Полный текст (307 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
(٦٦١ - ٧٢٨ هـ)
تحقيق
علي بن محمد العمران
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
راجع هذا الجزء
سليمان بن عبد الله العمير
جديع بن محمد الجديع
стр. 3
مقدمة الطبعة الثالثة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذه هي الطبعة الثالثة من الطبعة الكاملة لكتاب السياسة الشرعية نعيدها بعد مضي عشر سنوات على طبعته الأولى. وهي تمتاز بأمور:
١ - مقابلتها على أقدم نسخة للكتاب عُرفت حيث نسخت سنة ٧٠٥ قبل سفر الشيخ إلى مصر، ومن أهم ما صححتْه هذه النسخةُ ما كنتُ ذكرتُه في مقدمة الطبعة الأولى أن الشيخ ألف الكتاب سنة ٧٠٩، لكن تاريخ هذه النسخة يقطع بخلاف ذلك. كما سيأتي في موضعه. أما من حيث النص فهي تنتمي إلى النسخ المختصرة للكتاب ونصها جيد في الجملة مع أخطاء وتصحيفات ليست بالكثيرة. وقد أفادني بها الأخ الفاضل مصعب اللهو.
٢ - تصحيحات متعددة في الكتاب في مقدمته ومتنه وحواشيه، وصلت تلك الملاحظات من عدد من الأفاضل، وكان أول من تسلمتُها منه د. طه أبو النجا، ثم من وحدة التدقيق والمراجعة بوزارة الأوقاف بقطر، جزى الله الجميع خيرًا.
علي بن محمد العمران
стр. 4
مقدمة التحقيق
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذه طبعة جديدة متميزة لكتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ووجه تميّزها أمور:
١ - أنها الطبعة الأولى الكاملة للكتاب؛ إذ كانت طبعات الكتاب السابقة مختصرة؛ لأنها اعتمدت على نسخٍ مختصرة أو مهذَّبة عن النسخة الأصلية الكاملة للكتاب وهي التي نخرجها اليوم ضمن سلسلة آثار شيخ الإسلام (وسيأتي الحديث بالتفصيل عن ميزات الطبعة في ص ٢٨).
٢ - أنها أول طبعة للكتاب تخرجه محققًا تحقيقًا علميًّا يليق به، نأمل أن تكون مستوفية لما تتطلبه مهمة التحقيق.
ومما ألْفِتُ النظرَ إليه بادئ ذي بدء أن الشيخ ﵀ لم يكن غرضه من تأليف هذا الكتاب أن يلمّ فيه بكل تفاصيل ما يمكن أن يدخل في موضوع «السياسة الشرعية»، ولا أن يسير على طريقة الكتب التقليدية في الفن، ككتاب الماوردي أو القاضي أبي يعلى؛ بل الشأن كما ذكر في المقدمة: أن هذه الرسالة تتضمن جوامع من السياسة الإلهية والإيالة النبوية. أي: أصول قضاياه والأمور الجامعة فيه.
وهذا هو ما اقتضاه الحال والزمان؛ فالحالُ: أن هذه الرسالة كُتبت لأحد
стр. 5
الأمراء (كما سيأتي تفصيله ص ١٩ - ٢١) إما بطلب منه أو بما تقتضيه النصيحة لولاة الأمر. والزمان: أن الشيخ ألفه في ليلة واحدة!
وبعد، فقد صار هذا الكتاب من أهم ما أُلِّف في السياسة الشرعية، وهو معدود في مضمار الكتب الأساسية في الفن إن لم يكن قد أربى عليها. قال المستشرق هنري لاوست: «إن هذا الكتاب الجليل لهو أحد الآثار الإسلامية الكبرى في القانون الدولي، وأنا من جانبي لا أتردد مطلقًا في وضعه في مستوى الأحكام السلطانية للماوردي» (١).
وسيكون حديثنا في صدر هذه الطبعة في النقاط الآتية:
- تقرير معنى السياسة الشرعية من كلام المصنف وتلميذه ابن القيم.
- اسم الكتاب.
- سبب تأليفه ولِمَن أُلِّف.
- تاريخ تأليفه.
- إثبات نسبته للمؤلف.
- ترتيب الكتاب وموضوعاته.
_________
(١) في بحث له بعنوان: النشأة العلمية عند ابن تيمية وتكوينه الفكري. منشور في كتاب «أسبوع الفقه الإسلامي ومهرجان الإمام ابن تيمية» (ص ٨٣٥). ثم نشرته مفردًا ضمن كتابي «خمس تراجم معاصرة». وهنري لاوست مستشرق فرنسي متخصص في ابن تيمية، وكانت رسالته الدكتوراه عن آراء ابن تيمية السياسية والاجتماعية، وقد طبعت في ثلاثة مجلدات. انظر «موسوعة المستشرقين» (ص ٥١٠ - ٥١١) لعبد الرحمن بدوي.
стр. 6
- ميزات هذه الطبعة.
- نشرات الكتاب.
- مخطوطات الكتاب.
- منهج التحقيق.
كتبه
علي بن محمد العمران
في مكة المكرمة حرسها الله في شعبان ١٤٢٨
стр. 7
تقرير معنى السياسة الشرعية
من كلام المصنف وتلميذه ابن القيم
للمصنف وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى كلامٌ مفيد في موضوع السياسة الشرعية مبثوث في عدد من مؤلفاتهما، ولابن القيم كتاب مفرد في الباب هو «الطرق الحكمية»، رأيتُ من الخير أن أصَدِّر الحديثَ عن الكتاب بهذا الفصل خاصة مما ليس في رسالتنا هذه.
* قال المصنف في «مجموع الفتاوى»: (٢٠/ ٣٩١ - ٣٩٣): «وهذا كما يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين وفي تصانيفهم إذا احتجَّ عليهم محتجٌّ بمن قتله النبي ﷺ أو أمر بقتله، كقَتْله اليهوديَّ الذي رضَّ رأسَ الجارية، وكإهداره لدم السابة التي سبّته وكانت معاهدة، وكأمره بقتل اللوطي ونحو ذلك. قالوا: هذا يعمله سياسة. فيقال لهم: هذه السياسة إن قلتم: هي مشروعة لنا، فهي حق وهي سياسة شرعية. وإن قلتم: ليست مشروعة لنا، فهذه مخالفة للسنة.
ثم قولُ القائل بعدُ: «هذا سياسة»؛ إما أن يريد أن الناس يُساسون بشريعة الإسلام، أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام؟ فإن قيل بالأول فذلك من الدين، وإن قيل بالثاني فهو الخطأ.
ولكن منشأ هذا الخطأ أن مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول الله ﷺ وسياسة خلفائه الراشدين. وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: «إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام نبي، وإنه لا نبي
стр. 8
بعدي وسيكون خلفاء يكثرون»، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «أوفوا بيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإنَّ الله سائلهم عما استرعاهم».
فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس، وتقلَّد لهم القضاء مَن تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيًا في السياسة العادلة= احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين، حتى صار يقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع، وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكمًا أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة.
