← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

روى البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة، عن رسول الله (قال: " قال الله تعالى: من عادى لي وليا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها. ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " ١ الحديث بتمامه. ولهذا كان رسول الله (إذا همه أمر فزع إلى الصلاة، فإنها أعظم التقرب إلى الله (كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٥] . وليست الوسيلة بمخلوق يبتغى، ليجعل واسطة بينه وبين خلقه، يتقربون به إليه، لأن هذا عين ما نهى الله عنه في الآيات، وأنزل بقبحه الكتب، وأرسل الرسل، وهو ما قالت بنو إسرائيل لموسى، صلاة الله وسلامه عليه، يا موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة; فإن قصدهم يتقربون به إليه. وأما الإقسام على الله بمخلوق، فهو منهي عنه باتفاق العلماء، وهل هو منهي عنه، نهي تنْزيه، أو تحريم؟ على قولين، أصحهما أنه كراهة تحريم; قال بشر بن الوليد، سمعت أبا يوسف يقول، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا ينبغي لأحد أن يدعو إلا به، وأكره: بمعاقد العز من عرشك،

стр. 772

وهو حق خلقك; وقال أبو يوسف: معاقد العز: هو الله، فلا أكره هذا; وأكره: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت، والمشعر الحرام، قال ﵀: المسألة بحق المخلوق لا تجوز لهذا، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو أنبيائك، ونحو ذلك، لأنه: لا حق للمخلوق على الخالق. وقال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً﴾ الآية [سورة الجاثية آية: ١٠] ، فإذا والى العبد ربه وحده، أقام له وليا من الشفعاء، وعقد الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين، فصاروا أولياءه في الله; بخلاف من اتخذ مخلوقا من دون الله، فهذا لون، وذاك لون; كما أن الشفاعة الشركية الباطلة نوع، والشفاعة الحق الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد نوع; وهذا موضع فرقان، بين أهل التوحيد، وأهل الشرك بالله; والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ومما استدل به الذين يدعون مع الله غيره، في المهمات من أهل القبور والأموات، ويقولون: المراد الوسيلة: " اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة; يا محمد إني، أتوجه بك إلى ربي، في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في " ١ رواه الترمذي، والحاكم، وابن ماجه، عن عثمان بن حنيف، قال: " جاء رجل ضرير إلى النبي، فقال: ادع الله لي أن يعافيني، فقال: إن شئت اخترت لك، وهو خير، وإن شئت دعوت

стр. 773

لك. قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء " ١ قال الحاكم: صحيح. وهذا الحديث دليل للشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، لا عليه، لوجوه. الأول: أنه في غير محل النِّزاع، بل اختراع منكر، ووردت الأحاديث بحرمته، وهو عمارة القبور، وإلقاء الستور عليها، وتسريجها، وهذه كلها كبائر كما قال أهل العلم، حتى ابن حجر الهيتمي، وغيره; إن حدها: كل ما أتبع بلعنة، أو غضب، أو نار. روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: " قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢. ولمسلم: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٣. وفي صحيحه: عن جندب بن عبد الله البجلي، (قال " سمعت النبي (قبل: أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم، كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك " ٤.

стр. 774

وعن عائشة أم المؤمنين ﵂، وعبد الله بن عباس، ﵄، قال: " لما نزل برسول الله، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا " ١ متفق عليه. وروى الإمام أحمد في مسنده، بإسناد جيد، عن عبد الله بن مسعود، (أن النبي قال: "إن من شرار الناس، من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد " ٢ وعن ابن عباس، ﵄; قال: " لعن رسول الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج" ٣ رواه الإمام أحمد، وأهل السنن. وهذا حال من سجد لله عند قبر، فكيف بمن سجد للقبر نفسه؟ أو دعاه، وعدل عن أوضاع الشرع، إلى تعظيم أوضاع الجهال والطغام، وضعوها لأنفسهم بتلبيس إبليس عليهم، فسهلت لهم، وطابت بها قلوبهم، من تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع، من عبادتها بدعائها، ورجائها، والالتجاء إليها، والتوكل عليها، والنذر لها، وكتب الرقاع فيها، وخطاب الموتى بالحوائج: يا سيدي، يا مولاي افعل بي كذا وكذا; وأخذ ترابها، وجعل الخرق عليها تبركا، وإيقاد السرج عليها، وتقبيلها، وتحليتها، وشد الرحال إليها؛ وينضاف إلى ذلك إلقاء الخرق على الشجر،

стр. 775

ودعاؤها، والذبح والنذر لها، اقتداء بمن عبد اللات، والعزى; والويل كل الويل عندهم، لمن عاب، أو أنكر عليهم. ومن جمع بين سنة رسول الله (في القبور، وما أمر ونهى، وما كان عليه أصحابه، وبين الذي عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا; ودعاء المقبور عند المهمات شرك بالله (، قد ذكرنا أدلته فيما تقدم; وإن كان سبب قول الله ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] ، مجيء خبر من اليهود، إلى رسول الله (والمسلمين، وقوله: "نعم القوم أنتم، لولا أنكم تجعلون لله أندادا; فتقولون: ما شاء الله وشاء فلان، فقال أما إنه قد قال حقا " ١، وأنزل الله ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٢] . وممن أخرج الحديث: جلال الدين السيوطي في: الدر المنثور، في تفسير الآية، وعن قتيلة" امرأة من جهينة" قالت: " أتى يهودي إلى النبي فقال: إنكم تنددون وتشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت; وتقولون: والكعبة; فأمرهم النبي (أن يقولوا: ورب الكعبة، وما شاء الله، ثم شئت ;" رواه النسائي. وقد أقر النبي (قول اليهودي: إن هذا شرك، فكيف حال من نادى عند المهمات غير الله؟ إذ هو داخل تحت

стр. 776

قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] . وهؤلاء يحب أحدهم معتقده أكثر من حب الله، وإن زعم أنه لا يحبه كحب الله، فشواهد الحال تشهد عليه بذلك; فإنه يعظم القبر أعظم من بيت الله، ويحلف بالله كاذبا، ولا يحلف بمعتقده; ويحلف بالله تعالى في أي محل، ولا يحلف بمعتقد يعتقده; فلا جامع بين ما استدلوا به، وبين ما نهاهم عنه محمد بن عبد الوهاب، عافاه الله تعالى. الثاني: أن الحديث دليل للشيخ رحمه الله تعالى، أنه لا يدعى غير الله (فإن مسألة: (اللهم إني أتوجه إليك) ; المسؤول: الله (، وإنما توجه إليه بحبيبه المصطفى عنده، ونهايته: سؤال الله (أن يشفعه، فمستهله سؤال الله (، ونهايته سؤاله سبحانه; ووسطه: يا حبيبنا محمدا، إنا نتوسل بك إلى ربك، فاشفع لنا. فهذا خطاب لخاص معين في قوله، كقولنا في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته; وكاستحضار الإنسان محبه ومبغضه في قلبه، فيخاطبه بما يهواه لسانه، وهذا كثير في لسان الخاصة، دون العامة، ومعناه: أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته المشتملة على الدعاء; ولهذا قال في تمام الحديث: اللهم شفعه في; وهذا متفق على جوازه.

