجوه، وبذاءة الألسن، وهذا معروف عن اللاعبين بها. وقد ألجأني الطريق مرة إلى المرور من عند اللاعبين بها، فسمعت منهم ما تستك منه الأسماع من كثرة الصخب والتخاطب بالفحش، ورديء الكلام، وسمعت بعضهم يقذف

стр. 7062

بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، وما أدى إلى هذا أو بعضه، فهو حرام بلا ريب. الوجه السادس: ما في اللعب بها أيضا، من كشف الأفخاذ، ونظر بعضهم إلى فخذ بعض، ونظر الحاضرين إلى أفخاذ اللاعبين، وهذا لا يجوز، لأن الفخذ من العورة، وستر العورة واجب، إلا من الزوجات والسراري. لقول النبي ﷺ : "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" ١ رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، والحاكم في مستدركه، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه. والدليل على أن الفخذ من العورة: ما رواه مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم عن جرهد الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي ﷺ :"غط فخذك، فإنها من العورة" ٢ قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم أيضا، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "الفخذ عورة" ٣، هذا لفظ الترمذي. ولفظ الحاكم: "مر رسول الله ﷺ على رجل، فرأى

стр. 7063

فخذه مكشوفة، فقال: غط فخذك، فإن فخذ الرجل من عورته" ١. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو داود، وابن ماجه، وعبد الله بن الإمام أحمد، والحاكم، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" ٢، وفي رواية للدارقطني: "لا تكشف عن فخذك، فإن الفخذ من العورة". وروى الإمام أحمد والبخاري في التأريخ الكبير، والحاكم في مستدركه، عن محمد بن عبد الله بن جحش ﵁ قال: "مر النبي ﷺ وأنا معه، على معمر، وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر، غط عليك فخذيك، فإن الفخذين عورة" ٣. وروى الدارقطني في سننه، عن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة" ٤. وروى أيضا: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما تحت السرة إلى الركبة من العورة". إذا علم هذا، فالنظر إلى عورة الغير حرام، لقول النبي ﷺ في حديث علي ﵁: "ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" ٥.

стр. 7064

ولقوله ﷺ : "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة" ١ رواه الإمام أحمد وأهل السنن، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. الوجه السابع: أن اللعب بالكرة من اللهو الباطل قطعا، لقول النبي ﷺ : "كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله؛ فإنهن من الحق" ٢ وفي رواية: "وتعليم السباحة" رواه الامام أحمد، وأهل السنن، من حديث عقبة بن عامر ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه. فدل هذا الحديث الصحيح على أن اللعب بالكرة من الضلال، لقول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ ٣، قال الخطابي، رحمه الله تعالى: في هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة، وإنما استثنى رسول الله ﷺ هذه الخلال من جملة ما حرم منها، لأن كل واحدة منها إذا تأملتها، وجدتها معينة على حق، أو ذريعة إليه، ويدخل في معناها: ما كان من المناقفة بالسلاح، والشد على الأقدام ونحوهما، مما يرتاض به الإنسان، فيتوقح بذلك بدنه، ويتقوى به على مجالدة العدو. فأما سائر ما يتلهى به البطالون، من أنواع اللهو، كالنرد، والشطرنج، والمزاجلة بالحمام، وسائر ضروب

стр. 7065

اللعب، مما لا يستعان به في حق، ولا يستجم به لدرك واجب، فمحظور كله. انتهى. وقوله: فيتوقح بذلك بدنه، معناه: يصلب بدنه، قال الجوهري: حافر وقاح، أي صلب، وتوقيح الحافر: تصليبه بالشحم المذاب. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى: سائر ما يتلهى به البطالون، من أنواع اللهو، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق شرعي، كله حرام. قلت: ومن هذا الباب: اللعب بالكرة، لأنه مجرد لهو ولعب، ومرح وعبث، وأعظم من ذلك: أنه يصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، ويوقع العداوة والبغضاء بين اللاعبين، وليس هو مما يستعان به في حق شرعي، ولا يستجم به لدرك واجب، فهو من اللعب المحظور بلا شك، والله أعلم. ثم ذكر الخطابي رحمه الله تعالى: أن من لعب بالشطرنج وقامر به فهو فاسق، ومن لعب به على غير قمار، وحمله الولوع بذلك على تأخير الصلاة عن وقتها، أو جرى على لسانه الخنا والفحش، إذا عالج شيئا منه فهو ساقط المروءة، مردود الشهادة. انتهى. وما قاله في اللاعبين بالشطرنج، يقال مثله في اللاعبين

