← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فلا أدري ما حاله. وأما قول من قال: من الشرك التصنع للمخلوق; فلعل مراده: التصنع بطاعة الله الذي يسمى: الرياء، وهو كثير جدا، فهذا صحيح في أمور لا يفطن لها صاحبها. وأما خوف المخلوق فالمراد به: الخوف الذي يحملك أن تترك ما فرض الله عليك، وتفعل ما حرم الله عليك، خوفا من ذلك المخلوق; وأما: الرجاء، فلعل المراد: الذي يخرج العبد عن التوكل على الله والثقة بوعده، وكل هذه الأمور كثيرة جدا. وأما قولك: هل المراد به الشرك الأصغر، أو الأكبر؟ فهذا يختلف باختلاف الأحوال، وقد يتصنع لمخلوق فيخافه، أو يرجوه، فيدخل في الشرك الأصغر، وقد يتزايد ذلك ويتوغل فيه، حتى يصل إلى الشرك الأكبر. وسئل ﵀: عن معنى عقد اللحية؟ والضرب في الأرض؟ هو الذي نعرف: أن بعضهم يخط خطوطا، ثم يعدها: إن ظهرت شفعا فكذا، وإن ظهرت وترا فكذا، أم غير ذلك؟ وتفسير: "الجبت" برنة الشيطان; ما رنة الشيطان؟. وحديث: "من ردته الطيرة فقد أشرك، وكفارة ذلك أن تقول: اللهم لا طير إلا طيرك" إلخ، أم كيف يزول ذلك الشرك بهذا اللفظ؟ مع أن الطيرة مخامرة باطنة، واللفظ وحده لا يفيد، أو فائدة

стр. 737

قليلة؟ وما معنى: الفخر، والطعن؟ وما معنى مكر الله بالعبد؟ وما الفرق بين الروح، والرحمة؟ فأجاب ﵀: عقد اللحية: لا أعلمه، لكن ذكر في الآداب ما يقتضي أنه شيء يفعله بعض الناس في الحرب، على وجه التكبر. وأما الضرب، فهو مشهور جدا حتى إن بعض الناس يخط، فمن وافق خطه فذاك، والذي يبدو للذهن: أنه عام في كل أنواع الخط، وخط ذلك النبيِّ عُدِمَ، لا يوجد من يعرفه. ورنة الشيطان: لا أعرف مقصود الحسن، بل عادة السلف، يفسرون اللفظ العام ببعض أفراده، وقد يكون السامع يعتقد أن ذلك ليس من أفراده، وهذا كثير في كلامهم جدا، ينبغي التفطن له. وقوله في الطيرة: "وكفارة ذلك أن تقول" إلخ. فالطيرة تعم أنواعا، منها ما لا إثم فيه، كما قال عبد الله: (وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) ; فإذا وقع في القلب شيء، وكرهه، ولم يعمل به، بل خالفه، وقال، لم يضره، فإن قال من الحسنات شيئا فهو أبلغ وأتم في الكفارة; فلو قدرنا أن تلك الطيرة من الشرك الخفي أو الظاهر، ثم تاب منه، وقال هذا الكلام على طريق التوبة، فكذلك.

стр. 738

وأما الفخر بالأحساب؛ فالأحساب: الذي يذكر عن مناقب الآباء السالفين، التي نسميها: المراجل; إذا تقرر هذا، ففخر الإنسان بعمله منهي عنه; فكيف افتخاره بعمل غيره؟! وأما الطعن في الأنساب، ففسر بالموجود في زماننا: ينتسب إنسان إلى قبيلة، ويقول بعض الناس: ليس منهم، من غير بينة، بل الظاهر أنه منهم. وأما مكر الله، فهو: أنه إذا عصاه وأغضبه، أنعم عليه بأشياء يظن أنها من رضاه عليه. وأما الفرق بين الروح والرحمة، فلا أعرفه، ولعله: فرق لطيف، لأن الروح فسر بالرحمة في مواضع. وسئل ﵀: عن الوعيد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، هل هو صحيح، أم غير ذلك؟. أيضا نبهني عبد الوهاب في خطه للموصلي: أنك ما رضيت قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في مشيئته وإرادته، حتى إني أفكر فيها، ولا بان لي فيها شيء أيضا، سوى المذكور عند النووي: " اللهم إني أسلمت نفسي إليك "١ إلخ، بين لي معناه، جزاك الله خيرا. الجواب: الوعيد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه ثابت عند أهل الحديث; فإن كنت قد حفظت القرآن، أو شيئا منه، ثم نسيته، فودي أن تعود إليه. وأما قوله في الخطبة:

стр. 739

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك في مشيئته، وإرادته، فعجب! كيف يخفى عليك؟ هذا للألوهية، والمذكور في الخطبة توحيد الربوبية، الذي أقر به الكفار. وأما قوله: " اللهم إني أسلمت نفسي إليك "١ إلى آخره، فترجع إلى الإخلاص، والتوكل، ولو كان بينهما فروق لطيفة. والله أعلم. وسئل ﵀: عن الفقير الصابر، والغني الشاكر أيهما أفضل؟ وعن حد الصبر وحد الشكر؟. فأجاب: أما مسألة الغنى والفقر، فالصابر والشاكر كل منهما من أفضل المؤمنين; وأفضلهما: أتقاهما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٣] . وأما حد الصبر وحد الشكر، فلا عندي علم إلا المشهور بين العلماء، أن الصبر: عدم الجزع، والشكر: أن تطيع الله بنعمته التي أعطاك. [رسالة حسين وعبد الله ابني الشيخ إلى الحفظى في الحث على التوحيد] قال ابنا الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى، ما نصه: بسم الله الرحمن الر حيم من حسين، وعبد الله، ابني الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، إلى جناب: الأخ في الله: محمد بن أحمد الحفظي، سلمه الله تعالى من الآفات، واستعمله بالباقيات

