← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فعرف العبادة بتوحيد المحبة مع خضوع القلب والجوارح، فمن أحب شيئا وخضع له، فقد تعبد قلبه له، فلا تكون المحبة المنفردة عن الخضوع عبادة، ولا الخضوع بلا محبة عبادة; فالمحبة والخضوع ركنان للعبادة، فلا يكون أحدهما عبادة بدون الآخر، فمن خضع لإنسان مع بغضه له، لم يكن عابدا له، ولو أحب شيئا، ولم يخضع له، لم يكن عابدا له، كما يحب ولده وصديقه. ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة الكاملة والذل التام إلا الله سبحانه. إذا عرف ذلك، فتوحيد العبادة هو: إفراد الله سبحانه بأنواع العبادة المتقدم تعريفها، وهو نفس العبادة المطلوبة شرعا، ليس أحدهما دون الآخر; ولهذا قال ابن عباس: "كل ما ورد في القرآن من العبادة، فمعناه التوحيد" وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون. وأما العبادة من حيث هي، فهي أعم من كونها توحيدا عموما مطلقا، فكل موحد عابد لله، وليس كل من عبد الله يكون موحدا، ولهذا يقال عن المشرك: إنه يعبد الله، مع كونه مشركا، كما قال الخليل (: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية:٧٥" ٧٧] . وقال ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف آية:

стр. 877

٢٩" ٢٧] . فاستثنى الخليل ربه من معبوديهم، فدل على أنهم يعبدون الله. فإن قيل: ما معنى النفي في قوله سبحانه: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون آية: ٣] ؟ قيل: إنما نفى عنهم، الاسم الدال على الوصف والثبوت; ولم ينف وجود الفعل الدال على الحدوث والتجدد، وقد نبه ابن القيم، رحمه الله تعالى، على هذا المعنى اللطيف في بدائع الفوائد، فقال لما انجر كلامه على سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] : وأما المسألة الرابعة، وهو أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة، وباسم الفاعل أخرى. وذلك" والله أعلم" لحكمة بديعة، وهي: أن المقصود الأعظم، براءته من معبوديهم بكل وجه، وفي كل وقت ; فأتى أولا بصيغة الفعل، الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل، الدالة على الوصف والثبوت، فأفاد في النفي الأول: أن هذا لا يقع مني، وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي ولا شأني، فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا، فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي. وأما في حقهم، فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت، دون الفعل; أي: الوصف الثابت اللازم للعابد لله، منتف عنكم، فليس هذا الوصف ثابتا لكم، وإنما

стр. 878

يثبت لمن خص الله وحده بالعبادة، لم يشرك معه فيها أحدا، وأنتم لما عبدتم غيره، فلستم من عابديه، وإن عبدتموه في بعض الأحيان، فإن المشرك يعبد الله، ويعبد معه غيره، كما قال تعالى، عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] ، أي اعتزلتم معبوديهم، إلا الله، فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قول المشركين، عن معبوديهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، فهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره، لم ينف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفى الوصف؛ لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتا على عبادة الله، موصوفا بها. فتأمل هذه النكته البديعة، كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد لله، وإن عبده، ولا المستقيم على عبادته، إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدا في عبادته؛ وأنه إن عبده وأشرك به غيره، فليس عابدا لله، ولا عبدا له؛ وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة، التي هي أحد سورتي الإخلاص، التي تعدل ربع القرآن، كما جاء في بعض السنن. وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا يدركه إلا من منحه الله فهما من عنده، فله الحمد والمنة. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وأما الإخلاص فحقيقته: أن يخلص العبد لله، في أقواله، وأفعاله، وإرادته، ونيته، وهذه هي: الحنيفية،

стр. 879

ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي: حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] ، وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٠] . وقد تظاهرت دلائل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، على اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه، ولهذا كان السلف الصالح يجتهدون غاية الاجتهاد في تصحيح نياتهم، ويرون الإخلاص أعز الأشياء وأشقها على النفس، وذلك لمعرفتهم بالله وما يجب له، وبعلل الأعمال وآفاتها، ولا يهمهم العمل لسهولته عليهم; وإنما يهمهم سلامة العمل وخلوصه من الشوائب المبطلة لثوابه، والمنقصة له. قال الإمام أحمد ﵀: (أمر النية شديد) . وقال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئا، أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي". وقال يوسف بن إسباط: "تخليص النية من فسادها، أشد على العاملين من طول الاجتهاد". وقال سهل بن عبد الله: "ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، ولأنه ليس لها فيه نصيب". وقال يوسف بن الحسين: (أعز شيء في الدنيا: الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي،

стр. 880

وكأنه ينبت فيه على لون آخر، فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته، وتخليصها من الشوائب، فوق اهتمامه بكل شيء، لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى) . وأما ما بين الثلاثة من العموم والخصوص، وهل هو وجهي، أو مطلق؟ فقد قدمنا أن العبادة من حيث هي أعم من توحيد العبادة، عموما مطلقا، وأن العبادة المطلوبة شرعا هي نفس توحيد العبادة ; ودل كلام ابن القيم ﵀ أن توحيد العبادة أعم من الإخلاص، حيث قال: فلواحد كن واحدا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان هذا وثاني نوعي التوحيد تو ... حيد العبادة منك للرحمن أن لا تكون لغيره عبدا ولا ... تعبد بغير شريعة الإيمان فتقوم بالإسلام والإيمان وال ... إحسان في سر وفي إعلان والصدق والإخلاص ركنا ذلك الت ... وحيد كالركنين للبنيان إلى أن قال: وحقيقة الإخلاص توحيد المرا ... د فلا يزاحمه مراد ثان والصدق توحيد الإرادة وهو بذ ... ل الجهد لا كسلا ولا متوان والسنة المثلى لسالكها فتو ... حيد الطريق الأعظم السلطان فقوله ﵀: والصدق، والإخلاص، ركنا ذلك التوحيد، جعل الإخلاص، أحد ركني العبادة، والصدق ركنه