стр. 7066

بالكرة، ويزيد أهل الكرة على أهل الشطرنج، بالمرح والأشر، والتعرض لأنواع الضرر؛ فاللعب بها شر من اللعب بالشطرنج، وأعظم منها ضررا. ومن العجب أن هذا اللعب الباطل، قد جعل في زماننا من الفنون التي تدرس في المدارس، ويعتنى بتعلمه وتعليمه، أعظم مما يعتني بتعلم القرآن، والعلم النافع، وتعليمهما. وهذا دليل على اشتداد غربة الإسلام في هذا الزمان، ونقص العلم فيه، وظهور الجهل بما بعث الله به رسوله محمدا ﷺ حتى عاد المعروف عند الأكثرين منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة. وهذا من مصداق الحديث المتفق على صحته، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشراط الساعة، أن يرفع العلم، ويظهر الجهل ... " ١ الحديث. واللعب بالكرة، والاعتناء بتعلمه وتعليمه في المدارس وغيرها، من ظهور الجهل بلا شك، عند من عقل عن الله ورسوله ﷺ . وما أشبه المفتونين باللعب بالكرة، بالذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ٢.

стр. 7067

وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى: إن العلوم المفضولة إذا زاحمت العلوم الفاضلة، وأضعفتها، فإنها تحرم، انتهى. وإذا كان الأمر هكذا في العلوم المفضولة مع العلوم الفاضلة، فكيف باللعب بالكرة، إذا زاحم العلوم الفاضلة وأضعفها، كما هو الواقع في زماننا؟! مع أن اللعب بالكرة ليس بعلم، وإنما هو لهو ومرح، وأشر وبطر، فيجب المنع منه لما ذكرنا، ولما فيه من التشبه بأعداء الله تعالى، كما تقدم بيانه، والله أعلم. وإذا علم هذا: فمن أهدى لبعض اللاعبين بالكرة شيئا، من أجل حذقه في اللعب بها، فقد أعان على الباطل، وكذلك من صنع لهم مأكولا، أو مشروبا، أو أحضره لهم، فهو معين لهم على الباطل. وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١. وقال شيخ الإسلام: أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى: ولعب الكرة إذا كان قصد صاحبه المنفعة للخيل والرجال، بحيث يستعان بها على الكر والفر، والدخول والخروج، ونحوه في الجهاد، وغرضه الاستعانة على الجهاد، الذي أمر الله به ورسوله ﷺ ، فهو حسن؛ وإن

стр. 7068

كان في ذلك مضرة بالخيل والرجال، فإنه ينهى عنه. انتهى. وقال الشيخ: حمود: فصل، فإن ادعى المتشبهون بأعداء الله تعالى، أنهم إنما يريدون باللعب بالكرة: رياضة الأبدان، لتعتاد على النشاط والصلابة. فالجواب أن يقال: إن الله تعالى قد جعل للمسلمين في الرياضات الشرعية غنية ومندوحة عن الرياضات الإفرنجية، فمن ذلك: المسابقة على الخيل؛ وقد سابق النبي ﷺ بينها، وفعل ذلك أصحابه، والمسلمون بعدهم. وفي الصحيحين، والموطأ، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ "سابق بين الخيل التي ضمرت، من الحفياء، وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر ﵄، كان فيمن سابق بها" ١. وفي رواية لأحمد، والدارقطني، قال عبد الله: فكنت فارسا يومئذ، فسبقت الناس، طفف بي الفرس مسجد بني زريق، ورواه مسلم بنحوه. قال ابن الأثير: طفف بي الفرس مسجد بني زريق، أي: وثب بي حتى كاد يساوي المسجد، يقاله: طففت بفلان موضع كذا، أي: رفعته إليه، وحاذيته به. وقال النووي: طفف بي الفرس المسجد، أي: علا ووثب إلى المسجد، وكان جداره قصيرا.

