← Сияса и кади

Сияса и кади · id 305

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (307 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة ﵃ قتله، قال بعضهم (١): لأجل الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض، لكنَّ جمهور هؤلاء يرون قتله حدًّا (٢). وكذلك أبو حنيفة يُعَزِّر بالقتل فيما تكرر من الجرائم، إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يُقْتل من تكرر منه التلوُّط، أو اغتيال النفوس لأخذ (٣) المال، ونحو ذلك. وقد يُستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يُقتل بما رواه مسلم في «صحيحه» (٤) عن عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أتاكم وأمرُكم على رجلٍ واحدٍ يريد أن يشقَّ عصاكم ويُفرِّق جماعتكم [أ/ق ٤٧] فاقتلوه». وفي رواية: «ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن

стр. 212

يفرِّق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان» (١). وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة؛ بدليل ما رواه أحمد في «المسند» عن ديلم الحِمْيَري قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا بأرضٍ نعالج بها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من القمح نتقوَّى به على أعمالنا وعلى بَرْد بلادنا، فقال: «هل يُسْكِر؟» قلت: نعم، قال: «فاجتنبوه»، قلت: إن الناس غير تاركيه، قال: «فإن لم يتركوه فاقتلوهم» (٢). وهذا لأن المُفسد كالصائل، فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قُتِل. وجِماع ذلك أن العقوبة نوعان: أحدهما: على ذنب ماضٍ جزاء بما كسب نكالًا من الله؛ كجلد الشارب والقاذف (٣)، وقطع المحارب والسارق، وكذلك تعزير من سرق دون النصاب من غير حرز، وتعزير الخائن ومُزَوِّر الشهادة والعلامة ونحو ذلك (٤). والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب أو ترك محرم في المستقبل، كما يُستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب وإلا قُتِل، وكما يُعاقَب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤديها، فالتعزير في هذا الضرب أمْثَل (٥) منه

стр. 213

في الضرب الأول؛ ولهذا يجوز أن يُضرَب هذا مرةً بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة عليه (١). والحديث الذي في «الصحيحين» (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يُجلَد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» قد فسَّره طائفةٌ من أهل العلم بأن المراد بـ «حدود الله» بما حُرِّم لحق الله، فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يُراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ويقال في الثاني: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأما تسمية العقوبة المُقَدَّرة (٣) حدًّا فهو عُرفٌ حادث (٤). ومراد الحديث: أن من ضرب لحقِّ (٥) نفسه، كضَرْبِ الرجل امرأتَه في النشوز لا يزيدُ على عشر جلدات (٦).

стр. 214

فصل والجلد الذي جاءت به الشريعة: هو الجلد المعتدل بالسوط (١)، فإن خيار الأمور أوسطها، قال علي ﵁: ضَربٌ بين ضَرْبَين، وسَوطٌ بين سَوطَين (٢). ولا يكون الجلد بالعِصي ولا المقارع، ولا يُكْتفى فيه بالدِّرَّة، بل (٣) الدِّرَّة تُستعمل في التعزير. أما الحدود فلابد فيها من الجلد بالسوط، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يؤدِّب بالدِّرَّة فإذا جاءت الحدود دعا بالسوط. ولا تجرَّد ثيابه كلها، بل يُنزع عنه ما يمنع ألم الضرب من الحشايا والفراء ونحو ذلك، ولا يُربط إذا لم يحتج إلى ذلك، ولا يضرب وجهُه، فإن النبي ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه» (٤). ولا يضرب مَقاتِلَه فإن المقصود تأديُبه لا قتلُه. ويُعطَى كلُّ عضوٍ حقَّه (٥) من الضرب؛ كالظهر

стр. 215

والأكتاف والفخذين ونحو ذلك. فصل العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما: عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد، كما تقدم. والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة [أ/ق ٤٩] كالتي لا يُقدَر عليها إلا بقتال. فأصل هذا هو جهاد الكفار أعداء دين الله (١) ورسوله، فكلّ مَن بلَغَتْه (٢) دعوة رسول الله ﷺ إلى دين الله الذي بعثه به، فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله، حتى لا تكون فتنة ويكون (٣) الدين كله لله. وكان الله ــ لما بعث نبيه ﷺ وأمره بدعوة الخلق إلى دينه ــ لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة فأذن له وللمسلمين بقوله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١]. ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله : ﴿كُتِبَ

