← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله سامع الدعوات، غافر الزلات، مقيل العثرات رب الأرض والسماوات، الحمد لله الذي جعل من الدعاء عبادة وقربى، وأمر عباده المؤمنين بالتوجه إليه لينالوا عنده منزلة رفيعة وزلفى، الحمد لله الذي جعل ذكره جُنَّة واقية للمؤمنين من شر الشياطين ومن شر طوائف الخلق أجمعين، فقال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، وقال أيضًا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين فإنه تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه ولا ينقص ما عنده، والصلاة والسلام على خير البشر، الذي أنزل عليه ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فبيّن للعباد من فضائل الأذكار، وما فيها من المنافع الكبار، وهو أخلص من دعا، وأصدق من خاف الله ورجًا ﷺ . وعلى آله وأصحابه أفقه الأمة بشأن الدعاء الذين كانوا يدعون ربهم خوفًا وطمعًا. أما بعد: فإن الله قد خلق الإنسان لعبادته وطاعته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ومن رحمته سبحانه بخلقه نوّع لهم سبل العبادة وطُرق الطاعة، فالإقرار له سبحانه بالتوحيد والشهادة لنبيه بالرسالة والإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين

стр. 2

واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، كل ذلك عبادة، بل هو أساس العبادة ومنطلقها، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته ورفع راية الدين عبادة، وبر الوالدين والإحسان إلى الجار ورعاية اليتيم وإغاثة الملهوف ومعونة المحتاج وإكرام الضيف والصدق في التعامل، والرفق في المعاملة عبادة، وذكر الله وتسبيحه وتعظيمه وتمجيده، ونهليله وتكبيره، ودعاؤه وسؤاله عبادة، بل من أسس العبادات، وأرقى الطاعات. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. إن ذكر الله غذاء القلوب، وبه الطمأنينة والسكينة والراحة، وهو حياة الأرواح وروح الحياة فلا سعة للناس وراحة بال إلا بذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. والدعاء ذو منزلة عظيمة في الدين، ودرجة سامية في العبودية، إذ الدعاء عبادة، وقد افتتح الله القرآن بالدعاء واختتمه به، فسورة الفاتحة

стр. 3

مشتملة على دعاء الثناء، كما هي مشتملة على دعاء المسألة، إذ فيها الدعاء بأجل المطلوب، وأفضل الرغائب، وهو طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى وسؤال الهداية، وقد فرض الله علينا أن نناجيه وندعوه بذلك في كل صلاة، وقد سمى الله الدعاء عبادة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] قال ﷺ : "الدعاء هو العبادة" (١). وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال الرسول ﷺ : "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له _________ (١) أخرجه الترمذي برقم (٢٩٦٩) وبرقم (٣٢٤٧) تفسير، وبرقم (٣٣٧٢) دعوات، وأبو داود برقم (١٤٧٩) صلاة، وابن ماجه برقم (٣٨٢٨) فضل الدعاء، والإمام أحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦)، وجامع الأصول (٢/ ٢٤ و ٩/ ٥١١)، وابن أبي شيبة في المصنف برقم (٩٢١٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٢/ ١٧٨ برقم: ٧١٤)، والحديث عند الترمذي حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩١)، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان برقم (٢٣٩٦) موارد، وقد ذكره النووي في رياض الصالحين (ص ٥٥٤). قال ابن حجر في الفتح (١١/ ٩٤)، في أول كتاب الدعوات: أخرجه الأربعة وصححه الترمذي والحاكم.

стр. 4

حتى ينفجر الصبح" (١) فلا يعجز المسلم عن الدعاء لأنه مقرب إلى الله وتركه مغضب له سبحانه، والعجز مذموم في جميع الأمور فكيف بالدعاء الخالي من المشقة الجالب للمنافع بإذن الله، يقول الرسول ﷺ : "أعجز الناس من عجز عن الدعاء" (٢). فهل يعجز لسان العبد عن الدعاء ويعجز عن رفع يديه؟. وهذه العبادة -ذِكرًا كانت أو دعاء- ينبغي أن يأتي بها على وفق ما شرعه الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ وإلا كانت بدعة مذمومة يهوي بها صاحبها في النار من حيث لا يعلم. وجاء في السنة الشريفة كثير من الأذكار والأدعية أمر بها النبي ﷺ وحث عليها، وبين فضلها وثمارها دنيا وأخرى. وقد شبه الرسول ﷺ الذكر بالروح فكأن المنصرف عنه ميت، قال ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ" (٣). وهذه الأدعية والأذكار جمعها بعض أهل العلم الأفاضل في مؤلفات وحريّ بالمسلم حفظها والمداومة عليها في مواضعها. _________ (١) أخرجه مسلم: برقم (٧٥٨). (٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده: (٦٦٤٩)، والطبراني في الدعاء (٦٠) وابن حبان في صحيحه (٤٤٩٨)، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (٢٠)، وصححه الألباني في الصحيحة: (٦٠١). (٣) أخرجه البخاري: (٦٠٤٧).

стр. 5

وقد جاءت هذه المؤلفات متنوعة، فمنهم من رواها مفرقة في كتبهم التي ألفوها على الأبواب والمسانيد، كلّ في بابه، ومنهم من أفردها بالتأليف وبأسماء مختلفة كالأذكار، والذكر، والدعاء، وعمل اليوم والليلة، والدعوات. فمن ألف في الدعاء: ١. الدعاء لأبي عبد الرحمن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي- ت ١٩٥ هـ. ط. ٢. كتاب الدعاء لعبد الله بن أحمد بن محمد بن غلاب بن خالد الماهلي المعروف بغلام خليل. ٣. كتاب دعاء النبي ﷺ لأبي الحسن المدائني: علي بن محمد بن عبد الله. ٤. كتاب الدعاء لابن أبي عاصم (ت: ٢٨٧ هـ): أحمد بن عمرو بن الضحاك. ٥. كتاب الدعاء لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٢٧٥ هـ) صاحب السنن. ٦. كتاب الدعاء لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي (ت: ٢٨١ هـ). ٧. كتاب مجابي الدعوة لابن أبي الدنيا (ت: ٢٨١ هـ) مطبوع. ٨. كتاب الدعاء والمحاميد لمحمد بن سهل بن المرزبان الكرخي. ٩. الدعاء للإمام الحافظ أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي (ت: ٣٣٠ هـ). وقد طبع بتحقيق الدكتور سعيد القزقي. ١٠. كتاب الدعاء لمحمد بن فطيس الأندلسي (ت: ٣١٩ هـ).

стр. 6

١١. كتاب الدعاء لسليمان بن أحمد الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) وقد طبع عام ١٤٠٧ هـ بتحقيق الدكتور محمد سعيد البخاري دار البشائر، بيروت. ١٢. كتاب الدعاء للحسين بن سعيد بن حماد الأهوازي الكوفي. ١٣. كتاب الدعاء لأبي سليمان داود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني. ١٤. كتاب الدعوات لأبي النضر محمد بن مسعود العياشي. ١٥. كتاب الدعوات الكبير للبيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) وقد طبع بتحقيق بدر البدر في الكويت. ١٦. جزء في الدعاء المروي عن رسول الله ﷺ لأبي علي إسماعيل بن محمد الصفار النحوي (ت: ٣٤١ هـ). ١٧. كتاب دعاء أنواع الاستعاذات من سائر الآفات والعاهات لأحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي البغدادي (ت: ٣٣٦ هـ). ١٨. كتاب عمل اليوم والليلة للحسن بن علي بن شبيب المعمري (ت: ٢٩٥ هـ). ١٩. كتاب عمل اليوم والليلة للنسائي (ت: ٣٠٣ هـ) وقد طبع بتحقيق الدكتور فاروق حمادة. ٢٠. كتاب عمل اليوم والليلة لابن السني وقد طبع بتحقيق. ٢١. كتاب الذكر لجعفر بن محمد الفريابي (ت: ٣٠١ هـ). ٢٢. الترغيب في الدعاء والحث عليه لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت: ٦٠٠ هـ) وقد طبع بتحقيق الدكتور فالح الصغير.

