← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30622

شرح حلية طالب العلم - الشثري

سعد الشثري

Полный текст (199 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من وراء الفقه (١): التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية. وفي حديث ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (نَضَّر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، فأدَّاها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) [¬١]. قال ابن خير رحمه الله تعالى في فقه الحديث: "وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث، واستخراج المكنون من سرِّه" [¬٢]. وللشيخين؛ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلى، ومن نظر في كتب هذين الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقًا مستقيمًا (٢). (١) فقول المؤلف: "من وراء الفقه التفقه، فمنشأ حصول الفقه عندك هو التفقه، والتفقه والفقه هو الذي يجعلك تعلق الأحكام الشرعية بأدلتها وبعللها، وهو هذا الفقه الذي هو تعليق الحكم بدليله، وهو الداخل في قول النبي ﷺ : (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فالفقه هو الاستنباط، يعني: استخراج الحكم من الدليل، وهو التدقيق في معاني الكلام والفهم، يعني استخراج الفوائد من الكلام، وفي ضمن هذا الحديث أن التفقه واجب للحاجة إليه، والتفقه يكون بالبحث في معاني الحديث كتابًا وسنة، مما يدخل في التفقه، فمن معاني التفقه استنباط الفوائد، واستخراج الأحكام من الأدلة. (٢) قوله: "وللشيخين في ذلك القدح المعلى"، ما هو القدح؟ السهم الذي يُدْرك محل السبق، وبعضهم يقول: هو الريش التي تكون في السهم أو في مقدمته. =

стр. 142

ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه: "أما بعد: فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام المشروعة (١)، تصويرًا (٢)، وتقريرًا وتأصيلًا، وتفصيلًا، فوقع الكلام في … فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبني على أصل وفصلين .... ". واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه (التفكر) (٣)؛ فإن الله دعا عباده في غير آية من كتابه إلى التحرك بإحالة النظر العميق في (التفكر) في = ومن نظر في كتب هذين الإمامين - شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - فإنه يستنبط منهما فوائد كثيرة؛ تقول: كيف فتح الله عليهم بهذه الفوائد؟!. (١) قوله: "قال ابن تيمية: (أما بعد: فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام) "، المدارك التي هي العلل والمعاني، وهي التي يُرْبَطُ الحكم بها. (٢) قوله: "تصويرًا .. "، يعني معرفة صورة المسألة، وهذا أول ما تبدأ به، ثم بعد ذلك تبحث المسألة تقريرًا: أي تقرر هذه المسألة، ثم تأصيلًا: معرفة الأصل الذي ترجع إليه ومعرفة كيف انْبَنَتْ هذه المسألة على أصلها ثم تفصيلًا، أي تفرع المسائل على ذلك الأصل، فهذه أربع مراحل لفقه المسائل العلمية. (٣) قوله: "بين التفقه (التفكر) "، (التفكر)، هو التأمل، فإنك قبل أن تحصل لك رتبة الفقه لا بد أن يسبقها تفكر، والله - جل وعلا - قد أمر عباده بالتفكر، سواء التفكر في الآيات الشرعية كتابًا وسنة، أو التفكر في الآيات الكونية. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، والمراد بآياته في هذه الآية: الآيات الشرعية؛ لأن البيان وُجد في الكتاب والسنة، وحينئذٍ نعلم أن التفكر طريق للتفقه، لكن التفقه أعمق، فالتفكر وسيلة، والتفقه نتيجة، وقد عاب الله المنافقين بأنهم: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، ومن هنا فالتفقه مبني على الأدلة والبراهين، لكنه إذا حصل هناك هوى وتشهٍّ فإن الإنسان لن يفقه، فالتشهي والهوى مما يصد العقل عن التفقه.

стр. 143

ملكوت السماوات والأرض، وإلى أن يمعن المرء النظر في نفسه، وما حوله، فتحًا للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وعليه فإنه "التفقه" أبعد مدى من "التفكر" إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]. لكن هذه التفقه محجوز بالبرهان محجور عن التشهي والهوى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. فيا أيها الطالب! تحلَّ بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى فقيه النفس كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلِّق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقيه البدن كما في اصطلاح المحدثين (١). (١) قوله: "فيا أيها الطالب، تحَلَّ بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه"، وحينئذ تصل إلى مرحلة فقيه النفس، والناظر في الأحكام الشرعية يجد أن الفقهاء على ثلاثة أنواع: النوع الأول: الفقيه الذي ينظر في جزئيات المسائل ويتقنها، فمِثْلُ هذا قد يسمونه بالفقيه، ولكنه لا يجوز له استنباط الأحكام من الأدلة. والنوع الثاني: من يتجاوز الجزئيات إلى الكلِّيات، فيُحَصِّل كليات الشريعة، فهذا يتمكن من التخريج والتفقه، ولكن قد يخطئ كثيرًا؛ لأنه يَغْفَل عن جزئيات تُرَتَّب عليها كُلِّيَّات. الثالث: من أدرك الجزئيات والكليات، وهذا هو فقيه الناس.

