← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30622

شرح حلية طالب العلم - الشثري

سعد الشثري

Полный текст (199 стр.). Показаны 176–199 · переход к 181.

стр. 176

(٤٥) زكاة العلم (١): أدِّ (زكاة المال) صادعًا بالحق، أمَّارًا بالمعروف، نهَّاءً عن المنكر، موازنا بين المصالح والمضار، ناشرًا للعلم، وحب النفع وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم وغيره. قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه، فبذله صدقة ينتفع بها، والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه. فاحرص على هذه الحلية فهي رأس ثمرة علمك. ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق وآفته الكتمان. ولا تحملك دعوى فساد الزمان وغلبة الفُسَّاق، وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت، فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة، ورفع لواء الرذيلة. (١) قوله: "زكاة العلم"، هو الأدب الخامس والأربعون، الحرص على الدعوة بنشر العلم، وبثه في الأمة، سواء إذا وجدت شخصًا تاركًا لما تعلمُه من الخير والصدق، أو بواسطة مجالس العلم، أو بالتأليف أو نحو ذلك، وهكذا أيضًا الحرص على نفع الآخرين، والشفاعة الحسنة لهم. والعلم يزيد بالنفقة منه، كلما دعوت إليه، وعلمت الناس، بقي العلم في نفسك، وأعطاك الله علمًا لم تكن عالمًا به، وبارك الله في علمك، وكلما تكاسل الإنسان في نشر =

стр. 177

(٤٦) عزة العلماء (١): التحلي بـ (عزة العلماء): صيانة العلم وتعظيمه، وحماية جَنَاب عِزِّه وشرَفِه، وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به، وبقدر ما تهدره يكون الفوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم (٢). = العلم فإنه سينساه عن قرب، ولن يبارك له في علمه، وفي عصرنا الحاضر استجدت وسائل جديدة، فيحسن استعمالها جميعًا في نشر العلم والدعوة إلى الله ، بعض الناس يقولون: الناس قد فسدوا وتجاهلوا العلم، فنقول: هذه تجعلك تحرص على كثرة التعليم، وتبذل الأسباب فيه، فإذا فسد الناس، وكثر الجهل فيهم، فلا بد أن يقوم العلماء وطلبة العلم بالتعليم، وقد قال النبي ﷺ : (ما بال أقوام لا يُعلمون جيرانهم ولا يُفقهونهم ولا يُفطنونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟! وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطّنون) [¬١]، والفُسَّاق يريدون من العلماء أن يسكتوا ولا ينشروا علمًا، ولا يوجهوا الناس وينصحوهم؛ ليتمكنوا من مرادهم في فسقهم، لكن ينبغي ألا نحقق مطلوبهم، وأن نحتسب للأجر في بث العلم. (١) قوله: "عزة العلماء"، هو الأدب السادس والأربعون، بحيث لا يبذل العلماء علمهم فيما لا يناسبه من المواطن والمحال، وبحيث لا يكون العلماء ممن يبذل علمه في تحقيق أهواء الناس وأغراضهم المخالفة للشريعة. (٢) قوله: "التحلي بعزَّة العلماء"، وفسره بـ "صيانة العلم وتعظيمه وحماية جناب عزه".

стр. 178

وعليه فاحذر أن يتمَنْدل بك الكبراء (١)، أو يمتطيك السفهاء (٢)، فَتُلاين في فتوى، أو قضاء، أو بحث، أو خطاب. ولا تسعَ به إلى أهل الدنيا، ولا تقف به على أعتابهم، ولا تبذله إلى غير أهله وإن عظم قدره (٣). (١) قوله: "وعليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء"، أي: أن يجعلوك منديلًا يمسحون به أيديهم؛ لأنك تذل لهم، ومن ثم يتوصلون بك إلى تحقيق أغراضهم. (٢) قوله: "يمتطيك السفهاء"، يعني: يركبوك ويجعلوك مطية لهم، ومن ثم تُلاين لهم في فتوى أو في قضاء أو في بحث أو في خطاب، ومما يترتب على هذا أن يعز طالب العلم نفسه، فلا يذهب إلى مجالس أهل الدنيا إلا إذا دعوه ليبلغ حقه، وأما أن يذهب إليهم ابتداء فليس هذا مما يحسن فعله من طالب العلم. (٣) قوله: "ولا تَقِفْ به على اعتابهم"، وكثير من الأئمة يقول بأن مجالس العلم يؤتى إليها، ولا يصح أن تُنقل مجالس العلم إلى مواطن أهل الدنيا، فيقال: إذا أردت التعلم فتَعَال، والإمام أحمد وغيره من الأئمة طلبهم السلاطين في وقتهم إلى أن ينقلوا حديثهم في مواطن السلطان، فأبوا، وقال له الواثق [¬١]: أريد أن تعلم فلانًا وفلانًا من أبنائي. قال: فليحضروا إلينا وليتعلموا كما يتعلّم غيرهم. وجاء هشام بن عبد الملك فطاف بالبيت، وجاءت له مسألة، فجاء إلى عطاء، وكان يصلي، فما نقص من صلاته شيئًا، ثم بعد ذلك أجاب الناس حتى جاء الدور إلى هشام بن عبد الملك فأجابه عن مسألته، ولا زال العلماء في الزمان الأول يأتيهم الولاة ويأتيهم الأمراء، ويسألونهم في مسائلهم في بيوت العلماء، فالعلم يؤتى إليه.