стр. 7

٢٣. جزء في فضيلة ذكر الله لابن عساكر (ت: ٥٧١ هـ) وقد طبع عن دار المأمون للتراث بدمشق. ٢٤. الأزهية في أحكام الأدعية تصنيف محمد بن بهادر الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ). مطبوع. ٢٥. الكتاب: آداب الدعاء المسمى أدب المُرتَعى في علم الدعا. تأليف: يوسف بن عبد الهادي (ت: ٩٠٩ هـ) المحقق: محمد خلوف العبد الله. الناشر: دار النوادر. الطبعة: الأولى ١٤٢٨ هـ/ ٢٠٠٧ م. ٢٦. الدعاء آدابه وأسبابه للعلامة أبي محمد عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني ت: سنة: ٧٦٨ هـ طبع بتحقيق: مسعد عبد الحميد السعدني، دار الكتب العلمية. ط. أولى عام ١٤١٥ هـ. ٢٧. سلاح المؤمن في الدعاء والذكر لتقي الدين محمد بن محمد المعروف بابن دقيق العيد (ت: ٧٤٥ هـ) تحقيق: محيي الدين مستو، دار ابن كثير، دمشق. ٢٨. شأن الدعاء لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ)، تحقيق: أحمد يوسف الدّقاق، الناشر: دار الثقافة العربية، دمشق. الطبعة الأولى عام ١٤١٥ هـ.

стр. 8

ثم جاء دور الذين جمعوا مؤلفات هؤلاء وغيرهم من أحاديث الأذكار، ومنهم: ١ - الإمام المنذري، زكي الدين، أبو محمد عبد العظيم، له كتاب: عمل اليوم والليلة. ٢ - أبو القاسم عبد الغفور بن عبد الله النضري، له كتاب: التبتل في العبادات وما لا غنى عنه من الدعوات. ٣ - الإمام محيي الدين بن يحيى بن شرف النووي، له كتاب "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار" والمعروف بأذكار النووي. وقد طبع مرات كثيرة وقد خرّج أحاديثه الحافظ ابن حجر في: نتائج الأفكار وقد طبع منه ٣ مجلدات بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي. ٤ - شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، له كتاب: الكلم الطيب، طبع مرارًا وأحسن طبعاته بتحقيق شيخنا محمد بن ناصر الدين الألباني. ٥ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن قيم الجوزية، له كتاب: الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، طبع مرارًا، وأحسن طبعاته بتحقيق الشيخ إسماعيل الأنصاري. ٦ - أبو جعفر أحمد بن يوسف اللبلي، له كتاب في: الأذكار. ٧ - محمد بن أحمد بن حرب، له كتاب: الدعوات والأذكار المستخرجة من صحيح الأخبار.

стр. 9

٨ - محمد بن محمد بن علي الجزري، له كتاب: الحصن الحصين وهو كتابنا هذا وعدة الحصن الحصين وجنة الحصن الحصين. وطبع شرح الشوكاني المسمى: "تحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين". ٩ - وللحافظ ابن حجر مؤلف: نتائح الأفكار "جزء في عمل اليوم والليلة". (ولدي نسخة مخطوطة منه). ١٠ - أبو بكر صديق بن إدريس بن محمد المذحجي اليمني، له كتاب: اليوم والليلة. ١١ - السيد محمد صديق حسن خانملك بهوبال، له كتاب: نزل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار. طبع مرتين، آخرهما دار المعرفة. وهناك كتب ورسائل أخرى كثيرة لم أذكرها. كتاب: "الحصن الحصين": فإن كتاب: "الحصن الحصين" من الكتب الجامعة للأدعية والأوراد والأذكار الواردة في الأحاديث والآثار، وذكر فيه المؤلف مقدّمة تشتمل على أحاديث في فضل الدّعاء والذكر وآدابه وأوقات الإجابة وأمكنتها، ثمّ الاسم الأعظم والأسماء الحسنى، ثمّ ما يقال في الصباح والمساء، وفي الحياة والممات، ثمّ الذكر العامّ، ثمّ الاستغفار، ثم فضل القرآن، ثمّ الدعاء، ثم ختمه بفضل الصلاة على النّبيّ ﷺ . ولقد أحسن من قال: إن نابك الأمر المهول … فاذكر إله العالمينا وإذا بغى باغ عليك … فدونك الحصن الحصينا

стр. 10

قال طاشكبري زاده (ت: ٩٦٨ هـ) في الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية (ص: ٢٧): "هو فِي الدَّعْوَات الماثورة عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ كتاب نَفِيس جدًّا". خصائصه ومميزاته: ١. أنه كتابٌ جامعٌ لكثيرٍ من مروَّيات النبي ﷺ في الأذكار والأدعية. ٢. أنه اشترط على نفسه إيراد ما رآه لم ينزل عن مرتبة الحَسَنِ من الأحاديث والآثار. ٣. اعتمد فيه على أكثر من (٢٥) كتابًا من أمهات كتب السنة المطهرة. ٤. رَمَزَ فيه لكلِّ كتابٍ منها، بعد إيراد حديثه أو أثره. ٥. وعن سبب تسميته له بـ: "الحصن الحصين" فيظهر أنه أخذه من حديثٍ أورده فيه عن النبي ﷺ وهو: " … وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خَرَجَ العدو في أثره سراعًا، حتى أتى على حصنٍ حصين، فأحرز نفسه منهم … " (١). سبب تأليفه لهذا الكتاب: قال: ولمَّا أكملت ترتيبه وتهذيبه، طلبني عدو، ولا يمكن أن يدفعه إلا الله تعالى، فهربت مختفيًا، وتحصَّنت بهذا الحصن، فرأيت سيد المرسلين وأنا جالسٌ عن يساره -يعني في المنام-، وكأنه يقول: ما تريد؟ فقلت: يا رسول الله ادعُ الله لي وللمسلمين، فرفع يديه الكريمتين، وأنا _________ (١) الحصن الحصين (ص: ١٧).

стр. 11

أنظر إليهما، فدعا، ثم مَسَحَ بهما وجهه الكريم، وكان ذلك ليلة الخميس، فهَرَبَ العدو ليلة الأحد، وفرَّجَ الله عني وعن المسلمين ببركة ما في هذا الكتاب عنه. (الحصن الحصين (ص: ٩). أما عن وقت تأليفه: فقال: (فرغت من ترصيف هذا "الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين" يوم الأحد بعد الظهر، الثاني والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة (٧٩١ هـ). بالمدرسة التي أنشأتها برأس عَقَبَة الكتَّان داخل دمشق المحروسة حماها الله تعالى من الآفات، وسائر بلاد المسلمين). الحصن الحصين (ص: ١٤٢). منهجه الذي سار عليه: * قسَّم كتابه على فصول، وهي على النحو التالي: ١. مقدمةً تشتمل على أحاديث في فضل الدعاء والذكر. ٢. ثم آداب الدعاء والذكر. ٣. ثم أوقات الإجابة، وأحوالها، وأماكنها. ٤. ثم اسم الله الأعظم، وأسمائه الحسنى. ٥. ثم ما يُقال في الصباح والمساء. ٦. ثم ما يُقال في طول الحياة والممات، من جميع ما يُحتاجُ إليه. ٧. ثم الذكر الذي وَرَدَ فضله، ولم يختص بوقتٍ من الأوقات. ٨. ثم الاستغفار الذي يمحو الخطيئات. ٩. ثم فضل القرآن العظيم، وسورٍ منه وآيات.