والسبب في ذلك: أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصَّروا في معرفة السنّة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود، حتى تُسْفَك الدماء وتؤخذ الأموال وتُستباح المحرمات. والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوعٍ من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنّة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرَّى العدل، وكثير منهم يحكمون بالهوى ويحابون القويّ ومَن يرشوهم ونحو ذلك.
وكذلك كانت الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل المدينة، يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها؛ مِنْ جَعْل صاحب الحرب متبعًا لصاحب الكتاب ما لا يكون في الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل العراق ومَن اتبعهم، حيث يكون في هذه والي الحرب غير متبع لصاحب العلم. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ الآية [الحديد: ٢٥]، فقوام الدين بكتابٍ يهدي وسيفٍ ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.
стр. 9
ودين الإسلام: أن يكون السيف تابعًا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعًا لذلك كان أمر الإسلام قائمًا، وأهلُ المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك؛ أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الأمر كذلك، وأما بعدهم فهم في ذلك أرجح من غيرهم. وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير، وكان السيف تارةً يوافق الكتاب وتارةً يخالفه= كان دين مَن هو كذلك بحسب ذلك ... » اهـ الغرض من كلام شيخ الإسلام (١).
* وقال ابن القيم ﵀ في «بدائع الفوائد»: (٣/ ١٠٨٧ - ١٠٩٥): «قال ابن عقيل: جرى في جواز العمل في السلطنة الشرعية بالسياسة:
هو الحزم، فلا يخلو منه إمام.
قال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع.
قال ابن عقيل: السياسةُ ما كان فعلًا يكون معه الناسُ أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسولُ ولا نزلَ به وحيٌ. فإن أردت بقولك: «إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردت ما نطقَ به الشرعُ فغلطٌ وتغليطٌ للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمُثَل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وتحريق عليّ في الأخاديد وقال:
إني إذا شاهدتُ أمرًا منكرًا ... أججتُ ناري ودعوت قَنبرا
_________
(١) وانظر أيضًا «مجموع الفتاوى»: (٢٨/ ٦٤٢)، و «منهاج السنة»: (٦/ ٤٨). وللمصنف رسالتان مختصرتان في الموضوع نفسه، مطبوعتان في المجموعة السابعة من «جامع المسائل».
стр. 10
ونفيُ عمر نصرَ بن حجاج.
قلت: هذا موضع مزلّة أقدام، وهو مقامٌ ضَنْك ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة فعطَّلوا الحدود وضيَّعوا الحقوق وجرَّأوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقوم بها مصالح العباد، وسدُّوا على نفوسهم طرقًا عديدة من طرق معرفة المُحقِّ من المُبْطِل، بل عطلوها مع علمهم قطعًا وعلم غيرهم بأنها أدلة حقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع.
والذي أوجب لهم ذلك نوعُ تقصير في معرفة الشريعة، فلما رأى ولاةُ الأمر ذلك، وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة= أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها أمر العالم، فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويل وفساد عريض، وتفاقم الأمرُ وتعذَّر استدراكه.
وأفرطت طائفة أخرى فسوَّغت منه ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتيَتْ من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله. فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي به قامت السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهه بأيِّ طريق كان فثمَّ شرعُ الله ودينه، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء، ونفى غيرها من الطرق التي هي مثلها أو أقوى منها، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استُخْرج بها العدل والقسط فهي من الدين.
لا يقال: «إنها مخالفة له»، فلا تقول: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها
стр. 11
سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي شرع حق. فقد حبس رسول الله ﷺ في تهمة، وعاقب في تهمة؛ لمّا ظهر أمارات الريبة على المتهم. فمن أطلق كلَّ متهم وخلى سبيله مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونقبه البيوت وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل= فقوله مخالف للسياسة الشرعية. وكذلك منع النبي ﷺ الغال من سهمه من الغنيمة، وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه كله، وكذلك أخذه شطر مال مانع الزكاة، وكذلك إضعافه الغرم على سارق ما لا يقطع فيه وعقوبته بالجلد، وكذلك إضعافه الغُرْم على كاتم الضالة. وكذلك تحريق عمر حانوت الخمار، وتحريقه قرية خمر، وتحريقه قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجَبَ فيه عن الرعية، وكذلك حلقه رأس نصر بن حجاج ونفيه، وكذلك ضربه صَبِيغًا، وكذلك مصادرته عمّاله، وكذلك إلزامه الصحابة أن يقلِّوا الحديثَ عن رسول الله؛ ليشتغل الناس بالقرآن فلا يضيعوه. إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فصارت سنةً إلى يوم القيامة وإن خالفها مَن خالفها.
ومن هذا تحريق الصديق للوطي، ومن هذا تحريق عثمان للصُّحف المخالفة للسان قريش. ومن هذا اختيار عمر للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهره؛ فلا يزال البيت الحرام مقصودًا، إلى أضعاف أضعاف ذلك من السياسات التي ساسوا بها الأمة وهي بتأويل القرآن والسنة.
وتقسيمُ الناس الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم من قسم الطريقة إلى شريعة وحقيقة، وذلك تقسيم باطل؛ فالحقيقة نوعان: حقيقة هي حقٌّ صحيح، فهي لب الشريعة لا قسيمتها، وحقيقة باطلة، فهي مضادة للشريعة كمضادة الضلال للهدى.
стр. 12
وكذلك السياسة نوعان: سياسة عادلة، فهي جزء من الشريعة وقسم من أقسامها لا قسيمتها. وسياسة باطلة، فهي مضادة للشريعة مضادة الظلم للعدل.
ونظير هذا: تقسيم بعض الناس الكلامَ في الدين إلى الشرع والعقل هو تقسيمٌ باطل؛ بل المعقول قسمان: قسم يوافق ما جاء به الرسول، فهو معقول كلامه ونصوصه لا قسيم ما جاء به. وقسم يخالفه، فذلك ليس بمعقول؛ وإنما هو خيالات وشُبَه باطلة يظن صاحبها أنها معقولات وإنما هي خيالات وشبهات.
وكذلك القياس والشرع، فالقياس الصحيح هو معقول النصوص، والقياس الباطل المخالف للنصوص مضاد للشرع.
فهذا الفصل هو فرق ما بين ورثة الأنبياء وغيرهم، وأصله مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي ﷺ بالسنّة إلى كل ما يحتاجُ إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم، وأنه لا حاجة إلى أحدٍ سواه البتة، وإنما حاجتنا إلى ما يبلغنا عنه ما جاء به. فمن لم يستقرّ هذا في قلبه لم يرسخ قدمُه في الإيمان بالرسول، بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلفين. فكما لا يخرج أحدٌ من الناس عن رسالته البتة فكذلك لا يخرج حق من العلم والعمل عما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه، وإنما يحتاج إلى غيره من قلَّ نصيبُه من معرفته وفهمه، فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته، وإلا فقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علمًا وعلَّمهم كل شيء ...