стр. 179

ومَتِّع بَصَرَكَ وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا تَرَ فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لاسيما من جمع مثلًا في هذا، مثل كتاب "من أخلاق العلماء" لمحمد سلميان رحمه الله تعالى وكتاب "الإسلام بين العلماء والحكام" لعبد العزيز البدري رحمه الله تعالى، وكتاب "مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لفاروق السامرائي" (١). وأرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب "عزة العلماء" يسر الله إتمامه وطبعه. وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني علي بن عبد العزيز (م سنة ٣٩٢ هـ) رحمه الله تعالى، كما نجدها عند عدد من مترجميه، ومطلعها (٢): (١) قوله: "ومتع بصرك وبصيرتك .. " ذكر المؤلف نماذج من كتب أهل العلم التي ذكرت تراجم وسيرًا لأئمة مضوا حموا أنفسهم من إذلال علمهم بمثل هؤلاء، إلا أن بعض أهل العلم خص من هذا مجلس الإمام الأعظم، فالعلماء يجب عليهم أن يبلغوا ما لديهم من علم إليه، ومثل هذا يختلف باختلاف اجتهاد المجتهدين. كما أن ما سبق في نقل العلم والتعلم، أما في مجال الدعوة فإنه يحسن الذهاب للناس في مجالسهم من أجل الدعوة كما كان النبي ﷺ يغشى المجالس في المدينة وفي مكة ومنى من أجلها. (٢) وذكر المؤلف قصيدة الجرجاني، وفيها شيء من هذا المعنى، وقد جاء في مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن) [¬١]، وهذا له أسانيد متعددة يُقوِّي بعضها بعضًا.

стр. 180

يقولون لي فيك انقباض وإنما … رأوا رجلًا عن موضع الذل أحْجَما أرى الناس من داناهم هان عندهم … ومَنْ أَكْرَمَتْهُ عزة النفس أُكْرِمَا ولو أنَّ أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظَّموه في النفوس لَعُظْمَا (لعظما) بفتح الظاء المعجمة المشالة. (٤٧) صيانة العلم (١): إن بلغت منصبًا، فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم، أو الفتيا، أو القضاء .. وهكذا، فأعْطِ العلم قدره وحَظَّهُ من العمم به، وإنزاله منزلته. واحذر مسلَكَ مَنْ لا يرجون الله وقارًا، الذين يجعلون الأساس (حفظ المنصب)، فيطوون ألسنتهم عن قول الحق، ويحملهم حب الولاية على المجاراة. (١) قوله: "صيانة العلم"، هذا أدب آخر من آداب طالب العلم، وهو أن المرء إذا كان في منصب أو ولاية، فلا ينبغي أن ينقطع عن طلب العلم أو إقرائه وتدريسه ليبقى العلم عنده؛ وذلك أنه بالتعليم والتدريس يبقى هذا العلم الذي وصل به الإنسان إلى هذه الولاية، وبذلك يُرْضِي ربه - جل وعلا -، ويتواصل الناس بالعلم وتعليمه وإقرائه، ويأخذ الخلف عن السلف، ويبقى العلم ويستمر في الأمة.

стр. 181

فالزم - رحمك الله - المحافظة على قيمتك بحفظ دينك وعلمك، وشرف نفسك، بحكمة دراية وحسن سياسة: "احفظ الله يحفظك"، "احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة". وإن أصبحت عاطلًا من قلادة الولاية - وهذا سبيلك ولو بعد حين - فلا بأس، فإنه عزل محمدة لا عزل مذمَّة ومنقصة. ومن العجيب أن بعض من حرم قصدًا كبيرًا من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد (التقاعد)، فهذا وإن كان توبته شرعية، لكن دينه ودين العجائز سواء؛ إذ لا يتعدى نفعه، أما وقت ولايته - حال الحاجة إلى تعدي نفعه - فتجده من أعظم الناس فجورًا وضررًا، أو بارد القلب أخرس اللسان عن الحق. فنعوذ بالله من الخذلان. = وأما إذا انقطع الإنسان عن التعلُّم والتعليم بسبب انشغاله بالولاية، فهذا يؤدي إلى جعله من أهل الجهالة؛ لأنه سينسي ذلك العلم الذي تعلمه، وكذلك ليعلم أن ترك المنصب لا يعني منقصة في صاحبه، وبالتالي ينبغي أن يتعوّد أصحاب المناصب على الاستمرار في العلم، وأن يوطدوا أنفسهم أنهم سيتركون مناصبهم عما قريب، ولذلك عليهم أن يحرصوا على تقوى الله حال ولايتهم، تقربًا لله - جل وعلا -، وكذلك إذا عُزِل الإنسان من منصبه لا ينبغي بطلبة العلم أن يقاطعوه، بحيث إذا كان في المنصب واصلوه ودرسُوا عليه، وإذا انقطع عن المنصب قاطعوه، هذا ليس من شأن أهل العلم، بل إذا ترك منصبه فإن هذا عزل محمدة، ومن ثمّ ينبغي بطلبة العلم أن يطلبوا عليه العلم؛ لأنه تفرَّغ للإقراء حينئذ، ولا ينقص ابتعاده عن قلادة الولاية من منزلته العلمية.

