← Сияса и кади

Сияса и кади · id 305

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (307 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فقال: «لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ فإن ثالثهما الشيطان» (١). وقال: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها زوج أو ذو محرم» (٢). فنهى عن الخلوة بالأجنبية والسفر بها؛ لأنه ذريعة إلى الشر. ورُوي عن الشعبي أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلَسَه خلفَ ظهره، وقال: «إنما كانت خطيئة داود النظر» (٣). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يعسُّ (٤) بالمدينة فسمع امرأةً تغنِّي (٥) بأبيات وتقول فيها: هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربُها ... أم من سبيلٍ إلى نصر بن حجاج ففتش عليه (٦) فوجده شابًّا حسنًا، فحلق رأسَه فازداد جمالًا، فنفاه إلى

стр. 247

البصرة لئلا يَفْتِن النساء (١). ورُوي عنه: أنه بلغه أن رجلًا يجلس إليه الصبيان فنهى عن مجالسته. وهذا لأن النبي ﷺ نفى المخنث الذي كان يدخل على أزواجه (٢)، وأمر بنفي المخنثين من المدينة (٣)، وأذن أن يدخلوا يوم الجمعة ليسألوا الناس عما يبتاعون (٤) به، ونص على اتباع هذه السنة الفقهاء كالشافعي وأحمد (٥)، وقالوا: ثبت عن النبي ﷺ نَفْي الزاني ونَفْي المُخَنَّث، مع أنه ﷺ لعن المخنثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء، والمتشبهين من الرجال

стр. 248

بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، [وجلّ] (١) هذه الأحاديث في الصحيح. فلم يكتف باللعنة حتى نفاه؛ لأن فيه مضرة على النساء وعلى الرجال (٢). فإذا كان من الصبيان من تخاف (٣) فتنته على الرجال أو النساء، مُنِعَ وليُّه من إظهاره لغير حاجة، أو تحسينه (٤) لاسيما تبريجه (٥) وتجريده في الحمامات، وإحضاره مجالس اللهو والأغاني، فإن هذا مما ينبغي التعزيرُ عليه. وكذلك من ظهر منه الفجور يُمْنَع من تملُّك الغلمان المُرْدان الصِّباح (٦)، ويُفرَّق بينهما وإن لم يُقر أو يعمد (٧) فيه بفجوره، فإن ما كان مقصوده إلى دفع المنكر لا عقوبة فاعله فيُكتفى فيه بالدلالة، حتى اتفق (٨)

стр. 249

الفقهاء على أنه لو شهد شاهد به عند الحاكم، وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة في الشهادة، فإنه لا يجوز قبول شهادته، بل يجرحه الجارح عند الحاكم بذلك بناءً على الاستفاضة وإن لم يره، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال: «وجبت وجبت»، ومُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًّا فقال: «وجبت وجبت» (١)، فسألوه عن ذلك فقال: «هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (٢). مع أنه كان في زمانه امرأة تفعل (٣) الفجور، فقال: «لو كنتُ راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتُ هذه». هكذا في الحديث الصحيح (٤). فبين أن الحدود لا تُقام إلا بالبينة. وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك، فتكون [بـ]ـالمظنة، كما قال النبي ﷺ : «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْرٍ (٥) على أخيه [أ/ق ٦٠] ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» (٦). وعنه أنه

стр. 250

قال: «لا تجوز شهادة ظنين ــ أي متهم ــ في ولاء أو قرابة» (١) (٢). والاستفاضة (٣) كافية في ذلك وما هو دون الاستفاضة، حتى إنه يُستدل على الرجل بأقرانه، كما قال ابن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم (٤). وذلك لأن النبي ﷺ قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدُكم من يُخالِل» (٥). فإن المقصود من (٦) هذا دفع شره، مثل الاحتراز من العدو. وقد قال عمر

стр. 251

- ﵁: احترسوا من الناس بسوء الظن (١). ولا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن به (٢). لهذا ينبغي للوالي والعالم أن يكون خبيرًا بالشر وأسبابه وعلاماته، مثل الخبرة بالكفر والفسوق وأحوال العدو في دينهم ودنياهم؛ ليحترس من شرِّ ذلك (٣). وكان من أعظم المصالح: إزجاء العيون ــ الذين هم الجواسيس ــ إلى العدو، والمعرفة بطريق الكفر، كما قد ورد عن بعض السلف أنه قال: إنما تُنقض عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية (٤). وهذا لأن من لا يعرف الأمراض وأسبابها قد يغتر بالعافية، ولا يحترز من أسباب المرض أو ذاته، و [من] عرف سببه وعلامته فإنه يصلح

стр. 252

للطبيب (١). والولاة والعلماء أطبَّاءُ الخلق، كما كتب سلمان إلى أبي الدرداء لما تولي القضاء: بلغني أنك قعدت طبيبًا فإياك أن تقتل مسلمًا (٢). وكان عمر ﵁ يقول: لست بخبٍّ ولا يخدعني الخب (٣). وقالوا: كان عمر أورع من أن يَخْدع، وأعقل من أن يُخْدع (٤). وسلامة القلب المحمودة: هي سلامته من الأمراض، كالشبهات والأخلاق الردية؛ من النفاق والغِلّ والحسد والبخل والجُبْن وشهوة الزِّنا والكِبر ونحو ذلك. فأما الجهلُ بالحقائق فليس في نفسه محمودًا؛ إذ العلم صفة كمال، وما ينتفع به إما واجب وإما مستحب. والسياسةُ بالرأي والخبرة أعظم من السياسة بالشجاعة والقوة (٥) وأنفع. وبذلك يرفع الله الدرجات، كما قال في خبر يوسف ﵇:

стр. 253

﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وقال في ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]، قالوا: علمًا (١). وقال النبي ﷺ : «الحربُ خَدْعَة» (٢). ومن حكمة الشعر عن أبي الطيب (٣): الرأيُ قبل شجاعةِ الشُّجعان ... هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مَرَّةً ... بلغت من العلياءِ كلَّ مكان لكن لابدَّ للوالي من التغافل عن العقوبة على ما يعمله الناس من الذنوب التي لا تضرُّ إلا صاحبَها، كما روى معاوية ﵁ عن النبي ﷺ : «إن الوالي إذا ابتغى الريبة في الناس إلا كاد يفسدهم» (٤).

стр. 254

قال الحسن (١): كلمةٌ سمعها معاويةُ من النبي ﷺ نفعه الله بها. وقال النبي ﷺ : «من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء فليَسْتَتِر بستر الله، فإنه من يُبْدِ لنا صَفْحَتَه نُقِمْ عليه كتابَ الله» (٢). ولا ينبغي له أن يُظْهِر للناس أنه يعرف ما أخفوه من سيئاتهم إذا لم يُعاقِب عليه، فإنَّ ذلك يغير قلوبَهم ويحرِّك الفتنةَ بلا فائدة. فصلٌ حقوق الله: اسمٌ جامع لكل ما فيه منفعة عامة لا تختصُّ بمعين، أو دَفْع مضرة عامة بما يتعلق بالدين أو الدنيا، كالنظر في المساجد وأئمتها ومؤذنيها، والوقوف والطرقات والضِّياع، وإحياء السنن النبوية، وإماتة [أ/ق ٦١] البدع المُضِلَّة، وتقديم (٣) من ينتفع به في ذلك وغيره من خيار الناس، وأهل الدين والعلم، والبر والتقوى من كل صِنف من أصناف الناس، ومجانبة ذوي الإثم والعدوان، وأهل الحيلة والخديعة، والكذب والإدْهان، وغير ذلك من المصالح العامة. وقد كان النبي ﷺ يتولى بنفسه عامة ذلك، ويستنيب فيما بَعُدَ عنه، ويوكِّل في بعض الأمور لمن حضر عنده.

стр. 255

وكان المسلمون يتعاونون على ذلك، وكان خلفاؤه قريبًا من ذلك، وكانوا يستخلفون في مصرهم قاضيًا فيما يتفق حكمهم فيه، فإذا نزل بالقاضي ما فيه إشكال يراجع الخليفة، كما كان زيدٌ يراجع عمر في مسائل الجد والطلاق وغير ذلك (١). وأما بعد الخلفاء؛ فتنوعت العادات في ذلك في الأعصار والأمصار بحسب قلة الحاجة وكثرتها، وبحسب قدرة الوالي الكبير وعجزه، وقيامه بالأمر وإعراضه وأسباب أخر، فصار بعض هذه الأمور يتولاها والي الحرب الذي هو صاحب الشرطة. وكان صاحب الشرطة مثل المنفذ لأمر الولي الكبير الذي يقال له: «نائب السلطان». قال أنس بن مالك: كان [قيس بن] سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير (٢). وبعضها يتولَّاها المحتَسِب الذي وَليَ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، وولايته قد تدخل في ولاية القاضي. وبعضها يتولاها القاضي. وأيُّ شيء من الولايات عُمِل فيه بطاعة الله ورسوله كانت ولايةً شرعية، وأيُّ شيء عُمِل فيها بخلاف ذلك، أو تُرِك فيها ما يجب لم تكن شرعية، لكن لما كان القاضي أقرب إلى العلم وأهله (٣) [و] أكثر معرفة بالشريعة= صار كثيرٌ من الناس يظن أنه ليس من الولايات ما يجب أو يقع فيها حكم الشرع