стр. 7069

قلت: وقد جاء ذلك في رواية للدارقطني، ولفظه: قال عبد الله: فجئت سابقا، فطفف بي الفرس حائط المسجد، وكان قصيرا وفي رواية له، قال: فوثب بي الجدار. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: في الحديث: مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة، الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع بها عند الحاجة؛ وهي دائرة بين الاستحباب، والإباحة، بحسب الباعث على ذلك. انتهى. وروى الإمام أحمد أيضا، والدارمي والدارقطني، والبيهقي، عن أنس، ﵁ أنه قيل له: "أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟ أو كان رسول الله ﷺ يراهن؟ قال: نعم، والله لقد راهن رسول الله ﷺ على فرس له، يقال له "سبحة"، فجاءت سابقة، فبش لذلك وأعجبه" ١. وروى البيهقي أيضا عن ابن عمر ﵄، أنه سئل: "أكنتم تراهنون على عهد رسول الله؟ قال: نعم، لقد راهن على فرس يقال لها "سبحة"، فجاءت سابقة" ٢. قال ابن منظور في لسان العرب: المراهنة والرهان: المسابقة على الخيل، وغير ذلك، وكذا قال صاحب القاموس: المراهنة والرهان: المخاطرة والمسابقة على الخيل، وقوله: فبش لذلك، معناه: فرح به، وارتاح له.

стр. 7070

وفي سنن الدارقطني، عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا علي قد جعلت إليك هذه السبقة بين الناس. فخرج علي ﵁ فدعا سراقة بن مالك، فقال: يا سراقة إني قد جعلت إليك ما جعل النبي ﷺ في عنقي من هذه السبقة. فإذا أتيت الميطان- قال أبو عبد الرحمن: والميطان مرسلها من الغاية- فصف الخيل، ثم ناد: هل من مصلح للجام، أو حامل لغلام، أو طارح لجل؟ فإذا لم يجبك أحد، فكبر ثلاثا، ثم خلها عند الثالثة، يسعد الله بسبقه من شاء من خلقه". فكان علي ﵁ يقعد عند منتهى الغاية، ويخط خطا يقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط، طرفه بين إبهامي أرجلهما، وتمر الخيل بين الرجلين، ويقول لهما: "إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه، أو أذن، أو عذار، فاجعلوا السبقة له فإن شككتما، فاجعلا سبقهما نصفين، فإذا قرنتم ثنتين، فاجعلوا الغاية من غاية أصغر الثنتين، ولا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام". وفي المسند، وصحيح ابن حبان، عن عياض الأشعري، قال: "قال أبو عبيدة ﵁ من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب، قال: فسبقه، فرأيت

стр. 7071

عقيصتي أبي عبيدة تنقزان، وهو خلفه على فرس عربي". [من الرياضات الشرعية المسابقة على الإبل] ومن الرياضات الشرعية أيضا: المسابقة على الإبل، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ ، وفعله أصحابه والمسلمون بعدهم. وفي صحيح البخاري، والمسند، وسنن أبي داود، والنسائي، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان للنبي ﷺ ناقة تسمى "العضباء" لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال: حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" ١. وفي رواية للنسائي، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: "سابق رسول الله ﷺ أعرابي فسبقه، فكأن أصحاب رسول الله ﷺ وجدوا في أنفسهم من ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: حق على الله أن لا يرفع شيء نفسه في الدنيا إلا وضعه الله" ٢، وكذا رواه الدارقطني في سننه، من طريق النسائي. وفي رواية لأبي داود، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: "كانت العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له، فسابقها فسبقها الأعرابي، فكأن ذلك شق على أصحاب رسول الله ﷺ فقال: حق على الله أن لا يرفع شيء إلا وضعه" ٣، ورواه البخاري تعليقا.