стр. 182

(٤٨) المداراة لا المداهنة (١): المداهنة خُلُق منحط، أما المداراة فلا، لكن لا تخلط بينهما، فتحملك المداهنة إلى حَضَار النفاق مُجَاهَرَة، والمداهنة هي التي تمس دينك. (٤٩) الغرام بالكتب (٢): شرف العلم معلوم؛ لعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه، كحاجة البدن إلى الأنفاس، وظهور النقص بقدر نقصه، وحصول اللذة والسرور بقدر تحصيله، ولهذا اشتد غرام الطلاب بالطلب، والغرام بجَمْعِ الكتب مع الانتقاء، ولهم أخبار في هذا تطول، وفيه مقيدات في خبر الكتاب يسر الله إتمامه وطبعه. (١) قوله: "المداراة لا المداهنة"، المداهنة ترك بعض الأحكام الشرعية من أجل صاحبك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، كأن تترك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وأما المداراة فهي المداراة فتكون بعدم عرض للمسألة التي تكون سببًا لإحراج أو مشكلة، وأقوم بتأجيل الكلام فيها، لكن المداهنة أن أوافقك وأنا لا أرى رأيك، ومن أمثلة المداراة: أن أعلم أن فلانًا يعصي الله بالمعصية الفلانية، لكنه لا يعصي الله عندي، فلا أتعرض لهذا خشية من هروبه من الحق وابتعاده عما أقوله من الخير، فأرشده إلى ما يصلح قلبه وإن لم أتعرض لمعصيته، كأن يكون على معصية سماع الأغاني، لكنه لا يسمعها لدي، فأقوم بالحديث معه في الصلاة وأهميتها، وكيف يستحضر قلبه في الصلاة، وهو يصلي؛ لأنه إذا استحضر القلب في الصلاة أثر ذلك على بقية أمره، لكن المداهنة أن أقول له: لا بأس، أو أن أحضر المسجل فأجعله يستمع للأغاني بحضرتي، أو أحضر ذلك المجلس فهذا مداهنة. (٢) هذه آداب لطالب العلم متعلِّقة بالكتب، منها: الأول: الحرص على الكتب جمعًا، بحيث يجمع كل ما يمكن أن يستفيد منه من كتب أهل العلم؛ وذلك أن الكتب فيها علم كثير، وفيها ترتيب للمسائل، وتُعِينُ الإنسان على بحث ما يعرض إليه من مسائل الفقه والشرع. =

стр. 183

وعليه فاحذر الأصول من الكتب، واعلم أنه لا يغني منها كتاب عن كتاب، ولا تحشر مكتبتك وتُشوّش على فكرك بالكتب الغثائية، لاسيما كتب المبتدعة؛ فإنها سمع ناقع. (١). (٥٠) قوام مكتبتك: عليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال، والتفقه في علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل، ومِنْ أَجَلِّهَا كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى. = الثاني: أن المرء حريص على استكمال مكتبته بالكتب في كل فن نافع، ومن ثم يكون لديه أصول المسائل. الثالث: أن يحذر من الكتب المطوّلة التي فيها كلام كثير وفائدتها قليلة، خصوصًا من كتب المعاصرين، فإن كلامهم كثير وفائدته قليلة، كذلك يحذر من كتب المبتدعة؛ لأنهم يدشون السم في الدسم، وقد يأتون بالكلمة لا يتفطن الإنسان لما فيها، انظر مثلًا في تفسير بعض المعتزلة لما ذكر الجنة وما وضعه الله فيها من خيرات: قال: ودخول الجنة أعلى نعيم يُحصِّله العبد، وهذا منطلق من عقيدة معتزلية في نفي رؤية المؤمنين الله التي هي أكمل النعيم، كما ورد في حديث صهيب: (فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ) [¬١]، فإنك لو قرأت الكتاب يمكن أن تمر عليك وترسخ في نفسك، ولا تتبين وجه الحق فيها. الأمر الرابع: أن يحرص على الكتب التي فيها استدلال بالأدلة، بحيث يتعود على الاستدلال، ويتعود على استنباط الفوائد من الأدلة الشرعية، ومن ثم يصبح ممن ارتبط بالدليل الشرعي، وقد ذكر المؤلف نماذج لمن كتب في ذلك.