стр. 216

عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ووكَّد الإيجابَ وعظَّم أمرَ الجهاد في عامة السور المدنية، وذمَّ التاركين له ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب، فقال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقال : ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا﴾ [محمد: ٢٠ - ٢١]، وهذا كثير في القرآن. وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله كقوله (١): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]، وكقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ

стр. 217

وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢]، وقوله: ﴿آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ (١)﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]. فذكر ما يولده عن (٢) أعمالهم وما يباشرونه من الأعمال. والأمرُ (٣) بالجهاد وذِكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تُحْصر؛ ولهذا كان أفضلَ ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحجِّ والعمرة، ومن الصلاة التطوع والصوم التطوع، كما دل عليه الكتاب والسنة، حتى قال النبي ﷺ : «رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذِروةُ سنامه الجهاد» (٤).

стр. 218

وقال ﷺ : «إنّ في الجنة لمئةِ درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدّها الله للمجاهدين في سبيله» متفق عليه (١). وقال ﷺ : «مَن اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النار» رواه البخاري (٢). وقال: «رباطُ يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجْري عليه رِزقُه، وأمِنَ الفتَّان» رواه مسلم (٣). وفي «السنن»: «رِباطُ يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (٤). وقال ﷺ : «عينانِ لا تمسهما النار: عينٌ بكَت مِن خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله» (٥). قال الترمذي: حديث حسن. وفي «مسند أحمد» (٦): «حرَس ليلةٍ في سبيل الله أفضلُ من ألف ليلة يُقام

стр. 219

ليلُها ويُصام نهارُها». وفي «الصحيحين» (١): أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل الله، قال: «لا تستطيعه»، قال: فأخْبِرني به، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر وتقوم لا تفتر؟ » قال: لا، [قال]: «فذلك الذي يعدل (٢) الجهاد». وفي «السنن»: أنه قال: «إن لكلِّ أمة سياحة وسياحةُ أمتي الجهاد في سبيل الله» (٣). وهذا الباب واسعٌ لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإن نَفْع الجهاد عامٌ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ويشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه يشتمل على ما يحبه (٤) الله ، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال

стр. 220

له، والصبر والزهد، وذِكر الله ، وسائر أنواع الأعمال= على ما لا يشتمل عليه عمل آخر. والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا، إما النصر والظَّفَر، وإما الشهادة والجنة. ثم إن الخلق لابد لهم من محيا وممات، ففيه يستعمل محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما، فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين والدنيا مع قلة منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما (١) من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت [أ/ق ٥١] فموت الشهيد أيسر من كل مِيْتة، وهي أفضل الميتات (٢). وإذا كان أصلُ القتال المشروع ــ وهو الجهاد ــ ومقصودُه: هو أن يكون الدينُ كلُّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمَن منع هذا قُوتِل باتفاق المسلمين. وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة؛ كالنساء والصبيان، والراهب والشيخ الكبير، والأعمى والزَّمِن ونحوهم؛ فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يُقاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع بمجرَّد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالًا للمسلمين، والأول (٣) هو الصواب، فإن (٤) القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال

стр. 221

سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وفي «السنن» (١) عنه ﷺ أنه مَرَّ على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل»، وقال لأحدهم: «الْحَق خالدًا فقل له: لا تقتلوا ذريةً ولا عسيفًا» يعني أجيرًا (٢). وفيها عنه ﷺ أنه كان يقول: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا (٣)، ولا امرأة» (٤). وذلك أن الله تعالى أباح مِن قَتْل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال : ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: أن القتل وإن كان فيه شرٌّ وفساد، ففي فتنة الكفار من الشرِّ والفساد ما هو أكبر منه.

стр. 222

فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله، لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه (١)، ولهذا قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يُعاقَب بما لا يُعاقَب به الساكت. وجاء في الحديث: «إن الخطيئة إذا أُخفيت (٢) لم تضرَّ إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تُنكر ضرَّت العامة» (٣). ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قَتْل المقدور عليه (٤) منهم، بل إذا أُسِر الرجلُ [منهم] (٥) في القتال أو غير القتال، مثل أن تُلقيه السفينةُ إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل به (٦) الإمامُ الأصلح؛ من قتله، أو استعباده، أو المنِّ عليه، أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة. وإن كان من الفقهاء مَن يرى المنَّ عليه ومفاداته منسوخًا. فأما أهل الكتاب والمجوس فيُقاتَلون حتى يسلموا أو يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. ومن سواهم؛ فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم، إلا أن عامَّتهم لا يأخذونها من العرب. وأيُّما طائفة ممتنعة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت من بعض شرائعه