стр. 256

إلا هي، وصاروا يفهمون أن الشرع ما حَكَم به القاضي، وربما فرُّوا من هذا الشرع؛ إما خروجًا منهم عن الحق، أو لتقصير يقع من بعض القضاة، وليس الأمر كذلك، بل الشرع اسم لما بعث الله تعالى به رسولَه محمدًا ﷺ من الكتاب والحكمة، وحُكْمُه لازمٌ جميعَ الخلق. فعلى كل والٍ أن يتبع هذا الشرع، وكثيرًا ما يوافقه النائب والوالي والمحتسب، كما أنه كثيرًا ما يخالفه بعض القضاة؛ إما لعدم معرفته، أو لغرض مذموم، أو لتقليد عالم أو غير ذلك، فإن الموافق له من غير القضاة قد يوافقه لظهور الحق الذي اتفقت عليه العقول أو الأديان أو شريعتنا، أو لمعرفته بذلك من الكتاب والسنة، أو لصحة رأيه، أو لتقليد مُصيب في ذلك، أو هو اتفاقًا من غير سلوك طريقٍ صحيح، لكنَّ موافقة الشرع في القضاء أكثر من موافقته في غيره من الولايات. وقد رؤي من الولاة من هو خير من أكثر القضاة، ورؤي من القضاة من هو شرٌّ من فُسَّاق الولاة. وعموم هذه الولايات وخصوصها هو بحسب ما يمكن من المولي، فإن المقصود هو أمانة الدين في جميع الأشياء، ولا يتم ذلك إلا بالاجتماع والسلطان، فإذا جُعِل سلطانٌ يقام به الدين على الوجه المشروع، كان ذلك مقصود الولاية. وقد ذكر طوائف من الفقهاء أن ولاية القضاء المطلقة تقتضي عدة أنواع، واختلفوا في أشياء، وهذا بحسب مقتضى لفظ الولاية وعُرْفها، فإن ذلك يختلف [باختلاف] معاني [أ/ق ٦٢] العُرف حتى قالوا: ذلك يقتضي هذا، فإن موجبات العقود كلها تُتَلَقَّى من اللفظ أو العرف إذا لم يكن الشرع قد جعل لها حدًّا.

стр. 257

وكل ما كان من باب الوكالات والولايات التي تُستفاد بالشرط لا بالشرع، كالوصية، والقضاء، وأمارة الحرب، وولاية الأمصار، ونحو ذلك، فإن عمومَها وخصوصَها يُستفادُ من المولى لفظًا وعرفًا (١) على ما يثبت بالشرع، كولاية (٢) الأب على ابنه، فإن عموم ذلك يستفاد بنفس الشرع (٣). * * * *

стр. 258

فصل وأما الحقوق والحدود التي لآدميٍّ معين (١): فمنها: الدماء (٢)، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى قوله (٣): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٢ - ٩٣]. وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا

стр. 259

بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. وفي الحديث (١) الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (٢). وقد قال العلماء: أكبر الكبائر بعد الكفر: قتل النفس التي حرم الله بغير الحق (٣). و القتل ثلاثة أنواع: أحدها: العمد المحض، وهو أن يقصد (٤) من يعلمه معصومًا بما يقتل غالبًا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسِّنْدان (٥) وكُوذين القَصَّار (٦)، أو بقَطْع النَّفَس عنه، كالتغريق والخَنْق، أو بغير ذلك كالحريق والإلقاء من مكانٍ شاهقٍ، وإمساك الخِصْيتين حتى تخرج الروح، وبسَقْي السموم القتالة (٧)، ونحو ذلك من الأفعال.

стр. 260

فهذا إذا فعله القاتلُ وهو بالغ عاقل، والمقتولُ معصومٌ مكافئ له= وجب فيه القَوَد، وهو أن يُمَكَّن أولياءُ المقتول من القاتل، فإن أحبوا قَتَلوا، وإن أحبوا أخذو الدية، وإن أحبوا عفوا. وهل لهم أن يعفوا عن الدية بغير رضى القاتل؟ فيه خلاف مشهور بين الفقهاء، وليس لهم أن يقتلوا غير القاتل (١) لا من قبيلته ولا من غيرهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، قالوا في التفسير: لا يقتل غير قاتله (٢). وعن أبي شريح الخُزَاعي قال: قال رسول الله ﷺ : «من أُصيب بدم أو خبل ــ والخبل الجراح ــ فهو بالخيار بين إحدى ثلاث ــ فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ــ: أن يَقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية، فمن فعل شيئًا من ذلك فعاد، فإن له نار جهنم خالدًا [أ/ق ٦٣] مخلدًا فيها أبدًا» (٣). رواه أهل

стр. 261

«السنن». قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). ف من قَتَل بعد العفو أو أَخْذ الدِّية ، فهو أعظم جُرمًا ممن قَتَل ابتداء، حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدًّا، ولا يكون امره إلى أولياء المقتول، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨ - ١٧٩]. قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يُؤثروا أن يقتلوا القاتل وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرًا (٢) من أصحاب القاتل، كسيد القبيلة، ومُقَدَّم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويتعدَّى (٣) هؤلاء في الاستيفاء، كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكما يفعله أهل الجاهلية (٤) الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات، من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيمًا أشرف من المقتول، فيفضي ذلك إلى أن (٥) أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما

стр. 262

حالف هؤلاء قومًا واستعانوا بهم وهؤلاء قومًا، فيُفْضِي إلى الفتن والعداوات العظيمة. وسبب ذلك: خروجُهم عن سَنَنِ العدل الذي هو القصاص في القتلى، فكتب الله علينا القصاص ــ وهو المساواة والمعادلة (١) ــ وأخبر أن فيه حياةً بحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين. وأيضًا: فإذا عَلِم من يريد القتلَ أنه يُقتل كفَّ عن القتل، وقد رُوي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو (٢) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم (٣)، وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا يُقتَل مسلم بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده» (٤) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن. فقضى رسول الله ﷺ أن المسلمين تتكافأ دماؤهم ــ أي تتساوى وتتعادل ــ ولا يُفَضَّل عربيٌّ على عجميّ، ولا قرشيّ أو هاشميّ على غيره من المسلمين، ولا حرٌّ أصليّ على مولًى عتيق، ولا عالم أو أمير على أميٍّ أو مأمور (٥)، كما قضى أنهم يتساوون في الأموال في مثل المواريث، فإن البنين يتساوون في إرثهم من أُمِّهم وإن تفاضلوا في الدين والدنيا.

