والنسخة خطها ضعيف، ليس عليها تاريخ نسخ ولا اسم الناسخ، وهي من منسوخات القرن الثاني عشر تقديرًا، ويظهر لي أنه قد تعاور على نسخها أكثر من ناسخ لاختلاف الخطوط، ويحتمل أن يعود ذلك إلى اختلاف الأقلام أو حالات الناسخ. وقد وقع في الأوراق (١٢، ١٣) في نصفها الأسفل طمس كثير في كلماتها، سببه إما تآكل في النسخة أو نحو ذلك. وهي نسخة مقابلة، عليها العديد من علامات اللحق والمقابلة وتصحيح القراءة، فهي جيدة في الجملة من حيث الصحة، ويظهر لي أنها الأصل الذي طبع عنه الكتاب في «مجموع الفتاوى» للتوافق الكبير بينهما في النص. وقد رمزت لها بـ (ل).
٨ - نسخة باريس الثالثة رقم (٢٤٤٤)، وهي تقع في (٧٣ ورقة) في كل صفحة (١٥) سطرًا، وهي نسخة ناقصة من أولها بعد ورقة العنوان عدة أوراق، ومن الآخر كذلك، وليس على النسخة أي أثر للمقابلة أو التصحيح، وهي أقل النسخ جودة؛ ولذا لم أقابلها كاملة بل استفدت منها في مواضع. كتب على ورقة عنوانها: «كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تأليف الشيخ الإمام ... ». ثم كتب تحته تملك نصه: «انتقل هذا الكتاب إلى ملك كاتبه محمد بن ... الحنبلي بالبيع من محمود بن الزكي الد ... بثمن قدره اثنا عشر قطعة فضة في ٢٣ صفر الخير سنة ١٠٣٣». وقد رمزت لها بـ (س).
وهنا نتقدم بالشكر الجزيل لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض على تفضله بتصوير مجموعة من المخطوطات التي اعتمدناها هنا، ونخص قسم المخطوطات ومديره الصديق الفاضل الشيخ
стр. 37
عبد العزيز بن فيصل الراجحي على تعاونهم المثمر مع الباحثين.
أما النسخ الأخرى فهي عديدة كما سبق (١).
* * * *
_________
(١) انظر قائمة بها في «الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط ــ قسم الفقه وأصوله»: (٤/ ٧٠٧ - ٧٠٨).
стр. 38
فوائد تتعلق بالكتاب
١ - كتاب السياسة الشرعية ترجمه: بير محمد بن علي العاشق، لإعلام حاله إلى السلطان سليم خان وبيان عجزه عن القضاء، وسماه: (معراج الإيالة ومنهاج العدالة)، وزاد فيه أشياء متعلقة بالحرب وبيت المال (١).
٢ - قال العلامة صديق حسن القنوجي (ت ١٣٠٧): كتاب «السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه، مختصر، وجدته في مكة المكرمة واستنسختها بيدي لنفسي ولمن أخلفه، وهو موجود في دار الكتب لي. ولله الحمد (٢).
٣ - شرحَه الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (ت ١٤٢١) رحمه الله تعالى، وطبع هذا الشرح باسم: «التعليق على السياسة الشرعية».
* * * *
_________
(١) «كشف الظنون» (ص ١٠١١).
(٢) «أبجد العلوم» (٢/ ٣٣٠).
стр. 39
منهج التحقيق
يتلخص في الآتي:
١ - اعتمدنا النسخة الأصل في إثبات جميع الزيادات الواردة فيها على النُسخ الأخرى بعدما ثبت لدينا أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأن النُّسَخ الأخرى إما منتقاة أو مهذبة من الأصل (كما سبق تفصيله)، إلا أنه قد تكررت في ثلاثة مواضع من الأصل عبارات سبقت بنصها، فإما أن يكون الناسخ قد سبق قلمه بتكرارها، أو كان لحقًا في الأصل لم يدر موضعه فكرره، أو نحو ذلك من الاحتمالات. وقد نبهنا على ذلك في مواضعه. انظر (ص ١١١، ١١٣ - ١١٤، ١٣١).
٢ - ولكون نسختنا هذه فريدة في الزيادات المشار إليها، فقد واجهنا صعوبة في قراءة بعض نصوصها، وقد صححنا ما تمكَّنا من معرفة وجهه، ونبهنا على ما أشكل في مواضعه.