стр. 13
وبالجملة فقد جاءهم بخير الدنيا والآخرة بحذافيره، ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه. ولهذا ختم الله به ديوان النبوة، فلم يجعل بعده رسولًا لاستغناء الأمة به عمن سواه، فكيف يُظن أن شريعته الكاملة المكملة محتاجة إلى سياسة خارجة عنها، أو إلى حقيقة خارجة عنها، أو إلى قياس خارج عنها، أو إلى معقول خارج عنها؟ !
فمن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسولٍ آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وقال تعالى: ﴿(٥٦) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [يونس: ٥٧]. وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي بعشر معشار ما الناس محتاجون إليه على زعمهم الباطل؟
ويالله العجب كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين واستخراج هذه الآراء والمقاييس والأقوال؟ هل كانوا مهتدين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون أعلم منهم وأهدى منهم؟ ! هذا ما لا يظنه مَن به رمق من عقل أو حياء نعوذ بالله من الخذلان، ولكن مَن أوتي فهمًا في الكتاب وأحاديث الرسول ﷺ استغنى بهما عن غيرهما بحسب ما
стр. 14
أوتيه من الفهم، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله ذو الفضل العظيم ... » انتهى المراد من كلام ابن القيم (١).
* * * *
_________
(١) وانظر أيضًا كلام ابن القيم في «أعلام الموقعين»: (٤/ ٣٧٢ - ٣٧٨)، و «بدائع الفوائد»: (٣/ ١٠٣٥)، و «الطرق الحكمية»: (١/ ٢٩ وما بعدها).
стр. 15
اسم الكتاب
لم يسم المؤلف كتابه في مقدمته كما هي عادته في عامة كتبه، فهو لا يحفل بذلك ولا يهتم له؛ لكن جاءت تسمية الكتاب في مصادر أخرى، وتكاد هذه المصادر تتفق على أصل التسمية مع اختلاف قليل بينها، وسنذكر ما وقفنا عليه من ذلك ونختار ما نراه الأقرب.
١ - فقد جاءت تسميته بعنوان: «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» في كتاب «العقود الدرية» (١)، و «مختصر طبقات علماء الحديث» (٢)؛ كلاهما لتلميذه ابن عبد الهادي (ت ٧٤٤)، وفي جزء للذهبي في ترجمة المصنف (٣). ومثله وقع على النسخ الخطية ذوات الرموز (ف، س، ي، ز، ونسخة الأزهر ٨٧٩٣). وهكذا جاءت التسمية في «كشف الظنون» (٤) و «هدية العارفين» (٥).
وهذا العنوان هو ما اخترناه تسميةً عَلَمِيَّةً للكتاب.
٢ - وسُمِّي في «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (٦) لتلميذه ابن رُشَيِّق (٧٤٩) بـ: «السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية»، فهو كسابقه مع تغيير يسير
_________
(١) (ص ٥٢).
(٢) (ص ٢٧٥ - ضمن الجامع لسيرة ابن تيمية).
(٣) (ص ٢٤٣ - ضمن مجموع رسائل).
(٤) (ص ١٠١١).
(٥) (ص ١٠٦).
(٦) (ص ٣٠٦ - ضمن الجامع لسيرة ابن تيمية).
стр. 16
في كلمة (لإصلاح).
أما النسخ الخطية الأخرى فجاءت التسمية فيها كما يلي:
٣ - نسخة الأصل: «جوامع من السياسة الشرعية في صلاح الراعي والرعية»، وقد طُبع الكتاب أول ما طُبع في طبعته الأولى بالهند بعنوان قريب من هذا كما سيأتي. وواضح أن هذا الاسم مستفاد من قول المؤلف في المقدمة: «فهذه ... جوامع من السياسة الإلهية ... ».
٤ - نسخة (ل): «السياسة الشرعية في صلاح الراعيين والرعية». كذا بياءين على صفحة العنوان، وفي الصفحة التي تليها وهي بداية الكتاب بياء واحدة (الراعين).
٥ - نسخة (ظ): «السياسة الشرعية والقواعد النبوية في إصلاح الراعي والرعية».
٦ - أما نسخة (ب) فاقتصرت على صدر العنوان: «السياسة الشرعية». ومثله جاء عند ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩) تلميذ المصنف في «مسالك الأبصار» (١).
* * * *
_________
(١) (ص ٣١٨ - ضمن الجامع).
стр. 17
سبب تأليف الكتاب، ولِمَن أُلِّف
أما سبب تأليفه، فقد أفصح عنه المصنف في مقدمته بقوله: «فهذه رسالة تتضمن (١) جوامع من السياسة الإلهية والإيالة النبوية ... ، اقتضاها (٢) من أوجبَ الله نُصْحَه من ولاة الأمور، كما قال النبي ﷺ ــ فيما ثبت عنه من غير وجه ــ: «إن الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولَّاه الله أمركم».
فاتضح أن سبب التأليف هو طلب بعض الأمراء كتابة رسالة في هذا الخصوص بلسان المقال وهو الظاهر أو بلسان الحال.
أما مَن يكون ذلك الأمير؟ فقد جاء على صفحة العنوان من نسخة ليدن (ل) ــ الآتي وصفُها ــ بيان مَن هو الأمير المكتوبة له الرسالة، إذ فيها: «كتاب السياسة الشرعية ... علّقها ــ ﵀ ــ حين سأله الأمير قيس (كذا) المنصوري فأجابه إلى ذلك. وعلَّقها في ليلة واحدة ﵁ وأرضاه».
كذا ورد اسمه في النسخة (الأمير قيس المنصوري)! وليس من أميرٍ في عصر ابن تيمية ولا بعده يسمى (قيسًا)، وأرجِّح أن يكون الاسم محرَّفًا عن (آقُش ... ) ويكتب أيضًا: (آقوش) بإشباع الضمة، فالظاهر أن كاتب النسخة وجد الاسم هكذا (آقُش) فلم يحسن قراءته فجعله (قيس). وهو رسم قريب.
وهو: الأمير جمال الدين آقُش الرَّحَبي ــ بالراء والحاء المهملة
_________
(١) في غير الأصل: «مختصرة فيها».
(٢) أي بعثه على كتابتها وتأليفها.
стр. 18
المفتوحة والباء الموحَّدة ــ المنصوري (١).
تولى الولاية بدمشق نحوًا من إحدى عشرة سنة، من سنة تسع وسبعمائة حتى سنة تسع عشرة وسبعمائة، وكان قبلها قد باشر نيابة الكَرَك من سنة تسعين وستمائة إلى سنة تسع وسبعمائة وله بها آثار حسنة. ثم انتقل إلى شد الدواوين بالقاهرة مدة أربعة أشهر قبل وفاته. توفي سنة (٧١٩).