стр. 881

الآخر، وفسر الصدق بما ذكر. وقال في بعض كلامه: ومقام الصدق جامع للإخلاص; فعرفنا ﵀ أن توحيد العبادة أعم من الإخلاص، ولم يذكر إلا عموما مطلقا. وأما العموم الوجهي، فالظاهر، أن المراد به: إذا كان أحد الشيئين أعم من وجه، وأخص من وجه ; والعموم الذي بين مطلق العبادة، وبين توحيد العبادة، والإخلاص، مطلق لا وجهي. وأما الإله، فهو: الذي تألهه القلوب، بالمحبة، والخضوع، والخوف، والرجاء، وتوابع ذلك من: الرغبة، والرهبة، والتوكل، والاستغاثة، والدعاء، والذبح، والنذر، والسجود; وجميع أنواع العبادة: الظاهرة والباطنة ; فهو إله، بمعنى: مألوه، أي: معبود. وأجمع أهل اللغة أن هذا معنى الإله، قال الجوهري: أله بالفتح، إلهة، أي: عبد عبادة، قال: ومنه قولنا: الله، وأصله: إله، على فعال، بمعنى مفعول، لأنه مألوه، بمعنى معبود، كقولنا: إمام، فعال، بمعنى: مفعول، لأنه مؤتم به; قال: والتأليه: التعبيد; والتآله: التنسك والتعبد; قال رؤبة: سبحن واسترجعن من تأله ... ......................................... انتهى وقال في القاموس: أله، إلهة، وألوهة: عبد، عبادة ; ومنه لفظ الجلالة ; واختلف فيه على عشرين قولا ; يعني في لفظ الجلالة، قال، وأصله: إله، بمعنى: مألوه;

стр. 882

وكل ما اتخذ معبودا، إله عند متخذه; قال، والتأله: التنسك والتعبد. انتهى. وجميع العلماء من المفسرين، وشراح الحديث، والفقه، وغيرهم، يفسرون الإله بأنه: المعبود. وإنما غلط في ذلك بعض أئمة المتكلمين، فظن أن الإله هو القادر على الاختراع، وهذه زلة عظيمة وغلط فاحش، إذا تصوره العامي العاقل تبين له بطلانه، وكأن هذا القائل، لم يستحضر ما حكاه الله عن المشركين في مواضع من كتابه، ولم يعلم أن مشركي العرب وغيرهم يقرون بأن الله هو القادر على الاختراع، وهم مع ذلك مشركون. ومن أبعد الأشياء أن عاقلا يمتنع من التلفظ بكلمة يقر بمعناها، ويعترف به، ليلا ونهارا، سرا وجهارا; هذا ما لا يفعله، من له أدنى مسكة من عقل. قال أبو العباس، رحمه الله تعالى: وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع، دون غيره، فقد شهد ألا إله إلا الله; فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٥] . وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ

стр. 883

أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤"٨٥] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] . قال ابن عباس: (تسألهم من خلق السماوات والأرض; فيقولون: الله; وهم مع هذا، يعبدون غيره) . وهذا التوحيد من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين، فلا يعبد إلا إياه، فيكون دينه لله. والإله، هو: المألوه، الذي تألهه القلوب; فهو إله بمعنى مألوه لا بمعنى أله. انتهى. وقد دل صريح القرآن على معنى الإله، وأنه هو المعبود، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦"٢٨] ، قال المفسرون: هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ﴿بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] ، أي: ذريته ; قال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده; والمعنى: جعل هذه الموالاة، والبراءة من كل معبود سواه، كلمة باقية في ذرية إبراهيم، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم، بعضهم عن بعض، وهي كلمة: لا إله إلا الله. فتبين: أن موالاة الله بعبادته والبراءة من كل معبود سواه، هو معنى لا إله إلا الله. إذا تبين ذلك، فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها، كالحب،

стр. 884

والتعظيم، والخوف، والرجاء، والدعاء، والتوكل، والذبح، والنذر، وغير ذلك، فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية فعله ذلك تألها، وعبادة وشركا. ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلو سمى: الزنى، والربا، والخمر، بغير أسمائها، لم يخرجها تغيير الاسم عن كونها: زنى، وربا، وخمرا، ونحو ذلك. ومن المعلوم أن الشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنا مسبة الرب وتنقصه، وتشبيهه بالمخلوقين؛ فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته: توسلا، وتشفعا، وتعظيما للصالحين، وتوقيرا لهم، ونحو ذلك; فالمشرك مشرك، شاء أم أبى، كما أن الزاني زان، شاء أم أبى، والمرابي مراب، شاء أم أبى. وقد أخبر النبي (أن طائفة من أمته يستحلون الربا، باسم البيع، ويستحلون الخمر، باسم آخر غير اسمها، وذمهم على ذلك؛ فلو كان الحكم دائرا مع الاسم، لا مع الحقيقة، لم يستحقوا الذم، وهذه من أعظم مكائد الشيطان لبني آدم، قديما وحديثا ; أخرج لهم الشرك في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم; وغير اسمه بتسميته إياه: توسلا، وتشفعا، ونحو ذلك; والله الهادي إلى سواء السبيل. وأما: تعريف الطاغوت، فهو مشتق من طغا، وتقديره

стр. 885

طغوت، ثم قلبت الواو ألفا، قال النحويون: وزنه: فعلوت، والتاء زائدة، قال الواحدي: قال جميع أهل اللغة: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، يكون واحدا، وجمعا، ويذكر، ويؤنث ; قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٦٠] . فهذا في الواحد، وقال تعالى في الجمع: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٧] . وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [سورة الزمر آية: ١٧] . قال: ومثله: في أسماء الفلك، يكون واحدا، وجمعا، ومذكرا، ومؤنثا; قال: قال الليث، وأبو عبيدة، والكسائي، وجماهير أهل اللغة، الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، وقال الجوهري، الطاغوت: الكاهن، والشيطان، وكل رأس في الضلال; وقال مالك، وغير واحد من السلف، والخلف: كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت. وقال: عمر بن الخطاب وابن عباس ﵄ وكثير من المفسرين: "الطاغوت الشيطان" قال ابن كثير: وهو قول قوي جدا، فإنه يشمل كل ما عليه أهل الجاهلية من: عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها ; وقال الواحدي، عند قول الله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٥١] : كل معبود من دون الله فهو