стр. 740

الصالحات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإنا نحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير; والصلاة والسلام، على نبيه وحبيبه، محمد البشير النذير، وعلى آله وأصحابه أولي الفضل الشهير، والعلم المستطير، وقد وصل الله إلينا كتابك، وفهمنا ما حواه، من حسن خطابك; وتذكر أنك على هذا الدين، الذي نحن عليه، من إخلاص الدين لله، وترك عبادة ما سواه، وأنك لا ترضى بالإشراك والتخلف عن التوحيد، ولو قدر فواق. فالحمد لله الذي من علينا وعليك، وهذا هو أفرض الفرائض على جميع الخلق; ومن انتفع بهذا الدين، واستقام عليه، فله البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة وله العزة والرفعة والجاه، والملابس الفاخرة; وفي الحديث: عن الصادق المصدوق، صلوات الله وسلامه عليه، قال: " إن الله ليرفع بهذا الدين أقواما، ويضع به آخرين ". والذي نوصيك به، ونحضك عليه: التفقه في التوحيد، ومطالعة مؤلفات شيخنا ﵀، فإنها تبين لك حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله، وحقيقة الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وأخبر أنه لا يغفره، وأن الجنة على فاعله حرام، وأن من فعله حبط عمله، والشأن كل الشأن، في معرفة حقيقة التوحيد، الذي بعث الله به رسوله، وبه يكون الرجل مسلما، مفارقا للشرك وأهله; وذلك لأن كثيرا

стр. 741

من المصنفين، إذا ذكر التوحيد لم يبينه، وقد يفسره بتوحيد الربوبية، الذي أقر به المشركون; ومنهم من يفسره بتوحيد الذات، والصفات; وذلك وإن كان حقا، فليس هو المراد من توحيد العبادة، الذي هو معنى لا إله إلا الله. وكثير من المصنفين يفسر الشرك بالإشراك في توحيد الربوبية، الذي أقر به كفار العرب، وغيرهم من طوائف المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦١] ، وقال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٨] ، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، وإنما الخلاف بينهم وبين الرسول ﷺ هو في توحيد الإلهية، الذي هو توحيد العبادة; ولهذا لم يصيروا موحدين بمجرد الإقرار بتوحيد الربوبية; فإياك أن تغتر بما أحدثه المتأخرون وابتدعوه، كابن حجر: الهيتمي وأشباهه. واعتمد في هذا الأصل على كتاب الله الذي أنزله تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمؤمنين، وعلى ما كان عليه السلف الصالح من أصحابه والتابعين لهم بإحسان، ولا تغتر بما حدث بعدهم من البدع المضلة في أصول الدين وفروعه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

стр. 742

[سورة الأنعام آية: ١٥٣] . وبهذا تعرف أن حقيقة أصل الإسلام، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله: أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. وتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، هو أن يطاع فيما أمر، وينتهى عما عنه نهى وزجر، ويكون هو الإمام المتبع، ومن سواه فيؤخذ من كلامه ويترك; فعلى أقواله وأفعاله: تعرض الأقوال والأفعال; فما وافق قوله، فهو: المقبول; وما خالفه فهو المردود; وكاتبه حمد بن ناصر بن معمر، وصلى الله على محمد. وسئل الشيخ: حمد بن ناصر، بن معمر، رحمه الله تعالى، عن الفرق بين الشفاعة المثبتة، والمنفية؟ فأجاب: أما الفرق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية، فهي مسألة عظيمة، ومن لم يعرفها لم يعرف حقيقة التوحيد والشرك; والشيخ رحمه الله تعالى عقد لها بابا في كتاب التوحيد، فقال: باب الشفاعة، وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] ، ثم ساق الآيات، وعقبه بكلام الشيخ تقي الدين. فأنت راجع الباب، وأمعن النظر فيه، يتبين لك حقيقة الشفاعة، والفرق بين ما أثبته القرآن وما نفاه، وإذا تأمل الإنسان القرآن، وجد فيه آيات كثيرة في نفي الشفاعة، وآيات كثيرة

стр. 743

في إثباتها; فالآيات التي فيها نفي الشفاعة، مثل قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] ، ومثل قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] ، وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٤٤] ، إلى غير ذلك من الآيات. وأما الآيات التي فيها إثبات الشفاعة، فمثل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] ، وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] ، وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [سورة طه آية: ١٠٩] ، إلى غير ذلك من الآيات. فالشفاعة التي نفاها القرآن هي; التي يطلبها المشركون من غير الله، فيأتون إلى قبر النبي ﷺ أو إلى قبر من يظنونه من الأولياء والصالحين; فيستغيث به، ويستشفع به إلى الله، لظنه أنه إذا فعل ذلك شفع له عند الله، وقضى الله حاجته، سواء أراد حاجة دنيوية أو حاجة أخروية، كما حكى الله عن المشركين في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، لكن كان الكفار الأولون، يستشفعون بهم في قضاء الحاجات الدنيوية; وأما المعاد، فكانوا مكذبين به، جاحدين له; وأما المشركون اليوم فيطلبون من غير الله حوائج الدنيا والآخرة;

стр. 744

ويتقربون بذلك إلى الله، ويستدلون عليه بالأدلة الباطلة، و ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١٦] . وأما الشفاعة: التي أثبتها القرآن، فقيدها سبحانه بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له; فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأذن للشفعاء أن يشفعوا إلا لمن رضي قوله وعمله; وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد. وأخبر الرسول ﷺ أن أسعد الناس بشفاعته أهل التوحيد والإخلاص، فمن طلبها منه اليوم، حرمها يوم القيامة؛ والله سبحانه قد أخبر أن المشركين لا تنفعهم شفاعة الشافعين; وإنما تنفع من جرد توحيده، بحيث أن يكون الله وحده هو إلهه، ومعبوده؛ وهو سبحانه: لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، كما قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . فإذا تأملت الآيات، تبين لك أن الشفاعة المنفية هي التي يظنها المشركون، ويطلبونها اليوم من غير الله. وأما الشفاعة المثبتة فهي التي لأهل التوحيد والإخلاص. كما أخبر الرسول ﷺ أن شفاعته نائلة من مات من أمته، لا يشرك بالله شيئا; والله أعلم.