стр. 144

فأجِلِ النظرَ عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط (١). وأجمع النظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع (٢). = قال المؤلف في تفسير التفكير "هو التحرك بإجالة النظر"، يعني تقليب النظر الذي يجعل العقل يجول؛ ليصل إلى المكان العميق في التفكر. (١) قوله: "فأجل النظر عند الواردات"، يعني المسائل الجديدة. "بتخريج"، هذه الواردات على أصولها، ومما يُعِينُك على ذلك: ضبطك للقواعد الفقهية والضوابط. (٢) وذكر المؤلف شيئًا من الكليات، ومنها: "المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع"، هذه كلها من القواعد الكلية، والمراد بالمصالح المعتبرة، وسبق أن ذكرنا أن الشرع ينقسم إلى كليات وجزئيات، من حَصَّلَ الجزئيات ولم يحصِّل الكليات لا يجوز له أن يجتهد، وليس مؤهلًا للاجتهاد والفتوى. والثاني: من تجاوز الجزئيات إلى معرفة الكليات لكنه لم يُحِط بالجزئيات، فهذا يجوز له الاجتهاد، لكن كثيرًا ما يخطئ؛ لأنه يَخْفَى عليه بعض الجزئيات التي تخالف تأصيله، مثال هذا: ما هي المعاني في باب صلاة الجمعة، وما مقصد الشارع من هذا الباب؟ مقصد الشارع من اجتماع الناس، فقد يأتيك فقيه فيقول: قد نؤخِّر صلاة الجمعة عن أول الوقت، فالمستَحَبّ أن يؤخر صلاة الجمعة عن أول الوقت إذا كان هناك عَمَل، أو كان هناك شغل، فحينئذٍ نقول: هذا اجتهاد جيد، لكن مرة قد يوجد من نظر إلى المعنى الكلي، وغفل عن المعاني الجزئية فيقول: الناس لا يتمكنون من الاجتماع يوم الجمعة في دول =

стр. 145

وهكذا هديت لرشدك أبدًا، فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق. وعليك بالتفقه - كما أسلفت - في نصوص الشرع، والتبصر فيما يَحُفّ أحوال التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة (١)، فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك فإن وقتك ضائع، وإن اسم الجهل عليك لواقع (٢). = الغرب لانشغالهم بالوظائف، ويوم الإجازة هو يوم الأحد، فمراعاة لمقصد الشريعة الكلي في اجتماع الناس نجعل صلاة الجمعة يوم الأحد، فهنا وقعنا في خطأ؛ لأننا راعينا الكلي ولم نلحظ الجزئي. وهكذا أيضًا فيما يتعلق بدفع الضرر، أو بجلب التيسير، أو بالحيل أو الذرائع، لابد من ملاحظة الأمرين معًا، الكلي والجزئي، إن لاحظنا الجزئي وقعنا في الغلط، وصادمنا كليات الشريعة، وإن لاحظنا الكلي وحده قد نقع في خطأ؛ لأننا قد لا نلتفت إلى جزئي حضر فيه كلي آخر، لأننا لو جعلنا صلاة الجمعة يوم الأحد لأدى ذلك إلى تغيير مراتب الشرع، وانطماس الشريعة بالكلية، وكلما كانت هناك مسألة ذهبنا نغير في الشرع من أجل هذه المسألة، صحيح إننا التفتنا إلى كلي، لكن غفلنا عن كلي أهم وأولى منه، وما ذاك إلا لأننا غفلنا عن الجزئيات. (١) في هذا الباب دعا المؤلف إلى التفقه في نصوص الشرع، وهذا أعلى من التفقه في القواعد، وأعلى من التفقه في المقاصد والكليات الشرعية. (٢) قوله: "فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك"، يعني انتقل وتركك، "فإن وقتك ضائع"، هذه المعاني؛ وهي تخريج الفروع على الأصول والتفقه هي التي تعطيك التمييز الدقيق، يعني الفصل بين المسائل المختلفة باختلاف عللها ومداركها، وهو الذي يعطيك المعيار الصحيح الذي تحكم به على المسائل، وعلى المتكلمين في الحكم.