стр. 886

جبت وطاغوت; قال ابن عباس في رواية عطية: "الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام، الذين يكونون بين أيديهم، يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس؟ " وقال" في رواية الوالبي": "الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر". وقال بعض السلف في قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٦٠] : إنه كعب بن الأشرف; وقال بعضهم: حيي بن أخطب، وإنما استحقا هذا الاسم، لكونهما من رؤساء الضلال، ولإفراطهما في الطغيان، وإغوائهما الناس، ولطاعة اليهود لهما في معصية الله؛ فكل من كان بهذه الصفة، فهو طاغوت، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٦٠] لما ذكر ما قيل إنها نزلت في من طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف، أو إلى حاكم الجاهلية، وغير ذلك، قال: والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا. فتحصل من مجموع كلامهم ﵏: أن اسم الطاغوت يشمل كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلال، يدعو إلى الباطل، ويحسنه، ويشمل أيضا: كل من نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم الله ورسوله ; ويشمل أيضا: الكاهن، والساحر، وسدنة الأوثان، الداعين إلى عبادة المقبورين وغيرهم، بما

стр. 887

يكذبون من الحكايات المضلة للجهال، الموهمة أن المقبور ونحوه يقضي حاجة من توجه إليه وقصده، وأنه فعل كذا وكذا، مما هو كذب أو من فعل الشياطين، ليوهموا الناس أن المقبور ونحوه يقضي حاجة من قصده؛ فيوقعوهم في الشرك الأكبر وتوابعه. وأصل هذه الأنواع كلها، وأعظمها: الشيطان، فهو: الطاغوت الأكبر. والله أعلم.

стр. 888

[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن في معنى العبادة] وقال أيضا رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه، الطيبين الطاهرين; أما بعد: فقد ورد علينا رسالة من شيخنا العلامة، الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، متعنا الله بوجوده، متضمنة للإفادة، أخرجها مخرج السؤال، بقوله: عرفونا، ما معنى: العبادة؟ ويكون التعريف جامعا مانعا، وكذلك الإله المنفي، بكلمة الإخلاص، والإلهية المثبتة للحق ؟ فالجواب، وبالله التوفيق: أما تعريف العبادة، فقد عرفها شيخنا محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في فوائده على كتابه: كتابه التوحيد، بأن العبادة هي: التوحيد، لأن الخصومة فيه، وأن من لم يأت به لم يعبد الله، فدل على أن التجرد من الشرك، لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يسمى عبادة. وقال الشيخ تقي الدين،: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال، فهي الغاية

стр. 889

المحبوبة له تعالى: وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب كما قال نوح ﵇، لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] ، ?وكذلك هود، وصالح; وذلك أن الإله، يطلق على كل معبود بحق وباطل; والإله الحق هو الله; قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] . ويسمى هذا النوع: توحيد الإلهية، لأنه مبني على إخلاص التأله، وهو: أشد المحبة لله وحده لا شريك له؛ وذلك يستلزم إخلاص العبادة، وتوحيد العبادة، وتوحيد الإرادة، لأنه مبني على إرادة وجه الله بالأعمال، وتوحيد القصد، لأنه مبني على إخلاص القصد المستلزم لإخلاص العبادة لله وحده، وتوحيد العمل، لأنه مبني على إخلاص العمل لله وحده، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢"٣] . فالموحد: من جمع قلبه ولسانه، مخلصا لله تعالى في الإلهية المقتضية لعبادته، بمحبته، وخوفه، ورجائه، ودعائه، والاستغاثة به، والتوكل عليه، وحصر الدعاء، بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله وحده، والموالاة في ذلك والمعاداة فيه، وامتثال أمره، ناظرا إلى حق الخالق والمخلوق من الأنبياء، والأولياء، مميزا بين الحقين، وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره، ومعرفته،

стр. 890

ومحبته; وموالاته، وطاعته، وهذا من تحقيق "لا إله إلا الله". لأن معنى "الإله" عند الأولين: ما تألهه القلوب بالمحبة التي كحب الله، والتعظيم، والإجلال، والخضوع; قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٦٥] ؛ فالمحبة التي لله، غير المحبة التي مع الله، قال الله تعالى، عن الكفار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧"٩٨] . فمعنى شهادة ألا إله إلا الله أن يقولها نافيا بقلبه ولسانه الإلهية عن كل ما سواه، ومثبتها لمستحقها، وهو الله المعبود بالحق؛ فيكون معرضا بقلبه عن جميع المخلوقات، لا يتألههم فيما لا يقدر عليه إلا الله، مقبلا على عبادة رب الأرض والسماوات؛ وذلك يتضمن إرادة القلب في عبادته ومعاملته، ومفارقته في ذلك كل ما سواه; فيكون مفرقا في علمه وقصده، وشهادته وإرادته، ومعرفته ومحبته، بين الخالق والمخلوق؛ بحيث يكون عالما بالله، ذاكرا له، عارفا به، وأنه تعالى مباين لخلقه، منفرد عنهم بعبادته وأفعاله، وصفاته; ويكون محبا له، مستعينا به لا بغيره، متوكلا عليه لا على غيره. وهذا هو معنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية:

стр. 891

٥] ، وهي من خصائص الإلهية، كما أن رحمته لعبيده، وهدايته إياهم، وخلقه السماوات والأرض وما فيهما من الآيات، من خصائص الربوبية التي يشترك في معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، حتى إبليس لعنه الله معترف بها في قوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [سورة الحجر آية: ٣٩] ، وقوله: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤] مقر بأن كل شيء في يده سبحانه، وإنما كفر بعناده وتكبره عن الحق، وطعنه فيه؛ وكذلك المشركون الأولون، يعرفون ربوبيته، وهم بها له معترفون، كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] ، وغيرها من الآيات، وكما يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريك هو لك. فمن ترك التوحيد، وارتكب ضده من الإقبال إلى غير الله، بالتوكل عليه، ورجائه فيما لا يمكن إلا من الله، والتجأ إلى ذلك الغير، مقبلا عليه بقلبه، طالبا شفاعته، متوكلا عليه، راغبا إليه فيها، تاركا ما هو المطلوب المتعين عليه، متعلقا على المخلوق لأجله، فإن هذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم. ولا نشأت فتنة في الوجود، إلا بهذا الاعتقاد، فصار شقيا بالإرادة الكونية. والإرادة الدينية أصل في إيجاد المخلوق، والإرادة الكونية أصل فيمن كتبت عليه الشقاوة، فلا ييسر إلا لها،