стр. 745

وسئل أيضا: الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، عن قوله: (أسألك بحق السائلين عليك) ... ؟ إلخ. فأجاب: أما السؤال عن قول الخارج إلى الصلاة: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك) ، فهذا ليس فيه دليل على جواز السؤال بالمخلوق، كما قد توهم بعض الناس فاستدل به على جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين ; وإنما هو سؤال الله تعالى بما أوجبه على نفسه، فضلا وكرما، لأنه يجيب سؤال السائلين إذا سألوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٦] . ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم آية: ٤٧] ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [سورة هود آية: ٦] ، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٨] . هذا ما ذكره العلماء في الحديث الوارد في ذلك إن صح، وإلا فهو ضعيف، وعلى تقدير صحته فهو من باب السؤال بصفات الله، لا من باب السؤال بذوات المخلوقين، والله أعلم. سئل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ: هل يجوز التوسل بجاه النبي ﷺ ، أو غيره من الأنبياء والمرسلين والصالحين في الدعاء؟ فأجاب: التوسل المشروع، الذي جاء به الكتاب

стр. 746

والسنة، هو: التوسل إلى الله بالأعمال الصالحات، والأسماء والصفات اللائقة بجلال رب البريات، كقوله تعالى حاكيا عن عباده المؤمنين أنهم توسلوا إليه بصالح أعمالهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ١٩٣] . وكما ثبت في الصحيحين من قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، الحديث; وكقوله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان في صحيحه وغيره: " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك "١. وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم "٢، وفي الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه: " أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك" ٣ الحديث، وأمثال ذلك. فهذا كله أمر مشروع، لا نزاع فيه، وهو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة آية: ٣٥] . وكذلك التوسل إلى الله بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، وبدعاء غيره من الأنبياء والصالحين في حياتهم، فهذا كله مستحب، كما توسل

стр. 747

الصحابة بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، وتوسلوا بدعاء العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، وبدعاء يزيد بن الأسود الجرشي. وأما التوسل بجاه المخلوقين، كمن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد ﷺ ، ونحو ذلك، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ، وأكثر العلماء على النهي عنه. وحكى ابن القيم رحمه الله تعالى أنه بدعة إجماعا، ولو كان الأنبياء والصالحون لهم جاه عند الله ، فلا يقتضي ذلك جواز التوسل بذواتهم وجاههم، لأن الذي لهم من الجاه والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ولا ننتفع من ذلك إلا باتباعنا لهم ومحبتنا لهم، والله المجازي لنا على ذلك. وأما التوسل بذواتهم، مع عدم التوسل بالإيمان والطاعة، فلا يكون وسيلة، ولأن المتوسل بالمخلوق إن لم يتوسل بما يحصل من المتوسل به من الدعاء للمتوسل أو بمحبته واتباعه، فبأي شيء يتوسل؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في كتاب: الاستغاثة: ما زلت أبحث وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء، هل جوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم، فما وجدته، ثم وقفت على فتيا للفقيه أبي محمد بن عبد السلام، أفتى بأنه

стр. 748

لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ ، وأما بالنبي ﷺ فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك. وذكر القدوري في شرح الكرخي، عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز أن يسأل الله بالأنبياء. انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى. قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، فلا تجوز معنى، وفاقا. انتهى. وقد احتج من أجاز المسألة بالمخلوقين بأمور: الأول: ما رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، قال قال رسول الله ﷺ : "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا "١ الحديث. فالجواب: إن الحديث في إسناده عطية العوفي، وفيه كلام، ضعفه الإمام أحمد، والثوري، وهشيم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والجوزجاني والنسائي، وابن حبان، وقال: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب، وقال ابن معين: صالح; وقال ابن سعيد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وبتقدير ثبوته، هو من التوسل المستحب، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة سبب لحصول الإجابة وإثابته. والثاني: ما رواه الحاكم في المستدرك وصححه من

стр. 749

حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن جده، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "لما اقترف آدم الخطيئة، قال: رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي " الحديث. فالجواب: إن هذا الحديث ساقط، لأن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف بالاتفاق، ضعفه مالك، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبو زرعة، وأبو داود، وابن سعد، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، قال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. فهذا كما ترى، تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو: هو. وقال الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك لما ذكر الحاكم هذا الحديث فقال: هذا صحيح، قال الذهبي: أظنه موضوعا، ثم هو مخالف للقرآن، لأن الله ذكر قصة آدم ﵇ وتوبته وتوسله، ولم يذكر الله أنه توسل بالنبي ﷺ . الثالث: ما رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة، وابن شاهين والبيهقي وصححه الترمذي عن عثمان بن حنيف: " أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعوه بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في "١ هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا

стр. 750

من حديث أبي جعفر، وهو غير الخطمي، هدا لفظ الترمذي، وقال بعضهم: هذا يدل على جواز التوسل بالنبي ﷺ لا غير. والجواب: إن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر ﵁ لما استسقى بالعباس ﵁، فذكر أنهم يتوسلون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته؛ وتوسلهم به هو: دعاؤه، ودعاؤهم معه، فيكون وسيلتهم إلى الله تعالى، وهذا لم يفعله الصحابة في حق النبي ﷺ بعد موته، ولا في مغيبه. والنبي ﷺ كان في مثل هذا شافعا لهم داعيا لهم، ولهذا قال في حديث الأعمى: اللهم فشفعه في، فعلم أن النبي ﷺ شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه. قلت: ومن تأمل هذا الحديث، علم صحة هذا، فإنه صريح في أن الأعمى أتاه فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك; قال: فادعه، فهذا دليل على أن النبي ﷺ دعا له، وأن الأعمى سأل ربه أن يشفعه فيه، بأن يستجيب دعاءه ﷺ وهذا كاف في حكم هذه المسألة. واعلم: أن التوسل بذات المخلوق أو بجاهه غير سؤاله ودعائه. فالتوسل بذاته أو بجاهه أن يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، وأدخلني الجنة بنبيك محمد ﷺ أو