стр. 777

وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء، كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه، سواء كان بلفظ الاستغاثة، أم بغيرها; ومنه ما قص الله عن الإسرائيلي المستغيث بموسى على القبطي، في قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ الآية [سورة القصص آية: ١٥] . وكاستشفاع الأمة من أهل الموقف بالأنبياء، والطواف عليهم، يسألونهم أن يشفعوا إلى الله من أهل الموقف عامة. وأما: المخلوق الغائب أو الميت، فلا يستغاث به، ولا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله البتة; وهذا موافق لقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٤] . وإنما غاية طلب الشفاعة عند الله (أن يشفع نبيه فيه، وهو (قد انتقل من هذه الدار، إلى دار القرار، بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولهذا استسقى أصحابه بعمه العباس بن عبد المطلب، وسألوه أن يدعو لهم في الاستسقاء عام القحط، أخرجه البخاري، عن أنس بن مالك (في: باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء، إذا قحطوا; ولم يأتوا إلى قبره، ولا وقفوا عنده، مع أنه (حي في قبره حياة برزخية، أعلى من حياة الشهداء. وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان، على أن النبي (لا يسأل بعد موته، لا استغفارا، ولا دعاء ولا

стр. 778

غيرهما; فإن الدعاء عبادة مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، ولو كان هذا من العبادة، لَسَنَّهُ رسولُ الله (، ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع له. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ الآية [سورة النساء آية: ٦٤] ، فإتيانهم له (للاستغفار مخصوص بوجوده في الدنيا، ولهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين، مع شدة احتياجهم وكثرة مدلهماتهم، وهم أعلم بمعاني كتاب الله وسنة رسوله، وأحرص اتباعا لملته من غيرهم; بل كانوا ينهون عنه، وعن الوقوف عند القبر للدعاء عنده; منهم الإمام مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي; وهم من خير القرون التي قد نص (عليها في قوله: " خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ١ قال عمران: لا أدري أذكر اثنين أو ثلاثة بعد قرنه، رواه البخاري في صحيحه. الثالث: أنهم زعموا أنه دليل للوسيلة إلى الله تعالى بغير محمد (، فلا دليل فيه أصلا، لأنهم صرحوا بأنه لا يقاس مع فارق، فلا يجوز لنا أن نقول: اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك برسولك نوح، يا رسول الله، يا نوح، إلى آخره، ولا أن نقول: اللهم إنا نسألك، ونتوجه إليك بخليلك إبراهيم، إلى آخره، ولا أن نقول: بكليمك موسى، ولا بروحك عيسى.

стр. 779

ونحن نقول: إن الجامع في نوح ﵊: الرسالة; وفي إبراهيم، ﵊: الخلة مع الرسالة; وفي موسى ﵊: الكلام مع الرسالة; وفي عيسى ﵊: كونه روح الله وكلمته، مع الرسالة; فليس لنا هذا، لأنه أولا: لم يرد، ولا حاجة لنا إلى فعل شيء لم يرد; ثانيا: إنما أبيح القياس عند من يقول به، للحاجة في حكم لم يوجد فيه نص; فإذا وجد النص، فلا يحل القياس، عند من يقول به، ولا حاجة بنا إلى قول هو مخترع، خصوصا مع ما ورد في الشرك، وأنه في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. الرابع: أن الوسيلة ليست هي أن ينادي العبد غير الله ويطلب حاجته، التي لا يقدر على وجودها إلا الله، ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا، ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [سورة الحج آية: ٧٣] ، بل هذا شرك بالله؛ وجعلوا دليلهم مع ما تقدم، بعد ارتكابهم أكبر المناكر، قوله ("يا عباد الله أعينوني" وقوله: "يا عباد الله احبسوا". وهذا من جملة الجهل والضلال، وإخراج المعاني عن مقاصدها، من وجوه: الأول: أن هذه ليست بوسيلة أصلا، إذ معنى الوسيلة: ما يتقرب به من الأعمال إلى الله (، وهذا ليس بقربة، لأنه ورد في أذكار السفر: أن العبد، إذا أراد عونا، بمعنى:

стр. 780

أنه إذا أعيى من حمل متاعه، أو انفلتت دابته، فقد جعل الله عبادا من صالحي الجن أو من الملائكة، أو ممن لا يعلمه من جنده سواه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة المدثر آية: ٣١] ، واستعماله في كل المهمات، من أعظم الجور; وإن أراد فيما ورد الحديث به خاصة: امتثال قول رسول الله (فقد يكون بهذه الإرادة قربة. ولا دلالة فيه أن ينادي عبد القادر الجيلاني من قطر شاسع، بل ولا من عند قبره، ولا ينادي غيره، لا الأنبياء، ولا الأولياء، إنما غايته أن العبد يقول، كما قال رسول الله (: "يا عباد الله"، وإذا نادى شخصا باسمه، معينا، فقد كذب على رسول الله (ونادى من لم يؤمر بندائه، وليس ذلك في كل حركة وسكون، وقيام وقعود; وإنما أبيح له ذلك، إن أراد عونا على حمل متاعه، على الدابة، أو انفلتت. الثاني: أن الحديثين غير صحيحين; أما الأول: فرواه الطبراني في الكبير بسند منقطع، عن عتبة (وحديث: انفلات الدابة، عزاه النووي لابن السني، وفي إسناده: معروف بن حسان، قال ابن عدي: منكر الحديث; ولا دليل في الحديثين، مع ضعفهما، ولا في الحديث المتقدم قبلهما، على شيء يفعله عباد القبور، من دعائها، ورجائها، والتوكل عليها، والذبح، والنذر لها، والهتف بذكر من فيها، عند الشدائد.

