بمقتضاها، يكون العبد مسلما; إذ لا بد من مطابقة القلب للسان، علما، وعملا، واعتقادا، وقبولا، ومحبة، وانقيادا.
فلا بد من العلم بها المنافي للجهل، ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك; ولا بد من الصدق المنافي للكذب، بخلاف المشركين والمنافقين؛ ولا بد من اليقين المنافي للشك والريب; فقد يقولها وهو شاك في مدلولها ومقتضاها; ولا بد من المحبة المنافية للكراهة؛ ولا بد من القبول المنافي للرد، فقد يعرف معناها ولا يقبله، كحال مشركي العرب.
ولا بد أيضا من الانقياد المنافي للشرك، لترك مقتضياتها، ولوازمها، وحقوقها، المصححة للإسلام والإيمان; فمن تحقق ما ذكرته، ووقع منه موقعا، صرف الهمة إلى تعلم معنى: لا إله إلا الله; وصار على بصيرة من دينه، وفرقان، ونور، وهدى، واستقامة. وبالله التوفيق.
[رد قول أن المستثنى بإلا في لا إله إلا الله دخل في المنفي]
وقال أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى:
زعم من لا علم لديه: أن المستثنى بإلا في لا إله إلا الله، دخل في عموم المنفي، في اسم لا; وهذا خطأ بين، من وجوه:"
الأول: أن النفي يناقض الإثبات، فاجتماع النفي والإثبات في جملة جمع بين النقيضين، وهما
стр. 842
لا يجتمعان، فيمتنع الجمع بينهما.
الثاني: أن لا النافية للجنس لها اسم وخبر، ولا بد، فلا تتم فائدة اسمها إلا بخبرها، والخبر الجزء المتم للفائدة، ف "لا" حرف نفي، و"إله" اسمها، مبني معها على الفتح، والخبر المقدر، وهو " حق " على الصحيح، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [سورة الحج آية: ٦] ، والخبر وصف في المعنى، قيد في الاسم، وقد خص من الإلهية ما ليس بحق، وفائدته: إخراج الإله الحق من المنفي، لتخصيص المنفي بانتفاء حقيقته، وهذا ظاهر لمن له أدنى فهم، فالاستثناء من الخبر، المقيد في حقيقة المستثنى، وهو الله تعالى، دون ما يعبد من دونه، وكل ما يعبد من دونه هو المنفي بحرف النفي، فيكون النفي منصبا على كل مألوه ليس بحق، وأما الحق فثابت لم ينتف، بدليل الوصف المثبت له.
الثالث: أن الآية، وهي قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] ، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٧] ، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] ، فأتى بمعناها، نفيا وإثباتا، فيجري في مدلولها ما جرى في الدال، وهو: لا إله إلا الله، فلا يجوز في قلب مسلم أن يعتقد أن إبراهيم ﵇، تبرأ من معبوده، الذي فطره، بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] ، ثم أثبته بقوله (إلا) ، هذا لا يقع اعتقاده من مسلم عرف هذه الكلمة ومعناها.
стр. 843
والحق الذي يجب اعتقاده، ويدان الله به: أن الخليل ﵇ تبرأ من كل ما كانوا يعبدونه سوى الله سبحانه، المستحق للعبادة وحده، سبحانه وبحمده، فاستثناه تعالى من معبوداتهم، لأنهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون غيره، والقرآن يدل على هذا، كما هو ظاهر في آيات التوحيد، كما قال تعالى عن الخليل ﵇ أنه قال لقومه: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الصافات آية: ٨٦"٨٧] .
وقال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [سورة مريم آية: ٤٨] ، وقال عن أصحاب الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] ، لكن الجاهل أعمى، ولهذا تجد أكثرهم يتعصب لجهله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٤٠] . وصلى الله على محمد.
[رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى الإمام فيصل في معنى لا إله إلا الله]
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيد المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإمام المكرم: فيصل، كرمه الله بالتوحيد، وحماه من شبه أهل الشرك والإلحاد والتنديد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 844
وبعد: فاعلم أن لا إله إلا الله لها معنى عظيم، يستضيء به قلوب أهل الإسلام والإيمان، وهو الذي بعث الله به جميع الرسل، من أولهم إلى آخرهم، وخلقهم لأجله والقرآن من أوله إلى آخره يبين معنى هذه الكلمة.
ونذكر بعض ما دل عليه القرآن من معناها، وما ذكره العلماء من أئمة الإسلام فدونك كلام العماد ابن كثير، ﵀، في تفسير سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] ، ذكر أن هذه السورة، سوره البراءة من العمل، الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص، وأن قريشا دعوا رسول الله (إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون إلهه سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمره فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ٢] ، يعني من الأصنام والأنداد، ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون آية: ٣] ، وهو الله وحده؛ ولهذا كانت كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ; والمشركون يعبدون غير الله.
قلت: فدلت هذه السورة الكريمة على البراءة من عبادة أصنام المشركين، وأوثانهم; فأمر الله نبيه (أن يتبرأ من دين المشركين وأصنامهم التي كانت موجودة في الخارج: اللات، والعزى، ومناة، وغيرها; وقد أخبر الله عن خليله إبراهيم، ﵇، أنه قال لأبيه، وقومه: ﴿مَا﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٠] ، إذا كنتم ﴿تَعْبُدُونَ﴾ ؟ [سورة الشعراء آية: ٧٠] ، فصرح بعداوة أصنامهم بأعيانها، وهي موجودة في الخارج، واستثنى
стр. 845
من معبوداتهم رب العالمين، لأنهم كانوا يعبدون الله، لكنهم يعبدون معه الأصنام.