стр. 751

بجاه نبيك محمد (، ونحو ذلك، فهذا بدعة ليس بشرك. وسؤاله ودعاؤه، هو أن يقول: يا رسول الله أسألك الشفاعة، أو أنا في كرب شديد فرِّج عني، أو استجرت بك من فلان فأجرني، ونحو ذلك، فهذا كفر وشرك أكبر ينقل صاحبه عن الملة، لأنه صرف حق الله لغيره، لأن الدعاء عبادة لا يصلح إلا لله، فمن دعاه فقد عبده، ومن عبد غير الله فقد أشرك والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر. وكثير من الناس لا يميز ولا يفرق بين التوسل بالمخلوق أو بجاهه، وبين دعائه وسؤاله; فافهم ذلك، وفقنا الله وإياك لسلوك أحسن المسالك. وبهذا يظهر جواب المسألة الثانية، وهي: إذا وجد نحو ذلك في تصنيف بعض العلماء، هل له محمل أم لا، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [رسالة عبد العزيز بن سعود إلى الحفظي يوصيه بتحقيق الشهادتين] وقال الإمام: عبد العزيز بن محمد بن سعود، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم من عبد العزيز بن سعود، إلى جناب الأخ في الله: محمد بن أحمد الحفظي، سلمه الله من جميع الأشرار، وجعله من عباده الصالحين الأبرار، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم من الفجار.

стр. 752

أما بعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو; وهو للحمد والثناء أهل، وأسأله أن يصلي على صفوته وخيرته من خلقه، محمد خير أنبيائه، وأمينه على إنبائه، وعلى آله وصحبه، الذين كانوا سيوفا قاطعة على رقاب أعدائه. وقد وصل إلينا كتابكم، وفهمنا ما تضمنه، من لطيف خطابكم، فإن سألت عن الأحوال، فلله الحمد والمنة، نحن في أحسن حال، وأسر بال، نسأل الله أن يزيدنا، وسائر إخواننا من النعم والإفضال. وما ذكرت من اتباعكم، هذه الدعوة الإيمانية، وإخلاصكم الدعوة والتوحي، لمن له الوحدانية، فهنيئا لمن كانت حاله كذلك، وأنقذه الله من الشرك والمهالك، لأن الإسلام عاد في هذه الأزمان غريبا كما بدأ، كما أخبر به الصادق المصدوق، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره; نسأل الله أن يجعلنا وإياك من الغرباء، الذين ذكر أنهم يحيون من السنة ما أمات الناس. وما ذكرت من طلب الوصية في كتابك، فأعظم ما نوصيك به: تحقيق هذين الأصلين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله; وذلك لأنهما أصل الإسلام; ولا ينفع علم، ولا يقبل عمل، بدون تحقيقهما قولا وعملا واعتقادا؛ وهما أصل التقوى، التي أوصى الله بها الأولين والآخرين، في كتابه، بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 753

الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . وفسر التقوى من فسرها من السلف، بتفاسير; منها: أنها العمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله; واجتناب معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله; فأعظم ما نوصيك به: استحضار هذا. ثم الدعوة إلى الله، قال ﷻ : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٣] . وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] ، قال (لعلي ابن أبي طالب (" فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم "١ فإذا حققت هذه التقوى، وكنت من أهلها، فلا تخف ولا تحزن; وقد وردت البشرى من الله أنه معك حيث كنت، ناصرا، ومعينا، وحافظا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٨] . وإذا كان الله معك، فمن تخاف؟ وإذا كان عليك، فمن ترجو؟ وكما قال بعضهم: من اتقى الله، كان الله معه، ومن كان الله معه: فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل. نسأل الله أن يهدينا، وإياكم إلى صراطه المستقيم، ويدخلنا برحمته جنات النعيم، والسلام عليكم. ورحمة الله

стр. 754

وبركاته. وبعد ما فرغ أمير المؤمنين من جوابه، خطر لأحد خدام علماء المسلمين أن يذيل بكلمات لطيفة، غايتها ثناء على الله، وتحدث بنعمة الله، وترغيب في دين الله، مراعيا فيها ما قيل في المثل: خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل; وقد اتفقت على روي المبتدي١ وبحره. فقال غفر الله له: تألق برق الحق في العارض النجدي ... فعم حياة الكون في الغور والنجد وأورقت الأشجار وانتضدت بها ... يوانع أنواع من الثمر الرغد وأشرقت الأنوار من زهر ورده ... وأعبقت الأقطار من طيب الند وغردت الأطيار بالذكر تطرب ال ... مسامع جهرا فوق أغصانها الملد وقام خطيب الكائنات لربها ... على الخصب بعد المحل بالشكر والحمد فذاك الحيا محيي القلوب ربيعها ... ومطعومها مشروبها طيبها الوردي فها نحن نجني من ثمار غراسه ... ونرجوا جناه العفو في جنة الخلد فإن كنت مشتاقا إلى ذلك الجنا ... فذقه تجد طعما ألذ من الشهدي هو الوحي دين الله عصمة أهله ... وحظهم الأوفى وجدهم المجدى به ينتجى والناس في هلكاتهم ... به يرتجى نيل الرغائب والرفد