стр. 223

الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب جهادُها باتفاق المسلمين، حتى يكون الدين كلُّه لله، كما قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وقد كان قد توقف في قتالهم بعضُ الصحابة ثم اتفقوا، حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵄: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أُمِرتُ أن أقاتل الناس [أ/ق ٥٢] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله»؟ فقال له أبو بكر ﵁: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر (١): فما هو إلا أن رأيتُ قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعلمتُ أنه الحق (٢). وقد ثبت عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج، وفي «الصحيحين» (٣) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان حِداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة». وفي رواية لمسلم (٤) عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 224

يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم (١) بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبونه أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوزُ صلاتُهم (٢) تراقِيَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّة، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضِي لهم على لسان نبيهم، لنكلوا عن العمل». وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذا الحديث: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» متفق عليه (٣). وفي رواية لمسلم (٤): «تكون أمتي فرقتين، فتخرج من بينهما مارِقةٌ تلي قتلَهم أولاهما بالحق». فهؤلاء الذين قتلهم أمير المؤمنين علي ﵁ لما خرجت (٥) الفُرقة بين أهل العراق والشام، وكانوا يسمون: الحرورية= بيَّن النبي ﷺ أن كلا الطائفتين المفترقتين من أمته، وأن أصحاب علي أولى بالحق، ولم يحرِّض إلا على قتال أولئك المارقين (٦) الذين خرجوا من الإسلام، وفارقوا الجماعة، واستحلّوا دماءَ مَن سواهم من المسلمين وأموالهم. وثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يُقاتَل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين.

стр. 225

وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، لو تركت السنة الراتبة كركعتي الفجر هل يجوز قتالها؟ على قولين. فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة المستفيضة، فيُقاتَل عليها بالاتفاق، حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات (١)، ويؤدوا الزكاة، ويصوموا شهر رمضان، ويحجوا البيت، ويلتزموا ترك المحرمات؛ من نكاح المحرمات (٢)، وأكل الخبائث، والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال، ونحو ذلك. وقتال هؤلاء واجب ابتداءً بعد بلوغ دعوة النبي [أ/ق ٥٣] ﷺ إليهم بما يُقاتَلون عليه، فأما إذا بدؤوا المسلمين فيتأكد قتالهم، كما ذكرناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطريق وأبلغ (٣). الجهاد (٤) الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع، كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم= يجب ابتداءً ودفعًا؛ فإذا كان ابتداء فهو فرض على الكفاية إذا قام به من يكفيه سقط الفرض عن الباقين، وكان الفضل لمن قام به، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥) [النساء: ٩٥].

стр. 226

فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين، فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وكما أمر النبي ﷺ بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن. وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، كما كان المسلمون (١) لما قَصَدَهم العدوُّ عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحدٍ، كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذمَّ الذين يستأذون النبي ﷺ : ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]. فهذا دَفْعٌ عن الدين والحُرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه لإرهاب (٢) العدوّ، كغزاة تبوك ونحوها، فهذا النوع من العقوبة هو للطوائف (٣) الممتنعة. فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم، فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس، وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في المعاملات وغير ذلك. فمن كان لا يصلي من جميع الناس: رجالهم ونسائهم، فإنه يؤمر

стр. 227

بالصلاة، فإن امتنع عُوقِب حتى يصلي بإجماع العلماء. وأكثرهم (١) يوجبون قتله إذا لم يصل، فيُستتاب فإن صلى وإلا قُتِل. وهل يُقتل كافرًا أو مرتدًا أو فاسقًا؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره، والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره، وهذا مع الإقرار بالوجوب، فأما من جَحَدَ (٢) الوجوب فهو كافر بالاتفاق. بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضربوه عليها لعشر، كما أمر النبي ﷺ قال: «مُروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على (٣) تركها لعشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (٤). وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارة الواجبة ونحوها.