стр. 184

وعلى الجادة في ذلك من قبل ومن بعد كتب: ١ - الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى (م سنة ٤٦٣ هـ) وأجل كتبه "التمهيد". ٢ - الحافظ ابن قدامة رحمه الله تعالى (م سنة ٦٢٠ هـ)، وأرأس كتبه "المغني". ٣ - الإمام الحافظ النووي رحمه الله تعالى (م سنة ٦٧٦ هـ). ٤ - الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى (م سنة ٧٤٨ هـ). ٥ - الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى (م سنة ٧٧٤ هـ). ٦ - الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (م سنة ٧٩٥ هـ). ٧ - الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (م سنة ٨٥٢). ٨ - الحافظ الشوكاني رحمه الله تعالى (م سنة ١٢٥٠ هـ). ٩ - الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى (م سنة ١٢٠٦ هـ). ١٠ - كتب علماء الدعوة ومن أجمعها "الدرر السنة". ١١ - العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى (م سنة ١١٨٢ هـ)، لا سيما كتابه النافع "سبل السلام". ١٢ - العلامة صديق حسن خان القنوجي رحمه الله تعالى (م سنة ١٣٠٧ هـ). ١٣ - العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى (م سنة ١٣٩٣ هـ)، لا سيما كتابه "أضواء البيان".

стр. 185

٥١ - التعامل مع الكتاب: لا تستفد من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفه فيه، وكثيرًا ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك، فابدأ من الكتاب بقراءة مقدمته. ٥٢ - ومنه: إذا حزت كتابًا؛ فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جَرْدًا، أو قراءة لمقدمته، وفهرسه، ومواضع منه، أما إن جعلته مع فنه في المكتبة، فربما مَرَّ زمان وفات العمر دون النظر فيه، وهذا مجرَّب، والله الموفق (١). (١) الأمر الخامس: معرفة اصطلاحات أهل العلم في كتبهم، ومعرفة ترتيب كتب أهل العلم، بحيث يكون المرء قادرًا على فهم الكتاب متى قرأه، أما إذا قرأتَ كتابًا، وفسَّرتَ هذا الكتاب بتفسيرات غير مراد صاحب ذلك الكتاب فقد تقع في إشكالات كثيرة، مثال هذا كلمة (شيخ الإسلام)، هذه الكلمة عند كثير من أهل العلم يُراد بها شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن هناك مؤلفات تريد غيره، كما في مؤلفات ابن السبكي إذا قال: شيخ الإسلام فهو يريد والده، فإذا نسبت كلام ابن السبكي إلى ابن تيمية بناءً على أنه قد نُسِبَ إلى شيخ الإسلام فقد وقعت في الخطأ، وهكذا في بقية المصطلحات، ومن هنا لا بد من قراءة مقدمة الكتاب، لتعرف المصطلحات، وأضرب لهذا مثلًا، في كتاب "كنز العمال" هناك رموز، هذه الرموز إذا فسرتها برموز غيره حينئذ وقت في الخطأ فـ (ط، س) تعني: الطبراني في الأوسط، وغيره يريد بها الطيالسي مثلًا، فحينئذ احذر من مثل هذا. كذلك ينبغي بك قبل أن تُدخل الكتاب في مكتبتك أن تعرف طريقته، وأن تقرأ مقدمته وخاتمته، وأن تمر على شيء من مسائله، وأما إذا وضعت الكتاب في محله بالمكتبة من دون أن تنظر فيه فقد لا تتمكن من قراءته، ولا معرفته في وقت آتٍ.

стр. 186

(٥٣) إعجام الكتاب: إذا كتبت فأعجم الكتابة بإزالة عُجْمَتِهَا، وذلك بأمور: ١ - وضوح الخط. ٢ - رسمه على ضوء قواعد الرسم (الإملاء). وفي هذا مؤلفات كثيرة من أهمها: كتاب "الإملاء" لحسين والي، "قواعد الإملاء" لعبد السلام محمد هارون، "المفرد العلم" للهاشمي رحمهم الله تعالى. ٣ - النقط للمعجم والإهمال للمهمل. ٤ - الشكل لما يُشْكِل. ٥ - تثبيت علامات الترقيم في غير آية أو حديث. * * * * = كذلك ينبغي بالإنسان فيما يخص الكتب أن يحرص على إبراز الكتب النافعة؛ لتكون قريبة من متناول يده، بينما الكتب التي تقل فائدتها أو تقل مراجعته له يضعها في مكان أقصى قليلًا، وينبغي به أن يحرص على اختيار كتاب جامع في كل فن، بحيث إذا أشكل عليه شيء راجع ذلك الكتاب، وبذلك يعرف مواطن بحث المسائل في ذلك الكتاب؛ لئلا يقع في زلل فيه. ومن ذلك أيضًا ما يتعلَّق بتعليقات الإنسان أو بكتابته، ينبغي أن يتأنَّى فيها، لا تكتب تعليقًا حتى تفكر؛ هل هذا التعليق مناسب أو لا؟ كم من مرة كتبت تعليقًا ثم نقدت على نفسك وعرفت خطأك بهذا التعليق بعد مدة قليلة، فلا تكتب التعليق إلا بعد تأمل وتفكُّر، وإذا كتبت فاحرص على وضوح الخط واحرص على أن يكون جليًا، وأن يكون منقوطًا، واحرص على أن يكون واضح الأسلوب يفهمه كل من قرأه.