стр. 892

ولا يعمل إلا بها، قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود آية: ١١٨"١١٩] . فهي الإرادة الكونية، وهي لا تعارض الإرادة الدينية، التى هي أصل إيجاد المخلوقات؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، فقد يعبدون، وقد لا يعبدون؟ وقوله: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " ١، وكما في حديث القبضتين؟ فبهذا يتبين الفرق، بين الإرادة الكونية، والإرادة الدينية. وأما تعريف الشرك وأنواعه، فقد عرفه شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في: كتاب التوحيد، فذكر أنواعه وأقسامه، وجليه وخفيه، وأكبره وأصغره، خصوصا الشرك في العبادة، مما عساك لا تجده مجموعا في غيره من الكتب المطولات، فإن الإيمان النافع لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقا. وأما أنواعه، فمنها: الشرك في الربوبية، وهو نوعان: شرك التعطيل كشرك فرعون، وشرك الذي حاج إبراهيم في ربه، ومنه شرك طائفة ابن عربي، ومنه: شرك من عطل أسماء الرب سبحانه وأوصافه، من غلاة الجهمية، ومنه: شرك من جعل مع الله إلها آخر، ولم يعطل ربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة. النوع الثاني: الشرك في أسمائه وصفاته: ومنه تشبيه

стр. 893

الخالق بالمخلوق، كمن يقول: يد كيدي; وهو شرك المشبهة. والنوع الثالث: الشرك في توحيد الإلهية والعبادة، فكل ما ذكرنا من توحيد الإلهية، وأنواع العبادة، والقصد، التي لا يستحقها إلا الله، صرفها إلى غيره شرك. النوع الثاني من شرك العبادة: الشرك الأصغر، كالرياء، والسمعة، والعمل لأجل الناس. وقد قال شيخنا محمد بن عبد الوهاب، ﵀: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، ومنه: الشرك في الألفاظ، كقول: ما شاء الله وشئت، ونحوه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرك نوعان: أكبر، وأصغر. فمن خلص منهما وجبت له الجنة، ومن مات على الأكبر وجبت له النار. ومن خلص من الأكبر، وحصل له بعض الأصغر، مع حسنات راجحة، دخل الجنة. ومن خلص من الأكبر، لكن كثر الأصغر حتى رجحت به سيئاته، دخل النار، وذلك على سبيل الإشارة والاختصار. والله أعلم. وأجاب أيضا: وقولك: هل تعريف العبادة تعريف العبودية؟ المراد: هل معناهما واحد؟. فالعبادة أخص من العبودية، واسم

стр. 894

العبودية عام. قال ابن القيم، ﵀، في المدارج: العبودية نوعان: عامة، وخاصة. فالعبودية العامة: عبودية أهل السماء والأرض كلهم: مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم، وهي: عبودية القهر والملك، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [سورة مريم آية: ٩٣] ، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم. وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة، والمحبة، واتباع الأوامر، قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [سورة الفرقان آية: ٦٣] . وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، عن قول من يقول: إن الأمر بعبادة الله وحده لا يفيد النهي عن الشرك، بل لا بدّ من النهي عن الشرك. فأجاب: قول الجاهل، الكاذب على الله، الهاضم لكلام الله عما أريد منه، من قوله: إن الأمر بعبادة الله وحده لا يفيد النهي عن الشرك، بل لا بد من النهي عن الشرك، فهذا مخطئ ضال؛ والوعيد الشديد فيمن قال في القرآن برأيه ولو أصاب; فكيف بمن قال برأيه وأخطأ؟ وقد قال ابن عباس: (كل ما ورد في القرآن من الأمر بالعبادة،

стр. 895

فمعناها التوحيد) ، وعلى هذا جميع المفسرين، والعلماء. فعلى قول هذا الجاهل: إن قوله سبحانه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١] ، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، وقوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩٢] ، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٦] ، ونحو ذلك، لا يفيد النهي عن الشرك، فإذا كانت العبادة المأمور بها، هي التوحيد والتوحيد هو إفراد الله بالإلهية، ونفيها عمن سواه، وهو معنى لا إله إلا الله، التي حقيقتها إثبات العبادة لله وحده، ونفي الشركة عن الله سبحانه فيها، وهذا أمر واضح ما يحتاج إلى إيضاح، فقد تبين بطلان قوله بما ذكرناه. وسئل عن معنى: لا إله إلا الله؟ وما تنفي، وما تثبت؟ فأجاب ﵀: أول واجب على الإنسان: معرفة معنى هذه الكلمة، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [سورة محمد آية: ١٩] ، وقال: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٦] ، أي بلا إله إلا الله، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٦] ، بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم فأفرض الفرائض: معرفة معنى هذه الكلمة، ثم التلفظ بها والعمل بمقتضاها؛ فالإله هو: المعبود، والتأله: التعبد، ومعناها: لا معبود إلا الله ; نفت الإلهية عمن سوى الله،

стр. 896

وأثبتتها لله وحده. فإذا عرفت أن الإله هو: المعبود، والإلهية هي: العبادة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه، من الأقوال والأفعال; فالإله، هو: المعبود المطاع؛ فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله، فهو مشرك، وذلك كالسجود، والدعاء، والذبح، والنذر; وكذلك التوكل، والخوف، والرجاء، وغير ذلك من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة؛ وإفراد الله سبحانه بالعبادة، ونفيها عمن سواه، هو حقيقة التوحيد، وهو معنى لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله، بصدق ويقين، أخرجت من قلبه كل ما سوى الله، محبة وتعظيما، وإجلالا، ومهابة، وخشية، وتوكلا. فلا يصير في قلبه محبة لما يكرهه الله، ولا كراهة لما يحبه؛ وهذا حقيقة الإخلاص، الذي قال فيه ﷺ : " من قال لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه، دخل الجنة، أو حرم الله عليه النار " ١. "قيل للحسن البصري: إن ناسا، يقولون: من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة، فقال، من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها، وفرضها" إلخ. وغالب من يقول لا إله إلا الله، إنما يقولها تقليدا، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، فلا يعرف الإخلاص فيها؛ ومن لا يعرف ذلك، يخشى عليه أن يصرف عنها عند الموت؛ وغالب من يفتن في القبور،