стр. 12

١٠. ثم الدعاء الذي صَحَّ عن النبي. ١١. ثم خَتَمَهُ بفضل الصلاة على سيد الخلق ورسول الحق. عند تصديره الفصل بالعناوين المُشار إليه آنفًا، يُورِدُ ما يراه صحَّ عن النبي ﷺ من الأحاديث والآثار. ثم بعد إيراد الحديث والأثر، يقدِّمُ رَمْزَ من له ذلك الحديث والأثر، على ما اصطلحه من الرموز في ذلك. وقد استخدم في عزو الحديث رموزًا وهي كالآتي: خ: صحيح البخاري. مص: مصنف ابن أبي شيبة. م: صحيح مسلم. أ: مسند الإمام أحمد. د: سنن أبي داود. ر: مسند البزَّار. ت: جامع الترمذي. ص: مسند أبي يعلى الموصلي. س: سنن النسائي. مي: سنن الدارمي. ق: سنن ابن ماجه. ط: المعجم الكبير للطبراني. عه: السنن الأربعة. طس: المعجم الأوسط للطبراني. ع: الكتب الستة. طص: المعجم الصغير للطبراني. حب: صحيح ابن حبَّان. طب: الدعاء للطبراني. مس: مستدرك الحاكم. مر: الدعاء لابن مردويه. عو: مستخرج أبي عوانة. في: سنن البيهقي. مه: صحيح ابن خزيمة. سني: السنن الكبرى للبيهقي. طا: موطأ الإمام مالك. ي: عمل اليوم والليلة لابن السُّنِّي. قطا: سنن الدارقطني.

стр. 13

قال عنه الحافظ الشوكاني: "من أَكثر الْكتب نفعًا، وأحسنها صنعًا، وأتقنها جمعًا، وأحكمها وضعًا … ". تحفة الذاكرين: المقدمة. وقد لهج به أهل اليمن واستكثروا منه، وسمعوه من الحافظ ابن حجر وغيره قبل أن يدخل الإمام ابن الجزري إليهم، وعندما دخل إليهم أسمعهم. "الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥)، وإنباء الغمر ٢/ ٥٨٢) ". إلا أن الكتاب كما قال الشوكاني أيضا: "بقي فِيهِ مَا بقي الرين من الْعين وَإِن لم يكن فِيهِ شين، وَهُوَ عدم التَّنْبِيه على مَا فِي بعض أَحَادِيثه من الْمقَال وَعدم الانتباه لعزوه إِلَى مخرجيه على الْكَمَال وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن لَا تكون بصائر المطلعين عَلَيْهِ بَصِيرَة وَلَا أبصار المتطلعين إِلَيْهِ بهِ قريرة فَإِن بَيَان التحسين أَو التَّصْحِيح أَو التَّضْعِيف بِمَا يَقْتَضِيهِ النَّظر من التَّرْجِيح بعد الموازنة بَين التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح هُوَ الْمَقْصد الْأَعْلَى من علم الرِّوَايَة والغاية الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا غَايَة … ". تحفة الذاكرين المقدمة. إضافة إلى ما فيه من بعض المخالفات التي لا دليل عليها من القرآن أو صحيح السنة. فالكتاب يحتاج إلى عمل فشمّر ملا علي القاري عن ساعد الجد وشرحه وذكر أحاديث كثيرة بدل الضعيفة ونبَّه عليها، واعتنى ببيان المعاني والمراد وشرح الأحاديث. وسمى كتابه بـ"الحرز الثمين للحصن الحصين" وكأن الكتاب لم يكن معروفًا عند أهل العلم فقال الشوكاني: "وَلم نقف إِلَى الْآن وَلَا سمعنَا عَن أَحْد من أهل الْعرْفَان أَنه شرح هَذَا الْكتاب بشرح يشْرَح صُدُور أولي

стр. 14

الْأَلْبَاب ويتبين بِهِ القشر من اللّبَاب وَلَا أَنه حام أحد حول هَذَا الْمَقْصد النفيس وَالْغَرَض الَّذِي هُوَ لطَالب هَذَا الْكَلَام على فَوَائِد الحَدِيث كالرئيس … ". نسبة الكتاب إلى المؤلف: - جميع مخطوطات الكتاب التي سيأتي ذكرها مثبت على صفحة العنوان اسم المؤلف. - وذكره صاحب كشف الظنون (١/ ٦٦٩) ونسبه للمؤلف وذكر أوله. - كما ذكره صاحب هدي العارفين (١/ ٧٥٢). - وقد أحال المؤلف فيه إلى بعض مؤلفاته، خاصة كتاب: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح فقد أحال إليه كثيرًا. - وقد ذكر سركيس في المطبوعات العربية (٢/ ١٧٩٢) بأنه طبع في مكة عام ١٣٠٤ هـ إلا أنني لم أجده. - وقد استفاد منه الشيخ عبيد الله الرحماني في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٧/ ٤١٨) والكلام المنقول موجود في الكتاب (١/ ١٢٩) تحت حديث: "ما عَمِلَ آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله … ". وكذلك نقل عنه صاحب دليل الفالحين (٢/ ٢٧٢) تحت رقم ٧٦٣: عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار.

стр. 15

قال القارئ في "شرح الحصن الحصين": إنه موقوف خلاف ما أورده الشيخ، يعني ابن الجزري. قلت: وكأنه لما رأى أن الحديث في حكم المرفوع سكت عليه اعتمادًا على أنه مرفوع في بعض طرقه اهـ فنسبة الكتاب ثابتة إلى المؤلف. أما منهجه في الشرح فهو نفس منهجه في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لأنه شرح مثله ممزوج كما قال صاحب كشف الظنون: "شرح الحصن شرحًا، ممزوجًا، بسيطًا". موارده: من أهم موارد القاري في هذا الشرح، مفتاح الحصن الحصين لابن الجزري وهو الذي وثّقنا جميع النقولات منه، وهو مخطوط، وقد نقل منه كثيرًا. وكتاب شرح المصابيح لميرك ولم أعرف عنه شيئا حتى الآن، إلا أن النقولات تدل على أن ميرك اهتم فيه بالصناعة الحديثية. كما أن القاري ينقل كثيرًا من شرح ابن الجزري للمصابيح. واستفاد كثيرًا ونقل من كتاب: سلاح المؤمن في الدعاء لابن دقيق العيد وهو مطبوع. واعتمد كثيرًا على كتاب: المفاتيح في شرح المصابيح لمظهر الدين الزيداني وأكثر النقل منه. وقد تكرّم عليّ الأخ الدكتور/ فهد بن صالح اللحيدان أستاذ مساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فقدم لي نسخته الخطية التي بذل جهدًا في مقابلتها على عدد من النسخ الخطية التي سيأتي وصفها.

стр. 16

فأشكر له كرمه وجوده والعلم رحِم بين أهله. وجزاه الله خيرًا. هذا وقد بذلت جهدي المستطاع في خدمة هذا الكتاب وإخراجه بالحُلة اللائقة به. راجيًا من الله الأجر والثواب. وأسأل الله تعالى أن يتقبل مني عملي ويغفر لي خطأي وزللي. ويجزل النفع بما قدمت لطلاب العلم والمستفيدين، فأنال بذلك صالح دعواتهم وكريم ترحمّاتهم، فأسعد بها وأكون من الفائزين. كما أرجو منه سبحانه أن يختم بالصالحات أعمالنا ويحفظ علينا ديننا وإيماننا، في أنفسنا وأهلينا وأولادنا وذوينا، ويتولانا وإياهم في الدنيا والآخرة، ويرحم والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين، وهو أرحم الراحمين. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه محمد إسحاق محمد آل إبراهيم الرياض، حي الريان.