стр. 187

الفصل السابع المحاذير (١) (٥٤) حلم اليقظة (٢): إياك و (حلم اليقظة)، ومنه بأن تدعي العلم لما لم تعلم، أو إتقان ما لم تتقن، فإن فعلت، فهو حجاب كثيف عن العلم. (٥٥) احذر أن تكون "أبا شبر": فقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل الشبر الأول تكبر، ومن دخل في الثاني تواضع، ومن دخل في الثالث علم أنه ما يعلم. (٥٦) التصدّر قبل التأهل (٣): احذر التصدر قبل التأهل، فهو آفة في العلم والعمل. وقد قيل: من تصدَّر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه. (١) لما انتهى المؤلف ﵀ من آداب طالب العلم، ذكر عددًا من المسائل التي ينبغي بطالب العلم أن يحذرها. (٢) قوله: "حلم اليقظة" بأن يتمنى على الله الأماني، وهو لم يفعل الأسباب، فحينئذ يوقعه ذلك في المهالك، يجعل نفسه تزهو، وتظن أن لديها شيئًا. وكذلك أيضًا إذا لم يتقن الإنسان العلم فقد تغره نفسه، وقد يعجب بها. (٣) قوله: "التصدر قبل التأهل"، كذلك من المحاذير: أن يتصدر الإنسان للتعليم أو الإقراء أو التأليف قبل أن يكون متأهلًا، مما يؤدي به إلى القول على الله بلا علم.

стр. 188

(٥٧) التنمر بالعلم (١): احذر ما يتسلى به المفلسون من العلم، يراجع مسألة أو مسألتين، فإذا كان في مجلس فيه من يشار إليه، أثار البحث فيهما، ليظهر علمه!. وكم في هذا من سوءة، أقلها أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته. وقد بينت هذه مع أخوات لها في كتاب "التعالم"، والحمد لله رب العالمين. (٥٨) تحبير الكاغد (٢): كما يكون الحذر من التأليف الخالي من الإبداع في مقاصد التأليف الثمانية، والذي نهايته "تحبير الكاغد" فالحذر من الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته، واكتمال أهليتك، والنضوج على يد أشياخك، فإنك تسجل به عارًا، وتبدي به شنارًا. أما الاشتغال بالتأليف النافع لمن قامت أهليته، واستكمل أدواته، وتعددت معارفه، وتمرس به بحثًا، ومراجعة، ومطالعة، وجردًا لمطولاته، وحفظًا لمختصراته، واستذكارًا لمسائله، فهو من أفضل ما يقوم به النبلاء من الفضلاء. ولا تنس قول الخطيب: "من صَنَّفَ فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس". (١) قوله: "التنمر بالعلم"، بأن يحاول الإنسان إبراز نفسه أن عنده علمًا، وهو لم يعرف إلا مسألة أو مسألتين، فإذا وجد عالمًا أراد أن يرد على ذلك العالم في هذه المسألة، وكلما وجد حلقة علمية كتب سؤالًا في تلك المسألة، من أجل أن يُناقش العالم بعد الدرس، ويقول له: أنت لم تفهم المسألة، هذه المسألة قال فيها فلان كذا وكذا، من أجل أن يبرز نفسه!. (٢) قوله: "تحبير الكاغد"، ومما يتعلق بهذا: المبادرة للتأليف بدون أن يكون هناك هدف صحيح للكتابة والتأليف، أو يكون مع عدم قدرة للكتابة في هذا العلم والإحاطة به، فيكتب حينئذ ولكن لا بد أن يكون لنا هدف في المؤلفات قبل أن نكتب فيها.

стр. 189

(٥٩) موقفك من وَهْمٍ من سبقك (١): إذا ظفرت بوهم لعالم، فلا تفرح به للحطِّ مِنْهُ، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام، لاسيما المكثرين منهم. وما يُشغِّب بهذا ويفرح به للتنقص إلا متعالم "يريد أن يُطِبَّ زكامًا فيحدث به جذامًا"، الزكام معروف، فبعض الناس يريد أن يعالج الزكام فيوقع مرضًا أشد منه كالجذام، ومثله من يفرخ بأخطاء الآخرين فيتكلم فيهم. نعم، يُنبه على خطأ أو وهم وقع لإمام غُمِرَ في بحر عِلْمِهِ وفَضْلِه، لكن لا يثير الرَّهَجَ عليه بالتنقص منه والحط عليه؛ فيَغْتَرّ به من هو مثله. (٦٠) دفع الشبهات (٢): لا تجعل قلبك كالسِّفِنْجَة تتلقى ما يرد عليها، فاجتنب إثارة الشبه وإيرادها على نَفْسِكَ أو غيرك، فالشبه خَطَّافَة، والقلوب ضعيفة، وأكثر ما يلقيها حمالة الحطب - المبتدعة - فَتَوَقَّهُم. (١) قوله: "موقفك من وهم من سبقك"، إذا وجدنا وهمًا أو خطأً لبعض أهل العلم لا ينبغي أن نبادر فيه وأن نعلنه وأن نشهره، رغبة في إشهار أنفسنا، وإنما نحاول تصحيح الأمر بما نستطيع بما يكون مُظهرًا للعلم ومبينًا للحق، وبما لا يكون منقصًا لمقدار ذلك العالم، فإنه ما من أحد إلا يحتمل أن يقع في خطأ وزلل. (٢) قوله: "دفع الشبهات"، كذلك من المحاذير من الشبهات، فالشيطان حريص على قلبك، يلقي فيه شبهة بعد شبهة، ودعاة الضلالة يتكلمون عندك يمينًا وشمالًا، فاحذر من ذلك ولا يتعلق قلبك بهذه الشبهات، ولا تكن كالإسفنجة كلما جاءها شبهة التقطتها، وإنما كن كالزجاجة تشاهد الشبهات، ثم بعد ذلك لا تتشبع بها، ثم بعد ذلك اعرف أنه=