стр. 228

ومن تمام ذلك: تعاهُد مساجد المسلمين وأئمتهم، وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاةَ رسول الله ﷺ حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري (١). وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر فقال: «إنما فعلت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي» (٢). وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم، فلا يُفَوِّتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم، بل على إمام الصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة، ولا يقتصر على ما يجوز لمنفردٍ [أ/ق ٥٤] الاقتصارُ (٣) عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر. وكذلك على إمامهم في الحج، وكذلك أميرهم في الحرب. ألا ترى أن الوكيل والوليَّ في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله، وهو في مالِ نفسِه يفوِّت نفسَه ما شاء، فأمرُ الدين أهمّ، وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى. ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس؛ صلح للطائفتين دينُهم ودنياهم، وإلا اضطربت الأمور عليهم. ومِلاك ذلك كله: حسن النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه. فإن الإخلاصَ والتوكلَ جِماعُ (٤) صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ

стр. 229

نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما (١) تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء. وقد روي أن النبي ﷺ كان مرةً في بعض مغازيه فقال: «يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين» فجعلت الرؤوس تندر (٢) عن كواهلها (٣). وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (٤) [هود: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. وكان النبي ﷺ إذا ذبح أضحيته يقول: «اللهم منك ولك» (٥).

стр. 230

وأعظمُ عونٍ لولي الأمر خاصة ولغيره عامة ثلاثة أمور: أحدها: الإخلاص (١) لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره، وأصلُ ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن. والثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة. والثالث: الصبر على أذى (٢) الخلق وغيره من النوائب؛ ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرًا، كقوله في موضعَين: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥، ١٥٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٤ - ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وكذلك في سورة ق: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، وقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨]. وأما قِرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدًّا، فالقيام (٣) بالصلاة

стр. 231

والزكاة والصبر يُصْلِح حالَ الراعي والرعية، إذا عرف الإنسانُ ما دخل (١) في هذه الأسماء الجامعة، مثلما يدخل في اسم (٢) الصلاة؛ من ذكر الله تعالى، ودعائه، وتلاوة كتابه، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه. وفي الزكاة؛ الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع، من نصر المظلوم، وإغاثة (٣) الملهوف، وقضاء حاجة المحتاج. ففي «الصحيحين» (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: «كلُّ معروفٍ صدقة». ويدخل فيه كل إحسان ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة، ففي «الصحيحين» (٥) عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربُّه ليس بينه وبينَه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا شيئًا قدَّمَه، وينظر أشأم [أ/ق ٥٥] منه فلا يرى إلا شيئًا قدَّمَه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشقِّ تمرة فليفعل، فإن لم يستطع (٦) فبكلمة طيبة». وفي «السنن» قال ﷺ : «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك

стр. 232

ووجهك إليه مُنْبَسط، ولو أن تُفْرغ من دلوك في إناء المُسْتسقي (١)» (٢). وقال (٣) ﷺ : «إن أثقل (٤) ما يوضع في الميزان الخُلُق الحَسَن» (٥). ورُوي عنه أنه قال [لأم] (٦) سلمة: «يا أم سلمة ذهبَ حُسْن الخلق بخير الدنيا والآخرة» (٧). وفي الصبر: احتمال الأذى، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، ومخالفة

стр. 233

الهوى، وترك الأشَرِ والبَطَر، فإنَّ الصبرَ على السرَّاء أشد من الصبر على الضرَّاء (١)، كما قال : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١]، وقال لنبيه (٢) ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. قال الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد من بطنان العرش، ألا ليقم من وقع (٣) أجره على الله، ولا يقوم إلا من عفا وأصلح (٤).

стр. 234

وليس حُسْن النية للرعية والإحسان إليهم أن يفعلَ ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: ﴿(٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، وقال تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]. وإنما الإحسان إليهم فِعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي «الصحيح» (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه». وقال: «إن الله رفيق يحبُّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» (٢). وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: والله إني أريد أن أخرج لهم المُرَّةَ من الحق فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوةُ من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه (٣). وهكذا كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة لم يردّه ــ وكان محتاجًا ــ إلا بها أو بميسورٍ من القول (٤).