стр. 17

ترجمة الإمام ابن الجزري (١) اسمه ونسبه: هو الحافظ الحجة الثبت، إمام الأئمة، أستاذ المقرئين والمفسِّرين والمحدِّثين، شمس الحق: محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري (٢)، الدمشقي، الشيرازي، الشافعي، السَّلَفي (٣)، كنيته "أبو الخير". _________ (١) مصادر ترجمته: الأنس الجليل (٢/ ١٠٩)، والبدر الطالع (٢/ ٢٥٧)، وذيل التذكرة (٣٧٦)، وطبقات القرَّاء (٢/ ٢٤٧)، غاية النهاية (٢/ ٢٤٧). والضوء اللامع (٩/ ٢٥٥)، هدية العارفين (٢/ ١٨٨، ١٨٧)، وشذرات الذهب (٣/ ٦٧). (٢) الجَزَري: نسبةً إلى جزيرة ابن عُمَر ببلاد ديار بكر بالقرب من الموصل، كذا ذكره ابنه في شرحه على الطيِّبة وتبعه من بعده في إجماله. انظر: شرح طيبة النشر للنويري (١/ ٣٢) والمنح الفكرية للملَّا علي قاري (ص ٤). قال ابن بطوطة: ونزلنا جزيرة ابن عمر وهي مدينة كبيرة حسنة محيط جها الوادي ولذلك سميت جزيرة وأكثرها خراب ولها سوق حسنة ومسجد عتيق مبني بالحجارة محكم العمل وسورها مبني بالحجارة أيضًا وأهلها فضلاء لهم محبة في الغرباء ويوم نزلنا جها رأينا جبل الجودي المذكور في كتاب الله الذي استوت عليه سفينة نوح ﵇ وهو جبل عال مستطيل). يقول ياقوت في معجم البلدان (١/ ١٣٨): "جزيرة ابن عُمر فوق الموصل، يحيط بها نهر دجلة". (٣) أطلق على نفسه لقب "السَّلفي" كما في منظومته في علم الحديث والمسماة بـ "الهداية في علم الرواية": يقول راجي عفوَ ربٍ رؤفِ … محمدُ بن الجزريِّ السَّلفي. وقام بشرحها الإمام السَّخاوي وأسماه "الغاية في شرح الهداية" =

стр. 18

وقد تنقل بين الأوطان والبلدان، وغَلبَ عليه الارتحال بين الأمصار، حتى كاد يُنسب لكل قُطْرٍ ومِصْر. مولده، ونشأته: ولد يوم الجمعة ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة هـ، داخل خط القصَّاعين بين السوريين بدمشق الشام. (١) وقد نشأ في دمشق الشام، وفيها حفظ القرآن وأكمله وهو ابن ثلاثة عشر سنة، وصلَّى بالناس إمامًا وهو ابن أربعة عشر (٢). ثم اتجه إلى علوم القراءات فتلقَّاها عن جهابذة عصره، وأساطين _________ = مطبوع في مجلدين، بتحقيق: محمد سيدي الأمين. السَّلفي -بفتح السين واللام وفي آخرها الفاء-: (نسبةً إلى السلف، وانتحال مذهبهم) الأنساب للسمعاني: (٣/ ٢٧٣)، وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "ولا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا". مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٩)، وقال الإمام الذهبي: "السَّلفي: هو من كان على مذهب السلف". سير أعلام النبلاء: (١٣/ ١٨٣ و ٣٨٠). (١) ويُحكى في أمر الحَمْلِ به قصة عجيبة: إذ كان أبوه تاجرًا، ومكث أربعين سنة لم يرزق ولدًا، فحج وشرب من ماء زمزم، وسأل الله تعالى أن يرزقه ولدًا عالمًا، فولد له ابنه محمد هذا بعد صلاة التراويح. (٢) الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥)، البدر الطالع (٢/ ٢٥٧)، الغاية شرح الهداية (١/ ٦٦ و ٦٧).

стр. 19

وقته، من علماء الشام ومصر والحجاز إفرادًا وجمعًا بمضمن كتبٍ كثيرة: كالشاطبية، والتيسير، والكافي، والعنوان، والإعلان، والمستنير، والتذكرة، والتجريد، وغيرها من أمهات الكتب وأصول المراجع (١). ولم يكن ابن الجزري عالمًا في التجويد والقراءات فحسب بل كان عالمًا في شتى العلوم من تفسيرٍ، وحديثٍ، وفقهٍ، وأصولٍ، وتوحيدٍ، وتصوّفٍ، وبلاغةٍ، ونحوٍ، وصرفٍ، وغيرها، وسأحاول هنا إبرازِ اهتمامه في الحديث خاصَّة. شيوخه: ليس من السهل استقصاء الشيوخ الذين أخذ عنهم الإمام ابن الجزري، لكونهم يفوقون الحصر، ولكن نذكر بعضًا منهم: فممن تلقى عنهم القراءات والتجويد: أولًا: من علماء دمشق: ١. العلامة أبو محمد عبد الوهاب بن السُّلَار (٢). _________ (١) طبقات القرَّاء (٢/ ٢٤٧). (٢) إمام مقرئ محقق صالح، ولد سنة ٦٩٨ هـ، تلا بالسبع مفردًا وجامعًا، وقصده الخلق من جميع الأقطار، توفي ثامن عشر شعبان سنة ٧٨٢ هـ، ودفن بمقابر الصوفية جوار شيخ الإسلام ابن تيمية، ووَليَ بعده ابن الجزري المشيخة الكبرى. غاية النهاية برقم: (١٩٤٨).

стр. 20

٢. الشيخ أحمد بن إبراهيم الطحَّان (١). ٣. الشيخ أبو المعالي محمد بن أحمد اللَّبَّان (٢). ٤. الشيخ أحمد بن رجب (٣). ٥. القاضي أبو يوسف أحمد بن الحسين الكفري الحنفي (٤) _________ (١) ولد سنة ٧٠٢ هـ، ووَلِيَ مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد ابن اللَّبان، قرأ عليه ابن الجزري نحو ربع القرآن لابن عامر والكسائي ثم جمع عليه الفاتحة وأوائل البقرة بالعشر واستأذنه في الإجازة فتفضل وأجاز ولم يكن له بذلك عادة، توفي سنة ٧٨٢ هـ. غاية النهاية برقم: (١٢٨). (٢) ولد سنة ٧١٥ هـ، أقبل على الإقراء فلم يكن في زمانه أحسن استحضارًا منه للقراءات، ووَليَ مشيخة الإقراء بالدار الأشرفية وبجامع التوبة والجامع الأموي ومشيخة مشايخ الإقراء بتربة أم الصالح بدمشق لأن من شرطها أن يكون شيخها أعلم أهل البلد في القراءات، توفي ﵀ سنة ٧٧٦ هـ. غاية النهاية برقم: (٢٦٨٩). (٣) أبو العباس البغدادي، نزيل دمشق الشيخ الصالح الكبير القدر، توفي ثاني ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وسبعمائة بدمشق ودفن بمقابر الصوفية. غاية النهاية برقم: (٢٢٢). (٤) قاضي القضاة بدمشق إمام كبير ثقة صالح، ولد سنة ٦٩١ هـ، وكان كثير الفضل على ابن الجزري وبشره بأشياء وقع غالبها، وكان أجلَّ من قرأ عليه تصدر للإقراء بالمقدمية والزنجيلية، توفي تاسع عشر صفر سنة ٧٧٩ هـ بدمشق ودفن بالسفح. غاية النهاية برقم: (١٩٨).

стр. 21

ثانيًا: من علماء مصر: الشيخ أبو بكر عبد الله بن الجندي (١). العلامة أبو عبد الله محمد بن الصائغ (٢) .. _________ (١) شيخ مشايخ القراء بمصر، مؤلف ثقة، ولد سنة ٦٩٩ هـ بدمشق، أثنى عليه الإمام الذهبي، كان كثير الاستحضار، ألف كتاب البستان في القراءات الثلاثة عشر، وألف شرحًا على الشاطبية يتضمن إيضاح شرح الجعبري رآه ابن الجزري يبيِّض فيه، وكان ثقةً عالمًا، مات بالقاهرة ودفن خارج باب النصر. غاية النهاية برقم: (٧٩٨). (٢) الشيخ الإمام العلامة شمس الدين، ولد بالقاهرة سنة ٧٠٤ هـ، وقرأ القراءات إفرادًا وجمعًا للسبعة والعشرة، مهر في العلوم ودقق وتقدم في الأدب، وبالجملة لم يكن في زمنه حنفي أجمع للعلوم منه ولا أحسن ذهنًا وتدقيقًا وفهمًا وتقريرًا وأدبًا، وتصدر للعربية والإقراء بالجامع الأموي، يقول ابن الجزري: (فقرأت عليه، فلما أن ختمت عليه الختمة الثانية وكتب لي الإجازة بخطه سألته أن يذهب إلى شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي شيخ الشافعية فذهب إليه وهو بالمدرسة الناصرية من القاهرة فأشهده وما كان شيخنا الأسنوي يعلم أني أقرأ القراءات فقال له والقراءات أيضًا فقال وغيرها من العلوم ثم قال بحضوري: يا سيدي ادع الله أن يطيل عمره فقال ما رأينا شخصًا ذكيًا مثل هذا الشاب يكون عمره طويلًا فرفعا أيديهما وأنا أنظر ودعيا لي بطول العمر وقد استجاب الله تعالى منهما ولله الحمد فلا أعلم أحدًا اليوم هو على وجه الأرض يروي عنهما غيري فرحمهما الله تعالى)، توفي سنة ٧٧٦ هـ. غاية النهاية برقم: (٣٠٣٧).