стр. 755

به الأمن في الدنيا وفي الحشرواللقا ... ومن قبل عند الاحتضار وفي اللحد به تصلح الدنيا به تحقن الدما ... به يحتمى من كل باغ وذي حقد به زعزعت أركان كسرى وقيصر ... ولم يجد ما حازا من المال والجند ومثلهما في السالكين طريقهم ... أرانا كما قد قاله صادق الوعد فلله حمد يرتضيه لنفسه ... على نعم زادت عن الحصر والعد فأعظمها بعث الرسول محمد ... أمين إله الخلق واسطة العقد دعانا إلى الإسلام دين إلهنا ... وتوحيده بالقول والفعل والقصد هدانا به بعد الضلالة والعمى ... وأنقذنا بعد الغواية بالرشد حبانا وأعطانا الذي فوق وهمنا ... وأمكننا من كل طاغ ومعتد وأيدنا بالنصر واتسقت لنا ... ممالك لا تدعو سوى الواحد الفرد فنسأله إتمام نعمته بأن ... يثبتنا عند المصادر كالورد فيا فوز عبد قام لله جاهدًا ... على قدم التجريد يهدي ويستهدي وجدد في نصر الشريعة صارما ... بعزم يرى أمضى من الصارم الهندي وتابع هدي المصطفى الطهر مخلصًا ... لخالقه فيما يسر وما يبدي ويا حسرة المحروم رحمة ربه ... بإعراضه عن دين ذي الجود والمجد لقد فاته الخير الكثير وما درى ... وقد خاب واختار النحوس على السعد ومن بعد حمد الله أزكى صلاته ... وتسليمه الأوفى الكثير بلا حد على المصطفى خير الأنام وآله ... وأصحابه أهل السوابق والزهد قال الإمام: عبد العزيز بن محمد بن سعود، رحمه الله تعالى، وقد سئل عن رجل عبد الله على ظاهر دين الإسلام، يأتي بالواجبات، ويترك المقبحات، ولا يقلد في دينه أحدا من

стр. 756

أرباب هذه المذاهب المشهورة، بل إن كان فيه أهلية النظر في أدلة الكتاب والسنة عمل بها، وإلا سأل من وجده من العلماء، فهل هذا ناج، أم لا؟ فنقول: بعد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وسلم، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [سورة النساء آية: ٦٩] . فأخبر الله سبحانه أن من أطاع الله ورسوله، من الأولين والآخرين، فهو ناج من العذاب، ويحصل جزيل الثواب، وهذا أمر مجمع عليه بين الأمة، ولله الحمد، لا اختلاف فيه، لكن الشأن في تحقيق ذلك، وتصديق القول بالعمل بما في كتاب الله، وسنة رسوله، عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، وذلك: لأن الناس أحدثوا بعد نبيهم (والسلف الصالح محدثات، زعموا أنها من البدع الحسنة، فأقبح ذلك وأشده: دعوة غير الله، والاستغاثة بالصالحين، من الأحياء والأموات، في جلب الفوائد، وكشف الشدائد، وسؤالهم الحاجات، ليشفعوا لهم عند الله، ويقربوهم عنده. وكذلك كنا نفعله، قبل أن يمن الله علينا بدين الإسلام، نحن وغيرنا، حتى اشتهر ذلك في كثير من البلاد، وصار عند غالب الناس هو غاية تعظيم الصالحين ومحبتهم، ومن أنكره عليهم كفروه وخرجوه.

стр. 757

فلما ظهر الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، أسكنه الله الجنة يوم المآب نهانا عن ذلك، وأخبر أن هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله، إلا بالتوبة منه، وأنه هو فعل المشركين عبدة الأوثان، من العرب وغيرهم. وأتانا بالدلائل القطعية، من الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥"٦] . وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] . والآيات في هذا المعنى كثيرة معروفة. فلما عرفنا أن هذا هو الشرك الذي بعث الله الرسل وأنزل الكتب، تنهى عنه، وتأمر بعبادة الله، وإخلاص الدعوة له وحده لا شريك له، وأن هذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، تبرأنا من الشرك بالله وأهله، ومن دعوة غير الله، والاستغاثة بهم في الشدائد، وجلب الفوائد، وإخلاص الدعوة لله وحده لا شريك له. فلما فعلنا ذلك، وأزلنا جميع الأوثان والقباب التي في بلداننا، أنكر الناس ذلك، وكفرونا، وخرجونا، وبدعونا، ورمونا بعداوتهم عن قوس واحد، فاعتصمنا بالله،

стр. 758

وتوكلنا عليه، وجاهدناهم في الله، وفي دين الله، فنصرنا الله عليهم، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، والحمد لله على ذلك، فهو الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق. إذا عرفتم ذلك، فنقول في جواب المسألة الكبرى: من عبد الله وحده لا شريك له، وأخلص جميع العبادة بأنواعها لله وحده لا شريك له، فلم يستغث إلا بالله، ولم يدع إلا الله وحده، ولم يذبح إلا لله وحده، ولم ينذر إلا لله وحده، ولم يتوكل إلا عليه، ويذب عن دين الله، وعمل بما عرف من ذلك بقدر استطاعته، فهو ناج بلا شك، وإن لم يعرف هذه المذاهب المشهورة. [نبذة للشيخ عبد العزيز الحصين في توحيد العبادة] قال الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الحصين رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله المتفرد بالكمال والبقاء والعز والكبرياء، الموصوف بالصفات والأسماء، المنَزه عن الأشباه والنظراء، الذي سبق علمه في بريته بحكم القضاء، من السعادة والشقاء; وأكمل لنا ديننا، ولم يجعله ملتبسا علينا، وتفضل، فرضي لنا الإسلام دينا، فنحمده على ذلك ونشكره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونتوب إليه ونستغفره، وصلى الله وسلم على المبعوث بالمحجة البيضاء، والشريعة الغراء; محمد أفضل الرسل والأنبياء; وعلى آله وأصحابه الأتقياء،