стр. 781

الثالث: أن الله قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، فبعد أن أكمله بفضله ورحمته، فلا يحل لنا أن نخترع فيه ما ليس منه، ونقيس ما لا يقاس عليه. الرابع: أن الحديث الصحيح ما رواه العدل الضابط عن مثله، من غير شذوذ ولا علة، فكيف يعمل بالحديث المتكلم فيه، فيما لا يدل عليه دلالة مطابقة، ولا تضمن، ولا التزام؟! فهذا هو البهتان. الخامس: أنهم عمروا مواقفهم بذكر من يعتقدونه، ونسبوا الأفعال إليهم، وكل أحد يذكر ما وقع له من الاستغاثة بفلان، ومن أنجده، وكشف شدته، فإذا قال أحد: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة يس آية: ٨٣] ، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١٦] ، قامت عليه الجماعة، وقالوا: معلوم ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٦٢] . فإذا قال: نعم، وليس بيد أحد منهم ملكوت خردلة، والله يقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣] . والقطمير: القشرة اللطيفة تكون على النواة ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] . فإذا كان فيهم من يدعي العلم والإنصاف، وهو

стр. 782

واسع الصدر، يقول: هذه الآية نزلت في عباد الأصنام; فإذا قيل له: نعم، الأصنام: ود، وسواع، ونسر: أسماء رجال صالحين; وهذه الخرق على التوابيت، هي: فعل عباد الأصنام، وأسماء رجال صالحين; وقد قرر أهل العلم: أن العام لا يقصر على السبب; ولا يحل إلا أن نؤدي الأمانة. فإذا قيل: أدوا الأمانة، فإنه تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٨] ، فلا نقول: هذه نزلت في مفتاح باب الكعبة، فلا نحتج بها; كذلك لا نقول: هذه نزلت في عباد الأصنام، ونفعل فعلهم، ونقول: لسنا بمشركين; وفي الأحاديث القدسية عن سيد البرية: "قال الله (: إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي " أخرجه الترمذي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي الدرداء (، فيجيب بأن الأمة مطبقة على هذا، والأمة لا تجتمع على ضلالة، يلزم من هذا تضليل الأمة وتسفيه الآثار. فيجاب عليه: أما إن الأمة مطبقة على هذا، فكذب على الأمة، وليست بمطبقة على هذا؛ وهذه كتب الفروع في كل مذهب، وكتب الحديث والتفسير، ليس فيها أنه يدعى غير الله (ولا يسن، ولا يستحب، ولا ينبغي، ولا يجوز، ولا يباح; بل الآيات البينات، والأحاديث، وأقوال العلماء ترشد إلى أن هذا شرك محقق; والله تعالى يقول لرسوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ

стр. 783

أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥١] . ويقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] . السادس: قد اختلف في التوسل إليه بشيء من مخلوقاته، فقال أبو محمد ابن عبد السلام في فتاويه: إنه لا يجوز التوسل إليه بشيء من مخلوقاته، لا الأنبياء، ولا غيرهم، وتوقف في حق نبينا (لاعتقاده أنه ورد في ذلك حديث، وأنه لم يعرف صحة هذا الحديث; وتقدم قول أبي حنيفة وأصحابه، رحمهم الله تعالى. السابع: أنهم يشترون أولادهم ممن يعتقدونه، ويجعلون له النذور، وإذا جاء المولود، جعلوا لمن ينتسب إلى ذلك المعتقد طعاما، وقد أوحى إليهم الشيطان أن يجعلوا زوايا لمن يعتقدونه، وفيها جماعة ينسبون أنفسهم إلى ذلك، كالعلوانية، والقادرية، والرفاعية، وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة الحج آية: ٧٨] ، في الكتب المنَزلة، كالتوراة، والإنجيل، وفي هذا القرآن؛ فاستبدلوا الذي هو أدنى، بالذي هو خير. وإذا مرض هذا المشترى من المعتقد، نذر أهله النذور، ولم يزل يستغيث به ليشفي سقمه، ويكشف شدته، ولم يلتزموا في فعلهم هذا أن يكون المشترى منه الولد ميتا في تلك البلدة; بل يشتري أهل مكة أولادهم من عبد القادر الجيلاني، ومن الجبرتي، المدفون في زبيد;

стр. 784

ويجهلون قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦] ، فإن الشراء ممن يملك الشيء. وهذا الأمر سار في العلماء، والجهال; فهم قد غلبت عليهم العوائد، وسلبت عقولهم من تفهم المراد والمقاصد، ولم يجدوا هذا في كتاب فروع أحد من الأئمة، صانهم الله عن هذه الوصمة، فما استدلوا به مما تقدم، لا يكون دليلا على التوسل بالأموات، المعلوم حالهم أنهم في أعلى الجنان، فكيف غيرهم، ممن لا يعلم حاله، ولا يدرى أين مآله؟ أم كيف يكون دليلا على دعاء غير الله تعالى، في المهمات؟ ويقال: المراد الوسيلة، ويستدل لها بهذا؟! ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١٦] ، وتحريف للكلم عن مواضعه. فبهذا تبين أن الشيطان اللعين نصب لأهل الشرك قبورا يعظمونها ويعبدونها أوثانا من دون الله; ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادتها واتخاذها أعيادا، وجعلها" والحالة هذه" أوثانا، فقد انتقصها وغمصها حقها، وسبها; فيسعى الجاهلون المشركون في قتالهم وعقوباتهم، وما ذنبهم عند هؤلاء المشركين، إلا أنهم أمروهم بإخلاص توحيده، ونهوهم عن الشرك بأنواعه، وقالوا بتعطيله. فعند ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم فهم لا يؤمنون، وقالوا: قد انتقصوا أهل المقامات والرتب،