стр. 897

أمثال هؤلاء، كما في الحديث: "سمعت الناس يقولون شيئا فقلته " ١. نسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. والله أعلم. وسئل: أيضًا، عن معنى لا إله إلا الله، وعمن قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله، وهل من قالها ودعا نبيا أو وليا تنفعه؟ أو هو: مباح الدم والمال، ولو قالها؟ فأجاب ﵀: معنى "لا إله إلا الله" عند جميع أهل اللغة، وعلماء التفسير، والفقهاء كلهم، يفسرون الإله بالمعبود; والتأله: التعبد، وأما العبادة، فعرفها بعضهم بأنها: ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي، والمأثور عن السلف تفسير العبادة بالطاعة، فيدخل في ذلك فعل المأمور وترك المحظور، من واجب ومندوب، وترك المنهي عنه من محرم ومكروه. فمن جعل نوعا من أنواع العبادة لغير الله، كالدعاء، والسجود، والذبح، والنذر، وغير ذلك، فهو مشرك. ولا إله إلا الله متضمنة للكفر بما يعبدون من دونه، لأن معنى لا إله إلا الله: إثبات العبادة لله وحده، والبراءة من كل معبود سواه؛ وهذا معنى الكفر بما يعبد من دونه، لأن معنى الكفر بما يعبد من دونه: البراءة منه، واعتقاد بطلانه، وهذا معنى الكفر بالطاغوت في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ

стр. 898

يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] . والطاغوت: اسم لكل معبود سوى الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله، ودمه، وحسابه على الله " ١، فقوله: "وكفر بما يعبد من دون الله" الظاهر: أن هذا زيادة إيضاح; لأن لا إله إلا الله، متضمنة الكفر بما يعبد من دون الله. ومن قال: لا إله إلا الله، ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر، كدعاء الموتى والغائبين، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح، فهذا مشرك، شاء أم أبى، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، و ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، ومع هذا فهو شرك، ومن فعله فهو كافر. ولكن كما قال الشيخ: لا يقال فلان كافر، حتى يبين له ما جاء به الرسول ﷺ ؛ فإن أصر بعد البيان، حكم بكفره، وحل دمه وماله; وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] ، أي: شرك ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . فإذا كان في بلد وثن يعبد من دون الله، قوتلوا لأجل هذا

стр. 899

الوثن، أي لإزالته، وهدمه، وترك الشرك، حتى يكون الدين كله لله. والدعاء دين، سماه الله دينا كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] ، أي: الدعاء، وقال ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له" ١ فمتى كان شيء من العبادة مصروفا لغير الله، فالسيف مسلول عليه، والله أعلم. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين، عن إنكار النبي على من قال نستشفع بالله عليك.. إلخ. فقال: وما سألت عنه، من إنكار النبي ﷺ على من قال: نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله: نستشفع بك على الله، لأن معنى قوله: نستشفع بك على الله، أي: نطلب منك، أن تدعو الله أن يغيثنا، لأن الداعي شافع; ومعنى نستشفع بالله عليك: نطلب من الله أن يطلب منك أن تدعو لنا، وتستسقي لنا؛ فالله سبحانه يشفع إليه، ولا يستشفع هو إلى أحد. وأما آخر الحديث الذي أشار إليه، بعد قوله: "لا يستشفع به على أحد، شأن الله أعظم من ذلك، إن الله على عرشه، إن عرشه على سماواته وأرضه، هكذا بأصابعه، مثل القبة" ٢ وفي لفظ: "وإن عرشه فوق سماواته، وسماواته فوق

стр. 900

أرضه، هكذا وقال بأصابعه مثل القبة" وقوله في الحديث الآخر: "إنه لا يستغاث بي" الحديث. فكأن النبي ﷺ أراد بهذا الحماية لجانب التوحيد، وإن كانت الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [سورة القصص آية: ١٥] ؛ وإذا أقبل عليك عدو، واستغثت بأصحابك ليعينوك، فهذا استغاثة بهم، والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة. وسئل: أيضا، ﵀، عن سؤال الله بحق الكعبة، وطوافي عليك يا رب! وبحق محمد، ومدينته، عليك يا رب! وبحق القرآن، عليك يا رب! وبحق جبرائيل، والملائكة، والجنة، والنار، والشمس، والقمر، والأقطاب، والأبدال، والأوتاد، وغيرها؟ فأجاب: السؤال بهذه الأشياء التي ذكرتم، باطل لا أصل له؛ والمشروع إنما هو سؤاله سبحانه بأسمائه وصفاته، كما في الأحاديث المشهورة، والله أعلم. [رسائل الشيخ عبد اللطيف أن الله خلق الخلق لعبادته] قال الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم اعلم رحمك الله أن الله خلق الخلق لعبادته، الجامعة

стр. 901

لمعرفته، ومحبته، والخضوع له، وتعظيمه، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وإسلام الوجه له; وهذا، هو الإيمان المطلق، المأمور به في جميع الكتب السماوية، وسائر الرسالات النبوية؛ ويدخل في باب معرفة الله تعالى توحيد الأسماء، والصفات فيوصف سبحانه بما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز ذلك، ولا يوصف إلا بما ثبت في الكتاب والسنة. وجميع ما في الكتاب والسنة يجب الإيمان به، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٠] ، فأسماؤه كلها حسنى، لأنها تدل على الكمال المطلق، والجلال المطلق، والصفات الجميلة؛ فنثبت ما أثبته الرب لنفسه، وما أثبته رسوله ﷺ ، لا نعطله، ولا نلحد فيه، ولا نشبه صفات الخالق بصفات المخلوق، فإن تعطيل الصفات، عما دلت عليه كفر، والتشبيه فيها كذلك كفر. وقد قال مالك بن أنس، ﵀، لما سأله رجل، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، كيف استوى؟ فاشتد ذلك على مالك ﵀.، حتى علته الرحضاء، إجلالا لله وهيبة له من الخوض في ذلك، ثم قال ﵀: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. يريد رحمه الله