стр. 22

الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن البغدادي (١). الشيخ عبد الوهاب القروي (٢). ثالثًا: من علماء المدينة المنورة: لما رحل إلى مكة لأداء فريضة الحج، وزيارة مسجد النبي ﷺ سنة ٧٦٨ هـ، قرأ على الشيخ أبي عبد الله محمد بن صالح (٣)، إمام وخطيب الحرم النبوي الشريف. _________ (١) هو الشيخ الإمام العلامة، ولد سنة ٧٠٢ هـ، وقرأ بالروايات الكثيرة، وبرع في الفن وأخذ العربية والفقه عن ابن عدلان، وشرح الشاطبية بشرحين واختصر البحر المحيط في التفسير لأبي حيان، ونظم غاية الإحسان في النحو له وقرأه عليه وكتب له بخطه عليه، وانتهت إليه مشيخة الإقراء بالديار المصري مع الصيانة والخير والانقطاع عن الناس، توفي سنة ٧٨١ هـ. غاية النهاية برقم: (١٤٩٤). (٢) مقرئ، مسند، ثقة، ولد سنة ٧٠٢ هـ، انفرد بالإقراء في الإسكندرية، غير أنه ترك الفن وأعرض عن الإقراء آخرًا، وكان صالحًا خيِّرًا من أعيان من أدركه ابن الجزري بالإسكندرية قرأ عليه كتاب الموطأ، وجزءًا مخرجًا في حديثه خرجه الذهبي له، مات في شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بالإسكندرية. غاية النهاية برقم: (١٩٤٥). (٣) محمد بن صالح بن إسماعيل أبو عبد الله المقرئ شيخ المدينة النبوية ومن انتهت إليه القراءة علوًا بالحجاز ثقة صالح خير، باشر الخطابة والإمام بالمدينة الشريفة زمنًا. غاية النهاية برقم: (٢٩٩٧).

стр. 23

وممن تلقى عنهم الحديث والفقه والأصول والمعاني والبيان: تلقى هذه العلوم من خَلْقٍ كثير، خاصَّةً من شيوخ مصر، فأبرز اثنين منهم: ١. الإمام المفسر المحدث الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير (١)، وهو أول من أجاز له بالإفتاء والتدريس سنة ٧٧٤ هـ. ٢. شيخ الإسلام البلقيني، وأَذِنَ له بالتحديث والإفتاء سنة ٧٨٥ هـ (٢). تدريسه، وتلاميذه: وَلِيَ مناصبَ كثيرة (٣)، وجلس للإقراء والتحديث في كل بلد أقام فيه، _________ (١) الإمام الحافظ المؤرخ الفقيه أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن درع القرشي البصروي ثم الدمشقي الشافعي، ولد سنة ٧٠١ هـ في قرية من أعمال بصرى الشام، وانتقل مع أخٍ له إلى دمشق سنة ٧٠٦ هـ، ورحل في طلب العلم. وتوفي بدمشق سنة ٧٧٤ هـ، تناقل الناس تصانيفه في حياتهـ. البدر الطالع (١/ ١٥٣)، التذكرة (٥٧ و ٣٦١)، وطبقات الشافعية (٩٠)، وطبقات المفسرين (١/ ١١٠)، وشذرات الذهب (٦/ ٢٣١). (٢) عمر بن رسلان بن نصير الكناني سراج الدين أبو حفص العسقلاني، ولد ببلقينة إحدى قرى مدينة المحلة الكبرى سنة (٧٢٤ هـ)، درس في القاهرة على يد كبار علماء عصره، ذاع صيته وصار شيخًا للشافعية في وقته لا يدانيه أحد في حفظ المذهب، وصنف كتبًا كثيرة، توفي في شهر ذو القعدة سنة (٨٠٥ هـ). شذرات الذهب (٧/ ٥١)، وحسن المحاضرة (٢٠٦ و ٣٦٩)، وطبقات الشافعية (١١١). (٣) الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥)، الغاية شرح الهداية (١/ ٦٦ و ٦٧).

стр. 24

فمن ذلك: أقرأ وحدَّثَ سنينَ عديدة تحت قبة النسر بالجامع الأموي. ثم تولَّى مشيخة الإقراء الكبرى بتربة أم الصَّالح، بعد وفاة شيخه. ووَلِيَ قضاء دمشق عام ٧٩٣ هـ. وكذا وَلِيَ القضاء بشيراز. وبنى بكل منهما للقراء مدرسة ونشر علمًا جمًا، سماهما بـ"دار القرآن". ثم وَلِيَ مشيخة الإقراء بالعادليَّة. ثم وَلِيَ مشيخة دار الحديث الأشرفيَّة. وكذا وَلِيَ مشيخة الصلاحية ببيت المقدس وقتا. ويُذكر في ذلك أنه جرت له كائنةً مع (قُطْلُبَك استادار أيْتَمُش)، ففرَّ منه إلى بلاد الروم، فاتصل بالملك أبي يزيد بن عثمان، فأكرمه وعظمه، وأقام عنده بضع سنين، إلى أن وقعت الكائنة العظمى التي قتل فيها ابن عثمان، فاتصل الإمام بالأمير تيمور، ودخل معه بلاد العجم، وبعد موت الأمير تيمور سنة ٨٠٧ هـ، خرج من بلاد ما وراء النهر، فوصل إلى خراسان ودخل مدينة هراة، ثم وصل إلى يزد، ثم إلى أصبهان فقرأ عليه للعشرة في هذه المدن جماعة، منهم من أكمل ومنهم من لم يكملوا، ثم توجَّه إلى شيراز سنة ٨٠٨ هـ، فأمسكه سلطانها، فقرأ عليه جماعة بها وانتفعوا به، وأُلزم بالضاء كُرْهًا، فقام به مدَّةً طويلة، ثم تمكن من الخروج منها إلى البصرة فقرأ عليه أبو الحسن الأصبهاني، ثم توجَّه للحج

стр. 25

سنة ٨٢٢ هـ، هو مع المولى معين الدين بن عبد الله قاضي كازرون فوصلا إلى قرية عنيزة بنجد، ثم توجها منها لأداء الفريضة فلم يتمكَّنا من الحج في هذه السنة لاعتراض الأعراب (١) لهما، ثم حجَّا في التي تليها، وجاور بمكة والمدينة، ثم رجع إلى شيراز، وفي سنة ٨٢٧ هـ قدم دمشق، ثم القاهرة وأقرأ وحدَّث، ثم رحل إلى مكة فاليمن تاجرًا، وحدَّث بها، ووصله ملكُها، فعاد ببضائعَ كثيرة، وحجَّ سنة ٨٢٨ هـ، ثم دخل القاهرة _________ (١) أي: قطَّاع الطريق، وهناك ختم تأليف نظمه المشهور (الدرة المضية في القراءات الثلاث المروية) والتي أورد في آخرها هذه الحادثة في الأبيات التالية: وتم نظام الدرة احسب بعدها … وعام أضا حجي فأحسن تقولا غريبةُ أوطانٍ بنجدٍ نظمتها … وعُظمُ اشتغالِ البالِ وافٍ وكيف لا صُدِدت عن البيت الحرامِ وزَوْري … المَقامَ الشريفَ المصطفى أشرفَ الملا وطوَّقني الأعرابُ بالليلِ غفلةً … فما تركوا شيئًا وكدتُ لأَقتَلا فأدركني اللّطفُ الخفي وردَّني … عنيزةَ حتى جاءني من تكفّلا بحملي وإيصالي لطيبةَ آمنًا … فيا ربِّ بلَغني مرادي وسهِّلا ومن بجمع الشمل واغفر ذنوبنا … وصل على خير الأنام ومن تلا عنيزة: بضم العين وفتح النون وسكون الياء وفتح الزاي مع تاء مربوطة؛ هكذا نطقها الصحيح، وهي كبرى مدن منطقة القصيم بل هي مدينة نجدية عريقة تعتبر عروس منطقة القصيم وعاصمتها من بلاد المملكة العربية السعودية.