فاستثنى المعبود الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له، فأخبر تعالى أنه قال لقومه: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [سورة الصافات آية: ٨٦] . وأخبر عنه أنه قال لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦"٢٨] ، وهي: "لا إله إلا الله" بإجماع أهل الحق، فعبر عنها بالبراءة من معبوداتهم التي كانوا يعبدونها في الخارج؛ فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] ، هو معنى النفي في قوله: "لا إله" وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٧] ، هو معنى: " إلا الله ". وهذا كاف في البيان لمثلك، الذي قد عرفه الله معنى لا إله إلا الله.
وهذا المعنى في هذه الكلمة يعرفه حتى المشركون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآية [سورة الصافات آية: ٣٥] . عرفوا أن "لا إله إلا الله"، علم على ترك عبادة آلهتهم التي كانوا يعبدونها، من أوثانهم وأصنامهم، وكل الفرق يعرفون معناها، حتى أعداء الرسل، كما قالت عاد: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] ، عرفوا على شدة كفرهم أنه أراد منهم ترك عبادة ما كان يعبده آباوهم، فتبين بهذا أن "لا إله إلا الله"، نفت كل ما كان يعبد من دون الله من صنم ومن وثن، من حين حدوث الشرك في قوم نوح إلى أن تقوم
стр. 846
الساعة.
وهذا المعنى أكثر أهل العلم يسلمونه، يعرفونه، حتى الخوارج، والرافضة، والمعتزلة، والمتكلمون، من كل أشعري، وكرامي، وماتريدي; وإنما اختلفوا في العمل بلا إله إلا الله، فبعضهم يظن أن هذا في حق أناس كانوا فبانوا، فخفي عليهم حقيقة الشرك.
وأما الفلاسفة وأهل الاتحاد، فإنهم لا يقولون بهذا المعنى، ولا يسلمونه، بل يقولون: إن المنفي بلا إله إلا الله كلي، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، وهو الله، فهو المنفي، وهو المثبت، بناء على مذهبهم الذي صاروا به أشد الناس كفرا، وهو قولهم: إن الله هو الوجود المطلق، فلم يخرجوا من ذلك صنما ولا وثنا.
وشبيه قولهم هذا قول أهل وحدة الوجود، القائلين بأن الله تعالى هو الوجود بعينه، فيقولون: إن المنفي كلي، والمثبت بقوله: "إلا الله" هو الوجود بعينه; ولا فرق عند الطائفتين بين الخالق والمخلوق، ولا بين العابد والمعبود; كل شيء عندهم هو الله، حتى الأصنام والأوثان، وهو حقيقة قول هذا الرجل سواء.
فخذ قولي، واقبله، وفقك الله، فلقد عرفت بحمد الله ما أرادوه من قولهم: إن المنفي كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد; ويدعي هذا مثل ما ادعته هذه الطائفة، أن
стр. 847
تقدير خبر " لا " موجود; وهذه الكلمة لم توضع لتقرير الوجود، وإنما وضعت لنفي الشرك، والبراءة منه، وتجريد التوحيد، كما دلت عليه الآيات المحكمات البينات، ودعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم.
وتقدير خبر "لا" موجود لا يجري إلا على مذهب الطائفتين، لعنهم الله، على قولهم: إن الله هو الموجود، فلا وجود إلا الله، فهذا معنى قوله: إنه كلي، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، فغير المعنى الذي دلت عليه لا إله إلا الله، من نفي جميع المعبودات التي تعبد من دون الله، والمنفي إنما هو حقيقتها، كما قال المسيح ﵇: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] .
ولا ريب أن كل معبود سوى الله فهو باطل. والمنفي بلا إله إلا الله هو المعبودات الباطلة، والمستثنى بإلا هو سبحانه ويدل على هذا قوله تعالى في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ الآية [سورة الحج آية: ٦] . وقال في آخر السورة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [سورة الحج آية: ٦٢] . وقال في سورة لقمان: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٠] .
فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [سورة الحج آية: ٦] ، هو المستثنى: إلا "الله"، وهو الحق، وقوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ
стр. 848
الْبَاطِلُ﴾ [سورة الحج آية: ٦٢] ، هو المنفي بلا إله؛ وما بعد هذا إلا التلبيس على الجهال، وإدخال الشك عليهم في معنى كلمة الإخلاص، فكابر المعقول والمنقول، بدفعه ما جاء به كل رسول.
نسأل الله لنا ولكم علما نستضيء به من جهل الجاهلين، وضلال المضلين، وزيغ الزائغين ; وفي الحديث: " رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني " ١. وقد كان أبو بكر الصديق يقرأ في الركعة الأخيرة من المغرب: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨] .
وهذا بحمد الله كاف في بيان الحق، وبطلان الباطل ; وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
[رسالة تتضمن الوصية بتقوى الله]
وله أيضا، مع مشاركة:
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن، وعلي بن حسين، وإبراهيم بن سيف، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان، رزقنا الله وإياهم الفقه في الدين، والإيمان واليقين. سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإنا نوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، والسر والعلانية، ونذكركم ما أنعم الله به علينا وعليكم، من دين الإسلام الذي رضيه لكم دينا; كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ
стр. 849
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . وهو الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] .
وليس الإسلام بمجرد الدعوى والتلفظ بالقول، وإنما معناه: الانقياد لله بالتوحيد والخضوع، والإذعان له بالربوبية والإلهية، دون كل ما سواه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٥٦] . وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [سورة الروم آية: ٣٠] ، إلى قوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٣٢] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآية [سورة البينة آية: ٥] . وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الآية [سورة يوسف آية: ٤٠] .