стр. 785

فاستحقوا الويل والعتب، وفي زعمهم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، ويسري ذلك في نفوس الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، وحب الأولياء وأتباع المرسلين. بسبب ذلك عادونا، وبالعظائم والكبائر والجرائم الغزار رمونا، ونسبوا كل قبيح إلينا، ونفروا الناس عنا وعما ندعو إليه، ووالوا أهل الشرك وظاهروهم علينا، وزعموا أنهم أولياء الله، وأنصار دينه ورسوله وكتابه. ويأبى الله ذلك: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٤] له، الموافقون له، العارفون به وبما جاء به، والعاملون به، والداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا، اللابسون ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن دينه وهديه وسنته ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ [سورة الأعراف آية: ٤٥] . ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٤] ، باتباعه واحترامه والعمل به، وتعظيم الأنبياء والأولياء، واحترامهم متابعتهم لهم فيما يحبونه، وتجنب ما يكرهونه; وهم: أعصى الناس لهم، وأبعدهم منهم، ومن هديهم ومتابعتهم، كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى، والرافضة مع علي. وأهل التوحيد أين كانوا، أولى بهم وبمحبتهم، ونصرة طريقتهم وسنتهم، وهديهم، ومنهاجهم، وأولى بالحق قولا وعملا، من أهل الباطل؛ فالمؤمنون

стр. 786

والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والمنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، بعضهم من بعض. ومن أصغى إلى كلام الله بكلية قلبه، وتدبره وتفهمه، أغناه عن اتباع الشيطان وشركه، الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وينبت النفاق في القلب، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول بكليته، وحدث نفسه بهما، وعمل باقتباس الهدى والعلم منه، لا من غيره، أغناه عن البدع والشرك، والآراء والتخرصات، والشطحات والخيالات، التي هي من وساوس الشيطان والنفوس، وتخيلات الهواء والبؤساء. ومن بعد عن ذلك، فلا بد أن يتعوض بما لا ينفعه، بل مضرة عليه; كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وذكره، وخشيته والتوكل عليه، أغناه أيضا عن عشق الصور؛ وإذا خلا من ذلك، عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده؛ فالمعرض عن التوحيد عابد الشيطان، مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره، عابد الصور، شاء أم أبى. وفي صحيح: مسلم، عن أبي الهياج الأسدي، واسمه حيان بن حصين، قال: "قال لي علي ابن أبي طالب (: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله: أن لا أدع

стр. 787

تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته " ١ وفي صحيحه أيضا; عن ثمامة بن شفي الهمداني قال: "كنا مع فضالة بن عبيد، بأرض الروم، فتوفى صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، فقال: سمعت رسول الله يأمر بتسويتها، وقد أمر به " ٢ وفعله الصحابة، والتابعون، والأئمة المجتهدون. قال الشافعي، في الأم: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى على القبور ويؤيد الهدم، قوله: " ولا قبرا مشرفا إلا سويته " ٣، وحديث جابر الذي في صحيح مسلم: "نهى (عن البناء على القبور"؛ ولأنها أسست على معصية الرسول، لنهيه عن البناء عليها، وأمره بتسويتها; فبناء أسس على معصيته، ومخالفته (، بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا، وأولى من هدم مسجد الضرار، المأمور بهدمه شرعا، إذ المفسدة أعظم، حماية للتوحيد; والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. قال الشيخ: عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى، شرحا لكلام جده، الشيخ: محمد، رحمهما الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم قوله رحمه الله تعالى: أصل دين الإسلام، وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه.

стр. 788

قلت: وأدلة هذا في القرآن أكثر من أن تحصر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٦٤] : أمر الله تعالى نبيه أن يدعو أهل الكتاب إلى معنى لا إله إلا الله، الذي دعا إليه العرب وغيرهم. والكلمة هي: لا إله إلا الله، ففسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، فقوله: (ألا نعبد) ، فيه معنى: لا إله، وهو نفي العبادة عما سوى الله، وقوله: (إلا الله) ، هو المستثنى في كلمة الإخلاص; فأمره تعالى أن يدعوهم إلى قصر العبادة عليه وحده، ونفيها عمن سواه ومثل هذه الآية كثير، يبين أن الإلهية هي العبادة، وأنها لا يصلح منها شيء لغير الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، معنى قضى: أمر ووصى، قولان، ومعناهما واحد; وقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، فيه معنى: لا إله، وقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] فيه معنى: إلا الله. وهذا هو توحيد العبادة، وهو دعوة الرسل، إذ قالوا لقومهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٢] . فلا بد من نفي الشرك في العبادة رأسا، والبراءة منه وممن فعله، كما قال تعالى، عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦"٢٧] . فلا بد

стр. 789

من البراءة من عبادة ما كان يعبد من دون الله. وقال عنه ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة مريم آية: ٤٨] . فيجب اعتزال الشرك وأهله بالبراءة منهما، كما صرح به في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ، والذين معه هم الرسل، كما ذكره ابن جرير. وهذه الآية تتضمن جميع ما ذكره شيخنا ﵀، من التحريض على التوحيد، ونفي الشرك، والموالاة لأهل التوحيد، وتكفير من تركه بفعل الشرك المنافي له؛ فإن من فعل الشرك فقد ترك التوحيد؛ فإنهما ضدان لا يجتمعان، فمتى وجد الشرك انتفى التوحيد. وقد قال تعالى في حال من أشرك: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [سورة الزمر آية: ٨] ، فكفّره تعالى باتخاذ الأنداد، وهم الشركاء في العبادة؛ وأمثال هذه الآيات كثيرة، فلا يكون موحدا إلا بنفي الشرك، والبراءة منه، وتكفير من فعله. ثم قال رحمه الله تعالى: الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله، فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا ; وهو دين الرسل،

стр. 790

أنذروا قومهم عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢١] . قوله في عبادة الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. قوله: والتغليظ في ذلك، وهذا موجود في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٠] ، ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥١] . ولولا التغليظ، لما جرى على النبي (وأصحابه من قريش ما جرى، من الأذى العظيم، كما هو مذكور في السير مفصلا، فإنه بادأهم بسب دينهم وعيب آلهتهم. قوله رحمه الله تعالى: والمعاداة فيه كما قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] ، والآيات في هذا كثيرة جدا، كقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . والفتنة: الشرك. ووسم تعالى أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من