стр. 190

(٦١) احذر اللحن (١): ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتب، فإن عدم اللحن جلالة وصفاء ذوق، ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني، فعن عمر ﵁ أنه قال: (تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة). وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن. وأسند الخطيب عن الرحبي قال: "سمعت بعض أصحابنا يقول إذا كتب لحَّان، فكتب عن اللحان لحان آخر، صار الحديث بالفارسية". وأنشد المبرد: النحو يَبْسُطُ من لسان الألكن … والمرءُ تُكْرِمُهُ إذا لم يَلْحَنِ فإذا أردت من العلوم أجَلْها … فأَجَلُهَا منها مُقِيمُ الألسُن وعليه، فلا تحفل بقول القاسم بن مخيمرة رحمه الله تعالى: "تَعَلم النحو: أوله شغل، وآخره بغي". = ما من شبهة إلا وفي كتاب الله جوابها، وفي كلام أهل العلم جوابها، ولا تستعجل إن كان عندك أمر يقيني وألقى عليك إنسان شبهة في ذلك، فقل: انتظر، عندي أمور يقينية، فكيف أتركها من أجل شبهة؟! (١) قوله: "احذر اللحن"، كذلك يحذر الإنسان من الخطأ في النحو، ويحاول أن يقرأ الشيء مرة وثنتين وثلاثًا قبل قراءته في الدرس، ليضبط ما يقرأه، وليتعلم منه الناس والحضور الصواب فيما يتكلم به من الكلام، إذا كان طلبة العلم يخطئون في النحو أو يخطئون في طريقة نطق بعض الكلمات، فحينئذ ينتشر مثل هذا، وقد توجد نُفْرَة عند بعض الناس لمن يخطئ في النحو.

стр. 191

ولا بقول بشر الحافي رحمه الله تعالى لما قيل له: تعلم النحو، قال: أضِلّ، قال: قل: ضَرَب زيد عمرًا. قال بشر: يا أخي، لِمَ ضَرَبَه؟ قال: يا أبا نصر، ما ضَرَبَه وإنما هذا أصل وضع. فقال بشر: ها أوله كذب، لا حاجة لي فيه. رواهما الخطيب في "اقتضاء العلم العمل". (٦٢) الإجهاض الفكري (١): احذر (الإجهاض الفكري)؛ بإخراج الفكرة قبل نضوجها. (٦٣) الإسرائيليات الجديدة: احذر الإسرائيليات الجديدة في نفثات المستشرقين؛ من يهود ونصارى؛ فهي أشد نكاية وأعظم خطرًا من الإسرائيليات القديمة، فإن هذه قد وضح (١) قوله: "الإجهاض الفكري"، أي: لا ينبغي بك أن تتكلم بكلمة إلا إذا تفكرت فيها، وعرفت أدلتها وأقوال أهل العلم فيها، ووزنت فيها ونظرت إلى عواقبها ومآلاتها، وأعيذك من أن تكون إذا جاءت في ذهنك كلمة مباشرة تتكلم بها وأنت لا تعلم هل هي من وساوس الشياطين أو هي من الشبهات، فهذا لا ينبغي بطالب العلم أن يفعله؛ لأنه قد يتكلم الإنسان بكلمة، وسيأتي جوابها بعد قليل وقد نتكلم بالشبهة والجواب عنها في ثنايا الدرس. هكذا في زماننا وجد من يحاول أن يبث أفكارًا خاطئة، ويبث قصصًا كاذبة، ويبث قناعات باطلة، فينبغي على الإنسان أن لا يستثيره ذلك، فيجعله يقبل بها بدون أن يفكر في حقيقتها؛ لأن مثل هذه المقالات ليس لها إسناد صحيح، وإنما هي شبهات، وبالتالي لا يستعجل الإنسان بتصديقها، ويراجع أهل الشأن فيها.

стр. 192

أمرها ببيان النبي ﷺ الموقف منها، ونشر العلماء القول فيها، أما الجديدة المتسرِّبة إلى الفكر الإسلامي في أعقاب الثورة الحضارية، واتصال العالم بعضه ببعض، وكبح المد الإسلامي، فهي شر محض، وبلاء متدفق، وقد أخذت بعض المسلمين عنها سنة، وخفض الجناح لها آخرون، فاحذر أن تقع فيها. وفى الله المسلمين شَرَّهَا. (٦٤) احذر الجدل البيزنطي (١): أي الجدل العقيم، أو الضئيل، فقد كان البيزنطيون يتحاورون في جنس الملائكة والعدو على أبواب بلدتهم حتى داهمهم. وهكذا الجدل الضئيل يصد عن السبيل. وهدي السلف: الكف عن كثرة الخصام والجدال، وأن التوسع فيه من قلةِ الوَرَع، كما قال الحسن إذ سمع قومًا يتجادلون: "هؤلاء مَلّوا العبادة، وخف عليهم القول، وقَلَّ ورعُهم، فتكلموا"، رواه أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم في "الحلية". (١) قوله: "احذر الجدل البيزنطي"، مما يتعلق بهذا: أن نجتنب الكلام في المسائل التي لا فائدة فيها، وهنا قاعدة، وهي أن المسائل التي لا يترتب عليها عمل، لا تحرص على الترجيح فيها، اعرف الأقوال وشيئًا من الأدلة واكتف بذلك منها، ولا تتعب نفسك فيها، مثلًا: هل جنة آدم هي الجنة المعهودة أو جنة على الأرض؟ ما الثمرة من بحث ذلك وما الفائدة؟ أيهما أرجح وأفضل: الملائكة أو بنو آدم؟ ما ثمرتنا مِنْ هذا المسألة؟ ونحو هذا من المسائل.