стр. 26

في أول سنة ٨٢٩ هـ فمكث بها مدة ثم توجه إلى الشام، ثم إلى شيراز عن طريق البصرة، واستقرَّ بها يُقرئ ويُحدِّث إلى أن توفَّاه الله (١). تلامذته: أخذ عنه القراءات خلق لا يُحْصَون كثرةً وعددًا، منهم من قرأ بمضمنِ كتابٍ واحد، ومنهم من قرأ بمضمنِ أكثرِ من كتاب، وهناك من قرأ عليه كتب السنة، والمشيخات، والمسلسلات. فممن أكمل عليه القراءات العشر بتمامها: (٢) ١. ابنه أبو بكر أحمد الذي شرح طيبة النشر. ٢. الشيخ محمود بن الحسين بن سليمان الشيرازي. ٣. الشيخ أبو بكر بن مصبح الحموي. ٤. الشيخ عبد الله بن قطب بن الحسن البيهقي. ٥. الشيخ أحمد بن محمود بن أحمد الحجازي الضرير. ٦. المحب محمد بن أحمد بن الهايم. ٧. الشيخ الخطيب مؤمن بن علي بن محمد الرومي. ٨. الشيخ يوسف بن أحمد بن يوسف الحبشي. ٩. الشيخ علي بن إبراهيم بن أحمد الصالحي. _________ (١) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر (١/ ١٩٨)، والضوء اللامع (٩/ ٢٥٥)، وذيل التذكرة (٣٧٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٦٧). (٢) ذكرهم الإمام ابن الجزري جميعهم عند ترجمته لنفسه في غاية النهاية (برقم: ٣٣٥٠).

стр. 27

١٠. الشيخ علي بن حسين بن علي اليزدي. ١١. الشيخ موسى الكردي. الشيخ علي بن محمد بن علي بن نفيس. ١٢. الشيخ أحمد بن إبراهيم الرماني. ١٣. الشيخ عثمان بن عمر بن أبي بكر بن علي الناشريّ الزبيديّ العدناني من علماء زبيد اليمن، عام ٨٢٨ هـ، شارح "الدرة المضية في القراءات الثلاث المروية". وفاته: توفي ضحوة يوم الجمعة لخمسٍ خلوْنَ من أوَّل الربيعين سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة (٨٣٣ هـ) بمنزله بسوق الإسكافيين بمدينة شيراز، ودفن بدار القرآن التي أنشأها بها عن اثنين وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة، تبادر الأشراف والخواص والعوام إلى حملها، وقد اندرس بموته كثير من مهام الإسلام وعَظُمَتْ برحيله الرزيَّة (١)، فرحمه الله رحمةً واسعةً ورَضِيَ عنه، وجعل بحبوحة الفردوس الأعلى منزله ومثواه، وجزاه عن العلم وأهله خير ما يجزي به العلماء المخلصين. وثناء العلم عليه: شهد القاصي والداني في زمانه وإلى يومنا هذا بمكانته، وعِظَمِ شأنه، وما أوضح ذلك فيمن ترجم له في قرنه وما بعده، حيثما يندر من يُتَرْجَمُ له في هذه الكتب وليس مُجَازًا بالرواية عن الإمام ابن الجزري في _________ (١) غاية النهاية برقم: (٣٣٥٠).

стр. 28

القراءات، أو في الحديث، أو في مصنفاته. ومما يُبْرِزُ هذا المعنى: أن والدته الشيخة الصالحة "عائشة بنت الحسن بن علي الدمشقية"، سمعت بإفادة ولدها الإمام شمس الدين ابن الجزري وروت عنه. (١) وأغلب من يُترجِم له، يَعدُّه في طبقة أصحاب "الفخر بن البخاري" (٢). لقد كان الإمام ابن الجزري من أفذاذ العلماء في عصره، أثنى عليه معاصروه ومن بعدهم الثناء الجم، ومن ذلك: قول الحافظ ابن حجر: (الحافظ الإمام المقرئ، ولد بدمشق، وتَفَقَّه بها، ولَهَجَ بطلب الحديث والقراءات، وبرز في القراءات، وعَمَّر مدرسةً للقرَّاء سماها "دار القرآن" وأقرأ الناس، وعُيِّنَ لقضاء الشام مرة، وكتب توقيعه عماد الدين بن كثير). (٣) وقال: (في موضعٍ آخر: (وقد انتهت إليه رئاسة علم القراءات في _________ (١) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر (١/ ١٠٦)، وماتت رحمها الله في ربيع الآخر من سنة (٧٨٥ هـ). (٢) هو أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي فخر الدين، ويُعرف بـ"ابن البخاري" عالم فقيهٌ محدِّثٌ، ولد سنة (٥٩٦ هـ)، وتوفي سنة (٦٩٠ هـ)، من مصنفاته: "أسنى المقاصد وأعذب الموارد" في ترجمة شيوخه، يروي عنه بواسطة: "صلاح الدين المقدسي، وابن أميلة المراغي، والمحب، وغيرهم"، فيعدُّونه من أصحابه لتبجيل أصحابه له. (٣) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر (١/ ١٠٦).

стр. 29

الممالك … وكان يلقب في بلاده الإمام الأعظم). (١) وقال عنه أيضًا: (وعَجِبَ الناسُ من شدة حرصه، مع كثرة ماله وعلوِّ سنه، وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز). (٢) وقال تلميذه الإمام السَّخاوي: "وأَذِنَ له غيرُ واحدٍ بالإفتاء والتدريس والإقراء بالعادلية، ثم مشيخة دار الحديث الأشرفية، ثم مشيخة تربة أم الصالح بعد شيخه ابن السلار، وعمل فيه إجلاسًا بحضور الأعلام كالشهاب بن حِجِّي، وكان درسًا جليلًا". (٣) وقال (في موضعٍ آخر: "وانتفع به أهل الآفاق خصوصًا شيراز والروم في القراءات والحديث، وسارت تصانيفه، وتقدَّم عند الملوك، وجاور بكلٍ من الحرمين، وأخذ عن أهلهما … ووَصَفَه شيخي بالحفظ". (٤) قال تلميذه الإمام النويري: (واعتنى بعلوم القراءات والحديث فأتقنها وبهر فيها، حتى برع ومهر، وفاق غالب أهل عصره، وتفقَّه على الشيخ عماد الدين بن كثير، وهو أوَّل من أَذِنَ له في الفنون والتدريس). (٥) قال الإمام السيوطي: (لا نظير له في عصره، حافظًا للحديث … ألَّف _________ (١) انظر كذلك المصدر السابق (٢/ ٥٨١ و ٥٨٢). (٢) وكذلك المصدر السابق (٢/ ٥٢٩). (٣) انظر: الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥). (٤) انظر: الغاية شرح الهداية (١/ ٦٧)، ويقصد بشيخه: "الحافظ ابن حجر". (٥) شرح طيِّبة النشر (١/ ٣٣).