стр. 791

الآيات، فلا بد من تكفيرهم أيضا، وهذا هو مقتضى لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص؛ فلا يتم معناها إلا بتكفير من جعل لله شريكا في عبادته، كما في الحديث الصحيح: " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " ١. فقوله: (وكفر بما يعبد من دون الله) : تأكيد للنفي، فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلو شك أو تردد، لم يعصم دمه وماله. فهذه الأمور هي تمام التوحيد، لأن؛ لا إله إلا الله قيدت في الأحاديث بقيود ثقال: بالعلم، والإخلاص، والصدق، واليقين، وعدم الشك؛ فلا يكون المرء موحدا إلا باجتماع هذا كله، واعتقاده، وقبوله، ومحبته، والمعاداة فيه، والموالاة فبمجموع ما ذكره شيخنا، ﵀، يحصل ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: والمخالف في ذلك أنواع: فأشدهم مخالفة، من خالف في الجميع، فقبل الشرك واعتقده دينا، وأنكر التوحيد واعتقده باطلا، كما هو حال الأكثر؛ وسببه: الجهل بما دل عليه الكتاب والسنة، من معرفة التوحيد، وما ينافيه من الشرك والتنديد، واتباع الأهواء وما عليه الآباء، كحال من قبلهم من أمثالهم من أعداء الرسل، فرموا أهل التوحيد بالكذب والزور، والبهتان والفجور; وحجتهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٤] .

стр. 792

وهذا النوع من الناس والذي بعده، قد ناقضوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص، وما وضعت له، وما تضمنته من الدين الذي لا يقبل الله دينا سواه، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به جميع أنبيائه ورسله، واتفقت دعوتهم عليه كما لا يخفى فيما قص الله عنهم في كتابه. ثم قال ﵀: ومن الناس من عبد الله وحده، ولم ينكر الشرك، ولم يعاد أهله. قلت: ومن المعلوم أن من لم ينكر الشرك، لم يعرف التوحيد، ولم يأت به، وقد عرفت أن التوحيد لا يحصل إلا بنفي الشرك، والكفر بالطاغوت المذكور في الآية. ثم قال رحمه الله تعالى: ومنهم من عاداهم ولم يكفرهم; فهذا النوع أيضا لم يأت بما دلت عليه لا إله إلا الله من نفي الشرك، وما تقتضيه من تكفير من فعله، بعد البيان إجماعا؛ وهو مضمون سورة الإخلاص، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] وقوله، في آية الممتحنة: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ومن لم يكفر من كفر القرآن فقد خالف ما جاءت به الرسل من التوحيد، وما يوجبه. ثم قال ﵀: ومنهم من لم يحب التوحيد، ولم يبغضه، فالجواب: أن من لم يحب التوحيد لم يكن موحدا، لأنه هو الدين الذي رضيه الله تعالى لعباده، كما قال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ؛ فلو رضي بما رضي به الله، وعمل به لأحبه، ولا بد من المحبة، لعدم

стр. 793

حصول الإسلام بدونها، فلا إسلام إلا بمحبة التوحيد. قال شيخ الإسلام، ﵀: الإخلاص: محبة الله، وإرادة وجهه؛ فمن أحب الله أحب دينه، وما لا فلا؛ وبالمحبة يترتب عليها ما تقتضيه كلمة الإخلاص من شروط التوحيد. ثم قال رحمه الله تعالى: ومنهم من لم يبغض الشرك ولم يحبه. قلت: ومن كان كذلك، فلم ينف ما نفته لا إله إلا الله من الشرك والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة منه، فهذا ليس من الإسلام في شيء أصلا، ولم يعصم دمه ولا ماله، كما دل عليه الحديث المتقدم. وقوله ﵀: ومنهم من لم يعرف الشرك ولم ينكره. قلت: من لم يعرف الشرك ولم ينكره، لم ينفه ; ولا يكون موحدا، إلا من نفى الشرك وتبرأ منه وممن فعله، وكفرهم؛ وبالجهل بالشرك لا يحصل شيء مما دلت عليه لا إله إلا الله، ومن لم يقم بمعنى هذه الكلمة ومضمونها، فليس من الإسلام في شيء، لأنه لم يأت بهذه الكلمة ومضمونها عن علم ويقين، وصدق وإخلاص، ومحبة وقبول، وانقياد; وهذا النوع، ليس معه من ذلك شيء، وإن قال لا إله إلا الله، فهو لا يعرف ما دلت عليه، ولا ما تضمنته. ثم قال رحمه الله تعالى: ومنهم من لم يعرف التوحيد ولم ينكره فأقول: هذا كالذي قبله، لم يرفعوا رأسا بما خلقوا له من الدين الذي بعحث الله به رسله وهذه الحال

стр. 794

حال من قال الله فيهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان آية: ٤٤] . وقوله ﵀: ومنهم" وهو أشد الأنواع خطرا" من عمل بالتوحيد ولم يعرف قدره، فلم يبغض من تركه ولم يكفرهم، فقوله ﵀: وهو أشد الأنواع خطرا، لأنه لم يعرف قدر ما عمل به، فلم يجيء بما يصحح توحيده، من القيود الثقال التي لا بد منها، لما علمت أن التوحيد يقتضي نفي الشرك، والبراءة منه، ومعاداة أهله، وتكفيرهم، مع قيام الحجة عليهم، فهذا قد يغتر بحاله، وهو لم يجيء بما عليه من الأمور التي دلت عليها كلمة الإخلاص، نفيا وإثباتا. وكذلك قوله ﵀: ومنهم من ترك الشرك وكرهه، ولم يعرف قدره; فهذا أقرب من الذي قبله، لكن لم يعرف قدر الشرك، لأنه لو عرف قدره لفعل ما دلت عليه الآيات المحكمات، كقول الخليل: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦"٢٧] ، وقوله: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] . فلا بد لمن عرف الشرك وتركه من أن يكون كذلك، من الولاء والبراء، من العابد والمعبود، وبغض الشرك وأهله، وعداوتهم، وهذان النوعان، هما الغالب على أحوال كثير ممن يدعى الإسلام، فيقع منهم من الجهل