وهو الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٦] . والإله: الذي تألهه القلوب، محبة، ورجاء، وتعظيما، وتوكلا، واستعانة، ونحو ذلك من أنواع العبادة، الباطنة، والظاهرة.
стр. 850
فالتوحيد هو إفراد الله بالإلهية، كما تقدم بيانه، ولا يحصل ذلك إلا بالبراءة من الشرك والمشركين باطنا وظاهرا، كما ذكر الله تعالى ذلك عن إمام الحنفاء، ﵇، بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الآية [سورة الزخرف آية: ٢٦] ، وقوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٨"٧٩] .
فتأمل: كيف ابتدأهم بالبراءة من المشركين، وهذا هو حقيقة معنى لا إله إلا الله، ومدلولها، لا بمجرد قولها باللسان، من غير معرفة وإذعان، لما تضمنته كلمة الإخلاص، من نفي الشرك، وإثبات التوحيد ; والجاهلون من أشباه المنافقين يقولونها بألسنتهم، من غير معرفة لمعناها، ولا عمل بمقتضاها; ولهذا تجد كثيرا ممن يقولها باللسان، إذا قيل له: لا يعبد إلا الله، ولا يدعى إلا الله، اشمأز من هذا القول، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] .
وقال تعالى لنبيه محمد (: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٥"١٠٦] ، والحنيف، هو: المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه، وقد قال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾
стр. 851
[سورة العنكبوت آية: ٥٦] .
وتقديم المعمول يفيد الحصر، كما في هذه الآية وأشباهها.
قال: العماد ابن كثير، ﵀، في معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ : [سورة البقرة آية: ١٣٠] ، فيها الرد على المشركين المخالفين لملة إمام الحنفاء، فإنه جرد توحيد ربه، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك قومه، حتى تبرأ من أبيه، كما ذكر الله ذلك عنه في قوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة مريم آية: ٤٨"٤٩] ، وكيف بادأهم بذكر اعتزالهم أولا، ثم عطف عليه باعتزال معبوداتهم، كما في سورة الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] ؛ وهذا هو حقيقة التوحيد.
وقد أرشد الله نبيه محمدا (والمؤمنين أن يأتموا بخليله في ذلك، ويتأسوا به، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] .
ولهذا الأصل العظيم، الذي هو ملة إبراهيم، شرع الله جهاد المشركين، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا
стр. 852
يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٦] ، وفي الحديث: " بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له " ١.
ومع هذا حذر الله نبيه (وعباده المؤمنين من الركون إليهم، فقال: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٤"٧٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ الآية [سورة هود آية: ١١٣] . وأظلم الظلم: الشرك بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان آية: ١٣] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [سورة الممتحنة آية: ١] ، ومن المعلوم أن الذين نزلت هذه الآية في التحذير عن توليهم ليسوا من اليهود ولا من النصارى; ولا ريب أن الله تعالى أوجب على عباده المؤمنين البراءة من كل مشرك، وإظهار العداوة لهم والبغضاء، وحرم على المؤمنين موالاتهم والركون إليهم.
ومعلوم أن مشركي العرب لا يقولون: إن آلهتهم تخلق وترزق، وتدبر أمر من دعاها، وشركهم إنما هو في التأله والعبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٦٥] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ
стр. 853
اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] ، والآية الثانية.
وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣"١٤] .
والآيات في بيان الشرك في العبادة، وأنه دين المشركين، وما تضمنه القرآن من الرد عليهم، وبيان ضلالهم، وضياع أعمالهم أكثر من أن تحصر; ويكفي اللبيب الموفق لدينه بعض ما ذكرناه من الآيات المحكمات؛ وأما من لم يعرف حقيقة الشرك، لإعراضه عن فهم الأدلة الواضحة، والبراهين القاطعة، فكيف يعرف التوحيد؟ ومن كان كذلك، لم يكن من الإسلام في شيء، وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم.
وأما من شرح الله صدره للإسلام، وأصغى قلبه إلى ذكر الله من الآيات المحكمات في بيان التوحيد المتضمن لخلع الأنداد التي تعبد من دون الله، والبراءة منها ومن عابديها، عرف دين المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا
стр. 854
فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، والطاغوت: ما تجاوز به العبد حده، من معبود، أو متبوع، أو مطاع.
وكلما ازداد العبد تدبرا لما ذكره الله تعالى في كتابه، من أنواع العبادة التي يحبها الله من عبده ويرضاها، عرف أن من صرف شيئا منها لغير الله فقد أشرك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ الآية [سورة الكهف آية: ١١٠] ، ويجمع أنواع العبادة تعريفها بأنها: كل ما يحبه الله ورسوله، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة.
إذا فهمتم ذلك وعقلتموه، علمتم أن من المصائب في الدين ما يقع اليوم من كثير ممن يدعي الإسلام، مع هؤلاء الذين يأتونهم من أهل الشمال، وهم يعلمون أن الأوثان التي تعبد، وتقصد بأنواع العبادة، موجودة في بلادهم، وأن الشرك يقع عندهم، من الأقوال، والأعمال، ولا يحصل منهم نفرة ولا كراهة له; مثل هؤلاء الذين لا يعرف منهم أنهم عرفوا ما بعث الله به رسوله من توحيده، ولا أنكروا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، بل الواقع منهم إكرامهم وإعظامهم، بل زوجوهم نساءهم، فأي موالاة أعظم من هذا؟! وأي ركون أبين من هذا؟ أين العداوة لهم والبغضاء؟ هل كان ذلك الذي شرع الله وأوجبه على عباده، خاصا بأناس كانوا فبانوا؟ والناس بعد أولئك القرون
стр. 855
قد صلحوا; أم كان الشرك ١.