стр. 30

"النشر في القراءات العشر" لم يُصَنَّفْ مثله، وله أشياء أُخَر، وتخاريج في الحديث، وعملٌ جيِّد، وصفه ابن حجر بالحفظ في مواضع عديدة من الدرر الكامنة). (١) قال الشوكاني: (وقد تفرَّد بعلم القراءات في جميع الدنيا، ونشره في كثير من البلاد، وكان من أعظم فنونه وأجلِّ ما عنده). (٢) وحكى صاحب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية أن الإمام ابن الجزري لمَّا وصل هو وتيمور إلى سمرقند، عمل تيمور هناك وليمةً عظيمة، فجعل على يساره أكابر الأمراء وعلى يمينه العلماء، فقدَّم الإمام ابن الجزري على الإمام السيد شريف الجرجاني، فعوتب في ذلك، فقال: (كيف لا أقدِّم رجلًا عارفًا بالكتاب والسنة) (٣) وغير ذلك من الأقوال. عناية الإمام ابن الجزري بالحديث الشريف وعلومه: اهتمامه بالأسانيد والإجازات، ومعرفته بأحوال الرواة. ذَكَرَ الطاووسي الإمام ابن الجزري في مشيخته وقال: (إنه تفرد بعلو الرواية، وحفظ الأحاديث، والجرح والتعديل، ومعرفة الرواة المتقدمين والمتأخرين، وأورد أسانيده بالصحيحين، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وبمسانيد الدارمي، والشافعي، وأحمد، وبموطأ مالك، عن طريق يحيى بن يحيى، وأبي مصعب، والقعنبي، وابن بكير، وبمصنفات _________ (١) ذيل تذكرة الحفاظ (٣٧٧). (٢) البدر الطالع (٢/ ٢٥٧). (٣) الشقائق النعمانية (٤/ ٣٩٨).

стр. 31

البغوي، والنووي، كما سقتها في التاريخ الكبير) (١). وقال الحافظ ابن حجر في معجمه: (أنه حدَّث بسنن أبي داود والترمذي عن ابن أميلة سماعًا وبمسند أحمد عن الصلاح بن أبي عمر سماعًا وأن من أحسن ما عنده الكامل في القراءات لابن جبارة، وساق سنده وأنه سمع على ابن أميلة أمالي ابن سمعون) (٢). وقال أيضًا عنه: (وخرَّج لنفسه أربعين عشارية لفظها من أربعينية الحافظ العراقي، وخرج جزءًا فيه مسلسلات بالمصافحة وغيرها، جمع أوهامه فيه في جزء الحافظ ابن ناصر الدين، قال السخاوي: وهو مفيد). (٣) وقال أيضًا: وقد أجاز لي ولولدي سائر مروياته. (٤) ثم قال: وكنتُ لقيته في سنة ٧٩٧ هـ وحرضني على الرحلة إلى دمشق وقد حدَّثتُ عنه في حياته بكتابه "الحصن الحصين" (يعني بالوجادة) فقال: قال صاحبنا فلان، لكونه لم تكن سبقت له منه إجازة، وحصل له في البلاد اليمنية بسبب ذلك رواجٌ عظيمٌ، وتنافسوا في تحصيله وروايته، ثم دخل بعد نيف وعشرين وثمانمائة وقد مات كثير ممن سمعه فسمعه الباقون وأولادهم عليه. (٥) _________ (١) نقله في الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥). (٢) إنباء الغمر (٢/ ٥٨٢). (٣) المصدر السابق (٢/ ٥٨٢ و ٥٨٣). (٤) إنباء الغمر (٢/ ٥٨٢). (٥) المصدر السابق (٢/ ٥٨٢ و ٥٨٣).

стр. 32

وقال أيضًا: (ولما أقام بمكة نسخ بخطه من أول المقدمة التي جمعتها أول شرح البخاري واستعان بجماعة حتى أكملها تحصيلًا، وكان أرسل إلى صاحبنا التقي الفاسي في مكة من شيراز يسأله عن تعليق التعليق الذي خرجته في وصل تعاليق البخاري، فاتفق وصول كتابه وأنا بمكة ومعي نسخة من الكتاب فجهزتها إليه فجاء كتابه يذكر ابتهاجه وفرحه بها، وأنه شهر الكتاب بتلك البلاد وأهدى إلى بعد ذلك كتابه النشر المذكور، قلت وهو في مجلدين وكتب على كل مجلد منهما بالإجازة لشيخنا، قال: والتمس أن ينشر في الديار المصرية وقدر مجيئه، فنشرته وعلمًا كثيرًا، ثم أرسل إليَّ من شيراز بالمقدمة والتعليق، فألحقت بهما ما كان تجدَّدّ لي بعد حصولهما له، وكتب عني شيئًا من أول ما علقته متعقبًا على جميع رجال مسند أحمد، وبالغ في استحسان ما وقع لي من ذلك). (١) وكان لابن الجزري اهتمامًا بالغا بمسند الإمام أحمد، دراسةً لأسانيده، ومعرفةً برجاله، وعرضًا وسماعًا، وختمًا وإجازةً، حتى أنَّ له فيه ثلاثة كتب مخصوصة، وهي: ١. القصد الأحمد في رجال مسند أحمد. ٢. المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد. ٣. المصعد الأحمد في ختم مسند أحمد. ومما اهتم به كذلك الأحاديث العوالي، وتخريج المشيخات، والمستخرجات على أربعينيات من سبقه، وتذييله على كتب الرجال، _________ (١) المصدر السابق (٢/ ٥٨٢ و ٥٨٣). باختصار.

стр. 33

وتقييده لما ائتلف واختلف من الأسماء والكنى، ناهيك عن تصنيفه في المصطلح نظمًا ونثرًا. وكذلك اهتم بشرح السنة، ومن أجلِّ شروحاته لكتب السنة: (التوضيح شرح مشكاة المصابيح) في ٣ مجلدات، أثنى عليه عدد من العلماء. وقد اشتغل بالتحديث والإملاء سنينَ طويلة، في الأقطار والأمصار في رحلته إليها والاستقرار فيها، والخروج منها، والرجوع إليها، باختلافٍ في المُدَّة بين طويلةٍ وقصيرة، فلقد كان هذا ديدن الإمام حتى استقرَّ في شيراز سنيَّ عمره الأخيرة، وانتفع به الخلق الكثير. مؤلفاته: كان الإمام ابن الجزري غزير الإنتاج في ميدان. التأليف في أكثر العلوم والفنون، ويدل تنوع موضوعات مؤلفاته تنوع عناصر ثقافته، فإلى جانب تأليفه في القراءات وعلوم القرآن، ألَّفَ في الحديث ومصطلحه، والفقه وأصوله، والتأريخ والمناقب، والسير والتراجم، وعلوم العربية، وغير ذلك، فقد تجاوز عدد مصنفاته السبعين كتابًا (١): _________ (١) انظر هذه المؤلفات في المصادر التالية: هدية العارفين (١/ ١٨٧ و ١٨٨)، الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥)، شرح طيبة النشر (١/ ٣٤ و ٣٥)، الأعلام (٧/ ٤٣)، مقدمة تحقيق "منجد المقرئين" (٢٢)، قائمة مصنفات الإمام ابن الجزري "منشورات مركز الماجد ١٤١٤ هـ"، فهارس المخطوطات والمطبوعات.

стр. 34

أولًا: في القرآن وعلومه: ١. أصول القراءات. ٢. فضائل القرآن. ٣. النشر في القراءات العشر. ٤. تقريب النشر في القراءات العشر. ٥. طيبة النشر في القراءات العشر. (نظم). ٦. المقدمة فيما على قارئ القرآن أن يعلمه، المشهورة بـ: "المقدِّمة الجزرية". ٧. التمهيد في علم التجويد. ٨. منجد المقرئين ومرشد الطالبين. ٩. تحبير التيسير في القراءات العشر. ١٠. الإعلام في أحكام الإدغام، (شرح أرجوزة أحمد المقري). ١١. الألغاز الجزرية، (أرجوزة ضمَّنها ٤٠ مسألة من المسائل المشكلة في القرآن). ١٢. العقد الثمين في ألغاز القرآن المبين، (شرحٌ للأرجوزة السابقة). ١٣. تحفة الإخوان في الخُلْفِ بين الشاطبية والعنوان. ١٤. التقييد في الخُلْفِ بين الشاطبية والتجريد. ١٥. التذكار في رواية أبان بن يزيد العطار. ١٦. التوجيهات في أصول القراءات. ١٧. جامع الأسانيد في القراءات.