стр. 902

تعالى السؤال عن الكيفية. وهذا الجواب: يقال في جميع الصفات، لأنه يجمع الإثبات والتنزيه ويدخل في الإيمان بالله ومعرفته، الإيمان به وبربوبيته العامة الشاملة لجميع الخلق والتكوين، وقيوميته العامة الشاملة لجميع التدبير والتيسير والتمكين؛ فالمخلوقات بأسرها، مفتقرة إلى الله، في قيامها، وبقائها، وحركاتها، وسكناتها، وأرزاقها، وأفعالها، كما هي مفتقرة إليه في خلقها، وإنشائها، وإبداعها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٥"١٧] . ويدخل في الإيمان به إيمان العبد بتوحيد الإلهية الذي تضمنته شهادة الإخلاص: لا إله إلا الله. فقد تضمنت نفي استحقاق العبادة بجميع أنواعها عما سواه تعالى، من كل مخلوق. ومربوب؟ وأثبت ذلك على وجه الكمال الواجب والمستحب لله تعالى، فلا شريك له في فرد من أفراد العبادة، إذ هو الإله الحق المستحق، المستقل بالربوبية، والملك، والعز، والغنى، والبقاء. وما سواه فقير مربوب، معبد خاضع، لا يملك لنفسه نفعا، ولا ضرا; فعبادة سواه من أظلم الظلم، وأسفه السفه; والقرآن كله راد على من أشرك بالله، في هذا التوحيد، مبطل لمذهب جميع أهل الشرك والتنديد، آمر

стр. 903

ومرغب في إسلام الوجه لله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتبتل في عبادته؛ ومعنى العبادة في أصل اللغة لمطلق الذل والخضوع، ومنه: طريق معبد إذا كان مذللا، قد وطأته الأقدام، كما قال الشاعر: تبارى عتاقا ناجيات واتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد واستعملها الشارع في العبادة الجامعة لكمال المحبة، وكمال الذل والخضوع. وأوجب الإخلاص له فيها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢"٣] . وهذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب. والعبادة إذا خالطها الشرك، أفسدها، وأبطلها; ولا تسمى عبادة، إلا مع التوحيد؟ قال ابن عباس: "ما جاء في القرآن من الأمر بعبادة الله إنما يراد به التوحيد". انتهى. ويدخل في العبادة الشرعية كل: ما شرعه الله ورضيه، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، كمحبة الله، وتعظيمه، وإجلاله، وطاعته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، ودعائه خوفا وطمعا، وسؤاله رغبا ورهبا، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار واليتيم والمملوك والمسكين وابن السبيل، وكذا النحر والنذر، فإنهما من أجل العبادات وأفضل الطاعات، وكذا الطواف ببيته تعالى، وحلق الرأس تعظيما وعبودية، وكذا سائر الواجبات

стр. 904

والمستحبات. فحق الله على العباد: أن يعبدوه وحده لا شريك له، ولا يشركوا به شيئا والشرك في العبادة ينافي هذا التوحيد ويبطله، كما قال تعالى، لما ذكر حال خواص أوليائه ومقربي رسله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٨] . والشرك قد عرفه النبي ﷺ بتعريف جامع، كما في حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: " يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١، والند: المثل والشبيه. فمن صرف شيئا من العبادات لغير الله، فقد أشرك به، شركا يبطل التوحيد وينافيه، لأنه شبه المخلوق بالخالق، وجعله في مرتبته، ولهذا كان أكبر الكبائر على الإطلاق، ولما فيه من سوء الظن به تعالى، كما قال الخليل ﵇: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الصافات آية: ٨٦"٨٧] . قال العلامة ابن القيم ﵀: أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته، وربوبيته من النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله، من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المتفرد

стр. 905

بتدبير خلقه، لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور، فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم محتاجون من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، والذي يعينهم على قضاء حوائجهم إلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة، لحاجتهم، وعجزهم، وضعفهم وقصور علمهم. فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به طن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. انتهى. إذا عرفت هذا، فصلاح العبد وفلاحه، وسعادته ونجاته، وسروره ونعيمه، في إفراد الله بهذه العبادات، والإنابة إليه بما شرعه لعباده منها:" وهو أصلها" كمال المحبة، وكمال الذل والخضوع، كما تقدم. هذا سر العبادة وروحها، ولا بد في عبادة الله من كمال الحب، وكمال الخضوع، فأحب خلق الله إليه، وأقربهم منزلة عنده، من قام بهذه المحبة والعبودية، وأثنى عليه" سبحانه" بذكر أوصافه

стр. 906

العلى، فمن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه، لأنه ينقص هذه المحبة، والخضوع، والإنابة، والتعظيم، ويجعل ذلك بينه وبين من أشرك به. والله لا يغفر أن يشرك به، لأنه يتضمن التسوية بينه تعالى وبين غيره في المحبة والتعظيم، وغير ذلك من أنواع العبادة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ، أخبر سبحانه أن من أحب شيئا دون الله كما يحب الله فقد اتخذه ندا، وهذا معنى قول المشركين لمعبوديهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧"٩٨] ، فهذه تسوية في المحبة والتأله، لا في الذات والأفعال والصفات؛ فمن صرف ذلك لغير إلهه الحق، فقد أعرض عنه، وأبق عن مالكه وسيده، فاستحق مقته وبغضه، وطرده عن دار كرامته ومنزل أحبابه. والمحبة: ثلاثة أنواع: محبة طبيعية، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وغير ذلك، وهذا لا يستلزم التعظيم. والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، ونحوها، وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم. والنوع الثالث: محبة أنس وألفة، وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم، أو مرافقة، أو تجارة، أو سفر، بعضهم لبعض، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا. فهذه المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون

стр. 907

شركا في محبة الله سبحانه، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع، وكان رسول الله ﷺ يحب نساءه، وكانت عائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق. وأما المحبة الخاصة، التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركا لا يغفره الله، فهي محبة العبودية، المستلزمة للذل والخضوع، والتعظيم وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره. فهذه المحبة لا يجوز تعليقها بغير الله أصلا، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها، وهي أول دعوة الرسل، وآخر كلام العبد المؤمن، الذي إذا مات عليه دخل الجنة، باعترافه وإقراره بهذه المحبة، وإفراد الرب بها. فهي أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله. وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها; وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها من الشوائب والعلل، فهي: قطب رحى السعادة، وروح الإيمان، وساق شجرة الإسلام؛ ولأجلها أنزل الله الكتاب، والحديد، فالكتاب هاد إليها ودال عليها، ومفصل لها; والحديد لمن خرج عنها، وأشرك مع الله غيره فيها، ولأجلها خلقت الجنة والنار، فالجنة دار، أهلها الذين أخلصوها لله وحده، وأخلصهم لها. والنار دار من أشرك فيها

стр. 908

مع الله غيره، وسوى بينه وبين الله فيها. فالقيام بها واجب، علما وعملا وحالا، وتصحيحها هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله. فحقيق لمن نصح نفسه، وأحب سعادتها ونجاتها، أن يتيقظ لهذة المسألة، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله، فإن الشأن كله فيها، والمدار عليها، والسؤال عنها يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحجر آية: ٩٢"٩٣] ، قال غير واحد من السلف: عن قول لا إله إلا الله; وهذا حق، فإن السؤال كله عنها، وعن أحكامها وحقوقها، قال أبو العالية: "كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ ماذا أجبتم المرسلين؟ ". فالسؤال عما كانوا يعبدون السؤال عنها نفسها، والسؤال عن ماذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريقة المؤدية، هل سلكوها، وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه، حقيق أن تثنى عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر، ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضلة، بل يجعل هو المطلوب الأعظم، وما سواه إنما يطلب على فضلة، والله المسؤول أن يمن علينا بتحقيق ذلك، علما وعملا وحالا. ونعوذ بالله أن يكون حظنا من ذلك مجرد حكايته ; وصلى الله على محمد.

стр. 909

وسئل أيضًا الشيخ: ٍعبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى، عن تفصيل ما يجب على الإنسان من التوحيد وأنواعه، وما يجب فيه، من المعاداة والموالاة؟ فأجاب: معرفة التفاصيل تتوقف على معرفة الأحكام الشرعية، من أدلتها التفصيلية. فالدين كله توحيد، لأن التوحيد إفراد الله بالعبادة، وأن تعبده مخلصا له الدين; والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة فيدخل في ذلك قول القلب وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح؛ وترك المحظورات والمنهيات داخل في مسمى العبادة، ولذلك فسر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١] ، بالتوحيد في العبادة، لأن الخصومة فيه، وهو تفسير ابن عباس. إذا عرفت هذا، عرفت أن على العبد أن يخلص أقواله وأعماله لله؛ وأن من صرف شيئا من ذلك لغيره فقد أشرك في عبادة ربه، ونقص توحيده وإيمانه، وربما زال بالكلية إذا اقتضى شركه التسوية بربه، والعدل به، وتضمن مسبة الله; فإن الشرك الأكبر يتضمنهما، ولهذا ينزه الرب تعالى، ويقدس نفسه عن ذلك الشرك في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة القصص آية: ٦٨] ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

стр. 910

[سورة الصافات آية: ١٨٠"١٨٢] ، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] . ومحل تفاصيلها الكتب المصنفة في بيان الأحكام الشرعية، وواجباتها ومستحباتها; سواء كانت في معرفة القلوب وعلمها، أو عملها وسيرها، فالأول: العقائد، وهي: التوحيد العلمي. وقد صنف أهل السنة فيها مصنفات، من أحسنها: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وأما الثاني، وهو: علم أعمال القلوب وسيرها، المسمى: علم السلوك، فقد بسط القول فيه ابن القيم رحمه الله تعالى، في شرح المنازل، وفي: سفر الهجرتين. وأما أعمال الجوارح الظاهرة، فالمصنفات فيها أكثر من أن تحصر; وبالجملة: فمعرفة جميع تفاصيل العبادة تتعذر، إذ ما من عالم إلا وفوقه من هو أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى. وأما الموالاة والمعاداة، فهي من أوجب الواجبات، وفي الحديث: " أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله " وأصل الموالاة: الحب، وأصل المعاداة: البغض؛ وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة، كالنصرة، والأنس، والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال؛ والولي ضد العدو. [جواب الشيخ عبد اللطيف عن معنى لا إله إلا الله] وسئل أيضا الشيخ عبد اللطيف، عن معنى لا إله إلا الله، فأجاب:

стр. 911

بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى; وبعد: فقد خاض بعض الجاهلين في معنى كلمة الإخلاص وإعرابها، وأتى بخلط وجهل لا يسع السكوت عليه؛ فنقول: اعلم أن لا إله إلا الله هي كلمة التقوى، والعروة الوثقى، وأصل دين الإسلام، ومفتاح دار السلام; قد دلت بمنطوقها وموضوعها على نفي استحقاق الإلهية عن غيره تعالى، والبراءة من كل معبود سواه، قولا وفعلا، وإثبات استحقاق الإلهية على وجه الكمال لله تعالى. فالأول: وهو النفي، يستفاد من: لا واسمها وخبرها المقدر؛ والإثبات: يستفاد من الاستثناء، لأن الإثبات بعد النفي المتقدم أبلغ من الإثبات بدونه؛ وهذه طريقة القرآن، يقرن بين النفي والإثبات غالبا، كما في هذا الموضع، لأن المقصود لا يحصل إلا بهما، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] ، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، وقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ١"٢] ، وقال عن نبيه يوسف: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله.