стр. 7072

وفي سنن الدارقطني عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كانت ناقة رسول الله ﷺ القصوى، لا تدفع في سباق إلا سبقت، قال سعيد بن المسيب: فجاء رجل فسابقها فسبقها، فوجد الناس من ذلك أن سبقت ناقة رسول الله ﷺ ، وبلغ ذلك إلى النبي ﷺ فقال: إن الناس لم يرفعوا شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه الله ". وفي رواية له، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كانت القصوى لا تسبق، فجاء أعرابي على بكر، فسابقه فسبقها فشق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، سبقت العضباء، وقال النبي ﷺ إنه حق على الله أن لا يرفع شيئا من الأرض إلا وضعه" ١. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تأمل قوله: "أن لا يرفع شيء" وفي اللفظ الثاني "أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" فجعل الوضع لما رفع أو ارتفع، لا لما رفعه سبحانه، فإنه سبحانه إذا رفع عبده بطاعته وأعزه بها، لا يضعه بها. انتهى. [من الرياضات الشرعية المسابقة على الأقدام] ومن الرياضات الشرعية أيضا: المسابقة على الأقدام، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ ، وفعله أصحابه والمسلمون بعدهم. وروى الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، عن عائشة ﵂:

стр. 7073

أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر، قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته، فسبقني، فقال: "هذه بتلك السبقة". وفي رواية: "أنهم كانوا في سفر، فقال النبي ﷺ لأصحابه: تقدموا، فتقدموا. ثم قال لعائشة: سابقيني، فسابقها، فسبقته، ثم سافرت معه مرة أخرى، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال: سابقيني، فسبقته، ثم سابقني وسبقني فقال هذه بتلك" ١. وفي المسند وصحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثه الطويل، في غزوة ذي قرد، قال: "ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة، قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار، لا يسبق شدا، قال فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من سابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلما سمعت كلامه، قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله ﷺ . قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل، قال: إن شئت، قال: قلت: أذهب إليك، وثنيت رجلي، فطفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي، ثم عدوت في أثره فربطت عليه شرفا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه، قال: فأصكه بين كتفيه، قال: قلت: قد سبقت

стр. 7074

والله، قال: أنا أظن، قال: فسبقته إلى المدينة" ١. قال النووي: قوله: شدا، يعني: عدوا على الرجلين، وقوله: فطفرت، أي: وثبت وقفزت، وقوله: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقى نفسي، معنى ربطت: حبست نفسي عن الجري الشديد. والشرف: ما ارتفع من الأرض، وقوله: أستبقي نفسي بفتح الفاء، أي: لئلا يقطعني البهر. وفي هذا دليل لجواز المسابقة على الأقدام، وهو جائز بلا خلاف إذا تسابقا بلا عوض، فإن تسابقا على عوض ففي صحتها خلاف، الأصح عند أصحابنا: لا تصح، قلت: وهو مذهب مالك وأحمد. [من الرياضات الشرعية المصارعة] ومن الرياضات الشرعية أيضا: المصارعة، وقد روى أبو داود، والترمذي، والبخاري في التأريخ، من حديث أبي جعفر بن محمد بن ركانة، عن أبيه: "أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ " ٢ قال الترمذي: هذا حديث غريب، وإسناده ليس بالقائم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة: وقصة الصراع مشهورة لركانة. لكن جاء من وجه آخر: أنه يزيد بن ركانة، فأخرج الخطيب في المؤتلف من طريق أحمد بن عتاب العسكري، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄،

стр. 7075

قال: "جاء يزيد بن ركانة إلى النبي ﷺ ومعه ثلاثمائة من الغنم، فقال: يا محمد، هل لك أن تصارعني؟ قال: وما تجعل لي إن صرعتك؟ قال: مائة من الغنم، فصارعه فصرعه. ثم قال: هل لك في العود؟ فقال: ما تجعل لي؟ قال مائة أخرى، فصارعه فصرعه. وذكر الثالثة، فقال: يا محمد، ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقام عنه، ورد عليه غنمه". وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد، عن ابن عباس ﵄: "أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم" ١ وذكر بقية القصة بمثل ما في رواية الخطيب. وذكر ابن إسحاق: "أن رسول الله ﷺ كان يعرض غلمان الأنصار، فمر به غلام فأجازه في البعث. وعرض عليه سمرة بن جندب ﵁ فرده، فقال: لقد أجزت هذا، ورددتني، ولو صارعته لصرعته. قال: فدونكه، فصارعه فصرعه سمرة، فأجازه" ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب بنحوه. [من الرياضات الشرعية الرمي] ومن الرياضات الشرعية أيضا: الرمي ونحوه، مما فيه إعانة على الجهاد في سبيل الله ؛ وقد روى الإمام
следующие страницы →