стр. 146

وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التميز الدقيق والمعيار الصحيح لمدى التحصيل والقدرة على التخريج، فالفقيه (١) هو من تعرض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكمًا (٢). والبلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسري بصيرته البلاغية من كتاب الله مثلًا، فيخرج من مكنون علومه وجوهها وإن كتب أو خطب؛ نظم لك عقدها. وهكذا في العلوم كافة (٣). (١) قوله: "فالفقيه هو من تُعْرَض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكمًا من النصوص"، هذا هو الفقيه، لكن لا بد أن يعرف الأصول؛ أي: النصوص الشرعية، ويعرف قواعد الاستنباط ويتمكن من تخريجها. (٢) وقوله: "لا نص فيها" مراده لم يعرف الناس النص في تلك المسألة، وإلا ما من مسألة إلا وفيها نص، لكن في بعض المواطن تخْفَى بعض النصوص على بعض الفقهاء، فيحتاجون إلى إعمال التخريج وإعمال القياس. ومن حَفِظ القواعد الأصولية ولم يتمكن من تطبيقها فهو ليس بأصولي، هكذا من حفظ الفروع الفقهية، لكنه لا يتمكن من استخرج أحكامها من النصوص، فهذا ليس بفقيه، إنما هو فروعي، ولو حفظ المغني، أو حفظ المنتهى، أو حفظ زاد المستقنع، والروض، لكنه لا يعرف استخراج أحكام المسائل الجديدة من الأدلة فهذا ليس بفقيه، بل هذا فروعي. (٣) قوله: "البلاغي ليس من يذكر لك .. "، هكذا أيضًا في مصطلح البلاغي أو النحوي، لو وجد إنسان حفظ قواعد النحو ولكنه لا يستطيع أن يطبقها، ولا يستطيع أن يستخرج الخطأ، ولا يستطيع أن يفهم من خلال قواعد النحو كلام الله وكلام رسوله، وكلام الناس، فحينئذ هذا ليس بنحوي، هكذا مثله الفقيه الذي لا يعرف كيفية الاستنباط فهذا ليس بفقيه.

стр. 147

(٣١) اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصيل (١): لا تفزع (٢) إذا لم يُفْتَح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير (٣)، ومنهم من صرح بذلك كما يعلم من تراجمهم، ومنهم: الأصمعي في علم العروض، والرهاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق، وأبو مسلم في علم التصريف، والسيوطي في الحساب، وأبو عبيدة، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو الحسن القطيعي، وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو حامد الغزالي، خمستهم لم يفتح لهم بالنحو. (١) هذا الأدب متعلق بصعوبة ببعض المسائل أو بعض الفنون، هل تكون عائقًا لطالب العلم عن مواصلة العلم؟ أقول: لا يحسن أن يكون ذلك عائقًا عن مواصلة العلم، لماذا؟ لأنه: أولًا: طلب العلم لله، فمقصوده الأساسي هو الأجر والثواب، وهذا حاصل على كل حال، ولو لم يفهم العلم. ثانيًا: العلم مسائل متعددة، وفنون مختلفة، فإذا استعصى عليك فن وفهمت غيره، أو استعصت عليك مسألة وفهمت غيرها فحينئذ أنت قد حصلت، ولا لوم عليك في ذلك. (٢) فقوله: "لا تفزع"، أي: لا تحزن، ولا يصدنك عن طلب العلم كونك لم تفهم علمًا من العلوم، ما لم تفهمه تجاوزه إلى غيره. (٣) قوله: "لا تفزع إذا لم يفتح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير"، أي: ماذا نفعل عند استعصاء بعض العلوم؟ أولًا: نواصل العلم والتعلُّم في بقية العلوم وبقية المسائل، وهذه المسألة التي استشكلت علينا نتركها حتى يأتي وقت فهمها، فكونك تريد فهم مسألة، فتعيقك عن =

стр. 148

فيا أيها الطالب! ضاعف الرغبة (١)، وافزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كثيرًا ما يقول في دعائه، إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى: "اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علِّمني، ويا مفهِّم سليمان فهِّمني"، فيجد الفتح في ذلك [¬١]. = فهم بقية المسائل، فهذا ليس من العقل في شيء، فاتركها إلى غيرها من المسائل حتى يأتي سبيل فهمها. الثاني: الاتصال بالعلماء الفاهمين الناصحين وهم سيشرحون لك هذه المسألة، ويبينونها لك. الثالث: مراجعة كتب أهل العلم الأخرى، فإنها تسهِّل لك الفهم، فقد يتكلم الإنسان بجملة غير مفهومه في موطن، ويتكلم إنسان آخر عن هذا المعنى في كتاب آخر بأسلوب واضح سهل. الأمر الرابع: التوكل على الله وحسن اللجوء إليه بأن يُعلِّمك ويُفهِّمك، والله قد وعد بإجابة الداعين، ومما يتعلق بهذا طلب العبد من ربه - جل وعلا - أن يزيده من العلم، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. لهذا نجد بعض الأئمة عسر عليم فهم بعض العلوم، فلم يصدهم ذلك عن التعلم، بل أصبحوا أئمة علماء مشهورين في فنون أخرى غير الفنون التي استعصت عليهم، وقد ذكر المؤلف نماذج. (١) قوله: "ضاعف الرغبة، وافزع إلى الله في الدعاء .. "، على طالب العلم أن يتقرب إلى الله بالسؤال والتضرع بين يديه أن يفهمه ما استشكل عليه، وكان من الأدعية: (اللهم =