стр. 235

وسأله مرةً بعضُ أقاربه أن يوليه على الصدقات ويرزقه منها فقال: «إن الصدقة لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد» (١). فمنعهم إياها وعوَّضهم من الفيء. وتحاكم إليه عليٌّ وزيدٌ وجعفر [أ/ق ٥٦]﵃ في ابنة حمزة، فلم يقض بها لواحد منهم ولكن قضى بها (٢) لخالتها، ثم إنه طيَّب قلبَ كلِّ واحد منهم بكلمة حسنة، فقال لعلي: «أنت منِّي وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهتَ خَلقي وخُلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (٣). فهكذا ينبغي لوليِّ الأمر في قَسْمِه وحكمه، فإن الناس دائمًا (٤) يسألون وليَّ الأمر ما لا يصلح بَذْله من الولايات، والأموال (٥)، والمنافع، والجور، والشافعة في الحدود، وغير ذلك؛ فيعوِّضهم من جهةٍ أخرى إن أمكن، أو يردهم بميسورٍ من القول ما لم يحتج إلى الإغلاظ، فإنَّ ردَّ السائل يؤلمُه، خصوصًا من يُحتاج إلى تأليفه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا

стр. 236

تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ (١) [الإسراء: ٢٦ - ٢٨]. وإذا حكم على شخص (٢) فإنه قد يتأذَّى، فإذا طيَّب نفسَه بما يصلح من القولِ والعمل؛ كان ذلك تمامَ (٣) السياسة، وهو نظيرُ ما يعطيه الطبيبُ للمريض من الطِّيْب (٤) الذي يُسَوِّغ الدواءَ الكريه، وقد قال الله تعالى لموسى ﷺ لما أرسله إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وقال النبي ﷺ لمعاذٍ وأبي موسى ــ لما بعثهما إلى اليمن ــ: «يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتَطاوعا ولا تختلفا» (٥). وبال مرةً أعرابيٌّ في المسجد فقام أصحابه إليه، فقال: «لا تُزْرِمُوه» أي لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بدلو من ماء فصُبَّ عليه، وقال: «إنما بُعِثتم مُيَسِّرين ولم تُبعَثوا مُعَسِّرين» (٦). والحديثان في «الصحيحين».

стр. 237

وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته، فإنَّ النفوس لا تقبل (١) الحقَّ إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة، ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؟ حتى لو اضطر إلى الميتة وجبَ عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات لا تؤدَّى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولهذا كانت نفقةُ الإنسان على نفسه وأهله مقدَّمة على غيره ، ففي «السنن» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تصدقوا»، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: «تصدق به على نفسك»، قال: عندي آخر: قال: «تصدق به على زوجتك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على ولدك» (٢)، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على خادمك»، قال: عندي آخر، قال: «أنت أبصر به» (٣). وفي «صحيح مسلم» (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله

стр. 238

- ﷺ : «دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفقتَه في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمُها أجرًا الذي أنفقته على أهلك». وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «يا ابن آدم إنك إن تُنفقِ الفضلَ خيرٌ لك، وإن تمسكه شرّ لك، ولا تلام على كَفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العُليا خير من اليد السفلى». وهذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا [أ/ ق ٥٧] يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: الفضل، وذلك لأن نفقةَ الرجل على نفسه وأهله فرضُ عين، بخلاف النفقة في الغزو وفي (٢) المساكين، فإنه في الأصل إما فرضٌ على الكفاية، وإما مستحبٌّ. وإن كان قد يصير مُتعينًا إذا لم يقم غيره به (٣)، فإن إطعام الجائع واجب، ولهذا جاء في الحديث: «لو صَدَق السائلُ لما أفلحَ من ردَّه» (٤) ذكره الإمام أحمد، وذكر أنه إذا عُلِم صدقه وجبَ إطعامُه (٥).

стр. 239

وقد روى أبو حاتم البُستي (١) في «صحيحه» (٢) حديث أبي ذر (٣) عن النبي ﷺ الحديث الطويل الذي فيه أنواع من العلم والحكمة، وفيه: «أنه كان في حكمة آل (٤) داود: حقٌّ على العاقل أن تكون [له أربع] (٥) ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه، ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته (٦) فيما

стр. 240

يَحِل ويَجْمُل، فإنَّ (١) في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وينبغي للعاقل أن يكون عارفًا بزمانه، حافظًا للسانه، مقبلًا على شأنه» (٢). فبيَّن أنه لابدَّ من اللذات المباحة الجميلة، فإنها تُعِين على تلك الأمور. ولهذا ذكر الفقهاء أن العدالة هي: الصلاح في الدين، والمروءة. وفسَّروا المروءة باستعمال ما يجمِّله ويزيِّنه، وتجنب ما يُدَنِّسه ويُشِينُه (٣). وكان أبو الدرداء يقول: إني لأستجمُّ نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق (٤). والله إنما خلق الشهوات في الأصل واللذات لتمام مصلحة الخلق، فإنه بذلك (٥) يجتلبون ما ينفعهم، كما خلق الغضب ليدفعون به ما يضرهم. وحرَّم منها (٦) ما يضر تناوله، وذمَّ من اقتصر عليها، واشتغل بها عن مصلحة دينه، ومن أسرف فيها في النوع أو القَدْر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقال: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ

стр. 241

كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧]. حتى حَجَرَت الشريعة عند الجمهور على المبذِّر الذي يصرف المال فيما لا ينفعه. وذمَّ (١) أيضًا من ترك ما يحتاج إليه منها، حتى قال تعالى: ﴿(٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٧]. وفي «الصحيحين» (٢) عن النبي ﷺ أنه لما بلغه عن أصحابه أنه قال بعضهم: أمَّا أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال النبي ﷺ : «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني». ونهى أمَّته عن الوِصال في الصيام، وقال: «من صامَ الدَّهرَ فلا صام ولا أفطر» (٣). وقال: «أفضلُ الصيامِ صيامُ داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفِرُّ إذا لاقى» (٤). وذمَّ الرهبانية التي في ترك النساء واللحم، كما يقوله الجهال في مدح بعض الناس: ما نكح ولا ذبح (٥). فإن مَدْح مثل هذا من الرهبانية التي

стр. 242

ابتدعها النصارى ليست من دين الإسلام، بل قال النبي ﷺ : «إن لكلِّ أمةٍ رهبانية ورهبانية أمتي [أ/ق ٥٨] الجهاد في سبيل الله» (١) (٢). وجعل من استعان بالمباح الجميل على الحق من (٣) الأعمال الصالحة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «في بُضْع أحدكم صدقة»، قالوا: أيأتي أحَدُنا شهوتَه ويكون له أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أما كان يكون عليه وِزْر؟ » قالوا: بلى، وقال: «فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال» (٤). وروى أحمد في «مسنده» وابن خزيمة في «صحيحه» عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن الله يحبُّ أن تُؤتى رُخَصُه كما يكره أن تُؤتى معصيته» (٥) (٦).

стр. 243

وفي «الصحيحين» (١) عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال له: «إنك لم تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله، إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في (٢) في امرأتك». والنصوص (٣) في هذا كثيرة، فالمؤمن إذا كانت له نية أثيب على عامة (٤) أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعمالِه لصلاح قلبه ونيته، والمنافقُ لفسادِ قلبه ونيته يُعاقَب على ما يُظهره من صُوَر العبادات رياءً (٥)، فإن في (٦) «الصحيحين» (٧) عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إنّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب». فصل وكما أن العقوبات شُرِعَت داعيةً إلى فعل الواجبات (٨)، وترك المحرمات، فقد شُرِع أيضًا كلُّ ما يعين على ذلك، فينبغي تيسير طريق الخير

стр. 244

والطاعة، والإعانة عليه والترغيب فيه (١) بكل ممكن، مثل أن يبذل لولده أو أهله أو رعيته ما يُرَغِّبهم في العمل الصالح من مال أو ثناء أو غيره. فإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بشيرًا ونذيرًا، وكان يؤلف الناس بالنفع والمال على الإسلام وشرائعه، ويثني على من أحسن فيه، كما أثنى على غير واحد من أصحابه، ويدعو أيضًا لمن أتى بما يستحق الدعاء، كما قال الله تعالى له: ﴿(١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ولهذا قال الفقهاء: ينبغي للإمام إذا قبض الصدقة أن يدعو لمن أعطاها، مثل أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا (٢). وكذلك أيضًا ذكر فضائل الأعمال الصالحة وثوابها ومنفعتها في الدنيا والآخرة، فإن الكتاب والسنة مملوءة من ذلك، وهذا أنفع في الحقيقة لمن استجاب له (٣) من الرهبة بالعقوبة الدنيوية فقط، وإنما (٤) يُصار إلى العقوبة الدنيوية إذا ظلمَ الخلقُ بالنكولِ عن هذه الطريقة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].