стр. 912

قال ابن القيم ﵀: وطريقة القرآن في مثل هذا، أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى الله، ويثبت عبادته: وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي؛ فلا يكون التوحيد، إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة لا إله إلا الله. انتهى. ولذلك أفادت هذه الكلمة، الحصر والاختصاص؛ وقرر بعض المحققين لهذه الكلمة الطيبة، وما شابهها من الآيات التي ابتدأت بنفي الإلهية والعبادة عن غير الله، أن ذلك أبلغ وآكد في الإثبات والاختصاص; ومنه: لا رجل إلا زيد، أو: لا كريم إلا زيد، فإنه مع إفادته نفي الصفة عن غير المستثنى، أفاد إثباتها له على وجه الكمال الذي لا يتأتى بمجرد الإثبات، من غير نفي، فلا تقيده: زيد رجل; أو زيد كريم; ولأن بين النفي والإثبات هنا تلازم من كل وجه، فلا براءة من الشرك وعبادة غير الله إلا بتوحيده، ولا توحيد إلا بالبراءة من كل معبود سوى الله؛ وكما تضمنت العلم، فهي تتضمن العمل؛ ولا يتصور وجود شهادة، وإذعان وإتيان بمدلولها إلا مع العلم والعمل، وهذا الذي قررناه تدل عليه عبارات أهل العلم، من اللغويين والمفسرين وغيرهم. والإله وضع لكل معبود، حقا كان أو باطلا، لأنه مشتق من الإلهة، بمعنى: العبادة، قال في القاموس: أله، يأله، إلهة، وألوهية: عبد، يعبد، عبادة; وكل من عبد شيئا، فقد اتخذه إلها. انتهى، وقال غيره: إله، اسم

стр. 913

جنس، يقع على كل معبود; والإله، بمعنى المألوه، كالكتاب بمعنى المكتوب. قال شيخ الإسلام: الإله هو الذي تألهه القلوب، محبة، وذلا وإنابة، وتعظيما، وتوكلا، وخوفا، ورجاء. وكذا قال ابن القيم، وابن رجب، وغيرهما من أهل العلم. وبعد التعريف، والتفخيم، صار علما على ربنا جل وعلا، قال سيبويه: هو أعرف المعارف; قال تعالى متمدحا بذلك: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٦٥] ، والدليل على أنه بمعنى العبادة، قول رؤبة: لله در الغانيات المُدَّهِ ... سبحن واسترجعن من تأله يعني تعبد، وقرأ ابن عباس: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٧] ، أي: عبادتك، وزنا ومعنى) ; وأما التعبيد، فهو في الأصل: التذليل، كما قال الشاعر: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد والمور المعبد هو: الطريق المذلل. وفي الاصطلاح: هي أخص، لأنه لا بد فيها من وجود الركن الأعظم، وهو الحب، قال في الكافية:" وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان والقطب: الأس الذي عليه المدار. وبهذا يتبين أن المقصود: نفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى، لا نفي وجود التأله والتعبد لسواه; فإن نفي وجوده مكابرة للحس والنص، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ

стр. 914

عِزّاً﴾ [سورة مريم آية: ٨١] ، وقال: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٨٦] ، وقال عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [سورة يس آية: ٢٣] ، فسمى معبوداتهم على اختلاف أجناسها آلهة؛ وعبادة غير الله وجدت وانتشرت، واشتهرت في الأرض، من عهد قوم نوح، وقد تقدم أن من عبد شيئا، فقد اتخذه إلها؛ ويدل عليه، قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] . وقد غلط هنا بعض الأغبياء، وقدر الخبر: "موجود"، وبعضهم قدره: "ممكن"، ومعناه: أنه لا يوجد، ولا يمكن وجود إله آخر، وهذا جهل بمعنى الإله; ولو أريد بهذا الاسم الإله الحق وحده، لما صح النفي من أول وهلة؛ والصواب: أن يقدر الخبر: "حق"، لأن النزاع بين الرسل وقومهم في كون آلهتهم حقا أو باطلا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٤] ، وأما إلهية الله فلا نزاع فيها، ولم ينفها أحد ممن يعترف بالربوبية. لكن زعموا أن إلهية أندادهم وأصنامهم، حق أيضا، ولذلك قالت لهم رسلهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] ؛ وبادر منهم من جحد ذلك بقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة ص آية: ٥] ، لما دعي إلى هذه الكلمة، فأنكروا إبطال عبادتها المستلزم لإبطال تسميتها، وهذا مستفيض عندهم، قد ارتاضت به

стр. 915

ألسنتهم، لا يحتاجون فيه إلى موقف ومعلم، بل عرفوه بمجرد الوضع، قال أبو جهل لأبي طالب لما دعاه النبي ﷺ إلى كلمة الإخلاص: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فعرف بعربيته أنها تبطل عبادة وإلهية من عبده عبد المطلب وقومه، وهذا قصر إفراد، لا قصر قلب، لأن المقصود إفراده بالإلهية واستحقاقها. فيكون النفي على هذا منصبا على الخبر، وهو: "حق" المقدر. وتقديره: موجود، أو ممكن، لا يفيد ما تقدم، إلا إذا وصف الاسم بحق; وقيل: لا إله حق موجود، فحينئذ يستقيم الكلام، ويرجع إلى ما قلنا. و"لا" هذه هي: النافية للجنس، واسمها يبنى معها على الفتح، على المشهور، والخبر ما مر تقريره، و"إلا" أداة استثناء، وما بعدها هو المستثنى، وهو مرفوع، والعامل فيه، هو العامل في الخبر لأنه بدل منه عند البصريين، وعند الكوفيين هو عطف نسق، قال ثعلب: كيف يكون بدلا، وهو موجب، ومتبوعه منفي يريد أن التابع والمتبوع لا بد أن يتوافقا نفيا وإثباتا، وأجيب عنه بأنه بدل منه في عمل العامل؛ وتخالفهما في النفي والإيجاب لا يمنع البدلية، وأجاب خالد الأزهري بأن محل اشتراط ذلك في غير بدل البعض. قلت: وبما قالوه، يعلم أن المستثنى مغاير للمستثنى منه معنى ولفظاً، فمن أجهل خلق الله وأضلهم من
следующие страницы →