стр. 759

صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم البعث والجزاء. أما بعد: فإن العبادة التي هي اسم جامع، لكل ما يحبه الله ويرضاه، هي الغاية التي خلق الله لها جميع العباد، من جهة أمر الله تعالى، ومحبته ورضاه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، وبها أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وذلك أن الدين كله بأنواعه لله وحده، والأمر كله لله، مختص بجلاله وعظمته، ليس للخلق منه شيء البتة، لا ملك، ولا نبي، ولا ولي، بل حق لله تعالى، غير جنس حق المخلوق. فأما حقه تعالى: فتوحيده وإفراده بعبادته، التي أوجبها تعالى على عباده، وخلقهم ليعملوا بها، وإخلاصها له تعالى وتقدس، بعد نفيها عن غيره; وحصرها له وعليه; والدعاء بما لا يقدر على جلبه ودفعه إلا الله، مختصا به، لا يجوز أن يدعى في ذلك غيره ﵎، ورجاؤه فيه، والتوكل عليه، وذبح النسك، والنذر، لجلب الخير، أو دفع الشر، والإنابة، والخضوع كله لله، مختص بجلاله، كالسجود، والتسبيح، والتكبير والتهليل. قال : ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] . وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . وقال لنبيه ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا

стр. 760

يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] . وقال تعالى لأفضل خلقه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١"٢٢] . وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢"١٦٣] . وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] . وحق الأنبياء: الإيمان بهم، وبما جاؤوا به، واتباع النور الذي أنزل معهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، وموالاتهم، وتقديم محبتهم على النفس والمال والبنين، والناس أجمعين; وعلامة التصديق في ذلك: اتباع هديهم، والإيمان بما جاؤوا به من عند ربهم، والإيمان بمعجزاتهم، وأنهم بلغوا رسالات ربهم، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وأن محمدا (خاتمهم، وأفضلهم، وإثبات شفاعتهم، التي أثبتها الله سبحانه في كتابه، وهي من بعد إذن ربهم لهم فيها، ممن يرضى عنه من أهل التوحيد، وأن المقام المحمود، الذي ذكره الله في كتابه لنبينا محمد (. وكذلك حق أوليائه: محبتهم، والترضي عنهم، والإيمان

стр. 761

بكرامتهم، لا عبادتهم ليجلبوا لمن دعاهم خيرا لا يقدر على جلبه إلا الله ﵎، ويدفعوا عنهم سوءا لا يقدر على دفعه أو رفعه إلا الله، لأنه عبادة مختصة بجلاله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، فسماه عبادة، وأضافها إلى نفسه; وروى النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله: "إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ رسول الله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ " الآية [سورة غافر آية: ٦٠] ، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وكل ما في القرآن، من دعاء، أو دعوة، فهو إما بمعنى: اسألوني أعطكم، كما في هذا الحديث، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٨٦] . وإما بمعنى: امتثال الأوامر، واجتناب المناهي، كما في قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ﴾ [سورة الشورى آية: ٢٦] ، أي يثيبهم على أحد التفسيرين، لا أن يتخذوا في ذلك واسطة، بين الله، وبين من دعاهم، ولا سيما في حصول المطلوب، كالواسطة بين السلطان ورعيته; فإن ذلك دين المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ الآية [سورة سبأ آية: ٢٢] . وقال

стр. 762

تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] . وإنما ذكر الله ذلك عنهم، لأنهم يدعون الملائكة والأنبياء، ويصورون صورهم محبة لهم، ويرجونهم ويلتجئون إليهم ليشفعوا لهم فيما دعوهم فيه، وذلك بطرق مختلفة; ففرقة قالت: ليس لنا أهلية مباشرة دعاء الله ورجائه، بلا واسطة تقربنا إليه، وتشفع لنا عنده، لعظمته; وفرقة قالت: الأنبياء والملائكة ذوو وجاهة عند الله، ومنْزلة عنده، فاتخذوا صورهم من أجل حبهم لهم، ليقربوهم إلى الله زلفى; وفرقة: جعلتهم قبلة في دعاء الله؛ وفرقة قالت: إن على كل صورة مصورة على صور الملائكة والأنبياء وكيلا موكلا بأمر الله، فمن أقبل على دعائه ورجائه، وتبتل إليه، قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله، وإلا أصابته نكبة بأمره; فالمشرك إنما يدعو غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ويلتجئ إليه فيه ويرجوه منه، لما يحصل له في زعمه من النفع. وهو لا يكون إلا فيمن وجدت فيه خصلة من أربع: إما أن يكون مالكا لما يريد منه داعيه، فإن لم يكن مالكا، كان شريكا; فإن لم يكن، كان ظهيرا، فإن لم يكن ظهيرا، كان شفيعا. فنفى الله سبحانه هذه المراتب الأربع عن غيره نفيا مرتبا، منتقلا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك عن غيره، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة، التي لأجلها وقعت

стр. 763

العداوة والمخاصمة، بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ١١١] ، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٨] . وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٦] . وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر آية: ١٦] . وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] . وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] ، وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [سورة طه آية: ١٠٨] ، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢"٢٣] . فأثبت ما لا نصيب فيها للمشرك البتة، وهي: الشفاعة بإذنه لمن رضي عنه سبحانه، الذي يعلم السر وأخفى، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء; ولهذا لما قالت الصحابة ﵃: يا رسول الله، أربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ أنزل الله ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٨٦] "وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ

стр. 764

قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣"٤٤] . وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ٥١] . فليس الموحد إلا من اجتمع قلبه ولسانه على الله، مخلصا له تعالى ألوهيته المقتضية لعبادته، بمحبته، وخوفه، ورجائه، ودعائه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وحصر الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه عنه إلا الله وحده، والموالاة في ذلك، والمعاداة فيه، وأمثال هذا، عالما بالفرق، بين حق: الخالق، والمخلوق، من الأنبياء، والأولياء، مميزا بين الحقين؛ وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره، ومعرفته، وفي حال القلب أيضا، وعبادته، وقصده، وإرادته، ومحبته، وموالاته، وطاعته. فهذا من تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن معنى الإله عند الأولين: ما تألهه القلوب بالمحبة التي كحب الله، والتعظيم، والإجلال، والخضوع، والرجاء، والالتجاء، والتوكل، والدعاء، بما هو مختص بالله، وذبح النسك له. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ، وقالوا لمن أحبوه كحب الله ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧"٩٨] ، وهم ما