стр. 245

ولأجل الرغبة في مصالح الدين (١) شُرِعت المسابقة بالخيل والإبل، والمناضلة بالسهام، وأخذ السَّبَق فيها (٢)؛ لما فيه من الترغيب في إعداد القوة، ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله تعالى، حتى قال (٣) النبي ﷺ فيما رواه أهل السنن: «لا سبَق إلا في خفٍّ أو حافرٍ أو نصلٍ» (٤)، وكان النبي ﷺ يسبِّق بين الخيل (٥) هو وخلفاؤه الراشدون، ويخرجون الأسباق من بيت المال للسابقين، وكذلك إعطاء المؤلفة قلوبهم. وقد رُوي: «أنَّ الرجلَ كان يُسلِم أول النهار رغبة [أ/ق ٥٩] في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس» (٦). وكذلك شَرَع في الشرِّ والمعصية حَسْمَ مادته (٧)، وسدَّ ذريعته، ودفعَ ما يفضي إليه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، مثل (٨) ما نهى عنه النبي ﷺ

стр. 246

فقال: «لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ فإن ثالثهما الشيطان» (١). وقال: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها زوج أو ذو محرم» (٢). فنهى عن الخلوة بالأجنبية والسفر بها؛ لأنه ذريعة إلى الشر. ورُوي عن الشعبي أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلَسَه خلفَ ظهره، وقال: «إنما كانت خطيئة داود النظر» (٣). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يعسُّ (٤) بالمدينة فسمع امرأةً تغنِّي (٥) بأبيات وتقول فيها: هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربُها ... أم من سبيلٍ إلى نصر بن حجاج ففتش عليه (٦) فوجده شابًّا حسنًا، فحلق رأسَه فازداد جمالًا، فنفاه إلى

стр. 247

البصرة لئلا يَفْتِن النساء (١). ورُوي عنه: أنه بلغه أن رجلًا يجلس إليه الصبيان فنهى عن مجالسته. وهذا لأن النبي ﷺ نفى المخنث الذي كان يدخل على أزواجه (٢)، وأمر بنفي المخنثين من المدينة (٣)، وأذن أن يدخلوا يوم الجمعة ليسألوا الناس عما يبتاعون (٤) به، ونص على اتباع هذه السنة الفقهاء كالشافعي وأحمد (٥)، وقالوا: ثبت عن النبي ﷺ نَفْي الزاني ونَفْي المُخَنَّث، مع أنه ﷺ لعن المخنثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء، والمتشبهين من الرجال

стр. 248

بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، [وجلّ] (١) هذه الأحاديث في الصحيح. فلم يكتف باللعنة حتى نفاه؛ لأن فيه مضرة على النساء وعلى الرجال (٢). فإذا كان من الصبيان من تخاف (٣) فتنته على الرجال أو النساء، مُنِعَ وليُّه من إظهاره لغير حاجة، أو تحسينه (٤) لاسيما تبريجه (٥) وتجريده في الحمامات، وإحضاره مجالس اللهو والأغاني، فإن هذا مما ينبغي التعزيرُ عليه. وكذلك من ظهر منه الفجور يُمْنَع من تملُّك الغلمان المُرْدان الصِّباح (٦)، ويُفرَّق بينهما وإن لم يُقر أو يعمد (٧) فيه بفجوره، فإن ما كان مقصوده إلى دفع المنكر لا عقوبة فاعله فيُكتفى فيه بالدلالة، حتى اتفق (٨)

стр. 249

الفقهاء على أنه لو شهد شاهد به عند الحاكم، وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة في الشهادة، فإنه لا يجوز قبول شهادته، بل يجرحه الجارح عند الحاكم بذلك بناءً على الاستفاضة وإن لم يره، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال: «وجبت وجبت»، ومُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًّا فقال: «وجبت وجبت» (١)، فسألوه عن ذلك فقال: «هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (٢). مع أنه كان في زمانه امرأة تفعل (٣) الفجور، فقال: «لو كنتُ راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتُ هذه». هكذا في الحديث الصحيح (٤). فبين أن الحدود لا تُقام إلا بالبينة. وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك، فتكون [بـ]ـالمظنة، كما قال النبي ﷺ : «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْرٍ (٥) على أخيه [أ/ق ٦٠] ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» (٦). وعنه أنه

стр. 250

قال: «لا تجوز شهادة ظنين ــ أي متهم ــ في ولاء أو قرابة» (١) (٢). والاستفاضة (٣) كافية في ذلك وما هو دون الاستفاضة، حتى إنه يُستدل على الرجل بأقرانه، كما قال ابن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم (٤). وذلك لأن النبي ﷺ قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدُكم من يُخالِل» (٥). فإن المقصود من (٦) هذا دفع شره، مثل الاحتراز من العدو. وقد قال عمر
следующие страницы →