٣ - أما بقية نصوص الكتاب فاعتمدنا النص المختار في إثبات النص، ولم نلتزم نسخةً بعينها؛ لأن نسخة الأصل ــ كما شرحنا ــ ليست بالجودة التي يُرْكَن إليها، وفي النُّسخ التي اعتمدناها ما هو أكثر جودة منها. ولم نُغفل الإفادة من طبعة الكتاب المدرجة ضمن «مجموع الفتاوى»، وإليها الإشارة برمز (ط).
٤ - خرّجنا الأحاديث والآثار وعزونا النصوص إلى أصولها ما أمكن.
٥ - أثبتنا في هوامش الكتاب بعض التعليقات التي تناسب المقام من شرح الشيخ العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى، وكان في أصله
стр. 40
مسجلًا على الأشرطة، ثم فُرِّغ وطبع باسم «التعليق على السياسة الشرعية» (١).
٦ - صنعنا مقدمة للكتاب تكلمنا فيها على بعض المسائل المتعلقة بالكتاب؛ كاسمه، وسبب تأليفه، ولمن ألِّف، وإثبات نسبته للمؤلف، وعن الزيادات الجديدة في نسختنا، وميزة هذه الطبعة على سابقاتها، ثم عرضنا موضوعات الكتاب وترتيب المؤلف له، ثم مطبوعاته ومخطوطاته.
وفي ختامه صنعنا الفهارس الشاملة بنوعيها اللفظية والعلمية.
والحمد لله على توفيقه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * * *
_________
(١) له طبعتان: دار ابن حزم، ومدار الوطن، وكان العزو للأخيرة منهما لأنها المعتمدة من مؤسسة الشيخ العثيمين، إلا في مواضع أشرت إليها.
стр. 41
نماذج من النسخ الخطية
стр. 42
صفحة العنوان من نسخة شهيد علي (الأصل)
стр. 43
الصفحة الأولى من نسخة شهيد علي (الأصل)
стр. 44
الصفحة الأخيرة من نسخة شهيد علي (الأصل)
стр. 45
صفحة العنوان من نسخة باريس الأولى (ي)
стр. 46
الصفحة الأولى من نسخة باريس الأولى (ي)
стр. 47
الصفحة الأخيرة من نسخة باريس الأولى (ي)
стр. 48
صفحة العنوان من نسخة برنستون (ف)
стр. 49
الصفحة الأولى من نسخة برنستون (ف)
стр. 50
الصفحة الأخيرة من نسخة برنستون (ف)
стр. 51
صفحة العنوان من نسخة الأزهر (ز)
стр. 52
الصفحة الأخيرة من نسخة الأزهر (ز)
стр. 53
صفحة العنوان من نسخة الظاهرية (ظ)
стр. 54
الصفحة الأخيرة من نسخة الظاهرية (ظ)
стр. 55
الصفحة الأولى من نسخة باريس الثانية (ب)
стр. 56
الصفحة الأخيرة من نسخة باريس الثانية (ب)
стр. 57
صفحة العنوان من نسخة ليدن (ل)
стр. 58
الصفحة الأخيرة من نسخة ليدن (ل)
стр. 59
صفحة العنوان من نسخة باريس الثالثة (س)
стр. 60
الصفحة الأخيرة من نسخة باريس الثالثة (س)
стр. 61
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله (١)
الحمد لله الذي أوضحَ (٢) لنا معالمَ الدين، ومنَّ علينا بالكتاب المبين. شرع لنا من الأحكام، وفصَل بين الحلال والحرام، فتقَدَّرت به مصالح الخلق، وثبتت به قواعد الحق، ووكل إلى ولاة الأمور ما أحسن فيه التقدير وأحكم به التدبير، فله الحمد على ما قدَّر ودبَّر.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، ﴿وَأَنْزَلْنَا (٣) الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
وختمهم بمحمد نبينا (٤) ﷺ الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأيَّده بالسلطان النصير، الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة ومعنى القدرة والسيف للنُّصْرَة (٥) والتعزير (٦).
стр. 62
وبعد (١)؛ فهذه رسالة تتضمّن (٢) جوامعَ من السياسة الإلهية والإيالة (٣) النبوية، لا (٤) يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجبَ الله نُصْحَه من ولاة الأمور (٥)، كما قال النبي ﷺ ــ فيما ثبت عنه من غير وجه ــ: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولَّاه الله أمركم» (٦).