стр. 795

بحقيقته ما يمنع الإتيان بكلمة الإخلاص، وما اقتضته على الكمال الواجب الذي يكون به موحدا، فما أكثر المغرورين، الجاهلين بحقيقة الدين! فإذا عرفت أن الله كفر أهل الشرك، ووصفهم به في الآيات المحكمات، كقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٧] وكذلك السنة. قال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى: فأهل التوحيد، والسنة، يصدقون الرسل فيما أخبروا، ويطيعونهم فيما أمروا، ويحفظون ما قالوا، ويفهمونه، ويعملون به، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويجاهدون من خالفهم، تقربا إلى الله، وطلبا للجزاء من الله لا منهم. وأهل الجهل والغلو لا يميزون بين ما أمروا به ونهوا عنه، ولا بين ما صح عنهم، وما كذب عليهم، ولا يفهمون حقيقة مرادهم، ولا يتحرون طاعتهم، بل هم جهال لما أتوا به، معظمون لأغراضهم. قلت: ما ذكره شيخ الإسلام يشبه حال هذين النوعين الأخيرين ; بقي مسألة حدثت، تكلم بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو: عدم تكفير، المعين ابتداء لسبب ذكره رحمه الله تعالى، أوجب له التوقف في تكفيره قبل إقامة الحجة عليه، قال رحمه الله تعالى: ونحن نعلم بالضرورة، أن النبي لم يشرع لأحد أن يدعو أحدا من الأموات، لا

стр. 796

الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها؛ كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله (، ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين ما جاء به الرسول مما يخالفه، انتهى. قلت: فذكر رحمه الله تعالى ما أوجب له عدم إطلاق الكفر عليهم، على التعيين خاصة، إلا بعد البيان والإصرار فإنه قد صار أمة وحده; لأن من العلماء من كفره، بنهيه لهم عن الشرك في العبادة، فلا يمكن أن يعاملهم بمثل ما قال، كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في ابتداء دعوته، فإنه إذا سمعهم يدعون زيدا بن الخطاب، قال: الله خير من زيد، تمرينا لهم على نفي الشرك، بلين الكلام، نظرا إلى المصلحة، وعدم النفرة، والله سبحانه أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. [تقرير الإلهية] وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه، في تقرير الإلهية، ما نصه: بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد

стр. 797

المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما. اعلم أن أعظم شهادة، وأفرضها على الخلق، قولا، وعملا، واعتقادا، ما شهد الله به لنفسه من اختصاصه بالإلهية، دون جميع خلقه، أزلا وأبدا، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] . فكرر الشهادة به في هذه الآية; وأخبر أن ملائكته، وأولي العلم شهدوا له بذلك، جل وعلا; وأخبر عباده بهذه الشهادة، ودعاهم إلى أن يشهدوا له بها، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [سورة النساء آية: ٨٧] ، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة طه آية: ٨] ، وقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [سورة القصص آية: ٧٠] . وأخبر أنه بعث بهذه الشهادة الرسل جميعهم، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، فبين في هذه الآية وأمثالها كقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٢] ، أن الإلهية هي العبادة; فإن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب، محبة، وتعظيما، وتذللا، وخضوعا، وتوكلا، ورغبة إليه، ورهبة، وخوفا، ورجاء، وغير ذلك من أنواع العبادة. وقال تعالى ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ

стр. 798

شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٢] ، وبين تعالى ما تضمنته هذه الشهادة من النفي والإثبات بقوله، عن خليله ﵇، أنه قال لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦"٢٨] . والكلمة هي: لا إله إلا الله، فعبر عنها الخليل بمعناها، فنفى ما نفته هذه الكلمة من الشرك في العبادة، بالبراءة من كل ما يعبد من دون الله، واستثنى الذي فطره، وهو الله سبحانه الذي لا يصلح من العبادة شيء لغيره، كما قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [سورة هود آية: ١] ، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢] ، فقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [سورة هود آية: ٢] ، فيه معنى: لا إله، وقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢] ، هو المستثنى في هذه الكلمة العظيمة، وفي هذه الآيات: نفي الإلهية عما سوى الله، نفيا عاما، بلا النافية للجنس، وأثبت الإلهية له وحده، دون كل ما سواه. والآيات في معنى هذه الكلمة كثيرة في القرآن، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، فقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] : نفي استحقاق العبادة لغيره، وأثبتها لنفسه بقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] . وقال تعالى: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ، وأمر نبيه (أن يدعو أهل الكتاب إلى معنى هذه الكلمة، وما تضمنته من النفي والإثبات،

стр. 799

فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، فتضمنت هذه الآية معنى " لا إله إلا الله " من نفي الإلهية عما سوى الله وتفردة بالعبادة دون كل ما سواه. ومعنى: ﴿تَعَالَوْا﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، أي: هلموا وأقبلوا، إلى أن نكون نحن وأنتم في توحيد الله مجتمعين على ذلك، ثم قرر تعالى بقوله: ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٦٤] . وهذه الكلمة هي التي دعا رسول الله (قريشا والعرب أن يقولوها، ويعملوا بها، وقال لهم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، كلمة تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وتكونون بها ملوكا في الجنة " ١ فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] ، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [سورة ص آية: ٧] . وذلك أنهم نشؤوا في الفترة، بعد عبادة الأصنام، حين استخرجها عمرو بن لحي الخزاعي، وفرقها في القبائل، وهي الأصنام التي عبدها قوم نوح، فعبدوها، وكثرت عبادة الأوثان والأصنام; فصار عند الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، على صورة من كانوا يعبدونه. وعبدوا اللات: والعزى، ومناة، وذا الخلصة، وغيرها مما لا يحصى كثرة، ولذلك أنكروا معنى لا إله إلا الله

стр. 800

لما دعاهم النبي (إلى ترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله، فأبوا أن ينفوا ما نفته من عبادة الأوثان والأصنام، وأن يخلصوا العبادة لله وحده. ولمعرفتهم معنى هذه الكلمة نهوا أبا طالب عن أن يقولها عند موته، لما قال له رسول الله: " يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. قال له أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " ١ علموا أنه لو قالها لترك عبادة غير الله، وأنكرها، لمعرفتهم ما دلت عليه من النفي والإثبات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٦] . وأما هذه الأمة، فلما كثر الشرك فيهم كما كثر في أولئك، وبنيت المساجد على القبور وعبدت، وبنيت المشاهد على اسم من بنيت باسمه من الصالحين وعبدت، صاروا يقولون: لا إله إلا الله، والشرك قد قام في قلوبهم، واتخذوه دينا، فأثبتوا ما نفته هذه الكلمة من عبادة غير الله، وأنكروا ما دلت عليه من الإخلاص. فعكسوا مدلول هذه الكلمة العظيمة، بكونهم أثبتوا ما نفته من الشرك، ونفوا ما أثبتته من الإخلاص الذي هو حق الله على عباده، فيقول قائلهم: لا إله إلا الله، وقد اعتقد عكس ما دلت عليه; وهذا غاية الجهل والضلال، يقول كلمة