وكان هذا الأمير حَسَن السيرة محبوبًا عند الناس، فرح أهلُ دمشق بمقدَمه إليهم أميرًا سنة (٧٠٩)، قال ابن كثير: «وجاءت مراسيمه (أي السلطان) فقرئت على السُّدّة، وفيها الرفق بالرعايا والأمر بالإحسان إليهم، فدعوا له، وقدِم الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائبًا على دمشق، فدخلها يوم الأربعاء قبل العصر ثاني عشرين جمادى الأولى، فنزل بدار السعادة على العادة، وفرح الناس بقدومه، وأشعلوا له الشموع».
والثناء على هذا الأمير كثير، قال البرزالي: «وكان مشكور السيرة قريبًا إلى الناس، فيه تواضع وحسن خلق، وكان الناس يحبونه ولا يختارون غيره في الولاية».
وقال الصفدي: «كان مشكور السيرة، خير السريرة، سهل الانقياد، لا يزال من الخير في ازدياد، طالت مدته في ولاية دمشق وكلٌّ يحبّه ... ».
وقال ابن كثير: «وكان محبوبًا إلى العامة مدة ولايته».
_________
(١) ترجمته في «المقتفى على كتاب الروضتين»: (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١) للبرزالي، و «أعيان العصر»: (١/ ٥٧٦ - ٥٧٧) للصفدي، و «البداية والنهاية»: (١٨/ ١٩٦، ١٩٠، ١١٣)، و «الدرر الكامنة»: (١/ ٤٠٠) لابن حجر.
стр. 19
وقد كان شيخ الإسلام ﵀ كثير المكاتبة للأمراء والملوك وأصحاب الولايات، بطلبٍ منهم أحيانًا، وابتداءً أحيانًا أخرى قيامًا بواجب البيان والنصيحة.
فمن ذلك: ما سأله «بعض ولاة الأمور وفقه الله تعالى لمعالي الأمور ... = أن يبين له سبيل حكم الولاية على قواعد بناء الشرع المطَّهر بسبب تهمة وقعت في سرقة ليكتب شيئًا في ذلك ... » (١).
ومن ذلك: «كتابٌ كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الأمير شمس الدين سنقرچاه (٢) المنصوري (٣) لمّا تولى صفد المحروسة في شهر شوال من سنة أربع وسبعمئة» (٤).
وكَتبَ الشيخ رسالة إلى البحرين وملوك العرب، ورسالة إلى ملك مصر، ورسالة إلى ملك حماة، ورسالة إلى صاحب قبرص في مصالح تتعلق بالمسلمين (٥).
* * * *
_________
(١) وهذه الرسالة تسمى: «الرسالة في أحكام الولاية» وهي مطبوعة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي.
(٢) وتكتب أيضًا «سنقرشاه».
(٣) ترجمته في «أعيان العصر»: (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، و «الدرر الكامنة»: (٢/ ١٧٥).
(٤) وهذه الرسالة مطبوعة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي.
(٥) انظر «الجامع لسيرة ابن تيمية» (ص ٣١١ - مؤلفات ابن تيمية لابن رشيق).
стр. 20
تاريخ تأليفه ا
كنت قد استظهرتُ في الطبعة الأولى أن تَعْيين اسم الأمير الذي كتبت له هذه الرسالة ومتى تولى نيابة دمشق؛ يقودنا إلى تأريخ تأليف هذه الرسالة. وأنه سنة ٧٠٩، حيث وافقت سنة تولي الأمير آقش نيابة دمشق، وهي السنة التي خرج فيها شيخ الإسلام ابن تيمية من الحبس بمصر. هذا ما كان، ثم وقفت مؤخرا على نسخة جديدة من الكتاب هي أقدم نسخه، كتبت سنة ٧٠٥ بالقاهرة بخط أحد تلاميذ ابن تيمية وهو. فدل ذلك على تقدم تاريخ تأليفها وأنه قبل سنة ٧٠٩.
وهذه النسخة مؤرخة في العشر الأول من محرم سنة ٧٠٥ فيكون الشيخ قد كتبها قبل ذلك بمدة بحيث انتسخت في مصر في هذا التاريخ المبكّر، فربما كتبت سنة ٧٠٤ أو قبلها.
وقد كان كتب إليّ د. عصام يحيى أستاذ التاريخ من فرنسا بخصوص تاريخ تأليف السياسة الشرعية، وأنه استظهر من خلال المعطيات التاريخية التي ذكرها ابن تيمية أنه ألفها قبل سنة ٧٠٩ ونشر بحثا في ذلك باللغة الفرنسية، فوافقته على ذلك، وأرسلت له نسخة برنستون الجديدة التي تثبت ذلك.
* * * *
стр. 21
إثبات نسبتها للمؤلف
يمكن إثبات نسبة الكتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية بعدة أمور:
١ - نسبَه له عددٌ من تلاميذه، كابن عبد الهادي في ترجمة شيخه (١)، وفي «مختصر طبقات علماء الحديث»، وابن رُشَيِّق في «أسماء مؤلفات الشيخ»، والذهبي في جزء له في ترجمته، وابن فضل الله في «مسالك الأبصار» (٢)، وابن الوردي في «تتمة المختصر» (٣)، وغيرهم.
٢ - أن النسبة إلى مصنفها شيخ الإسلام ثابتة في جميع النسخ الخطية التي وقفنا عليها.
٣ - أن نسخة الأصل التي اعتمدناها المكتوبة سنة (٧٨٠) قد نُقلت من نسخةٍ أصلُها منقول من خط شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه كما في خاتمة ناسخها (ق ٧٨).
٤ - أن أسلوبَ المؤلف الذي درج عليه في عامة كتبه، ويعرفه مَن له خبرة بمصنفاته، ظاهرٌ في هذه الرسالة.
٥ - تطابق الكثير من المسائل والاختيارات التي في الكتاب مع ما في كتب الشيخ الأخرى، وقد أشرنا إلى ذلك في كثير من تلك المواضع.
٦ - أن المؤلف له رسالة أرسلها إلى الأمير سنقرچاه المنصوري (ت ٧٠٧)
_________
(١) «العقود الدرية» (ص ٣٥).
(٢) «الجامع» (ص ٣١٨). وسبقت الإحالة على المصادر قبله.
(٣) «الجامع» (ص ٣٣٤).
стр. 22
لما تولى إمارة صفد سنة (٧٠٤)، وهذه الرسالة أشبه ما تكون بتلخيصٍ لأفكار المؤلف في كتابه هذا في بنائها وتقسيماتها، وإن كنت أجزم بأنه ألَّفها قبل السياسة الشرعية، كما سنفصله في موضعه المناسب، وهذه الرسالة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي.