стр. 765

ساووهم به في الصفات، ولا في الذات، ولا في الأفعال، كما حكى الله عنهم في الآية، في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] ، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآيات [سورة المؤمنون آية: ٨٤] . والشاهد لله، بأنه: لا إله إلا هو، وقائلها نافيا في قلبه ولسانه، ألوهية كل ما سواه من الخلق، ومثبتا الألوهية لمستحقها، وهو الله المعبود بالحق، فيكون معرضا عن ألوهية جميع المخلوقات، مقبلا على عبادة رب الأرض والسماوات؛ وذلك يتضمن: اجتماع القلب، في عبادته، ومعاملته، على الله تعالى، ومفارقته في ذلك ما سواه، فيكون مفرقا في علمه وقصده، وشهادته وإرادته، ومعرفته ومحبته، بين الخالق والمخلوق؛ بحيث يكون عالما بالله، ذاكرا له، عارفا به، وأنه تعالى مباين لخلقه، منفرد عنهم، بعبادته وأفعاله وصفاته. فيكون محبا له، مستعينا، به لا بغيره، متوكلا عليه لا على غيره، ممتنعا عن دعاء غيره، بما لا يقدر على إيجاده أو دفعه أو رفعه إلا الله; فلا يجعل ما هو مختص بجلاله تعالى، لغيره وهذا المقام، هو لمعنى في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ؛ وهذا من خصائص ألوهيته تعالى، التي يشهد له بها عباده المؤمنون; كما أن رحمته تعالى لعبيده، وهدايته إياهم، وخلق السماوات

стр. 766

والأرض وما بينهما، وما فيهما من الآيات، من خصائص ربوبيته التي يشترك في معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر؛ حتى إبليس عليه اللعنة، معترف بها في قوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ [سورة الحجر آية: ٣٦] . وقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الحجر آية: ٣٩] . وأمثال هذا الخطاب الذي يعرف فيه بأن الله ربه وخالقه ومليكه، وأن ملكوت كل شيء في يده تعالى وتقدس، وإنما كفر بعناده، وتكبره عن الحق، وطعنه فيه، وزعمه أنه فيما ادعاه وقاله، محق، وكذلك المشركون الأولون يعرفون ربوبيته تعالى، وهم له بها يعترفون. قال الله (آمرا نبيه (أن يسألهم عن ربهم الذي خلقهم، ورزقهم، ويحييهم، ويميتهم، ويدبر أمورهم كلها، فإذا عرفوه واعترفوا به، استحق أن يخص بألوهيته، فلا يدعوا مع الله إلها آخر، بل يتركوا تلك الآلهة التي يدعونها ويرجونها، وينسكون لها، لتقربهم إلى الله زلفى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] . وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤"٨٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦١] .

стр. 767

فهم قد أقروا واعترفوا بأن الله سبحانه: خالق الأشياء كلها، وموجدها، ومالكها، وأنه النافع، الضار، المعطي، المانع، الذي لا رازق سواه، ولا قابض، ولا باسط إلا هو، وحده لا شريك له في ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٠"٤١] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الآية [سورة لقمان آية: ٣٢] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٨"٨٩] . وقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ الآيات [سورة الشعراء آية: ٦٩"٧٠] . وروى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي، من حديث حصين بن منذر: أن رسول الله (قال: " يا حصين كم تعبد؟ قال; سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، فقال له رسول الله: أسلم حتى أعلمك كلمات، ينفعك الله بهن فأسلم، فقال: قل اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي ".

стр. 768

فبمجرد معرفتهم ربوبيته تعالى، واعترافهم بها، لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإسلام، مع جعلهم مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها، لتقربهم من الله زلفى، وتشفع لهم عند الله، فبذلك كانوا مشركين في عبادته، ومعاملته، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. وقد وصف الله سبحانه، دين المشركين، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٥"٦٦] . وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . وسيظهر تعالى المحق على المبطل، بحكمه بين الفريقين غدا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . وفي صحيحي: البخاري، ومسلم، عن عبد الله بن مسعود (قال: " سألت رسول الله (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك.

стр. 769

قال: قلت: ثم أى؟ قال: أن تزاني حليلة جارك " ١، فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ الآية [سورة الفرقان آية: ٦٨] ، فبين النبي (أن أعظم الذنب: الشرك بالله الذي هو جعل الأنداد واتخاذهم من خلقه ليقربوهم إليه. وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، أن النبي (قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " ٢، فدين الله وسط، بين الغالي فيه، والجافي عنه. والشرك شركان؛ شرك أكبر، وهو: الذي تقدم بيانه آنفا، فهو محبط للأعمال، موجب للخسران والخلود في النيران، إلا بالتوبة منه والرجوع إلى دين الإسلام. وشرك أصغر: كالرياء، والسمعة، ففي صحيح مسلم، عن أبي هريرة (عن النبي (قال: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري، تركته وشركه " ٣. ومنه: الحلف بغير الله، روى الإمام أحمد، وأبو داود من حديث ابن عمر: " عن النبي أنه قال رجل: ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا; قل: ما شاء الله وحده " ٤، وروى الإمام أحمد في مسنده: " أن رجلا أتي به قد أذنب ذنبا، وهو أسير، فلما وقف بين يدي النبي (قال: اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، فقال: النبي عرف

стр. 770

الحق لأهله " ١. والشرك الأصغر: ذنب تحت المشيئة، كسائر الذنوب، بل هو أكبرها، لعموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وحديث: " أي الذنب أعظم " ٢، ولكن لا يكفر مرتكبها ولا يخرج عن الملة الإسلامية، إذا لم يستحل فعلها. فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة، كتوسل المؤمنين بإيمانهم، في قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩٣] ، وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة عليهم، وهم الثلاثه النفر، توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة التي تقربهم وتحببهم إلى ربهم، رواه البخاري في صحيحه; لأنه وعد أنه: يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. وكسؤاله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٠] . وكالأدعية المأثورة في السنن: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام " ٣ وأمثال ذلك. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة آية: ٣٥] ، فإنها القربة التي تقرب إلى الله، وتقرب فاعلها منه، وهي: الأعمال الصالحة، كما