стр. 801

تتضمن النفي والإثبات، فلا يعرف ما نفت ولا ما أثبتت؛ هذا وهم فيما يقرءونه، ويقرؤونه في مذاهبهم، وما كانوا يتعاطونه من العلوم، لا يجهلون مثل هذا. وكثير منهم له في علم المعقول اليد الطولى، فسبحان الله! كيف جهلوا من ذلك ما دعت إليه الرسل من توحيد الله، ونفي الشرك الذي نهوا أممهم عنه، كما هو صريح في القرآن، لا يخفى على من له أدنى فهم إن وفق لفهمه، فوضعوا الشرك موضع التوحيد، بالقبول والعمل، ووضعوا التوحيد موضع الشرك، بالإنكار على من دعا إليه وعداوته! فبهذا يتبين لك معنى ما أخبر به النبي من قوله: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدا ". ١ فلا غربة للإسلام أعظم من هذه الغربة التي عليها الأكثرون في هذه القرون المتأخرة; وقد ذكر العلماء" ﵏" من أهل السنة والجماعة في معنى: لا إله إلا الله، وبيان ما نفته وما أثبتته، ما يفيد العلم اليقيني بمعناها الذي أوجب الله تعالى معرفته، وما تضمنته من النفي والإثبات. قال الوزير: أبو المظفر في الإفصاح: قوله: شهادة أن لا إله إلا الله، يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] . قال: واسم الله مرتفع بعد ﴿ (إِلاَّ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] من

стр. 802

حيث أنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه، قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله تعالى، كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله. قال ابن القيم ﵀ في البدائع: فدلالتها" أي لا إله إلا الله" على إثبات الإلهية أعظم من دلالة قولنا الله إله، ولا يستريب أحد في هذا البتة. انتهى بمعناه. وقال ﵀: والإله هو: الذي تألهه القلوب، محبة وإجلالا، وإنابة، وإكراما، وتعظيما، وذلا، وخضوعا، وخوفا، ورجاء، وتوكلا عليه، وسؤالا منه، ودعاء له، لا يصلح ذلك كله إلا لله؛ فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحا في إخلاصه في قوله: لا إله إلا الله، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وقال: أبو عبد الله القرطبي، في تفسيره: لا إله إلا الله، أي: لا معبود إلا هو. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الإله هو: المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو: الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق هو، بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع.

стр. 803

وقال رحمه الله تعالى: فإن الإله هو: المحبوب، المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له، وتذل له، وتخافه، وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه، وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، وبهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها هم أهل الله وحزبه; والمنكرون لها أعداؤه، وأهل غضبه ونقمته. فإذا صحت، صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد، فالفساد لازم له في علومه وأعماله. وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي: انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبودا بحق، غير الملك الأعظم; فإن هذا العلم، هو: أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة ; وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه; وإلا فهو جهل صرف ; وهذا الذي ذكرناه عن شيخ الإسلام والبقاعي، هو: الموجود في كلام أهل السنة جميعهم. إذا عرفت ذلك فمما يدل على غربة الإسلام ما أخبر به النبي (من وقوع الشرك في هذه الأمة، كما في الصحيح من حديث ثوبان: " وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان ". وأخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود، عن النبي (أنه قال: " تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو

стр. 804

سبع وثلاثين، فإن يهلكوا، فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم، يقم تسعين عاما. قال: قلت: أمما بقي، أو مما مضى؟ قال: مما مضى " ١. ومما يبين غربة الإسلام وشدتها، ما جرى من الملوك والقضاة والرؤساء على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، من العداوة والحبس، وشدة الإنكار عليه، لما دعاهم إلى ما تضمنته لا إله إلا الله، ومعناها الذي تقدم عنه وعن أمثاله من العلماء; وقد ردوا عليه بشبهات واهية، وضلالات في الضلال متناهية; رد عليهم رحمه الله تعالى في: منهاج السنة، واقتضاء الصراط المستقيم، وكتاب الاستغاثة في الرد على ابن البكري; ورد على أهل البدع جميعهم من الفلاسفة والمتكلمين، كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة. وذكر ﵀ أن هؤلاء كلهم، وإن كثرت أبحاثهم ومصنفاتهم، فما منهم من يعرف ما دلت عليه كلمة الإخلاص: " لا إله إلا الله "؛ فلم يعرفوا التوحيد الذي أثبتته، ولا الشرك الذي نفته؛ هذا معنى كلامه ولتلميذه العلامة ابن القيم، في بيان أنواع التوحيد والرد على أهل البدع، المصنفات الكثيرة المفيدة؛ فمن أحسنها: إغاثة اللهفان، وكتاب: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة. وللحافظ ابن عبد الهادي: الصارم المنكي في الرد

стр. 805

علي السبكي ولهم أصحاب كثير أخذوا عنهم; فلما طال الأمد بعدهم صارت كتبهم في أيدي أناس جهلة، وفي خزائن الكتب الموقوفة، فلم يلتفتوا إليها، فرجعوا إلى ما كان عليه من قبلهم ممن مضى من المبتدعة، وكثر الشرك في القرى والأمصار; وصاروا لا يعرفون من التوحيد إلا ما تدعيه الأشاعرة من تأويل صفات الرب والإلحاد فيها، فصاروا كذلك حتى نسي العلم، وعم الشرك والبدع، إلى منتصف القرن الثاني عشر، فإنه لا يعرف إذ ذاك عالم أنكر شركا أو بدعة مما صار في آخر هذه الأمة. فشرح الله صدر شيخنا، فضلا من الله ونعمة عظيمة منَّ بها تعالى في آخر هذا الزمان، فعرف من الحق ما عرف شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه، بتدبره الآيات المحكمات، وصحيحي البخاري ومسلم، والسن، والمسانيد، والآثار، ومعرفة ما كان عليه رسول الله (والتابعون، وأتباعهم، وما عليه سلف الأمة وأئمتها، والأئمة من أهل الحديث والتفسير، والفقهاء كالأئمة الأربعة ومن أخذ عنهم، فتبين له التوحيد وما ينافيه، والسنة وما يناقضها. فدعا الناس من أهل قريته وما قرب منها أن يتركوا عبادة أرباب القبور والطواغيت، وعبادة الأشجار والأحجار، والذبح للجن، ونحو ذلك; وكل هذا قد وقع في قرى نجد وغيرها كالبوادي؛ فلما أنكر ذلك كرهوا