٧ - نقل العلماء من الكتاب، فقد نقل منه محمد بن محمد الموصلي (ت ٧٧٤) في كتابه «حسن السلوك الحافظ دولة الملوك» في عدة فصول منه (١)، والمرداوي في «الإنصاف»: (٧/ ٣٠٣) في توريث المولى من أسفل، وفي (١/ ٣١٨)، (٨/ ٤٣٨)، (١٠/ ٢٢٨) في الحشيشة، والحجاوي في «الإقناع»: (٤/ ٣)، وفي «شرح منتهى الإرادات»: (٣/ ٧٣)، والشربيني في «مغني المحتاج»: (٤/ ١٨٦) في مسألة الحشيشة، والصنعاني في «سبل السلام»: (١/ ١٩٥) في الحشيشة أيضًا، وابن ضويّان في «منار السبيل»: (٢/ ١٥٥، ٢٥٩) فيها، ونقل منه الطحطاوي في «حاشيته على مراقي الفلاح»: (٢/ ٨٦) في مسالة كفر تارك الصلاة، وهو في كتابنا (ص ١٦٥)، وفي «عون المعبود»: (١٠/ ٩٩) في مسألة الحدّ في الحشيشة.
* * * *
_________
(١) طبع الكتاب في دار الوطن سنة (١٤١٦) بتحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد.
стр. 23
ترتيب الكتاب وموضوعاته
أما ترتيب الكتاب؛ فقد رتَّبه المصنف ترتيبًا بديعًا يدل أولًا على عمق الفكرة وتمام التصور للموضوع الذي تكلم فيه. ويدل ثانيًا على قدرة شيخ الإسلام العجيبة على حسن البيان والترتيب والتقسيم (١)، وسنزداد عجبًا وإعجابًا إذا علمنا أنه ألَّف هذه الرسالة في ليلة واحدة! كما جاء على غلاف نسخة ليدن. وإن كان هذا ليس بمستغرب على هذا الإمام، فإنه قد ألَّف عدة كتب كذلك إما في ليلة أو قعدة (٢).
* بدأ المصنف كتابه ــ وكان موفَّقًا غاية التوفيق ــ بالأصل الذي بنى عليه هذه الرسالة ثم بانتزاع الدلالة منه قال: «وهذه رسالة مبنية على آية الأمر (٣) في كتاب الله وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩].
فبيَّن أن الآية نزلت في ولاة الأمور، وأنها أوجبت عليهم أداء الأمانات
_________
(١) كما شهد له غير واحد، منهم كمال الدين ابن الزملكاني، انظر «الجامع» (ص ٢٥٢).
(٢) كالواسطية والحموية ورسالة في الحروف، انظر «المداخل لآثار شيخ الإسلام ابن تيمية» (ص ٧٠، ط الثانية) لشيخنا العلامة بكر أبو زيد ﵀.
(٣) (ي، ز): «آية الأمراء»، والأصل: «أنه الأمر»، و (ط): «آيتين من» ورجحه الشيخ العلامة محمد العثيمين في «شرحه: ص ١٧» والمثبت من (ظ) وبعض النسخ.
стр. 24
إلى أهلها، والحكم بالعدل، وهذان الأمران هما جِماع السياسة العادلة والولاية الصالحة، وهو مقصود هذه الرسالة.
فالسياسة العادلة والولاية الصالحة لها ركنان:
* الركن الأول: أداء الأمانات (ص ٧).
والأمانات نوعان:
- النوع الأول: الولايات، ولها ركنان: القوة والأمانة (ص ٧).
- فالقوة إما أن تكون في إمارة الحرب؛ فهي ترجع إلى عدة أمور. وإما أن تكون في الحكم بين الناس، وهي ترجع إلى عدة أمور.
- مقصود القوة في الولاية (ص ٣٥).
- والأمانة ترجع إلى ثلاثة أشياء.
- المقصود الواجب بالولايات أمران:
الأمر الأول: إصلاح دين الخلق.
الأمر الثاني: إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمور الدنيا، وهو نوعان: قَسْم المال بين مستحقيه، وعقوبة المعتدين.
- النوع الثاني (من الأمانات): الأموال. وهي قسمان: الأعيان، والديون الخاصة (ص ٤٠).
- ما يجب على ولي الأمر في المال (ص ٤٥).
- الأموال السلطانية ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء.
стр. 25
* الركن الثاني: الحكم بالعدل (ص ٧).
وهو ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: الحدود والحقوق غير المعينة (ص ٨٣).
ذكر المؤلف منها (قطاع الطريق ــ المحاربين ــ، والسرقة، والزنا، والتلوُّط، وشرب الخمر، والقذف، والمعاصي التي لا حدَّ فيها).
- النوع الثاني: الحدود والحقوق لقوم معينين (ص ١٩٥)، وذكر منها:
- الدماء، وأنواع القتل الثلاثة (العمد، الخطأ، شبه العمد).
- القصاص في الجروح.
- القصاص في الأعراض.
- الأبضاع من الحقوق (حقوق المرأة، حقوق الرجل).
- النوع الثالث: الحكم في الأموال (ص ٢١٨).
- وذكر ما يجب على ولي الأمر وغيره.
- وتكلم على الغش في المعاملات وأنواعه.
- وتكلم على الكيمياء والسيمياء.
* فصل في الكلام على الشورى وأهميتها.
* فصل في ولاية الناس وأنها من أعظم الواجبات.
* أقسام الناس في إرادة العلو والفساد.
* * * *
стр. 26
ميزة هذه الطبعة
تمتاز هذه الطبعة عن سابقاتها بكونها الطبعة الكاملة الوحيدة للكتاب، فقد يسَّر الله بمنه الوقوف على نسخة خطية في مكتبة شهيد علي رقم (١٥٥٣) بتركيا، وفيها زيادات كثيرة ليست موجودة في عامة مخطوطات الكتاب، وهذه الزيادات تبلغ نحو ثلاثين صفحة في عدة مواضع من الكتاب.
وقد أشرنا إلى كل هذه الزيادات في هوامش الكتاب، وهي أنواع؛ فمنها الكلمة أو أكثر، والسطر أو أكثر، والصفحة أو أكثر، ومنها الفصل الكامل من صفحات عدة.
وسنتكلم على هذه الزيادات من جهتين:
الأولى: إثبات أن هذه الزيادات للشيخ:
وذلك بأمور:
١ - أن ناسخ الأصل يقول: إنه نسخها من نسخةٍ نُقلت جلها من نسخة منقولة من خط مصنفها شيخ الإسلام.
٢ - أن هذه الزيادات فيها من تغيير العبارات، وزيادات في المباحث والمسائل والاختيارات ما يقطع بكونها من مؤلف الكتاب وليست زيادات من غيره من المطالعين أو المحشين أو غيرهم.
٣ - أن هذه الزيادات متطابقة مع ما في كتب الشيخ الأخرى؛ أسلوبًا وآراءً واختيارًا.
٤ - أن هذه الزيادات متساوقة مع سياق نصوص الكتاب لا تشذ عنها.
стр. 27
٥ - أن النص في الطبعات السابقة يدل على أن هناك مَن عَمَدَ إلى الكتاب فاختصره وهذبه، فحذف هذه النصوص ــ الزيادات في نسختنا ــ، وغيّر أيضًا في سياق بعض العبارات ليستقيم له الكلام فيبدو متآلفًا لا حذف فيه ولا نقص، وهذا الأمر هو ما سنبحثه في الفقرة التالية.