стр. 149

(٣٢) الأمانة العلمية (١): يجب على طالب العلم فائق التحلي بالأمانة العلمية، في الطلب، والتحمل، والعمل والبلاغ، والأداء. = إني أسألك فهم النبيين، وحفظ المرسلين، والملائكة المقربين) [¬١]. وكم من إمام عرضت له هذه المسائل وهذه الإشكالات فلجأ إلى الله، وإلى الصلاة؛ فسَهُل له ما استعصى عليه، وقد قال ابن عمر: (مكثتُ السنين في حفظ سورة البقرة) [¬٢]، فلم ينقص هذا من مكانته، بل هو من أجل علماء الأمة، وقال الإمام أحمد: "جلست تسع سنوات أدْرس باب الحيض"، وما ذاك إلا أنه استعصى عليهم العلم، فقَلَّبوا النظر وكرَّرُوه وأعادوه حتى فهموه. (١) الصفة الثانية والثلاثون من صفات طالب العلم الأمانة العلمية، بحيث لا يكون كاذبًا في نسبة شيء إلى نفسه وهو من كلام غيره، ولا يكون كذلك خائنًا، فيما يتعلق بعمله، فلا يُعْطِي ولا يتكلَّم إلا بما يظُنّ أنه الصواب والصحيح، فالأمانة العلمية مطلوبة في النقل، وفي الحديث والتكلم وقد جاءت النصوص بالترغيب في الأمانة وفي حفظها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] وحذرت الشريعة من الخيانة، فمن خصال المنافق أنه إذا عاهد غدر، وأنه إذا اؤتمن خان [¬٣].

стр. 150

"فإن فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها في أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة، ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة (١). لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة، وأمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في نفوسهم مستقرًا، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابدة أهل العلم إلى نقد الرجال، وتمييز من يُسْرِف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفى عليهم منزلته من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الآخر، أو احتمالهما على سواء" (٢). = ونهت الشريعة عن الخيانة في الحديث: (لكلِّ غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غَدْرَةُ فلان) [¬١]. إذا تقرر هذا؛ فإن الأمانة تكون في الطلب، وتكون في وقت التحمُّل والحفظ، وتكون في وقت العمل، وتكون في أثناء الدعوة والبلاغ. (١) قوله: "فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة"، القُرْحَة مرض باطني يكون في المعدة، يصيبها فيجعلها لا تتمكن من هضم الطعام، فمن تحدَّث في العلم بغير أمانة فإنه سيشوش على الناس، "ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة". (٢) قوله: "لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص."، أي: طوائف يتعلمون العلم لأهداف غير مقبولة، فهم لا يتعلمون العلم ليتحلوا بالفضائل ويتخلقوا بها، وهم =

стр. 151

(٣٣) الصدق (١): صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق، وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين، فيا خيبة من فرط فيه! ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى. = لم يتعلموا الله، وهم لا يتعلمون العلم لنفع الناس وتعليمهم، فحينئذ لن توجد أمانة علمية عندهم، وبعض الناس يحاول أن يمدح نفسه بنسبة أفعال جميلة للآخرين إليه، وفي الحديث: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) [¬١]، وهذا هو الذي جعل بعض الأئمة يتكلم في بعض الرواة قدحًا، وكلما وجدوا شخصًا ألف أو روى تكلموا فيه ببيان مواطن خطئه ومواطن تعثره، ليصبح الطلاب على بصيرة من قيمة هذه المقروءات والمسموعات. (١) هذا هو الأدب الثالث والثلاثون من أدب طالب العلم: الصدق، قد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩)، ويقول النبي ﷺ : (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار) [¬٢]، ويقول ﷺ : (الصدق طمأنينة والكذب ريبة) [¬٣]، والصدق له صلة بالأمانة، فإن غَيْر الأمين غير صادق، ونضرب لهذا مثلًا: من قال: إن الفقيه الفلاني لا يقول بكذا، وهو لم يتأكد أو يعرف خلافه، فحينئذ ليس بصادق ولا بأمين، وصِدْق اللهجة ينتج عنه أمور:

стр. 152

قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: "تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم" [¬١]، وقال وكيع رحمه الله تعالى: "هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق" (١) [¬٢]. فتعلم - رحمك الله - الصدق قبل أن تتعلَّم العلم والصدق: إلقاء الكلام على وجهٍ مطابق للواقع والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة (٢): = أولها: رضا رب العزة والجلال، وتحصيل التقوى. وثانيها: أن الصدق سبب لتوقير الخلق للإنسان، وقبولهم ما جاء به. وثالثها: أن الصدق يحصل به الشرف وطمأنينة النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، والصدق يحصُلُ به رجحان، العقل، ويحصل به محبة الخلق، ويحصل به صيانة الديانة. (١) قوله: "قال الأوزاعي: (تعلم الصدق قبل أن تتعلم الحديث) وقال وكيع: (هذه صناعة لا يرتفع فيها إلا صادق) "، يعني لا يُحَصّل فيها العلم إلا صادق، ومن هنا يُقدَّم تعويد النفس على الصدق على طلب العلم، والصدق يكون بأمرين: موافقة الواقع، وموافقة الاعتقاد، فلو كنت أظن أن زيدًا ليس وراء الجدار، وقلت: زيد وراء الجدار، وكان - حقيقةً - زيد وراء الجدار، حينئذ هذا يخالف الاعتقاد، لكنه لا يخالف الواقع فهذا كذب، مثال هذا: رأى أخته حاملًا، فقال في بطنها ولد ذكر، فولدت وأصبح ولدًا ذكرًا، نقول هنا: هذا كلام كاذب، وهو وإن وافق الواقع لكنه يخالف الاعتقاد، وبالتالي يكون كلامًا كذبًا. (٢) قوله: "وأودية، يجمعها ثلاثة .. " قسَّم المؤلف الكذب ثلاثة أقسام:

стр. 153

١ - كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقًا أو مبتدعًا فيصفه بالاستقامة (١). ٢ - وكذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع، كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية (٢). ٣ - وكذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد، كمن يعتقد صلاح صوفي مُبتدع فيصفه بالولاية، فالزم الجادة (الصدق) (٣) (١) قوله: "كذب المتملق": وهو الذي يعتقد أن كلامه باطل، ويكون كلامه مخالفًا للواقع، مثال ذلك: محمد قابله شخص بينه وبينه عداوة، فقال له: إني أحبك، وفي الحقيقة هو لا يحبه، حينئذ هو مخالف للواقع ومخالف للاعتقاد، فهذا إذن متملق. (٢) قوله: "كذب المنافق": المنافق يقول: الدعاة صادقون، نافعون للأمة، لكن في نفسه يقول: والله ما لهم فائدة، فهو يقول: الدعاة صادقون نافعون للأمة بلسانه، لكن في قلبه يقول: ضيقوا على الناس، فحينئذ نقول: هذا منافق كاذب؛ لأنه تكلم بكلام يوافق الواقع، لكنه يخالف اعتقاده. (٣) قوله: "كذب الغبي بما يخالف الواقع": ومثال ذلك: رجل يظن أن محمدًا خلف الجدار، فقال: محمد خلف الجدار، لكنه لم يكن خلف الجدار، كذلك من اعتقد أن الصوفي المبتدع صالح، ووصفه بالولاية، هذا يخالف الواقع؛ لأن شرط الولاية الإيمان والتقوى، كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: ٦٢)، لو جاءك صوفي يقول باطراح التكاليف، فحينئذ نقول: هذا المتكلم مخالف للواقع، لكنه يطابق اعتقاده، فيكون هذا من الكذب.

стр. 154

فلا تضغط على عَكَدِ اللسان (١)، ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقًا إلا على حروف تُعَبِّر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر (٢)، كالذي تدركه الحواس الخمس السمع والبصر، والشم والذوق واللمس. فالصادق لا يقول: "أحببتك" وهو مبغض (٣)، ولا يقول: "سمعت" هو لم يَسْمَعْ، وهكذا. واحذر أن تحوم حولك الظنون فتخونك العزيمة في صدق اللهجة، فتُسجل في قائمة الكذابين (٤). (١) قوله: "فلا تضغط على عَكد اللسان"، أي: يضم أجزاء اللسان يعني بالكذب. (٢) قوله: "ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقًا .. "، فاك يعني: الفم، ولا تتكلم إلا بالصدق. ولا تنطق "إلا على حروف تُعبِّر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر"، سواء أدركته بالحواس الخمس، أو أدركته بواسطة الاستدلال. (٣) قوله: "فالصادق لا يقول: "أحببتك" وهو مبغض"، هذا من أي أنواع الكذب؟ هذا متملق، يخالف الواقع والاعتقاد. (٤) قوله: "ولا يقول: سمعت وهو لم يسمع، واحذر أن تحوم حولك الظنون"، فيتهموك بالكذب، وحينئذ لا يُقْبَل منك، وبالتالي تصبح من الكذبة، قد يقول القائل: كيف أدرِّب نفسي على الصدق وترك الكذب، فنقول: يحصل هذا بأمور: أولًا: استحضار أن الله أمرك بذلك. ثانيًا: بمعرفة رذيلة الكذب، وفضيلة الصدق. ثالثًا: بالنظر في أحوال أهل الصدق والكذبة، فأهل الصدق نصرهم الله وأيَّدهم، وأهل الكذب خذلهم الله.