стр. 806

ذلك منه، وطرده أهل قريته عنها، وهي: حريملا، وصار في العيينة يدعو إلى دين الإسلام، وينهى عن الشرك وعبادة الأوثان، وقبل ذلك طائفة منهم ومن أهل الدرعية; ثم بعد ذلك ضاق نطاق أمير العيينة لما رآه قد أنكر قوله الخلق الكثير والجم الغفير، وقد نصب له العداوة أهل القرى والأمصار، والبادي والحاضر، فأمره أن ينتقل من بلده عنه. وصار في الدرعية عند محمد بن سعود وأولاده وإخوانه، وبعض الأعيان من جماعته؛ فصار لهم قبول لهذه الدعوة، فصبروا على عداوة الناس قريبهم وبعيدهم، وكل قصدهم بالحرب، فثبتهم الله على قلتهم وكثرة من خالقهم، وقتل من قتل من أعيانهم، فصبروا، وصارت الحرب بينهم سجالا، والله يحميهم ويقوي قلوبهم؛ وما جرى بينهم وبين عدوهم، مذكور في التاريخ. فأظهر الله هذا الدين في نجد، والبادية، حتى لم يكن فيهم من ينازع ويجادل، لأن الله أبطل كل شبهة، بما أبداه هذا الشيخ ببيانه، ومصنفاته التي صارت في أيدي المسلمين; وانتشرت دعوته في الأمصار، وقبلها القليل منهم ممن له التفات إلى ما ينفعه، بخلاف من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله، وهم الأكثرون، فلله الحمد على هذه النعمة العظيمة، فيا سعادة من هدي إلى معرفة حقيقة دين الإسلام واتبعه.

стр. 807

وقد وجدت للعلامة ابن القيم ﵀ كلاما في الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، يتعين نقله هنا، لعظيم فائدته، وشدة الحاجة إليه، قال رحمه الله تعالى: فصل: عظيم النفع، جليل القدر; ينتفع به: من عرف نوعي التوحيد القولي العلمي الخبري والتوحيد القصدي الإرادي العملي، كما دل على الأول سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ١] ، وعلى الثاني سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] . وكذلك دل على الأول، قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٣٦] ، وعلى الثاني: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، ولهذا كان النبي (يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر وسنة المغرب; ويقرأ بهما في ركعتي الطواف; ويقرأ بالآيتين في سنة الفجر، لتضمنهما التوحيد العلمي والعملي. والتوحيد العلمي أساسه: إثبات الكمال للرب، ومباينته لخلقه، وتنْزيهه عن العيوب والنقائص، والتمثيل; والتوحيد العملي أساسه: تجريد القصد بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والعبودية بالقلب، واللسان، والجوارح، لله وحده. ومدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، على

стр. 808

هذين التوحيدين؛ وأقرب الخلق إلى الله: أقومهم بهما علما وعملا; ولهذا كانت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أقرب الخلق إلى الله؛ وأقربهم إليه وسيلة، أولو العزم؛ وأقربهم الخليلان؛ وخاتمهم: سيد ولد آدم، وأكرمهم على الله، لكمال عبوديته وتوحيده. فهذان الأصلان هما قطب رحى الدين، وعليهما مداره، وبيانهما من أهم الأمور; والله سبحانه بينهما غاية البيان، بالطرق العقلية والنقلية، والفطرية والنظرية، والأمثال المضروبة؛ ونوع سبحانه الطرق بإثباتهما كل التنويع، بحيث صار معرفة القلوب الصحيحة والفطر السليمة لهما بمنْزلة: رؤية العين المبصرة التي لا آفة بها، للشمس، والقمر، والنجوم، والأرض والسماء، فذلك للبصيرة، بمنْزلة هذه للبصر. فإن تسلط التأويل على التوحيد الخبري، العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهل، وانمحت رسوم التوحيد، وقامت معالم التعطيل والشرك; ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمين، لا ينفك أحدهما عن صاحبه ; وإمام المعطلين المشركين: فرعون، فهو إمام كل معطل ومشرك إلى يوم القيامة، كما أن إمام الموحدين: إبراهيم، ومحمد ﵉. وقال أيضا لما ذكر سبب عبادة الأصنام التي صورها قوم نوح، على صور الصالحين; وما زال الشيطان يوحي

стр. 809

إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها، من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بالمقبور والإقسام به على الله; فإن شأن الله أعظم من أن يقسم به عليه، أو يسأل بأحد من خلقه; فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعائه، وعبادته، وسؤاله الشفاعة، واتخاذ قبره وثنا تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به ويستلم ويقبل، ويحج إليه ويذبح عنده. فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا; ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم؛ وكل هذا قد علم بالاضطرار من دين الإسلام، أنه مضاد لما بعث الله به رسوله (من تجريد التوحيد، وألا يعبد إلا الله. فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منْزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم، ولا قدر، وغضب المشركون واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] . وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل

стр. 810

الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله، وأنصار دينه ورسوله؛ ويأبى الله ذلك ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٤] . انتهى كلامه، رحمه الله تعالى. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحج آية: ٧٣"٧٤] . فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه" فمن لم يسمعه فقد عصى أمره" كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه، بأصح برهان، وأوجز عبارة وأحسنها وأحلاها، وسجل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد، وساعد بعضهم بعضا، وعاونه بأبلغ المعاونة، لعجزوا عن خلق ذباب واحد؛ ثم بين ضعفهم وعجزهم عن استنقاذ ما يسلبه الذباب إياه، فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب، ومن عابده الطالب، فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها؟ فأقام سبحانه حجة التوحيد، وبين إفك أهل الشرك والإلحاد، بأعذب الألفاط وأحسنها، لم يعترها غموض، ولم يشبها تطويل، ولم يعبها تعقيد، ولم يزر بها زيادة ولا تنقيص؛ بل بلغت في الحسن والفصاحة والإيجاز، ما لا يتوهم متوهم، ولا يظن ظان، أن يكون أبلغ في معناها منها،
следующие страницы →