وهذه (٧) رسالةٌ مبنية على آية الأمراء (٨) في كتاب الله وهي قوله تعالى:
стр. 63
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ [أ/ق ٢] إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩].
قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم طاعة (١) أولي الأمر الفاعلين لذلك في قَسْمهم وحُكْمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله . فإذا أمروا بمعصية الله (٢) فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وإن لم تفعل ولاةُ الأمر ذلك أُطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأُدِّيت حقوقُهم إليهم كما أمر الله ورسوله، وأُعِينوا على البر والتقوى، ولا يُعَانون على الإثم والعدوان (٣).
وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جِماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة.
стр. 64
فصل
أما أداء الأمانات ففيه نوعان:
أحدهما: الولايات ، وهو كان سبب نزول الآية.
فإن النبي ﷺ لما فتح مكة وتسلَّم مفاتيح الكعبة من بني شيبة (١)، طلبها منه العباس ليجمع له بين سِقاية الحاج وسِدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية، فدفع (٢) مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة (٣).
فيجب على وليِّ الأمر أن يولِّي على كل عملٍ من أعمال المسلمين أصلح مَن يجده لذلك العمل. قال النبي ﷺ : «من وَلِيَ من أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلًا وهو يَجِد مَن هو أصلحُ للمسلمين منه، فقد خانَ اللهَ ورسولَه وخانَ (٤) المؤمنين» رواه الحاكم في «صحيحه» (٥).
стр. 65
وفي رواية (١): «من قلَّدَ رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين».
وروى بعضهم (٢) أنه من قول عمر لابن عمر، روى ذلك عنه (٣).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: من وَلي من أمر المسلمين شيئًا فولَّى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين.
وهذا واجبٌ عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نُوَّابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نُوَّاب ذي السلطنة (٤)، والقضاة ونحوهم، ومن (٥) أمراء الأجناد ومُقدَّمي العساكر الكبار والصغار، وولاة الأموال؛ من الوزراء والكتاب والشادِّين (٦) والسُّعاة على الخراج
стр. 66
والصدقات، وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين.
وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح مَن يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة، والمؤذنين، والمقرئين، والمعلمين، وأمراء الحاج، والبُرُد، والعيون ــ الذين هم القصاد ــ وخُزَّان الأموال، وحُرَّاس الحصون، والحدادين ــ الذين هم البوابون على الحصون والمدائن ــ ونُقباء العساكر [أ/ق ٣] الكبار والصغار، وعُرَفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القرى ــ الذين هم الدهاقين ــ.
فيجب على كل مَن ولي شيئًا من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح مَن يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلبَ الولاية (١)، أو سبق في الطلب، بل ذلك سبب المنع. فإن في «الصحيحين» (٢) عن النبي ﷺ : أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية، فقال: «إنَّا لا نوليِّ أمرنا هذا مَن طلبه».
стр. 67
وقال لعبد الرحمن بن سَمُرَة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعْطِيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها» أخرجاه في «الصحيحين» (١).
وقال ﷺ : «مَن طلبَ القضاءَ واستعانَ عليه وُكِلَ إليه، ومَن لم يطلب القضاءَ ولم يستعِنْ عليه، أنزل الله إليه ملَكًا يُسَدِّدُه» رواه أهل السنن (٢).
فإن عَدَل عن الأحقِّ الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة، أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير
стр. 68
ذلك من الأسباب، أو لِضِغَنٍ في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما= فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نُهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨].
فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، وكذلك قد يؤثر زيادةَ ماله أو حفظه (١) بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله والرسول وأمانته (٢).
ثم إن المؤدي للأمانة ــ مع مخالفة هواه ــ يُثيبُه (٣) الله فيحفظه في أهله وماله بعده. والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيُذِلُّ أهلَه ويُذهِب مالَه.
وفي ذلك الحكاية المشهورة: أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عن بعض ما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز وقد قيل له: يا أمير المؤمنين أفرغت (٤) أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم (٥) ــ وكان في مرض موته ــ فقال: أدخلوهم عليَّ، فأدخلوهم ــ
стр. 69
وهم بضعة عشر ذكرًا (١) ليس فيهم بالغ ــ فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بني والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموالَ الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولَّى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخَلِّف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني (٢).