[رسالة إلى أهل القصيم وذكر ما من الله به من التوحيد]
وله أيضا قدس الله روحه:
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإخوان من أهل القصيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: اعلموا وفقنا الله وإياكم لمعرفة العلم النافع، والعمل به، تفهمون أن الله سبحانه منَّ على أهل نجد بتوحيده بالعبادة، وترك عبادة ما سواه وهذه نعمة عظيمة، خص الله أهل نجد بالقيام فيها، من الخاصة على العامة، لكن ما عرف قدرها.
والغفلة ذمها الله في كتابه، وذكر أنها صفة أهل النار، نعوذ بالله من النار، بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٩] . وذم أهل الإعراض بقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [سورة طه آية: ١٢٤] . وهو القرآن، ولا تعرفون العبادة التي خلقكم الله لها، إلا من القرآن؛ والقرآن من أوله إلى آخره يبين لكم كلمة الإخلاص: " لا إله إلا الله ". ولا يصح لأحد إسلام إلا بمعرفة ما دلت عليه هذه الكلمة، من نفي الشرك في العبادة، والبراءة منه، وممن فعله، ومعاداته، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له; والموالاة في ذلك
стр. 856
فمن الآيات التي بين الله تعالى فيها، هذه الكلمة، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦"٢٧"٢٨] ، وهي: لا إله إلا الله، وقد افتتح قوله، بالبراءة مما كان يعبده المشركون عموما، ولم يستثن إلا الذي فطره، وهو: الله تعالى، الذي لا يصلح شيء من العبادة إلا له.
ونوع تعالى البيان لمعنى هذه الكلمة في آيات كثيرة، يتعذر حصرها، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، والكلمة هي: لا إله إلا الله; بالإجماع، ففسرها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، أي نكون فيها سواء، علما، وعملا، وقبولا، وانقيادا، فقال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، فنفى ما نفته: لا إله إلا الله، بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، وأثبت ما أثبتته لا إله إلا الله، بقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، وقال: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] .
فهذا أعظم أمر أمر الله به عباده، وخلقهم له ; ففي قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ، نفي الشرك الذي نفته: لا إله إلا الله، وقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ، هو: الإخلاص الذي أثبتته: لا إله إلا الله، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، قضى: أي أمر ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، فيه من النفي ما في معنى: لا إله، وقوله ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، هذا هو الإثبات
стр. 857
الذي أثبتته "لا إله إلا الله"؛ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] ، فهذا هو الذي أمر به ودعا الناس إليه، وهو: إخلاص العبادة، وتخليصها من الشرك، قولا، وفعلا، واعتقادا.
وقد فعل ذلك، ودعا الناس إليه، وجاهدهم عليه حق الجهاد، وهذا هو حقيقة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ١٠٨] ، بين تعالى أن توحيد الإلهية هو الإسلام، والأعمال كلها لا يصلح منها شيء إلا بهذا التوحيد، وهو أساس الملة ودعوة المرسلين؛ والدين كله من لوازم هذا الأصل، وحقوقه.
وقد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص آية: ٢٩] . فمن تدبر القرآن، وتذكر به، عرف حقيقة دين الإسلام الذي أكمله الله لهذه الأمة، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . هذا ما ننصحكم به، وندعوكم إليه، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم.
стр. 858
[رسالة إلى الأحساء فيما دلت عليه كلمة الإخلاص]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإخوان: الأمير محمد بن أحمد، والشيخ عبد اللطيف بن مبارك، وأعيان أهل الأحساء، وعامتهم، رزقنا الله وإياهم الاعتصام بالكتاب والسنة، وجنبنا وإياهم سبل أهل البدع والأهواء، ووفقنا وإياهم لمعرفة ما بعث الله به رسوله من النور والهدى; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإن الباعث على هذا الكتاب هو النصيحة لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ وأوصيكم بما دلت عليه شهادة ألا إله إلا الله، وما تضمنته من نفي الإلهية عما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والبراءة من كل دين يخالف ما بشر الله به رسله من التوحيد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [سورة فصلت آية: ٦] .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ
стр. 859
خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة فصلت آية: ١٣"١٤] . وهذه الآية وما في معناها تتضمن النهي عن الشرك في العبادة، والبراءة منه ومن المشركين، من الرافضة وغيرهم ; والقرآن من أوله إلى آخره يقرر هذا الأصل العظيم، فلا غناء لأحد عن معرفته، والعمل به باطنا وظاهرا.
قال بعض السلف: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ١١"١٢] . وهذا هو مضمون شهادة ألا إله إلا الله، كما تقدمت الإشارة إليه.
ومضمون شهادة أن محمدا رسول الله: وجوب اتباعه، والرضى به نبيا ورسولا، ونفي البدع، والأهواء المخالفة لما جاء به (؛ فلا غناء لأحد عن معرفة ذلك وقبوله، ومحبته والانقياد له، قولا وعملا، باطنا وظاهرا.
[رسالة إلى الشتري وغيره ووصيتهم بتدبر الكتاب]
وله: أيضا، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإخوان: صالح الشثري، وزيد بن محمد، وإخوانهم، سلمهم الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فموجب الخط إبلاغكم السلام، والسؤال عن
стр. 860
الحال، جعلنا الله وإياكم ممن عرف الحق فاتبعه، وقابل النعم بشكرها; وأوصيكم بتدبر أنوار الكتاب، التي هي أظهر من الشمس في نحر الظهيرة، ليس دونها قتر ولا سحاب، لا سيما دوال التوحيد، والتفكر في مدلولاته، ولوازمه، وملزوماته، ومكملاته، ومقتضياته، ثم التفطن فيما يناقضه وينافيه من نواقضه ومبطلاته.