الثانية: عن طبيعة هذه الزيادات:
وهي تحتمل أمرين:
أحدهما: أن المصنف ألَّف الرسالة على صورتها التي طُبِعت واشتهرت بها، ثم زاد عليها هذه الزيادات التي في نسختنا. يعني أن نسختنا هذه هي الإخراج الثاني للكتاب، وما طبع عليه سابقًا هو الإخراج الأول للكتاب، وهو الذي انتشر بأيدي النّساخ فكثُرَتْ به النسخ.
ثانيهما: أنه ألَّف الكتاب من أول الأمر كما هو الحال في نسختنا، ثم عَمَدَ أحدُهم فاختصرها وهذبها. والميل إلى هذا الاحتمال الثاني أكبر، وذلك لأمور:
١ - أن في مقدمة الطبعات السابقة المختصرة ما يشير إلى ذلك، إذ فيها: «فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من ... »، بينما في النسخة الكاملة: «فهذه رسالة تتضمن جوامع ... ».
فالظاهر أن عبارة «مختصرة» قد أضافها من انتقى من الكتاب أو هذَّبه، ومن البعيد جدًّا أن تكون من كلام المصنف في أول الأمر، ثم حذفها لاحقًا لمجرد كونه زاد زيادات وإن كثرت.
٢ - أن التهذيب والانتقاء قد طال ديباجة المصنف التي لا علاقة لها
стр. 28
بموضوع الكتاب، بل هي في الثناء على الله ، فهذا من غير صنيع الشيخ بلا شك.
٣ - أن بعض الفصول مختصرة اختصارًا مخلًّا! فبينما هو في نسختنا في سبع صفحات أو نحوها؛ هو في النسخ المختصرة في صفحة أو نحوها، كما في (ص ٢١٠ و ٢١٧). وقد أثبتنا الفصول المختصرة برمتها في حواشي الكتاب، حتى يُعرف الفرق بين ما هو في طبعتنا وبين صنيع المُخْتَصِر وطريقته في الاختصار.
* * * *
стр. 29
نشرات الكتاب
للكتاب طبعات كثيرة نذكر أهمها:
١ - طبع أوَّلًا بعنوان: الجوامع في السياسة الإلهية والآيات النبوية. طبع في بومبي، مطبعة الأخبار عام (١٣٠٦ هـ، ١٨٨٩ م) في (٧٦) صفحة طبع الحجر (١).
٢ - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، المطبعة الخيرية (١٣٢٢) في (٨٠) صفحة (٢).
٣ - طبع ضمن «مجموع الفتاوى»: (٢٨/ ٢٤٤ - ٣٩٧) لابن تيمية.
٤ - طبع بتحقيق سعود بن خلف الشمري في مجلدين سنة ١٤٢٤ في نحو (٨٠٠) صفحة، وليس عليه اسم الدار الناشرة؛ لأنه فيما يظهر طبع على نفقة محققه. ومحقق هذه النشرة لم يعتمد على أي أصل خطيٍّ، بل اعتمد نص «مجموع الفتاوى» وقابله بالطبعات التي في الأسواق ــ على ما ذكر في مقدمته ــ. وقد أطاله جدًّا بتخريج أحاديث بما لا طائل من ورائه.
٥ - طبعة دار الفلاح (١٩٩٠ م).
٦ - طبعة دار الفكر اللبناني، تحقيق إبراهيم رمضان (١٩٩٢ م).
_________
(١) انظر «معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية» (ص ٨٨) للدكتور أحمد خان.
(٢) انظر «معجم المطبوعات»: (١/ ٥٨) لسركيس.
стр. 30
٧ - دار الآفاق الجديدة.
٨ - دار الجيل، تحقيق عصام الحرستاني. وطبعها المحقق نفسه في داري نشر أخريين.
٩ - دار الفكر الحديث.
١٠ - دار الفكر العربي بمصر.
١١ - دار الفيحاء، تحقيق بشير عيون.
وغيرها كثير. وقد أحصيت له ما يزيد على الأربعين نشرة لا فائدة من ذكرها هنا. والشأن فيها جميعًا أنها لم تعتمد أيّ أصل خطيّ، بل عمدتها الطبعات القديمة أو ما تفرّع عنها.
* * * *
стр. 31
مخطوطات الكتاب
للكتاب مخطوطات كثيرة في مكتبات العالم بلغت أكثر من ثلاثين، نتحدث بالتفصيل عن النسخ التي اعتمدناها في التحقيق.
١ - نسخة شهيد علي بتركيا (الأصل) ضمن مجموع برقم (١٥٥٣) يحتوي على ثلاث رسائل للمصنف يقع في (١١٦ ورقة): أولها السياسة الشرعية، ثم قاعدة في الحِسبة، وقاعدة في الشطرنج. ونسختنا تقع في (٧٨) ورقة، في كل صفحة (١٩) سطرًا، جاء على صفحة العنوان: «جوامع من السياسة الشرعية في صلاح الراعي والرعية، تأليف الشيخ ... ». وعلى الجانب الأيمن للعنوان تملُّكٌ نصه: «ساقه سائق التقدير حتى انتظم في سلك ملك أحمد بن البصري؟ ... الفقير الحقير». وبعده: «ثم انتقل إلى ملك ولده عمر ... في شعبان (١٠٥٧)». وعلى ورقة العنوان أيضًا تدوين عدد من تواريخ المواليد والوفيات لمن تملكوا النسخة.
وكتب الناسخ في آخرها: «نقلت من نسخة نقلت جلّها بخط المصنف نفع الله به»، ثم ذكر تاريخ الفراغ من نسخها: «كان الفراغ من نسخها بكرة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة ثمانين وسبعمائة». وخطها نسخيّ واضح، ولم يفصح الناسخ عن اسمه، وواضحٌ من قراءة النسخة أن ناسخها ليس من أهل العلم؛ إذ اشتملت على الكثير من التصحيفات والأخطاء والأسقاط في بعض الأحيان، وقد أعزو بعضَ ذلك إلى النسخة المنقولة منها؛ لأن تلك الأخيرة نقلت من خط شيخ الإسلام ولا تخفى صعوبته وإغلاقه. وهنا أشكر فضيلة الشيخ الدكتور عثمان ضميرية على إسهامه في تصوير هذه النسخة من تركيا على (cd) فجزاه الله خيرًا.
стр. 32
٢ - نسخة باريس الأولى (ي) رقم (٢٥٩٠)، وتقع في (٣٨ ورقة) في كل صفحة من (٢٥ إلى ٢٦) سطرًا، في كل سطر نحو عشر كلمات. كتب على صفحة العنوان: «رسالة كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تأليف شيخ الإسلام ... »، وتحت العنوان كتبت بعض التملكات فمنها: «من كتب عبد القادر بن أحمد (١) لطَفَ الله به»، وكتب بعده: «الحمد لله ثم في دَوْلِ (٢) يحيى بن صالح البصير سامحه الله تعالى بالشراء من المولى العلامة الوجيه وجَّهه الله لكل خير بتاريخ شهر ربيع الأول سنة ١١٩١». وبعده تملكات ثلاثة.