стр. 193

(٦٥) لا طائفية ولا حزبية يُعْقَد الولاء والبراء عليها (١): أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام والسلام. فيا طالب العلم، بارك الله فيك وفي علمك؛ اطلب العلم، واطلب العمل، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف. (١) قوله: "لا طائفية ولا حزبية يقعد الولاء والبراء عليها"، أي: نحذر كل الحذر من تفريق أهل الإسلام، ونحن أمة واحدة، من جاء يريد أن يفرق كلمتنا فلا يجوز أن نستجيب له، فالواجب إسكاته، من دعا إلى طائفة أو إلى حزب أو إلى جماعة؛ ليكون الولاء والبراء عليها ينبغي إسكاته، وعدم الالتفات إليه، مهما كانت هذه الطائفة، ينبغي أن يكون ولاؤنا الله، ليس من أجل فلان، وإنما لله ولرسوله ﷺ ، وبالتالي هذه الجماعات وهذه الحزبيات لا يجوز للإنسان أن ينضم إليها، أو أن يكون واحدًا منها، أو أن يعاهد ويبايع فيها، أو أن يكون مناصرًا لها، وإنما النصرة تكون الله ولرسوله ولأهل الإيمان، وأما من جاءنا ليكون الولاء والبراء على أمور مغايرة لذلك، حينئذ لا يصح منا أن ننضوي تحت لوائها، وكم من صحاب بدعة ومن صاحب تحزبات يُحاوِلُ أن يضم الناس إليه من أجل أن يفاخر بهم، وأن يذكر أن جماعته وحزبه وطريقته هي الأقوى، وأن أتباعه الأكثر، وبالتالي فكل من أرادنا أن نجتمع على غير منهاج شرعي، فلن نقبل منه، وكذلك بعض الناس يظهر جزءًا من أجزاء الشريعة من أجل أن يَضُمَّ الناس إليه يقول: تعالوا نحن أهل الصلاة، فهل معنى هذا أن نترك بقية الأحكام إن كان يريد منا أن نترك بقية أركان الشريعة فلا يجوز أن نقبل ذلك منه، وكذلك إذا جاءنا يريد منا أن يكون العمل والاجتماع على شيء لم تجيء به الشريعة، فلا يجوز بنا أن نستجيب له.

стр. 194

ولا تكن خَرَّاجًا ولاجًا في الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهجًا، والمسلمون جميعهم هم الجماعة، وإن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام. وأعيذك بالله أن تتصدع، فتكون نهابًا بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغالية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها. فكن طالب علم على الجادَّة؛ تَقْفُو الأثر، وتتبع السنن، تدعو إلى الله على بصيرة، عارفًا لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم. وإن الحزبيَّة ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسببها الغَوَاشِي. فاحذر - رحمك الله - أحزابًا وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب؛ تجمع الماء كدرًا، وتُفَرِّقُهُ هَدرًا، إلا من رحمه ربك، فصار على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃. قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند علامة أهل العبودية: "العلامة الثانية: قوله: (ولم يُنسبوا إلى اسم)؛ أي: لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلامًا لأهل الطريق. وأيضًا فإنهم لم يتَقيَّدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيُعْرَفُون به دون غيره من الأعمال؛ فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة. وأما العبودية المطلقة؛ فلا يُعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها، فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم؛ فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا بزِيٍّ،

стр. 195

ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال: الرسول. وعن طريقه: قال: الاتباع. وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى. وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة. وعن مقصده ومطلبه؟ قال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وعن رباطه وعن خانكاه؟ (١) قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]، وعن نسبه قال: أبي الإسلامُ لا أَبَ لي سِوَاهُ … إذا افْتَخَرُوا بقيسٍ أو تميمِ وعن مأكله ومشربه؟ قال: "ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى تلقى ربها". واحسرتاه تقضى العُمْر وانْصَرَمَت … ساعاته بين ذُلّ العَجْز والكسل والقوم قد أخذوا دَرْبَ النَّجَاةِ وقد … ساروا إلى المطلب الأعلى على مَهَلِ ثم قال: قوله: "أولئك ذخائر الله حيث كانوا"؛ ذخائر الملك ما يخبأ عنده ويَذْخره لمهماته، ولا يبذله لكل أحد، وكذلك ذخيرة الرجل: ما يذخره لحوائجه ومهماته. وهؤلاء؛ لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم، (١) قوله: "وعن خانكاه و (الرباط) "، هذه مواطن تجعلها بعض الطوائف محالًا للعبادة أو للتقرب لله، وحينئذ نحن لا نلتفت إلى هذا، ونذهب إلى بيوت الله، إلى المساجد. كذلك لا ينبغي أن يكون ولاؤنا وتحزبنا لزيد من الناس مهما كانت منزلته، إنما نتحزب لكتاب الله ولسنة نبيه ﷺ .