فالخطر به شديد، ولا يسلم منه إلا من وفق للصبر والتأييد، والفعل الحميد، والقول السديد، وخالط قلبه آيات الوعد والوعيد، وعرف الله بأسمائه، وصفاته، التي تجلو الريب والشكن قلب كل مريد، واعتصم بها عن كل شيطان مريد، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة البروج آية:١٢" ١٦] .
فقد عمت البلوى، بالجهل المركب والبسيط، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٠] . فالله الله، في التحفظ على القلب، بكثرة الاستغفار من الذنب! جعلنا الله وإياكم ممن نجا من ظلمة الجهالة، وأخلص لله أقواله وأعماله.
وسئل رحمه الله تعالى عمن يعرف التوحيد ويعتقده، ويقرأ في التفسير كتفسير البغوي ونحوه، هل له أن يحدث بما سمعه وحفظه، من العلم، ولو لم يقرأ في النحو، أو لا؟
стр. 861
فأجاب: من المعلوم أن كثيرا من العلماء من المحدثين والفقهاء، إنما كان دأبهم طلب ما هو الأهم، والنحو، إنما يراد لغيره، فيأخذ الرجل منه ما صلح لسانه ; فانشر ما علمت من العلم، خصوصا علم التوحيد، الذي هو في الآيات المحكمات كالشمس في نحر الظهيرة، لمن رغب فيه وأحبه وأقبل عليه.
وقد عرفت أن كتمان العلم مذموم، بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٩] . وقد أرشد الله تعالى عباده إلى تدبر كتابه، وذم من لم يتدبره، وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥١] .
وأخبر عن جن نصيبين، أنهم لما سمعوا قراءة النبي للقرآن بوادي نخلة، منصرفه من الطائف: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ الآية [سورة الأحقاف آية: ٢٩"٣٠] ، وأخبر تعالى عنهم، في سورة الجن أنهم أنكروا الشرك الذي كان يفعله الإنس مع الجن، من الاستعاذة بهم، إذا نزلوا واديا.
وأخبر تعالى عن هدهد سليمان، أنه أنكر الشرك،
стр. 862
وهو طائر من جملة الطير، قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [سورة النمل آية: ٢٢"٢٥] .
فحدث الهدهد، سليمان ﵇، بما رآهم يفعلونه من السجود لغير الله، والسجود نوع من أنواع العبادة؛ فليت أكثر الناس عرفوا من الشرك ما عرف الهدهد ; فأنكروه، وعرفوا الإخلاص فالتزموه؛ وبالله التوفيق، وسبحان من غرس التوحيد في قلب من شاء من خلقه، وأضل من شاء عنه، بعلمه وحكمته وعدله.
[فائدة في حقيقة التوحيد]
وقال أيضا الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى:
فائدة عظيمة النفع لمن تدبرها وفهمها، في حقيقة التوحيد والمتابعة، قال العلامة ابن القيم ﵀ في: كتاب المفتاح: الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة: أن الله سبحانه خلق خلقه لعبادته، الجامعة لمحبته ومرضاته، المستلزمة لمعرفته؛ ونصب للعباد علما، لا كمال لهم إلا به، وهو: أن تكون حركاتهم كلها واقعة على وفق مرضاته ومحبته، ولذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه؛ فكمال العبد،
стр. 863
الذي لا كمال له إلا به، أن تكون حركاته موافقة لما يحبه الله ويرضاه، ولهذا جعل اتباع رسله دليلا على محبته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] .
قال بعض العلماء: المحب الصادق إن نطق نطق بالله، وإن سكت سكت لله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فسكونه استعانة على مرضاة الله، فهو لله وبالله، ومع الله ; ومعلوم أن صاحب هذا المقام أحوج خلق الله إلى العلم، فإنه لا تتميز له الحركة المحبوبة لله من غيرها، ولا السكون المحبوب له من غيره، إلا بالعلم، فليست حاجته إلى العلم كحاجة من طلب العلم لذاته، لأنه في نفسه صفة كمال، بل حاجته إلى العلم، كحاجته إلى الطعام والشراب.
ولهذا اشتدت وصاة شيوخ العارفين لمريديهم بالعلم وطلبه، وأن من لم يطلب العلم لم يفلح، حتى كانوا يعدون من لا علم له من السفلة؛ قال ذو النون" وقد سئل عن السفلة" فقال: من لا يعرف الطريق إلى الله تعالى، ولا يتعرفه.
وقال أبو يزيد: لو نظرتم إلى الرجل وقد أعطي من الكرامات حتى يترفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، ومعرفة الشريعة. وقال أبو حمزة: من علم طريق الحق، سهل عليه سلوكه; ولا دليل إلى الله، إلا بمتابعة
стр. 864
رسول الله " في أقواله، وأفعاله، وأحواله.
وقال محمد بن فضل، الصوفي الزاهد: ذهاب الإسلام على يد أربعة أصناف: صنف: لا يعملون بما يعلمون. وصنف: يعملون بما لا يعلمون. وصنف: لا يعلمون ولا يعملون، وصنف: يمنعون الناس من التعلم.
قلت: الصنف الأول: من له علم بلا عمل، فهو أضر شيء على العامة; فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومنحسة.