стр. 263

وهذا الذي قضاه رسول الله ﷺ من العدل بين المسلمين في النفوس والأموال (١) متفق عليه بين المسلمين، بخلاف ما عليه أهل الجاهلية وحُكَّام اليهود، فإنه كان بقرب مدينة النبي ﷺ صنفان من اليهود: قُرَيظة والنَّضير، وكان النضير تُفَضَّل (٢) على قريظة في الدماء، فتحاكموا إلى النبي ﷺ في ذلك، وفي حدِّ الزَّاني، فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم، فقالوا: إن حَكَم بينكم (٣) بذلك كانت لكم حجة، وإلا فأنتم قد تركتم حكم التوراة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ [أ/ ق ٦٤] هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤) [المائدة: ٤١ - ٤٥]. بيَّن أنه سوَّى بين نفوسهم ولم يفضِّل نفسًا على أخرى كما كانوا يفعلونه. إلى قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ إلى قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠]. فحَكَم الله في دماء

стр. 264

المسلمين أنها (١) سواء، خلاف ما عليه أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو (٢) البغي وترك العدل، فإن إحدى الطائفتين تصيب من (٣) الأخرى دمًا أو مالًا، أو تعلوا عليها بالباطل فلا تنصفها، ولا تقتصر الأخرى على (٤) استيفاء الحق. والواجب في كتاب الله تعالى الحكم بين (٥) الناس في الدماء والأموال وغيرها بالقسط الذي أمر الله تعالى به، ومحو (٦) ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية. وإذا أصلح مصلحٌ (٧) بينهم فيصلح بالعدل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]. وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول، فإنه أفضل لهم، كما قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥].

стр. 265

قال أنس: ما رُفِعَ إلى رسول الله ﷺ أمرٌ فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو. رواه أبو داود وغيره (١). وروى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعَه الله». وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ هو في المسلم الحر مع المسلم الحر، فأما الذِّمي؛ فجمهور العلماء على أنه ليس بكفْء للمسلم، كما أن المستأمن الذي يقدم من بلاد (٣) الكفار رسولًا أو تاجرًا ونحو ذلك ليس بكفء له وفاقًا. ومنهم من يقول: بل هو كفء له. وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد. ولا تعتبر المكافأة في العدد عند جماهير العلماء، بل لو قتلَ عددٌ واحدًا قُتِلوا به، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقَدْتُهم به (٤). وكذلك قال علي بن أبي طالب ﵁ في الذين شهدوا على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم رجعوا عن الشهادة، فقال: لو أعلم أنكم

стр. 266

تعمدتم لقطعتكما (١). وكذلك يُقتل الذكر بالأنثى عند الجماهير، كما قَتَل النبي ﷺ الرجلَ اليهودي بالمرأة قصاصًا (٢). و النوع الثاني: الخطأ الذي يشبه (٣) العمد، قال ﵇: «ألا إن في قتل الخطأ شِبْه (٤) العمد ما كان بالسوط والعصا: مئة من الإبل، منها أربعون خَلِفَة في بطونها أولادُها» (٥). فسماه: شِبه العمد؛ لأنه قصد العدوان عليه بالجناية (٦) لكنها لا تقتل غالبًا، فقد تعمَّد العدوان ولم يتعمد ما يقتل. وهذا لا قَود فيه عند الجمهور كما ذكر ﷺ . وهل هي على القاتل أو على عاقلته؟ فيه نزاع بين الفقهاء في مذهب أحمد وغيره. و النوع (٧) الثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه، مثل أن يكون

стр. 267

[أ/ق ٦٥] يرمي صيدًا أو هدفًا فيصيب به إنسانًا بغير علمه ولا قصده، فهذا ليس فيه قود وإنما فيه الدية على عاقلة القاتل، وفيه الكفَّارة في ماله، وفي هذه الأبواب مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم (١). فصل والقصاص في الجراح ــ أيضًا ــ ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة، فإذا قطعَ يدَه اليمنى من مِفصل فله أن يقطع يده كذلك، وإذا قلع سنه فله أن يقلع سنه، وإذا شُجَّ في رأسه أو وجهه فأوضحَ العظمَ فله أن يشجَّه كذلك، فأما إذا لم يمكن المساواة، مثل أن يكسِر له عظمًا باطنًا أو شجَّه دون المُوضِحَة، فلا يُشْرع (٢) القصاص، بل تجب الدية المحدودة [أو الأرْش = بـ] ما (٣) جاء عن النبي ﷺ وأصحابه، فكل عضو أو منفعة ليس في الإنسان فيه إلا واحد؛ ففيه دية كاملة، كاللسان، والأنف، والذَّكَر، والكلام والعقل. وكلُّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها، كالعينين ونظرهما، والأذنين والسمع، واليدين، والرِّجلين. وما في الإنسان فيه ثلاثة؛ ففي أحدها ثلث الدية، كجانبي الأنف، والحائل بينهما. وما فيه منه أربعة؛ ففي أحدها ربع الدية، كالأجفان الأربعة.