стр. 35

١٨. الدرة المضية في قراءات الأئمة الثلاثة المرضية. ١٩. رسالة في الوقف على الهمز لحمزة وهشام. ٢٠. الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء. ٢١. هداية المهرة في ذكر الأئمة العشرة المشتهرة. ٢٢. هداية البررة في تتمة العشرة، (نظم). ٢٣. إعانة المهرة في الزيادة على العشرة. ٢٤. نهاية البررة فيما زاد على العشرة، (نظم). ٢٥. كفاية الألمعي في قوله تعالى: (يا أرض ابلعي). ثانيًا: في الحديث وعلومه: ٢٦. الأربعون حديثًا الجزرية. ٢٧. الأولية في الأحاديث الأولية. ٢٨. البداية في علوم الرواية. ٢٩. تذكرة العلماء في أصول الحديث، (مختصر بداية نظم الهداية). ٣٠. التوضيح في شرح المصابيح (في ٣ مجلدات)، وهو شرح مصابيح البغوي. ٣١. الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين في الأذكار والدعوات. ٣٢. جُنَّةُ الحصن الحصين، (مختصر للحصن الحصين). ٣٣. عدة الحصن الحصين، (مختصر آخر للحصن الحصين). ٣٤. مفتاح الحصن الحصين، (وهو شرح الحصن الحصين).

стр. 36

٣٥. عقد اللآلي في الأحاديث المسلسلة العوالي. ٣٦. القصد الأحمد في رجال مسند أحمد. ٣٧. المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد. ٣٨. المصعد الأحمد في ختم مسند أحمد. ٣٩. الفوائد المجمعة في زوائد الكتب الأربعة. ٤٠. مقدمة علوم الحديث، (نظم). ٤١. الهداية في علم الرواية (نظم)، شرحه السخاوي وأسماه: (الغاية). ٤٢. عوالي القاضي أبي نصر. ٤٣. تخريج مشيخة الجنيد بن أحمد البلياني. ٤٤. تكملة ذيل التقييد لمعرفة رواة السنن والأسانيد. ثالثًا: في الفقه وعلومه ٤٥. غاية المنى في زيارة منى. ٤٦. التكريم في العمرة من التنعيم. ٤٧. الإبانة في العمرة من الجعرانة. ٤٨. شرح منهاج الأصول للبيضاوي. رابعًا: في اللغة وعلومه: ٤٩. الجوهرة في النحو، (نظم). ٥٠. الإصابة في لوازم الكتابة.

стр. 37

٥١. الاعتراض المبدي لوهم التاج الكندي. ٥٢. حاشية على الإيضاح في المعاني والبيان لجلال الدين القزويني. خامسًا: في التاريخ والسير والتراجم: ٥٣. تاريخ ابن الجزري. ٥٤. مختصر تاريخ الإسلام للذهبي. ٥٥. ذات الشفا في سيرة المصطفى ومن بعد من الخلفا، (نظم). ٥٦. ذيل طبقات القراء للذهبي. ٥٧. الذيل على مرآة الزمان للنووي. ٥٨. المولد الكبير في السيرة. ٥٩. التعريف بالمولد الشريف. ٦٠. عرف التعريف بالمولد الشريف، (مختصر التعريف). ٦١. أحاسن المنن وأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب. ٦٢. غاية النهاية في أسماء رجال القراءات، (مختصر طبقات القراء له). ٦٣. نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات (مختصر طبقات القراء الكبير). سادسًا: في تصانيفَ مختلفة: ٦٤. فضل حراء. ٦٥. وظيفةٌ مسنونة. ٦٦. منظومةٌ في لغز.

стр. 38

٦٧. منظومةٌ في الفلك. ٦٨. الإجلاء والتعظيم في مقام إبراهيم. ٦٩. مختار النصيحة بالأدلة الصحيحة. ٧٠. الرسالة البيانية في حق أبوي النبي. ٧١. الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح. لا يختلف اثنان على علوِّ مكانةِ ورفعةِ منزلةِ الإمام ابن الجزري وكان إمامًا مبرِّزًا في القرآن وعلومه وفي الحديث وعلومه، وتراث هذا الإمام يحتاج إلى عناية، في جميع الفنون والعلوم. خاصة من حيث الصناعة الحديثية وطريقة تأليفه في المصطلح، وحكمه على الرجال، وأقواله في الجرح والتعديل، والموازنة بينها، وحكمه على الأحاديث والآثار، ومنهجه في ذلك كله، وكذا الوقوف على ما يذكره من فروق بين صناعة القرَّاء وصناعة المحدِّثين في الأسانيد وما ينبني عليها من قبولٍ ورد، فهو المبرِّزُ في الحديث، وهو المبرِّز في القراءات. * * *

стр. 39

التعريف بالمُؤلِّف (١) اسمه: هو العلاّمةٌ الحافظُ المُقرئ مُلا (٢) علي بن سُلطان بن مُحَمَّد القَاري (٣) الهَرويُّ (٤)، ثُمَّ المكيُّ (٥)، الحنفيّ (٦) يُكنى بأبي الحَسن. مَولده ونشأته: وُلد العلَامةُ عليِّ القاري بمدينة هَرَاة، وهي مدينة بخُراسان، بجُمهورية أفغانستان الإسلامية الآن. ولم يُعرف تاريخ ولادته. _________ (١) انظر بعض مصادر ترجمته في: سمط النجوم العوالي (٤/ ٣٩٤)، وخلاصة الأثر (٣/ ١٨٥)، والبدر الطالع (١/ ٤٤٥)، والتاج المكلل (٣٩٨)، وهدية العارفين (١/ ٧٥٣)، والفوائد البهية (٨)، والأعلام للزركلي (٥/ ١٢)، المُلا علي القاري، فهرس مُؤلفاته وما كُتب عنه، لمحمد عبد الرحمن الشماع (مجلة آفاق الثقافة والتراث العدد: ١). للعام (١٤١٤). وقد طبعه مركز جمعة الماجد مستلا من مجلة أفاق. ومُلا علي القاري وآراؤه الاعتقادية في الإلهيات عرض ونقد، لمساعد المطرفي (رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، كلية أصول الدين). وقد ذكر الشماع كل ما كتب عن المؤلف. (٢) "مُلا" وهي كلمة فارسية، ومعناها عندهم، العالم المُتبحِّر الكبير الشأن. (٣) نسبة إلى قراءة القُرآن، وكان إماما في القراءات. (٤) نسبة إلى "هَرَاة" التي انتقل منها. (٥) نسبة إلى "مكة المُكرمة" التي سكنها، وبها مات. (٦) نسبة إلى مذهبه الفقهي، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، ﵀.

стр. 40

ثمَّ انتقل من هَراة إلى مَكة المُكرَّمة، حين تغلَّب على هَراة إسماعيل الصفويِّ الرَّافِضِيِّ، وحصل منه فتنة عظيمة، وحمل النَّاس على إلزامهم بشعائر دينهم المُخالفة للسُّنَّة، وقد ذكر هذا بنفسه، حيثُ قال: "الحمدُ لله على ما أعطاني من التَّوفيق والقُدرة على الهجرة من دار البدعة إلى خير دار السُّنَّة، التي هي مهبط الوحي، وظهور النُّبُوة، وأثبتني على الإقامة من غير حول مني ولا قوة" (١). شُيُوخُهُ: طلب العلم ببلدة هَراة، وحفظ القُرآن الكريم في صغره على الشَّيخ، معين الدِّين بن زين الدِّين الهرويِّ، ثم رحل إلى مكة المُكرَّمة، وتتلمذ على أشهر شيوخها، والواردين إليها، منهم الشيخ مُحمَّد بن عليِّ ابن أحمد الجُناحيِّ، وشهاب الدين أبو العبَّاس أحمد بن مُحمَّد بن عليِّ السَّعديِّ، المشهُور بابن حجر الهيتميِّ، صاحب كتاب الزواجر، والعلامة المُحدِّث عليِّ بن حُسام الدين القاضي المُتَّقي الهنَّدي، صاحب كتاب "كنز العُمال في سنن الأقوال والأفعال". ومُفسر مكة المُكرمة الشَّيخ عطية بن عليِّ السُّلميِّ المكِّيِّ، أخذ عنه علم الحديث والتفسير. والشَّيخ المُحدِّث عبد الله بن سعد الدين العُمَريِّ السِّنديِّ، والشَّيخ شمس الدين مُحمَّد بن عليِّ الجُناحيِّ الأزهريِّ، وغيرهم. _________ (١) انظر: شم العوارض (٩٤).
следующие страницы →