стр. 155

وطريق الضمانة لهذا - إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق فيه -: أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه، وأن الكاذب عن قريب ينكشف. واستعن بالله ولا تعجزن، ولا تفتح لنفس سابلة المعاريض في غير ما حصره الشرع. فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي هذه المروق (الكذب في العلم) لداء منافسة الأقران، وطيران السمعة في الآفاق (١). (١) قوله: "سابلة المعاريض .. "، المعاريض: أن تتكلم بكلام له معنيان: أحدهما: معنى يفهمه غيره، لكنه غير واقع، وتريد غيرك يصدقك. والثاني: خفي موافق لما في الخارج لا تريد من غيرك فهمه. جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (في المعاريض مندوحة عن الكذب) [¬١]، نمثل للمعارض لما سألته هذا أخوك؟ - وهو ليس ابن أبيه ولا أمه - قال: نعم، وأراد أخوة الإسلام، فالظاهر أني لما سألت: هل هذا أخوك؟ أريد الأخوة من النسب، فلما قال: نعم، حينئذ أوهمني بأن المراد الأخوة النسبية، وكان مراده الأخوة الإيمانية. ما حكم المعاريض؟ المعاريض على ثلاثة أنواع: النوع الأول: إذا كان سيتوصل بها إلى إبطال الحقوق وأكل أموال الناس فهي حرام، قال: أشهد بالله أن ما له عند زيد شيء، هذه العبارة تنفي وجود الحق، لكن لما عُدنا إليه سألناه قال: أنا أقصد (ما) الموصولة، فقولي: (ما له) يعني الذي له على زيد شيء، هذا من المعاريض، وتوصلنا به إلى إبطال حق، فيكون محرمًا، كذلك المعاريض في الأيمان لا تجوز =

стр. 156

ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالًا يحملون بصائر نافذة، وأقلامًا، ناقدة فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريتك عن ثلاث معان: الأول: فقد الثقة من القلوب. الثاني: ذهاب علمك وانحسار القبول. الثالث: أن لا تُصَدَّق ولو صدقت (١). وبالجملة فمن يحترف زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى. والله أعلم. = لقول النبي ﷺ : (يمينك على ما يُصدِّقُك به صاحبك) [¬١]. النوع الثاني: المعاريض التي يتوصل بها إلى إحقاق حق، أو إصلاح بين اثنين، أو إبطال خصومة، هذه مشروعة، ويؤجر الإنسان عليها إن شاء الله. النوع الثالث: معاريض للتخلص من إحراج الآخرين بدون أن تؤثر على حقوقهم، فهي جائزة لكنها ليست من طبائع أهل العلم. بعض الناس يكذب في المسائل العلمية ليكون له مكانة ومنزلة، فيقول: أنا وجدت الكتاب الفلاني، وهو ما قرأه ولا اطلع عليه فهذا كذب! لا يُبَارك له في كلامه. (١) قوله: "ومن تطلَّع إلى سمعة فوق منزلته"، فإن الله سيعاقبه، وما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع والكذب يورث أمورًا: أولها: عدم الثقة في الكاذب، إذا كذب أول مرة، فاحتمال أن يكذب مرة ثانية. ثانيها: ذهاب بركة علمه، بل قد يؤدي إلى زوال العلم بالكلية. والثالث: عدم قبول الناس وعدم تصديق الناس لكلامه فالساحر يُظهر للناس أمورًا مخالفة للحق والواقع، حينئذ كان فيه شبه من الكاذب، ولذلك قارن المؤلف بينهما.