стр. 268

وما فيه أكثر من ذلك كالأصابع العشرة؛ في كل أصبع عُشْر الدية، وفي كلِّ سنٍّ نصف عُشر الدية. وإذا شج رأسه أو وجهه حتى ظهرَ العظمُ ووضَح؛ ففيه نصف عشر الدية، وإن كانت الشَّجَّة دون ذلك مثل أن تبضع (١) اللحم، فإنه يُقوَّم المجروح كأنه عبد وهو سليم، ثم يُقوَّم وهو مجروح قد اندملَ جُرْحُه، فما نقصت قيمته أُعطي الجناية من ديته (٢). وأما القصاص في الضرب بيده أو بعصاه أو سوطه، مثل أن يلطمه (٣)، أو يلكمه، أو يضربه بعصًى، ونحو ذلك؛ فقد قال طائفة من العلماء: لا قصاص فيه بل فيه تعزير؛ لأنه لا يمكن المساواة فيه. وقال آخر: بل فيه القصاص، وهذا هو (٤) المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين: أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء، وبذلك جاءت سنة رسول الله ﷺ ، وهو الصواب. قال أبو فراس: خَطَبَ عمرُ بن الخطاب ﵁ فذكر حديثًا قال فيه: ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم (٥) إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم (٦)، فمن فُعِل به سوى

стр. 269

ذلك فليرفعه إليَّ، فوالذي نفسي بيده إذًا لأُقِصَّنَّه منه. فوثب عَمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدَّب رعيَّتَه أئنك لمُقِصّه (١) منه؟ قال: إي والذي نفس محمد بيده إذًا لأُقِصّنه منه، أنَّى لا أُقِصُّه منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يُقِصّ من نفسه؟! ألا لا تضربوا المسلمين فتُذِلُّوهم، ولا تمنعوهم حقوقَهم فتكفروهم. رواه أحمد وغيره (٢). ومعنى هذا إذا ضرب المتولي رعيتَه ضربًا مُبَرِّحًا غير جائز، فأما الضرب المشروع فلا قصاص فيه بالإجماع، وهو واجب أو مستحب أو جائز. فصل والقصاص في الأعراض مشروع أيضًا [أ/ق ٦٦] وهو أن الرجل إذا لعن رجلًا أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك، وكذلك إذا شتمه شتيمة لا كذب فيها، والعفو أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٢]. وقال النبي ﷺ : «المُسْتَبَّان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يَعتَد (٣)

стр. 270

المظلوم» (١) ــ ويسمى هذا: الانتصار ــ. والشتيمةُ التي لا كذب فيها: مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح، أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك على وجه الإهانة (٢). فأما إن افترى عليه لم يحل له أن يفتري عليه، ولو كفَّرَه أو فَسَّقه بغير حق لم يحل له أن يكفِّره أو يفسِّقَه بغير حق، ولو لعن أباه أو قبيلته أو أهل بلده ونحو ذلك، لم يحل أن يعتدي (٣) على أولئك إذا لم يعينوه على ظلمه (٤)، فإنهم لم يظلموه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. فكيف يجوز للمسلم أن يتعدَّى على مسلم لِبُغضه إياه بغضًا جائزًا أو غير جائز؟ ! وجِماع ذلك: أن كل ما كان من الكلام في عرضه محرمًا لحقه ما لم يلحقه من الأذى جاز الاقتصاص منه مثله (٥)، كالدعاء عليه مثل ما دعا عليه من لعنٍ وغيره، وكالإهانة في الكلام، وكإظهار (٦) مساوئه في وجهه وهو

стр. 271

الهمز، أو في مغيبه وهو الغيبة. ولا يجوز الاعتداء عليه بأن يسب أكثر مما يسبه (١)، أو أشد مما سبه، كما قال النبي ﷺ : «ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتدِ المظلوم» (٢)، فعُلِمَ أن المكافئ لا إثم عليه إذا إذا اعتدى. وأما ما كان من الكلام محرَّمًا لحقِّ الله، بحيث يحرم ولو لم يكن فيه إيذاء له، كالكذب عليه بالقذف والتكفير والفسق وغير ذلك؛ فهذا لا يجوز المقابلة بمثله، لكن يُعزَّر على ذلك، بمنزلة ما ليس فيه قصاص من الجوارح. وقد اختلف العلماء هل يجوز الصلح على ذلك بمال؟ على قولين. ونظير هذا: ما لو مثَّل بغيره في القتل، مثل أن يحرقه أو يقطع يديه ورجليه، فهل يُفْعَل به كما فعل أو لا قَوَد إلا السيف؟ فيه قولان مشهوران للفقهاء؛ أشبههما بالكتاب والسنة والعدل: أنه يُفْعَل به كما فعل ما لم يكن الفعل محرَّمًا في نفسه، كتجريع الخمر، والتلوُّط به، ونحو ذلك (٣).