والصنف الثاني: العابد الجاهل، فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه، فيقتدون به على جهله. وهذان الصنفان، هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فإن الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم، فإذا كان العلماء فجرة، والعباد جهلة عمت المصيبة بهما، وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة.
الصنف الثالث: الذين لا علم لهم ولا عمل، وإنما هم كالأنعام السائمة.
الصنف الرابع: نواب إبليس في الأرض; وهم الذين يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين، فهؤلاء أضر عليهم من شياطين الجن، فإنهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه.
فهؤلاء الأربعة الأصناف هم الذين ذكرهم هذا
стр. 865
العارف، رحمه الله تعالى; وهؤلاء كلهم، على شفا جرف هار، وعلى سبيل هلكة، وما يلقى العالم الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة إلا على أيديهم، والله يستعمل من يشاء في سخطه، كما يستعمل من يحب في مرضاته، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة الشورى آية: ٢٧] . ولا ينكشف سر هذه الطوائف وطريقتهم إلا بالعلم; فعاد الخير بحذافيره، إلى العلم وموجبه، والشر بحذافيره إلى الجهل وموجبه. انتهى.
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الابن عبد اللطيف، سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; وبعد: هذا الوجه ١ من أنفع ما رأيت في تحقيق التوحيد والمتابعة، فأنت اقرأه على الإمام، فيا سعادة من عقله وصار على باله، والله أعلم.
стр. 866
[رسالة الإمام فيصل إلى أشراف اليمن يأمرهم بالإخلاص وترك الشرك]
قال الإمام: فيصل بن تركي، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
من فيصل بن تركي بن سعود، إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من أشراف اليمن، وعلمائهم، ووجوه القبائل ; سلمهم الله من النار، ومن غضب الجبار، ورزقهم إخلاص العبادة للواحد القهار، ووفقهم لاتباع سبيل محمد النبي المختار، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه المقربين منهم والأبرار، وسلم تسليما. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإنه قد وصل إلينا من جهتكم الشيخ صالح بن سعيد الجوني، فأحببت أن أكتب معه إليكم نصيحة مختصرة، وفي الحديث: " الدين النصيحة " ١، وهو من الأحاديث الصحيحة، فأعظم ما يستنصح به العبد، وينصح به غيره:٣صض الإيمان بالله، والعمل له، والتواصي بالحق، والصبر عليه.
فأصل دين الإسلام، وأساسه الذي تنبني عليه الأعمال، وتصح به الأقوال والأفعال، هو: إخلاص العبادة بجميع
стр. 867
أنواعها لله تعالى؛ وهي منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح; ولا يكون مخلصا إلا بترك الشرك في العبادة، والبراءة منه.
وأفضل الأعمال: الأركان الخمسة، التي أعظمها تجريد التوحيد، والبراءة من الشرك والتنديد، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] ، وهؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل، ثم قال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الآيات [سورة الشورى آية: ١٥] .
وقال تعالى لنبيه محمد: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] ، فسبيله، وسبيل أتباعه: النهي عن الشرك، والدعوة إلى الإخلاص; ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] .
وقد بين تعالى ما وصى به عباده من ذلك، وما نهى عنه من الشرك في العبادة، فأخبر عن رسوله نوح ومن بعده من الرسل، ﵈، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] ، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢] . وقال خطابا لنبيه ولأمته: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
стр. 868
[سورة الإسراء آية: ٢٣] .
قال العلماء رحمهم الله تعالى: قضى: وصى، وقيل: أمر، وهما بمعنى واحد.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ١١"١٢] . والإسلام هو: الإخلاص، لأنه شرط لكل عمل، وكل عمل مفتقر إليه، وقد فسره علماء السلف بالإخلاص، كما في قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٢] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٢] . قالوا: إسلام الوجه: الإخلاص، والإحسان، والمتابعة؛ والقرآن من أوله إلى آخره، وكذلك السنة، في تقرير هذين الأصلين.
ومن تدبر سيرة النبي قبل هجرته، وبعدها، وما كان عليه الصحابة، والتابعون، وأتباعهم، والأئمة، عرف حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وتبين له كثرة المنحرفين عنه في هذه الأزمنة، وقبلها، فإن الأمة بعد القرون الثلاثة افترقت على ثلاث وسبعين فرقة، وذلك بعد ظهور دول الأعاجم، والقرامطة في المشرق; وبني عبيد القداح في مصر والمغرب، وظهرت الفلسفة، وغيرها من أصول البدع، وظهر الشرك.
وكل قرن ينحل فيه عقد الإسلام، حتى اشتدت الغربة، وعظم الافتراق، وعاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا، ونشأ
стр. 869
عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، وجهل الناس التوحيد الذي دعت إليه الرسل وبعث به إمامهم وسيدهم محمد (، ووقعوا في الشرك الذي نهى الله عنه ورسوله، حتى ظنوه من أفضل القربات ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٣] .
فيجب على من نصح نفسه، وطلب لها الخلاص من عذاب الله، أن يسعى في خلاصها بالإخلاص لله وحده، بجميع أنواع العبادة التي موردها القلب، واللسان، والجوارح، ويطلب العلم الذي ينجو به من النار، ويدخل به جنات تجري من تحتها الأنهار، ويصح به إيمانه، وتنفعه معه أعماله.
ومن عرف ما جرى من الأمم مع الرسل، وما ذكره الله عن الأكثر، وما جرى من اليهود مع نبينا محمد، لم يغتر بكثرة المخالفين لهذا الدين، ولا يصدفه عن الحق المبين زخرف الملحدين المزخرفين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٠٢] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٣] ، وقال في حال اليهود: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٩] .