стр. 157

(٣٤) جنة طالب العلم (١): جنة العالم (لا أدري)، ويهتك حجابه الاستنكاف منها، وقوله: يقال: .... وعليه، فإن كان نصف العلم (لا أدري) فنصف الجهل: (يُقال) و (أظن). (١) جُنة طالب العلم، هذا هو الأدب الرابع والثلاثون والجنة الوقاية، إذا كان على بدنك حديد يحميك في المعارك يسمونها واقية الرصاص، هذه الجنة مثل واقية الرصاص، ما الذي يقي طالب العلم من الشرور؟ كلمة: لا أدري، فإذا سُئِل عن مسألة وهو لا يعرفها، قال: لا أدري. ولقد كان الأئمة يحرصون على هذا الورع في الفتوى والعلم، قال قائلهم من أخطأ لا أدري أصيبت مقاتله، يعني: أنه أصيب في المحل الذي يموت منه. سئل الإمام مالك عن ست وثلاثين مسألة: فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري، وأجاب في أربع، قيل للإمام مالك في مسألة فقال: لا أدري قال: أتيت إليك من مصر، وقد سأل أهلها عن هذه المسألة، قال: أخبِرْ من وراءك أن مالكًا لا يدري، هل أنقَصَ ذلك من درجة الإمام مالك؟! هل قلَّل من قيمته وإمامته؟! لا والله، بل زاده إمامة وقيمة، ومن هنا لما سأل جبريل النبي ﷺ عن وقت الساعة قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)، يعني: لا أعلم، فإذا كان النبي ﷺ يسأل المسألة فلا يجيب، ينتظر الوحي فكيف بغيره، وإذا كان من كان كذلك يتوقف في الجواب عن مسائل، فكيف بنا نحن؟! ومن هنا لا يستحيي الواحد منا أن يقول: لا أدري. ومثله ومثل كلمة (لا أدري): الجُمَل الأخرى التي تماثلها، مثل: هذه المسألة تحتاج إلى بحث ولم أبحثها، تحتاج إلى تقليب نَظَر، إذا استنكف الإنسان من هذه الكلمة بمعنى أنه تركها تكبرًا عليها، وظن أنها من أسباب التنقص، فحينئذ وقع في الجهل، وخُشي عليه أن يكون ممن يقول على الله بلا علم.

стр. 158

(٣٥) المحافظة على رأس مالك (ساعات عمرك) (١): الوقت، الوقت للتحصيل، فكن حِلْفَ عمل لا حِلْفَ بطالة وبَطَر، وحِلْسَ معمل لا حِلْسَ تَلَهٍّ وسمر (٢)، فالحفظ على الوقت بالجد والاجتهاد (١) الله - جل وعلا - خلقنا من أجل غاية؛ وهي عبادته - جل وعلا -، كما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ومن أعلى درجات العبادة: طلب العلم، ومن هنا فاستعمل حياتك فيما خُلقت له، واستعمل جميع وقتك من أجل الهدف والغاية التي خُلِقت من أجلها، ثم إنك سَتَرِدُ على رب العزة والجلال، وسيسألك عن كل أعمالك، وجميع أوقاتك، ماذا عملت فيها؟ [¬١]، حينئذ استعمل هذا الوقت في العمل الذي يكون سببًا لفلاحك ونجاحك، ومن ثم يترك الإنسان تضييع الأوقات فيما لا يفيد. كان بعض الأئمة يحرص على استعمال وقته فيما يفيد، ولا يترك منه شيئًا، حتى إن المجد بن تيمية جد شيخ الإسلام كان يُقرأ عليه العلم عند قضائه للحاجة [¬٢]، لا يريد أن يُفَوِّت وقته، وبعضهم كان إذا جاءه الأضياف يحرص على أن يشتغل ببري القلم عند أضيافه؛ لئلا يضيع شيء من وقته، والشواهد في هذا كثيرة، ومن هنا فاحفظ عمرك. (٢) قوله: "فكن حلف عمل لا حلف بطالة وبطر"، الحلف هو العقد الذي يعقده الإنسان، فاعقد نفسك مع الأعمال حتى تنتج وتثمر، ولا تكن مع البطالة، وهي ترك العمل، والبطر الذي هو تضييع الوقت وجحد هذه النعمة، وحينئذ كن "حلس معمل"، والحلس هو المرابط، "ولا تكن حلس تلهٍّ وسمر"، فالتلهي ابتعد عنه، والسمر الذي لا يفيدك ابتعد عنه، فالمحافظة على الوقت يكون بالجد والاجتهاد.

стр. 159

وملازمة الطلب ومثافنة الأشياخ (١)، والاشتغال بالعلم قراءة (٢) وإقراء (٣)، ومطالعة وتدبرًا وحفظًا وبحثًا، لاسيما في أوقات شرخ الشباب (٤) ومقتبل العمر (٥)، ومعدن العاقبة، فاغتنم هذه الفرصة الغالية، لتنال رتب العلم العالية، فإنها "وقت جمع القلب، واجتماع الفكر"، لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترؤس (٦)، ولخفة الظهر والعيال. (١) قوله: "وملازمة الطلب، ومثافنة الأشياخ"، بملازمتهم ومجالستهم حتى تكون قريبًا منهم. (٢) قوله: "والاشتغال بالعلم قراءة"، أي: يقرأ لنفسه. (٣) قوله: "وإقراءً"، أي: يقرأ لغيره، أو يُقرأ عليه. (٤) قوله: "ومطالعة وتدبرًا وفهمًا وحفظًا، وبحثًا وخصوصًا في أوقات شرخ الشباب"، ووقت أول الشباب أدْعَى بأن تحفظه. (٥) قوله: "ومقتبل العمر"، وبذلك إذا اغتنمت الوقت حصلت على رتب العلم العالية، فوقت الشباب هو وقت اجتماع القلب، ليس عندك مشغلات كثيرة تشغل قلبك وتجعلك تنسى، ووقت الشباب هو وقت اجتماع الفكر. (٦) قوله: "لقلة الشواغل والصوارف .. " ليس عند الشباب عيال، ولا عنده حوائج يُشغل بها، ولا يهتم بقضايا عامة أو خاصة، ومن ثم اجتنب التسويف، أيها الشباب وبادر، يقول النبي ﷺ : (بادروا بالأعمال ستًا، ما تنتظرون إلا غنى مُطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو كبرًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر منتظر، أو الساعة، والساعة أدهى وأمر) [¬١]، وقال: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم) [¬٢]. إذا بادر الإنسان أعمال الطاعة، ومنها طلب العلم، فهذا شاهد وجود كِبَر الهمة لديه.