стр. 272

فصل و إذا كانت المَظْلَمة في العِرْض مما لا قصاص [فيه] (١) كالقذف وغيره؛ فيه العقوبة بالحدّ في القذف، وبالتعزير في غيره. أما حدُّ (٢) القذف ؛ فإنه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥] (٣). (٤) وهذا الحد ــ حد القذف ــ مُسْتحقه المقذوف، فلا يُستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء، فإن عفا عنه سقط عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه؛ لأنَّ المُغَلَّب فيه حق الآدمي، كالقصاص والأموال.

стр. 273

وقيل: لا يسقط تغليبًا لحق الله تعالى [أ/ق ٦٧] لعدم المماثلة كسائر الحدود، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية (١). وإنما يجب حدُّ القذف إذا كان المقذوف محصنًا؛ وهو المسلم، الحر، العفيف، وأما المشهور بالفجور فلا حدَّ على قاذفه، وكذلك الكافر والرقيق (٢)، لكن يُعَزَّر القاذف. وهذا في غير الزوج، إذ لا حاجة به إلى القذف وإن كان صادقًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. أما (٣) الزوج فإنه يجوز له أن يقذف المرأة إذا زنت ولم تحبل من الزنا، فإن حَبِلَت منه وولدت، فعليه أن يقذفها وينفي ولدَها، لئلا يلتحق به من ليس منه، ويصير ذا رحم لأقاربه ومَحْرَمًا لنسائه. فإذا قذفها فإما أن تقرَّ هي بالزنا وإما أن تنكر، فإن أنكرت فله أن يلاعنها، كما ذَكر الله في الكتاب، وذُكِر في السنة. ولو كان القاذف عبدًا فعليه نصف حدِّ الحر، وكذلك في جلد (٤) الزنا والشرب؛ لأن الله تعالى قال في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وإذا كان الواجب القتل أو القطع لليد؛ فإنه لا يُنَصَّف.

стр. 274

فصل (١) ومن الحقوق: الأبضاع، فالواجب الحُكم بين الزوجين بما أمر الله تعالى به من إمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإحسان، وعليها طاعته وحِفظ الغيب في نفسها وماله كما أمر الله تعالى. ويجب على كلٍّ من الزوجين أن يؤدِّي إلى الآخر حقوقَه بطِيب نفسٍ وانشراح صدرٍ. (٢) فأما المرأة؛ فلها عليه حقٌّ في ماله، ولها حقٌّ في بدنه، فأما المال؛ فالصداق والنفقة بالمعروف. فإن كان الصداق حالًّا ــ وهو الذي يسمى:

стр. 275

المقدَّم ــ فتستحق مطالبته به قبل الدخول. وأما المؤجَّل إلى أجل مسمى ــ وهو الذي تسميه الناس: المؤخر ــ قد جرت عادةُ البواهل (١) هذا الزمان بأن يتزوجوا المرأة على مهرٍ مقدَّم ومهرٍ مؤخَّر، ويَشْتِرطا على ذلك قبل العقد عند الخِطبة غالبًا، ثم إذا عقدوا النكاح سمَّوا الجميعَ وأطلقوا، ولم يتعرضوا للفظ مقدَّم ولا مؤخَّر. والشرطُ المتقدم على العقود بمنزلة المقارن (٢) عند عامة السلف، وهو المشهور من قول مالك وأحمد وغيرها، وعليه يدل الكتاب والسنة. وإذا تزوجها على مقدَّم ومؤخَّر ولم يسمِّ أجلًا، فقد اختلف الفقهاء في صفحة هذه التسمية، وأكثر السلف على صحَّتها؛ لأن ما يقابلها من المنفعة ليس بمؤجَّل إلى أجل مسمى، بخلاف المنفعة في الإجارة. ثم تنازعوا متى يحل المؤجَّل؟ فقال كثير منهم ــ أو أكثرهم ــ: يحل إذا تفرقا بموت أو طلاق ونحوه، وهذا مذهب أحمد وغيره. وعلى هذا فلا يستحق عامة نساء هذه الأزمان مطالبة الزوج بالمؤخَّر من الصداق حتى يتفارقا، وهذا هو الصواب؛ فإن الرجل لم يدخل على أنه حالٌّ عليه بمنزلة المقدَّم، وبمنزلة ما يحل من الأيمان والأجور، ولا المرأةُ ــ أيضًا ــ دخلت على أنها تتقاضى ما كان لها حالًّا من المقدَّم والثمن والأجرة، وإنما تتقاضاه حالِّيًّا عند مضارَّة الرجل لغرضٍ فاسدٍ يريد أن يفعله، أو لتخليه إلى طلاقها،