قال: فلقد رأيت بعضَ ولده حَمَل على مئة فرس في سبيل الله. يعني: أعطاها لمن يغزو عليها.
قلت: هذا وقد كان خليفةَ المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وغيرها، ومن جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى [أ/ق ٤] اليمن. وإنما أخذ كل واحد من أولاده من ماله (٣) شيئًا يسيرًا يقال: أقل من عشرين درهمًا.
قال: وحضرتُ بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمئة ألف دينار. ولقد رأيت بعضهم يتكَفَّفُ الناس ــ أي: يسألهم بكفه ــ. وفي هذا الباب من الحكايات (٤) والوقائع المشاهدة في هذا الزمن، والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة (٥) لكل ذي لب.
стр. 70
وقد دلَّت سنةُ رسول الله ﷺ على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع: مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر ﵁ في الإمارة التي هي الولاية (١): «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها» رواه مسلم (٢).
وروى البخاري في «صحيحه» (٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة» قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (٤).
وقد أجمع المسلمون على معنى هذا، فإنَّ وصيَّ اليتيم، وناظر الوقف، ووكيل الرجل في ماله، عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح، كما قال الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، ولم يقل: إلا (٥) بالتي هي حسنة.
стр. 71
وذلك لأن (١) الوالي راعٍ على الناس، بمنزلة راعي الغنم، كما قال النبي ﷺ : «كلكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» (٢). أخرجاه في «الصحيحين» (٣).
وقال ﷺ : «ما مِن راعٍ يسترعيه الله رعيةً يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لها إلا حرّم الله عليه رائحةَ الجنّة» رواه مسلم (٤).
ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: أيها الأمير (٥). فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك ربُّ هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هَنَأْتَ جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبست أُولاها على أُخراها وفَّاك سيدُها أجرَك، وإن أنت لم تَهْنَأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على
стр. 72
أخراها عاقبك سَيِّدُها (١).
وهذا ظاهر الاعتبار، فإن الخلقَ عبادُ الله، والولاة نُوَّاب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الولاية والوكالة.
ثم الوليّ (٢) والوكيل متى استناب في أموره رجلًا وترك مَن هو أصلح (٣)
стр. 73
للتجارة أو العقار منه، أو باع السلعة بثمن، وهو يجد من يشتريها بخير (١) من ذلك الثمن، فقد خان صاحبه، لاسيما إن كان بينه وبين مَن حاباه مودة أو قربة، فإن صاحبه يبغضه ويذمّه، ويرى أنه قد خانه وداهن قريبَه (٢) [أ/ق ٥] أو صديقَه.
فصل
إذا عُرِفَ هذا فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده مَن هو أصلح (٣) لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصبٍ بحسبه. وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخْذِه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذه المواضع من أئمة العدل والمقسطين (٤) عند الله.
وإن اختلَّت بعضُ الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال ﷻ في الجهاد: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
فمن أدى الواجبَ المقدورَ عليه فقد اهتدى، وقال النبي ﷺ : «إذا
стр. 74
أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم». أخرجاه في «الصحيحين» (١)، لكن إن كان منه عجزٌ بلا (٢) حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك (٣).
وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وقال صاحب مصر ليوسف ﵊: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]، وقال تعالى في صفة جبريل ﵇: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١].
والقوة (٤) في كل ولايةٍ بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى (٥) الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها ــ فإن الحرب خدعة ــ و [إلى] (٦) القدرة على أنواع القتال؛ مِن رميٍ وطعن وضرب، وركوبٍ وكرٍّ وفرٍّ، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقال النبي ﷺ : «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليَّ من أن تركبوا، ومَن تعلَّمَ الرميَ ثم نسيه فليس مِنَّا» (٧).
وفي
стр. 75
رواية: «فهي نعمةٌ جَحَدها» (١) رواه مسلم.
والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة (٢) على تنفيذ الأحكام.
والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى وترك خشية الناس (٣)، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل مَن حَكَم على الناس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ولهذا قال النبي ﷺ : «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة. فرجلٌ عرفَ (٤) الحقَّ وقضى بخلافه فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجلٌ علمَ الحقَّ وقضى به فهو في الجنة» رواه أهل السنن (٥).