وهي نسخة متقنة قليلة الخطأ، نسخت في اليمن في مدينة ذمار بتاريخ (٧٨٢)، جاء في ختامها: «نسخ برسم السيد الحبر ... العلامة الصدر الألمعي وحيد عصره ونسيج وحده العزي عز الدين سلالة الآباء الطاهرين وارث علوم الط ... محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان الحمزي نسبًا والعدلي مذهبًا، فرغ من نسخه بذمار المحروسة في النصف الآخر من ذي الحجة من شهور سنة اثنتين وثمانين وسبع مئة، غفر الله لمالكه ولمـ ... ولوالديهم وللمسلمين ... » ثم على جانب الصفحة: «بلغ مقابلة بحسب الإمكان على الأم المنسوخ هو منها ... ». وهذه النسخة متوافقة مع النسخة الأزهرية الآتي وصفها (ز).
_________
(١) هو العلامة المجتهد عبد القادر بن أحمد بن عبد القادر الكوكباني اليماني (١١٣٥ - ١٢٠٧) أحد أعلمِ من رآهم الشوكاني قال عنه: «وبالجملة فلم تر عيني مثله في كمالاته، ولم أجد أحدًا يساويه في مجموع علومه، ولم يكن بالديار اليمنية في آخر مدته له نظير». انظر «البدر الطالع»: (١/ ٣٦٠ - ٣٦٨).
(٢) يعني: في ملك.
стр. 33
٣ - نسخة برنستون رقم ١٤١٨ (ف) ــ وقفنا عليها مؤخرًا بعد طبع الكتاب ــ. تقع في ١٠٠ ورقة، في كل صفحة نحو ١٧ سطرًا، وهي أقدم نسخة وقفنا عليها، كُتبت في العشر الأول من المحرم سنة خمس وسبعمائة، بخط يوسف بن رسول بن أمير علي التركماني. كما جاء في آخرها. كتب العنوان على الصفحة الظهرية: «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، ثم اسم المؤلف، لكن ختم الفهرسة طمس على جزء من العنوان واسم المؤلف. وفي آخرها مقابلة على الجهة اليسرى بالأصل نصها: «قوبل بأصله من أوله إلى آخره فصح، لكن الأصل فيه ... كتبه: أبو بكر بن قاسم». وفي الجهة اليمنى قيد قراءة مؤرخ سنة ٨١١ هـ، وعلى الغلاف وفي آخرها عدة تملّكات بعضُها مضروب عليها.
٤ - نسخة الأزهرية (ز) وهي نسخة خزائنية تقع في (٨٩ ورقة) في كل صفحة (١٧) سطرًا في كل سطر نحو عشر كلمات، وقد كتب على غلافها المذهَّب المزخرف في إطار مستطيل: «كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» ثم كتب تحته في إطار دائري: «رسم المقام الشريف مولانا القان الملك الطاهر محمد أبو سعيد أعزَّ الله أنصاره» ثم كتب تحته في إطار مستطيل: «تأليف الشيخ الإمام تقي الدين بن عبد السلام ابن تيمية ﵀». وعلى الجانب الأيسر من صفحة العنوان نص وقفيَّةٍ طويلة لم يظهر أولها لكنها مؤرَّخة بخامس شوال المبارك سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة. وفي رأس الورقة التي تليها كتبت وقفية أخرى فيها: «أوقف وحبس وتصدق به لوجه الله تعالى الجناب المكرم والملاذ المفخم أمير اللواء حسن بيك قردغلي وقفًا صحيحًا لا يباع ولا يوهب ولا يحبس، فمن بدله بعد ما سمعه
стр. 34
فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم». وقد كرر هذا الكاتب عبارة «وقف لله تعالى» عدة مرات في صفحات مختلفة من الكتاب.
والنسخة خطها نسخي نفيس مضبوط غالبها بالشكل، وهي قليلة الخطأ، تتفق كثيرًا مع نسخة (ي) السالفة، كتب في خاتمتها: «نجز من كتابته مستهل شهر رمضان المعظم سنة خمس وخمسين وثمانمائة على يد العبد الضعيف المؤمل بالجنات أن يدخلها والمسلمين ويرتقي: محمد بن علي بن محمد الأزرقي، حامدًا ومسلِّمًا».
٥ - نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم (٣٢٤٦)، وتقع في (٧٠ ورقة) في كل صفحة (١٥) سطرًا، إلا أنه قد سقط منها عدة صفحات تبدأ من (ق ٨ ب) وهو في مطبوعتنا من (ص ٢٥ - ٦٢) من قوله: «وفيما يدق حكمه ... » إلى: «وغيرهم من مال». والظاهر أنه سقطٌ قديم لأن الترقيم القديم في النسخة متسلسل لا خرم فيه. كتب على ورقة العنوان ــ بعد البسملة وبه ثقتي ــ: «كتاب السياسة الشرعية والقواعد النبوية في إصلاح الراعي والرعية، تأليف الشيخ الإمام ... » وكتب بعده بعض الكلمات التي لم تظهر بسبب الطمس أو الحبر المنتشر، وفيه أيضًا إثبات مطالعة لأحد القراء.
وهي نسخة جيدة لولا السقط المشار إليه، وخطها نسخي نادر الإعجام، كتبت سنة (٧٥٦)، جاء في آخرها: «أنهاه تعليقًا لنفسه العبد الفقير إلى الله تعالى: محمد بن محمد بن علي ... عفا الله عنه وعن المسلمين أجمعين، ووافق الفراغ منه يوم الخميس المبارك الرابع عشر من شهر الله المحرم سنة ستٍّ وخمسين وسبع مئة. حسبنا الله ونعم الوكيل»، ثم كتب تحته بخط مقارب: «فرغه نسخًا الفقير محمد بن ... في شهر صفر سنة (٨٣٤)». وقد
стр. 35
رمزت لها بـ (ظ).
٦ - النسخة الباريسية الثانية رقم (٦٣٣)، وهي تقع في (٥٧ ورقة)، في كل صفحة من (١٢ - ١٧) سطرًا. وحالة النسخة جيدة إلا ما وقع في الورقة الأولى من آثار بلل أو نحوه، وكذلك ما وقع من طمس أو اختفاء للكلمات الأخيرة في ظهر الأوراق (١ - ٣٠) ولعله بسبب التجليد أو التصوير. كتب على ورقه العنوان: «كتاب السياسة الشرعية، تأليف الإمام العالم ... » وعلى جانبها الأيسر تملك لكن لم يظهر بسبب تآكل الورقة. وفي آخرها بعد الثناء على الله والتصلية على رسوله: «كتب بتاريخ ثاني عشرين شهر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وثمانمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل». وتحته فائدة في سؤال هرقل لكسرى في دوام الملك كيف يكون. وقد رمزتُ لها برمز (ب).