стр. 276

أو إلى منعه (١) من نفسها، أو أن تذهب حيث شاءت. وأكثر الضرار الحاصل من [أ/ق ٦٨] النكاح من جهة تكثُّر المرأة من المطالبة بالمؤخَّر من الصداق. ومن تأمل أحوالَ الناس علم ما في ذلك من الفساد الذي لا تأتي به سياسةُ عاقل فضلًا عن شريعة الإسلام، حتى تنكره العامة بطباعها، لا سيما إذا أُضِيف إلى ذلك قبول قولها في عدم قبض النفقة مع عدمها سكنها في منزله خمسين سنة، وليس لها جهة معلومة إلا هو، ونحو ذلك من الأحكام التي قد زلَّ بعضُ العلماء فحَصَل منهم من تلك المزلَّة من الشر ما ينافي الشريعة. وأما النفقة فهي (٢) بالمعروف في ذلك المكان في ذلك الزمان، وهي عند جمهور الفقهاء كأبي حنيفة ومالك وأحمد ليست مقدَّرةً بالشرع قدرًا [و] لا حدًّا (٣)، بل هي معلومة بعرف، تزيد وتنقص بحسب حال الزوج، وفي اعتبارها بحال المرأة خلافٌ في مذهب أحمد وغيره. وهل يجب تمليك المرأة ذلك ــ وهو الذي يسمى: الأكل ــ كالفرض أم يكفي تمكينها من الأكل في المنزل كما جرت به أعراف (٤) الناس وعادتهم قديمًا وحديثًا؟ فيه قولان للفقهاء، والثاني أشْبَهُهما بالكتاب والسنة، فإنه لم يُعْرَف على عهد السلف امرأة كانت تأكل بالفرض، وهذا هو المعروف الذي

стр. 277

أمر الله به (١). واختلفوا ــ أيضًا ــ هل وجبت النفقة على وجه الصِّلة (٢) كنفقة الأقارب، أم على وجه المعاوضة كالصداق والأجرة؟ على قولين، فالأول قول أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. والثاني هو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه. وبنوا على ذلك أنها على القول الأول تسقط بمضيّ الزمان إذا لم يفرضها حاكم، ولا تستحق فسخ العقد بإعسار (٣) الزوج. وعلى الثاني لا تسقط بمضيِّ الزمان كالأجرة، وتستحق الفسخ بعجزه عنها، كعجزه عن الوطء، وكذلك بامتناعها منه في الصحيح. وأما حقها في بدنه فشيئان: العِشرة والمتعة، بحيث لو كان عاجزًا عن الوطء، لكونه مجبوبًا استحقت الفسخ عند العلماء قاطبة، وكذلك لو كان عِنِّينًا على خلافٍ شاذٍّ فيه. ولو آلى منها ــ وهو أن يحلف بالله أنه لا يطؤها مطلقًا أو مدةً تكون أكثر من أربعة أشهر ــ فإنها تستحق الفُرقة باتفاق المسلمين، كما دل عليه القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] لكنَّ أكثرهم يقولون: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يُمَكِّن وإما أن يطلق، ومنهم

стр. 278

من يقول: بل يقع الطلاق بِمُضيِّ أربعة أشهر إذا لم يفئ منها. والعِشرة التي هي القَسم ابتداء، والمتعة التي هي الوطء= واجب عليه كما دل عليه الكتاب والسنة والأصول، بل هو مقصود النكاح، واقتضاء الطبع لا ينافي الوجوب، كما لا ينافي وجوب الأكل والشرب، وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن عَمرو (١) ﵄ لما رآه يسرد الصوم: «إن لزوجكَ عليكَ حقًّا» (٢)، ولولا استحقاق الوطء لما ملكت فسخ النكاح بعجزه على الوطء، وامتناعه بالدين. ثم قد قيل: الواجب مرة في كل أربعة أشهر؛ لأنها مدة التربُّص في الإيلاء. وقيل: يجب وطؤها بالمعروف على قدر قُوَّته وحاجتها، كما تجب النفقة بالمعروف كذلك، وكما أن الواجب له يستحقه بالمعروف على [أ/ق ٦٩] قدر قوتها وحاجته. والحاكم يقدِّر ما تستحقه من الوطء عند التنازع، كما يقدر ما يستحقه هو، وكما يقدر النفقة ومهر المثل، وكلا القولين في مذهب أحمد وغيره. والثاني أشبه بالكتاب والسنة والأصول ومصلحة الخلق، ولا تُقْضى حاجة الناس ويزول الضرر إلا به. وأما حق الرجل عليها؛ فقد روى مسلم في «صحيحه» (٣) أن النبي ﷺ قال في خطبته ﷺ : «اتقوا الله في النساء فإنهنَّ عوانٍ عندكم، وأنكم (٤) أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، ولكم أن لا يوطِئنَ

стр. 279

فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلنَ ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف». وقال ﷺ : «ما من امرأةٍ يدعوها زوجُها إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى تصبح» أخرجاه في «الصحيحين» (١). وقال: «لو كنتُ آمرًا أحدًا بالسُّجود لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها» (٢). وروى أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قدم معاذ الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها، فرأى في نفسه أن رسول الله ﷺ أحق أن يُعَظَّم، فلما قدم قال: يا رسول الله، رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها، فرأيتُ في نفسي أنك أحق أن تعظَّم، فقال: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا تؤدِّي المرأةُ حقَّ الله تعالى كلَّه حتى تؤدِّي حقَّ زوجها كله، ولو سألها نفسَها على ظهر قَتَبٍ لأعطته إيَّاه» (٣). وهذا متفق عليه بين الفقهاء: أن له أن يستمتع بها متى ما شاء ما لم يضرّ