стр. 771

روى البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة، عن رسول الله (قال: " قال الله تعالى: من عادى لي وليا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها. ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " ١ الحديث بتمامه. ولهذا كان رسول الله (إذا همه أمر فزع إلى الصلاة، فإنها أعظم التقرب إلى الله (كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٥] . وليست الوسيلة بمخلوق يبتغى، ليجعل واسطة بينه وبين خلقه، يتقربون به إليه، لأن هذا عين ما نهى الله عنه في الآيات، وأنزل بقبحه الكتب، وأرسل الرسل، وهو ما قالت بنو إسرائيل لموسى، صلاة الله وسلامه عليه، يا موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة; فإن قصدهم يتقربون به إليه. وأما الإقسام على الله بمخلوق، فهو منهي عنه باتفاق العلماء، وهل هو منهي عنه، نهي تنْزيه، أو تحريم؟ على قولين، أصحهما أنه كراهة تحريم; قال بشر بن الوليد، سمعت أبا يوسف يقول، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا ينبغي لأحد أن يدعو إلا به، وأكره: بمعاقد العز من عرشك،

стр. 772

وهو حق خلقك; وقال أبو يوسف: معاقد العز: هو الله، فلا أكره هذا; وأكره: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت، والمشعر الحرام، قال ﵀: المسألة بحق المخلوق لا تجوز لهذا، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو أنبيائك، ونحو ذلك، لأنه: لا حق للمخلوق على الخالق. وقال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً﴾ الآية [سورة الجاثية آية: ١٠] ، فإذا والى العبد ربه وحده، أقام له وليا من الشفعاء، وعقد الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين، فصاروا أولياءه في الله; بخلاف من اتخذ مخلوقا من دون الله، فهذا لون، وذاك لون; كما أن الشفاعة الشركية الباطلة نوع، والشفاعة الحق الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد نوع; وهذا موضع فرقان، بين أهل التوحيد، وأهل الشرك بالله; والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ومما استدل به الذين يدعون مع الله غيره، في المهمات من أهل القبور والأموات، ويقولون: المراد الوسيلة: " اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة; يا محمد إني، أتوجه بك إلى ربي، في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في " ١ رواه الترمذي، والحاكم، وابن ماجه، عن عثمان بن حنيف، قال: " جاء رجل ضرير إلى النبي، فقال: ادع الله لي أن يعافيني، فقال: إن شئت اخترت لك، وهو خير، وإن شئت دعوت

стр. 773

لك. قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء " ١ قال الحاكم: صحيح. وهذا الحديث دليل للشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، لا عليه، لوجوه. الأول: أنه في غير محل النِّزاع، بل اختراع منكر، ووردت الأحاديث بحرمته، وهو عمارة القبور، وإلقاء الستور عليها، وتسريجها، وهذه كلها كبائر كما قال أهل العلم، حتى ابن حجر الهيتمي، وغيره; إن حدها: كل ما أتبع بلعنة، أو غضب، أو نار. روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: " قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢. ولمسلم: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٣. وفي صحيحه: عن جندب بن عبد الله البجلي، (قال " سمعت النبي (قبل: أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم، كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك " ٤.

стр. 774

وعن عائشة أم المؤمنين ﵂، وعبد الله بن عباس، ﵄، قال: " لما نزل برسول الله، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا " ١ متفق عليه. وروى الإمام أحمد في مسنده، بإسناد جيد، عن عبد الله بن مسعود، (أن النبي قال: "إن من شرار الناس، من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد " ٢ وعن ابن عباس، ﵄; قال: " لعن رسول الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج" ٣ رواه الإمام أحمد، وأهل السنن. وهذا حال من سجد لله عند قبر، فكيف بمن سجد للقبر نفسه؟ أو دعاه، وعدل عن أوضاع الشرع، إلى تعظيم أوضاع الجهال والطغام، وضعوها لأنفسهم بتلبيس إبليس عليهم، فسهلت لهم، وطابت بها قلوبهم، من تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع، من عبادتها بدعائها، ورجائها، والالتجاء إليها، والتوكل عليها، والنذر لها، وكتب الرقاع فيها، وخطاب الموتى بالحوائج: يا سيدي، يا مولاي افعل بي كذا وكذا; وأخذ ترابها، وجعل الخرق عليها تبركا، وإيقاد السرج عليها، وتقبيلها، وتحليتها، وشد الرحال إليها؛ وينضاف إلى ذلك إلقاء الخرق على الشجر،

стр. 775

ودعاؤها، والذبح والنذر لها، اقتداء بمن عبد اللات، والعزى; والويل كل الويل عندهم، لمن عاب، أو أنكر عليهم. ومن جمع بين سنة رسول الله (في القبور، وما أمر ونهى، وما كان عليه أصحابه، وبين الذي عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا; ودعاء المقبور عند المهمات شرك بالله (، قد ذكرنا أدلته فيما تقدم; وإن كان سبب قول الله ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] ، مجيء خبر من اليهود، إلى رسول الله (والمسلمين، وقوله: "نعم القوم أنتم، لولا أنكم تجعلون لله أندادا; فتقولون: ما شاء الله وشاء فلان، فقال أما إنه قد قال حقا " ١، وأنزل الله ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٢] . وممن أخرج الحديث: جلال الدين السيوطي في: الدر المنثور، في تفسير الآية، وعن قتيلة" امرأة من جهينة" قالت: " أتى يهودي إلى النبي فقال: إنكم تنددون وتشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت; وتقولون: والكعبة; فأمرهم النبي (أن يقولوا: ورب الكعبة، وما شاء الله، ثم شئت ;" رواه النسائي. وقد أقر النبي (قول اليهودي: إن هذا شرك، فكيف حال من نادى عند المهمات غير الله؟ إذ هو داخل تحت
следующие страницы →