وفي الحديث الصحيح عن النبي (أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله: اليهود
стр. 870
والنصارى؟ قال فمن ;" ١ يعني أنهم هم المراد، ولهذا قال سفيان بن عيينة، ﵀: من فسد من علمائنا، ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا، ففيه شبه من النصارى ; هذا وهو في القرن الثاني من القرون الثلاثة المفضلة، فما الظن بمن. بعدهم من القرون التي فيها هؤلاء الخلوف، الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، بنص الحديث؟ وفي حديث أنس مرفوعا: " لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم ٢ سمعته من نبيكم ".
ولهذا لما اشتدت غربة الإسلام في هذه الأزمان وقبلها، عاد الأمر إلى: أن من دعا بدعوى المرسلين، وقال: لا يعبد إلا الله، ولا يدعى إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، قيل له: تنقصت الأنبياء والصالحين ; فأشبهوا من قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] .
وقد أمر الله تعالى بإخلاص العبادة له في مواضع كثيرة، من كتابه، ونهى نبيه (وأمته أن يدعوا أحدا من دونه، فقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية [سورة يونس آية: ١٠٦] .
وقال: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٣] ، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ
стр. 871
إِلَّا هُوَ﴾ [سورة القصص آية: ٨٨] ، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ [سورة غافر آية: ٦٦] ، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ٥٦] . وهذه الآيات تحقق أن الدعاء عبادة، وأن صرفه لغير الله شرك بالله، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٠] .
وقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] ، فبين في هذه الآية أن دعوة غيره كفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥"٦] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] .
فتدبروا: ما في هذه الآيات من النهي الأكيد، والوعيد الشديد، والبيان الذي لا يخفى حتى على البليد.
وهذا النهي عام، يتناول كل مدعو من الأنبياء، فمن دونهم، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا
стр. 872
يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦"٥٧] . نزلت هذه الآيات فيمن يدعو: المسيح بن مريم وأمه، وعزيرا، والملائكة، على الصحيح من أقوال المفسرين; وعليه أكثرهم. يقول الله: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.
ولا ريب أن المسيح بن مريم والملائكة أحياء، لكنهم غافلون عمن دعاهم، ولا يستجيبون لهم بشيء، وأما العزير ومريم فقد ماتا، فلا يدعى ميت ولا غائب: فبطل بهذه الآية كل ما ادعاه المشركون في معبوديهم، كقولهم: ندعوهم؛ لأن لهم صلاحا، وترجى شفاعتهم. ونظائر هذه الآية، في القرآن كثير في الرد على من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة ونحوهم.
ومع هذا البيان، فلا بد من وجود من يجادل في آيات الله، كما قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ الآية [سورة غافر آية: ٤"٥] . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ
стр. 873
أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢١] .
يخبر تعالى أنه لا بد للحق من أعداء يجادلون في آيات الله وحججه، وبيناته، تحذيرا عنهم وعن الإصغاء إليهم وإلى شبهاتهم، وعن طاعتهم، فأقام تعالى الحجة على عباده، وحذر وأنذر، وبيَّن وأظهر: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤٩] .
وكل شبهة، يلقيها أهل الباطل على أهل الحق، ففي الكتاب والسنة ما يبطلها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣٣] .
стр. 874
[جواب أبا بطين في تعريف العبادة والإخلاص]
سئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى: ما قولكم، دام فضلكم، في تعريف العبادة وتعريف توحيد العبادة، وأنواعه؟ وتعريف الإخلاص؟ وما بين الثلاثة من العموم والخصوص؟ وهل هو مطلق، أو وجهي؟ وما معنى الإله؟ وما معنى الطاغوت الذي أمرنا باجتنابه والكفر به؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، أما العبادة في اللغة، فهي: من الذل; يقال; بعير معبد، أي: مذلل، وطريق معبد، إذا كان مذللا قد وطأته الأقدام، وكذلك الدين أيضا، من الذل، يقال دنته، فدان، أي: ذللته، فذل ; وأما تعريفها في الشرع، فقد اختلفت عباراتهم، في تعريفها، والمعنى واحد.
فعرفها طائفة بقولهم هي: ما أمر به شرعا، من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي; وعرفها طائفة بأنها: كمال الحب مع كمال الخضوع ; وقال أبو العباس، رحمه الله تعالى: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة.
стр. 875
فالصلاة، والزكاة، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وجهاد الكفار، والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك، من العبادة.
وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمته، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك، فالدين كله داخل في العبادة. انتهى.
ومن عرفها بالحب من الخضوع، فلأن الحب التام، مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له، فالعبد، هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فبحسب محبة العبد لربه وذله له، تكون طاعته; فمحبة العبد لربه وذله له يتضمن عبادته وحده لا شريك له ; والعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله، بغاية المحبة له، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
ليس العبادة غير توحيد المـ ... حبة مع خضوع القلب والأركان
والحب نفس وفاقه فيما يحب ... وبغض ما لا يرتضى بجنان
ووفاقه نفس اتباعك أمره ... والقصد وجه الله ذي الإحسان
стр. 876
فعرف العبادة بتوحيد المحبة مع خضوع القلب والجوارح، فمن أحب شيئا وخضع له، فقد تعبد قلبه له، فلا تكون المحبة المنفردة عن الخضوع عبادة، ولا الخضوع بلا محبة عبادة; فالمحبة والخضوع ركنان للعبادة، فلا يكون أحدهما عبادة بدون الآخر، فمن خضع لإنسان مع بغضه له، لم يكن عابدا له، ولو أحب شيئا، ولم يخضع له، لم يكن عابدا له، كما يحب ولده وصديقه. ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة الكاملة والذل التام إلا الله سبحانه.