٧ - نسخة ليدن رقم (٢٣٤٢)، وهي تقع في (٤٣ ورقة) في كل صفحة (٢٢ - ٢٥) سطرًا. كتب على صفحة العنوان: «كتاب السياسة الشرعية في صلاح الراعيين (١) والرعية». ثم كتب تحت العنوان فائدة لم توجد إلا في هذه النسخة بالخط نفسه: «علقهن [كذا] ﵀ حين سأله الأمير الكبير قيس (٢) المنصوري فأجابه إلى ذلك، وعلَّقها في ليلة (٣) واحدة ﵁ وأرضاه آمين ... ».
_________
(١) كذا في النسخة بياءين، بينما كتب في رأس الصفحة التي تليها وهي بداية الكتاب «الراعين» بياء واحدة.
(٢) كذا في النسخة وصوابه آقش كما تقدم (ص ١٩).
(٣) في النسخة «لية»، سهو.
стр. 36
والنسخة خطها ضعيف، ليس عليها تاريخ نسخ ولا اسم الناسخ، وهي من منسوخات القرن الثاني عشر تقديرًا، ويظهر لي أنه قد تعاور على نسخها أكثر من ناسخ لاختلاف الخطوط، ويحتمل أن يعود ذلك إلى اختلاف الأقلام أو حالات الناسخ. وقد وقع في الأوراق (١٢، ١٣) في نصفها الأسفل طمس كثير في كلماتها، سببه إما تآكل في النسخة أو نحو ذلك. وهي نسخة مقابلة، عليها العديد من علامات اللحق والمقابلة وتصحيح القراءة، فهي جيدة في الجملة من حيث الصحة، ويظهر لي أنها الأصل الذي طبع عنه الكتاب في «مجموع الفتاوى» للتوافق الكبير بينهما في النص. وقد رمزت لها بـ (ل).
٨ - نسخة باريس الثالثة رقم (٢٤٤٤)، وهي تقع في (٧٣ ورقة) في كل صفحة (١٥) سطرًا، وهي نسخة ناقصة من أولها بعد ورقة العنوان عدة أوراق، ومن الآخر كذلك، وليس على النسخة أي أثر للمقابلة أو التصحيح، وهي أقل النسخ جودة؛ ولذا لم أقابلها كاملة بل استفدت منها في مواضع. كتب على ورقة عنوانها: «كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تأليف الشيخ الإمام ... ». ثم كتب تحته تملك نصه: «انتقل هذا الكتاب إلى ملك كاتبه محمد بن ... الحنبلي بالبيع من محمود بن الزكي الد ... بثمن قدره اثنا عشر قطعة فضة في ٢٣ صفر الخير سنة ١٠٣٣». وقد رمزت لها بـ (س).
وهنا نتقدم بالشكر الجزيل لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض على تفضله بتصوير مجموعة من المخطوطات التي اعتمدناها هنا، ونخص قسم المخطوطات ومديره الصديق الفاضل الشيخ
стр. 37
عبد العزيز بن فيصل الراجحي على تعاونهم المثمر مع الباحثين.
أما النسخ الأخرى فهي عديدة كما سبق (١).
* * * *
_________
(١) انظر قائمة بها في «الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط ــ قسم الفقه وأصوله»: (٤/ ٧٠٧ - ٧٠٨).
стр. 38
فوائد تتعلق بالكتاب
١ - كتاب السياسة الشرعية ترجمه: بير محمد بن علي العاشق، لإعلام حاله إلى السلطان سليم خان وبيان عجزه عن القضاء، وسماه: (معراج الإيالة ومنهاج العدالة)، وزاد فيه أشياء متعلقة بالحرب وبيت المال (١).
٢ - قال العلامة صديق حسن القنوجي (ت ١٣٠٧): كتاب «السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه، مختصر، وجدته في مكة المكرمة واستنسختها بيدي لنفسي ولمن أخلفه، وهو موجود في دار الكتب لي. ولله الحمد (٢).
٣ - شرحَه الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (ت ١٤٢١) رحمه الله تعالى، وطبع هذا الشرح باسم: «التعليق على السياسة الشرعية».
* * * *
_________
(١) «كشف الظنون» (ص ١٠١١).
(٢) «أبجد العلوم» (٢/ ٣٣٠).
стр. 39
منهج التحقيق
يتلخص في الآتي:
١ - اعتمدنا النسخة الأصل في إثبات جميع الزيادات الواردة فيها على النُسخ الأخرى بعدما ثبت لدينا أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأن النُّسَخ الأخرى إما منتقاة أو مهذبة من الأصل (كما سبق تفصيله)، إلا أنه قد تكررت في ثلاثة مواضع من الأصل عبارات سبقت بنصها، فإما أن يكون الناسخ قد سبق قلمه بتكرارها، أو كان لحقًا في الأصل لم يدر موضعه فكرره، أو نحو ذلك من الاحتمالات. وقد نبهنا على ذلك في مواضعه. انظر (ص ١١١، ١١٣ - ١١٤، ١٣١).
٢ - ولكون نسختنا هذه فريدة في الزيادات المشار إليها، فقد واجهنا صعوبة في قراءة بعض نصوصها، وقد صححنا ما تمكَّنا من معرفة وجهه، ونبهنا على ما أشكل في مواضعه.
٣ - أما بقية نصوص الكتاب فاعتمدنا النص المختار في إثبات النص، ولم نلتزم نسخةً بعينها؛ لأن نسخة الأصل ــ كما شرحنا ــ ليست بالجودة التي يُرْكَن إليها، وفي النُّسخ التي اعتمدناها ما هو أكثر جودة منها. ولم نُغفل الإفادة من طبعة الكتاب المدرجة ضمن «مجموع الفتاوى»، وإليها الإشارة برمز (ط).
٤ - خرّجنا الأحاديث والآثار وعزونا النصوص إلى أصولها ما أمكن.
٥ - أثبتنا في هوامش الكتاب بعض التعليقات التي تناسب المقام من شرح الشيخ العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى، وكان في أصله
стр. 40
مسجلًا على الأشرطة، ثم فُرِّغ وطبع باسم «التعليق على السياسة الشرعية» (١).
٦ - صنعنا مقدمة للكتاب تكلمنا فيها على بعض المسائل المتعلقة بالكتاب؛ كاسمه، وسبب تأليفه، ولمن ألِّف، وإثبات نسبته للمؤلف، وعن الزيادات الجديدة في نسختنا، وميزة هذه الطبعة على سابقاتها، ثم عرضنا موضوعات الكتاب وترتيب المؤلف له، ثم مطبوعاته ومخطوطاته.
وفي ختامه صنعنا الفهارس الشاملة بنوعيها اللفظية والعلمية.
والحمد لله على توفيقه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * * *
_________
(١) له طبعتان: دار ابن حزم، ومدار الوطن، وكان العزو للأخيرة منهما لأنها المعتمدة من مؤسسة الشيخ العثيمين، إلا في مواضع أشرت إليها.
следующие страницы →