стр. 280

بها أو يشغَلْها عن فرض، فعليها أن تُمكِّنه. كذلك ولا تخرج من منزله إلا بإذنه أو إذن الشارع، فإنها عانية عنده، والعاني: الأسير. وينبغي له إذا استأذنته أن تخرج إلى الصلاة أن لا يمنعها إذا لم يكن فيه مفسدة. قال النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ» (١). وكذلك لا يمنعها عيادة (٢) مرضى أهلها وتعزيتهم. وهل له حق في بدنها من الخدمة، مثل الفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك؟ اختلف الفقهاء فيه، فقيل: يجب عليها، وقيل: لا يجب، وقيل: يجب الخفيف منه، كالذي اقتضاه العُرف، وهو يختلف باختلاف عادات الناس. * * * *

стр. 281

فصل (١)

стр. 282

وأما الحكم في (١) الأموال؛ فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله، مثل قَسْم المواريث بين الورثة على ما جاء به الكتاب والسنة. (٢) قال النبي ﷺ : «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقه، ولا وصية لوارث» (٣) ولما ذكر الله الفرائض ــ فرائض عمود النسب من الأصول والفروع وفرائض الأطراف من الزوجين والكلالة ــ قال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].

стр. 283

فيُمْنَع المريض أن يخص بعضَ الورثة بعطيَّة أو وصية، أو يحتال على ذلك، أو يَشهدوا على إقرار قد [أ/ق ٧٠] لُقِّنوه أو عَرَفوا بطلانه، ولذلك تورَّث النساء والصِّغار بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، وما قد عاد إليه كثير من الأعراب، ويسوَّى بين من سوَّى الله بينه وبين ولد الحرَّة والأمة. وقد تنازع الصحابة ومن بعدهم في بعض مسائل الفرائض، كالجد مع الإخوة والمشرَّكة والعمريتين وغير ذلك. وكذلك العلم بالعدل [في] (١) المعاملات؛ من البِياعات (٢) والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا، ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض، فإنَّ العدلَ فيها هو قِوام العالمين لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به. فمن العدل فيها ما هو ظاهرٌ يعرفه كلُّ أحد بعقله، وهو من المعروف الذي قال الله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع، وتحريم تطفيف المكاييل والموازين، ووجوب الصِّدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد (٣). ومنها ما هو خفيٌّ على العقول حتى جاءت به الشرائع وشريعتنا أهل الإسلام، فإن جمهور ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات تعود إلى

стр. 284

تحقيق العدل والنهي عن الظلم دِقِّه وجلِّه، مثل أكل المال بالباطل الذي حرَّمه القرآن، وذَكَر جِنْسَيه: الربا والميسر، ومثل أنواع الربا (١) والميسر التي نهى عنها النبي ﷺ ؛ مثل بيع الغَرَر، وبيع حَبَل الحَبَلة، وبيع الطير في الهواء، والسَّمك في الماء، والبيع إلى أجل غير مسمى، وبيع المصرَّاة، وبيع المدلَّس، وبيع الملامسة، والمنابذة، والمزابنة، والمحاقلة، والنَّجَش، وبيع الثَّمَر قبل بُدُوِّ صلاحه، وغير ذلك، وهي نحو أربعين نوعًا من البيع. وما نهى عنه من أنواع المشاركات الفاسدة؛ كالمخابرة بزرع بقعة من الأرض، ومن ذلك ما قد تنازع فيه المسلمون لخفائه (٢) أو اشتباهه. وقد يرى أحدُهما أنَّ العقد والقَبْض عدلٌ لا جورَ فيه، فيكون صحيحًا، وإن كان الآخر يظن أنه مشتمل على جَور يكون به فاسدًا. وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. والأصل في هذا: أنه لا يُحَرَّم على الناس في المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دلَّ الكتابُ والسنةُ على تحريمه، كما لا يُشْرَع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دلَّ الكتاب أو السنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حَرَّمه الله، بخلاف الذين ذمَّهم الله، حيث حرَّموا من دون الله ما لم يحرمه وأشركوا بالله ما لم ينزلِّ به سلطانًا، وشرعوا من الدين

стр. 285

ما لم يأذن به الله. اللهم فوفّقنا لأن نجل الحلال ما حللته، والحرام ما حرَّمته، والدين ما شَرَعْته. وعلى ولي الأمر أن يتقدم بالنهي عن المعاملات المحرَّمة وعقوبة فاعليها مثل الغِش، فقد روى مسلم في «صحيحه» (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ على صُبْرة طعام فأدخل يدَه فيها فنالت (٢) أصابعه [أ/ق ٧١] بللًا فقال: «ما هذا يا صاحبَ الطعام؟!» قال: أصابته السماءُ يا رسول الله، قال: «أفلا جعلتَه فوقَ الطعام حتى يراه الناسُ، من غشَّ فليسَ منِّي» وفي رواية (٣): «من غَشَّنا فليسَ مِنَّا». والغِشُّ: اسم جامع لكل من أظهر من المبيع خلافَ باطنه، مثل الذين يحسِّنون ظاهر الأطعمة من الثمار والحبوب ونحوها، ويجعلون الرديء في باطنها، ويفعلون مثل ذلك في الحيوان؛ كتصرية الإبل والغنم، وهو أن يجمع اللبن في ضرعها يومين أو ثلاثة ثم يبيعها، فيظن المشتري أنها تحلب كلَّ يوم بقدر ما في الضرع، قال النبي ﷺ : «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعدُ فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر» أخرجاه في «الصحيحين» (٤). ومثال ذلك: تحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها وتجعيده.
следующие страницы →