إذا عرف ذلك، فتوحيد العبادة هو: إفراد الله سبحانه بأنواع العبادة المتقدم تعريفها، وهو نفس العبادة المطلوبة شرعا، ليس أحدهما دون الآخر; ولهذا قال ابن عباس: "كل ما ورد في القرآن من العبادة، فمعناه التوحيد" وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون. وأما العبادة من حيث هي، فهي أعم من كونها توحيدا عموما مطلقا، فكل موحد عابد لله، وليس كل من عبد الله يكون موحدا، ولهذا يقال عن المشرك: إنه يعبد الله، مع كونه مشركا، كما قال الخليل (: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية:٧٥" ٧٧] . وقال ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف آية:
стр. 877
٢٩" ٢٧] .
فاستثنى الخليل ربه من معبوديهم، فدل على أنهم يعبدون الله.
فإن قيل: ما معنى النفي في قوله سبحانه: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون آية: ٣] ؟ قيل: إنما نفى عنهم، الاسم الدال على الوصف والثبوت; ولم ينف وجود الفعل الدال على الحدوث والتجدد، وقد نبه ابن القيم، رحمه الله تعالى، على هذا المعنى اللطيف في بدائع الفوائد، فقال لما انجر كلامه على سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] : وأما المسألة الرابعة، وهو أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة، وباسم الفاعل أخرى.
وذلك" والله أعلم" لحكمة بديعة، وهي: أن المقصود الأعظم، براءته من معبوديهم بكل وجه، وفي كل وقت ; فأتى أولا بصيغة الفعل، الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل، الدالة على الوصف والثبوت، فأفاد في النفي الأول: أن هذا لا يقع مني، وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي ولا شأني، فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا، فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي.
وأما في حقهم، فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت، دون الفعل; أي: الوصف الثابت اللازم للعابد لله، منتف عنكم، فليس هذا الوصف ثابتا لكم، وإنما
стр. 878
يثبت لمن خص الله وحده بالعبادة، لم يشرك معه فيها أحدا، وأنتم لما عبدتم غيره، فلستم من عابديه، وإن عبدتموه في بعض الأحيان، فإن المشرك يعبد الله، ويعبد معه غيره، كما قال تعالى، عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] ، أي اعتزلتم معبوديهم، إلا الله، فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قول المشركين، عن معبوديهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، فهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره، لم ينف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفى الوصف؛ لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتا على عبادة الله، موصوفا بها.
فتأمل هذه النكته البديعة، كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد لله، وإن عبده، ولا المستقيم على عبادته، إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدا في عبادته؛ وأنه إن عبده وأشرك به غيره، فليس عابدا لله، ولا عبدا له؛ وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة، التي هي أحد سورتي الإخلاص، التي تعدل ربع القرآن، كما جاء في بعض السنن. وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا يدركه إلا من منحه الله فهما من عنده، فله الحمد والمنة. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وأما الإخلاص فحقيقته: أن يخلص العبد لله، في أقواله، وأفعاله، وإرادته، ونيته، وهذه هي: الحنيفية،
стр. 879
ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي: حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] ، وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٠] .
وقد تظاهرت دلائل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، على اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه، ولهذا كان السلف الصالح يجتهدون غاية الاجتهاد في تصحيح نياتهم، ويرون الإخلاص أعز الأشياء وأشقها على النفس، وذلك لمعرفتهم بالله وما يجب له، وبعلل الأعمال وآفاتها، ولا يهمهم العمل لسهولته عليهم; وإنما يهمهم سلامة العمل وخلوصه من الشوائب المبطلة لثوابه، والمنقصة له.
قال الإمام أحمد ﵀: (أمر النية شديد) . وقال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئا، أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي". وقال يوسف بن إسباط: "تخليص النية من فسادها، أشد على العاملين من طول الاجتهاد". وقال سهل بن عبد الله: "ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، ولأنه ليس لها فيه نصيب". وقال يوسف بن الحسين: (أعز شيء في الدنيا: الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي،
стр. 880
وكأنه ينبت فيه على لون آخر، فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته، وتخليصها من الشوائب، فوق اهتمامه بكل شيء، لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى) .
وأما ما بين الثلاثة من العموم والخصوص، وهل هو وجهي، أو مطلق؟
فقد قدمنا أن العبادة من حيث هي أعم من توحيد العبادة، عموما مطلقا، وأن العبادة المطلوبة شرعا هي نفس توحيد العبادة ; ودل كلام ابن القيم ﵀ أن توحيد العبادة أعم من الإخلاص، حيث قال:
فلواحد كن واحدا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان
هذا وثاني نوعي التوحيد تو ... حيد العبادة منك للرحمن
أن لا تكون لغيره عبدا ولا ... تعبد بغير شريعة الإيمان
فتقوم بالإسلام والإيمان وال ... إحسان في سر وفي إعلان
والصدق والإخلاص ركنا ذلك الت ... وحيد كالركنين للبنيان
إلى أن قال:
وحقيقة الإخلاص توحيد المرا ... د فلا يزاحمه مراد ثان
والصدق توحيد الإرادة وهو بذ ... ل الجهد لا كسلا ولا متوان
والسنة المثلى لسالكها فتو ... حيد الطريق الأعظم السلطان
فقوله ﵀: والصدق، والإخلاص، ركنا ذلك التوحيد، جعل الإخلاص، أحد ركني العبادة، والصدق ركنه