стр. 196

غير مشار إليهم، ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة. وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات، فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة. هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون. والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة، والسير إلى الله، زهم - إلا الواحد بعد الواحد - المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود. وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوي "السنة". يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها. فمن الناس من يتقيَّد بلباس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معَيَّنَة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره، وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه. فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه، قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل، فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب، ويَعُدُّ العلم قاطعًا له عن الطريق، فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عَدَّ ذلك فضولًا وشرًا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدّوه غيرًا عليهم، فهولاء أبعد الناس عن الله، وإن كانوا أكثر إشارة والله أعلم" ا. هـ. * * *

стр. 197

نواقض هذه الحلية (١) يا أخي - وقانا الله وإياكم العسرات - إن كنت قرأت مُثُلًا من حلية طالب والعلم وآدابه، وعلِمتَ بعضًا من نواقضها، فاعلم أن من أعظم خوارمها المُفسِدة لنظام عِقْدِها: (١) إفشاء السر. (٢) ونقل الكلام من قوم إلى آخرين (٢). (٣) والصَّلَف واللسانة (٣). (٤) وكثرة المزاح (٤). (١) قوله: "نواقض هذه الحلية"، ذكر المؤلف بعض العثرات: ومنها إفشاء الأسرار، فإن النبي ﷺ يقول: (المجالس بالأمانة) [¬١]، وإفشاء السر نوع من أنواع الخيانة، والحيانة بئست البطانة. (٢) قوله: "ونقل الكلام من قوم إلى آخرين"، أي: لا يكون المؤمن طالب العلم من أهل النميمة، ينقل كلام هؤلاء إلى هؤلاء، وكلام هؤلاء إلى هؤلاء، فيفسد بينهم، فهذا من أكبر المحرمات، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يدخُلُ الجنةَ قَتَّاتٌ) [¬٢]. (٣) قوله: "والصلف واللسانة"، أي: من العوارض ومن العثرات: الصلف: بأن يتكلم بالكلام الغليظ غير الرقيق اللين. وكذلك اللسانة والرطانة، اللسانة بأن يتكلم بلسان قوي يتخلَّل بلسانه ليظهر قدرته على الناس، وليس ذلك الكلام مبنيًا على أصول علمية. (٤) قوله: "كثرة المزاح"، وكذلك كثرة المزاح يجتنبه طالب العلم؛ لأنه يخِفّ من منزلته، ويجعل الناس لا يقبلون ما لديه من العلم.

стр. 198

(٥) والدخول في حديث بين اثنين (١). (٦) والحقد. (٧) والحسد (٢). (٨) وسوء الظن (٣). (٩) ومجالسة المبتدعة (٤). (١٠) ونقل الخطى إلى المحارم (٥). (١) قوله: "والدخول في حديث بين اثنين"، أي: لأنهما لم ينعزلا إلا لحديث خاص بينهما، فدخول طالب العلم بينهما يُقِلّ من منزلته. (٢) قوله: "والحقد والحسد"، الحقد والحسد ليست من صفات طالب العلم، سواء كان حسدًا في طلب العلم، أو كان بالحسد على ما أوتيه البعض في أمور الدنيا، ويكون الحسد المذموم بتمني زوال النعمة عن الآخرين. (٣) قوله: "وسوء الظن"، أي: يجتنب سوء الظن بالآخرين، ويشتغل فيما ينفع، ويترك سوء الظن. (٤) قوله: "ومجالسة المبتدعة"، أي: يجتنب مجالستهم؛ لأنه سيُظَن أنه منهم، وقد يعلَقُ بقلبه بعض دائهم، من حيث لا يشعر، ثم إنهم يتقوون بذلك، فيقولون: فلان يزورونا وفلان يجالسنا. (٥) قوله: "ونقل الخطى إلى المحارم"، أي: ويجتنب طالب العلم المعاصي والذنوب، لأنها تطمس العلم طمسًا، وتطمس على القلب، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، كما نسأله سبحانه أن يصلح أحوال الأمَّة، وأن يردهم إلى دينه ردًا جميلًا. هذا، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 199

فاحذر هذه الآثام وأخواتها، واقْصُر خطاك عن جميع المحرَّمات والمحارم، فإن فعلت وإلا فاعلم أنك رقيق الديانة، خفيفٌ لعَّاب، مغتاب، نمَّام، فأنَّى لك أن تكون طالب علم يُشارُ إليك بالبنان، مُنَعَّمًا بالعلم والعمل. سدَّد الله الخُطَى، ومَنَحَ الجميع التقوى وحُسْنَ العاقبة في الآخرة والأولى. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.