стр. 160

ما للمعيل وللعوالي إنما … يسعى إليهن الفريدُ الفارد (١) وإياك وتأمير التسويف على نفسك، فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا، وبعد (التقاعد) من العمل هذا … وهكذا، بل البدار قبل أن يصدق عليك قول أبي الطحان القيني: حنتني حانيات الدهر حتى … كأني خاتل أدنو لصيد قصير الخطو يحسب من رآني … ولست مقيدًا أني بقيد وقال أسامة بن منقذ: مع الثمانين عاث الضعف في جسدي … وسائني ضعف رجلي واضطراب يدي إذا كتبت فخطي خط مضطرب … كخط مرتعش الكفين مرتعد فاعجب لضعف يدي عن حملها قَلَمًا … من بعد حمل القنا في لَبَّةِ الأسَدِ فقل لمن يتمنى طول مدته … هذي عواقب طول العمر والمُدَد فإن أعملت البدار، فهذا شاهد منك على أنك تحمل "كبر الهمة في العلم". (١) قوله: "ما للمعيل .. "، المعيل: كثير العيال والعوالي: المنازل الرفيعة، ولا تنافي بين ما ذكره المؤلف والزواج، بل الزواج من أسباب استقرار النفس، ومن ثم كثرة اشتغاله بالعلم، واستيعابه له.

стр. 161

(٣٦) إجمام النفس (١): خذ من وقتك سويعات تجم بها نفسك في رياض العلم من كتب المحاضرات (الثقافة العامة)، فإن القلوب يروح عنها ساعة فساعة. وفي المأثور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (أجمعوا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان) (٢). (١) هذا هو الأدب السادس والثلاثون من آداب طالب العلم: إجمام النفس؛ بحيث لا يحملها على شيء في جميع الأوقات فتمل منه، وكذلك لا يتعب نفسه تعبًا يجعلها تصبح لا تميز العلوم، فإن من جعل نومه قليلًا أقل مما تحتاج إليه نفسه ضعفت نفسه، ولم يستطع التركيز والبحث، وهكذا من لم يَطْعَم الطعام الذي يغذيه، فإن نفسه تضعف، وبالتالي يكل، ولا يتمكن من الفهم، ومن مواصلة التعلم، وشاهد هذا كثير في النصوص الشرعية، يقول النبي ﷺ : (إن المُنبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى) [¬١]، المنبت الذي يركب ناقته ويسير بها ويواصل بدون أن يرتاح، فحينئذ يُتعب ناقته فتعجز في نصف الطريق، فيكون لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وجاء في الحديث؛ حديث النفر الثلاثة الذين قال قائلهم: أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أقوم ولا أنام، وقال الثالث: لا أتزوج النساء، فعتب عليهم النبي ﷺ وقال: (أما والله إني لأخشاكم الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) [¬٢]. (٢) قوله: "وفي المأثور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: .... "، وكذلك النظر في بعض النكت والطرائف حتى تنشط نفسك، والنكت: هي الأمور الغريبة؛ والطرائف هي التي تتحرك لها النفس وتطرب، ولذلك كان النبي ﷺ ربما جاء منه المزاح، قال

стр. 162

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حكمة النهي عن التطوع في مطلق الأوقات (١): "بل في النهي بل في النهي عنه بعض الأوقات مصالح أخر، من إجمام النفوس بعض الأوقات، مِنْ ثِقَل العبادة، كما يجم بالنوم وغيره، ولهذا قال معاذ: إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي … " [¬١]. وقال: "بل قد قيل: إن من جملة حكمة النهي عن التطوع المطلق في بعض الأوقات: إجمام النفوس في وقت النهي لتنشط للصلاة، فإنها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه، وتنشط للصلاة بعد الراحة. والله أعلم) [¬٢] ا. هـ = علي: (أجموا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل) [¬٣]. (١) قوله: "قول ابن تيمية: في حكمة النهي في التطوع المطلق في بعض الأوقات"، وشاهد هذا أيضًا في منع المكلف من العبادة في بعض الأوقات من أجل ألا يتعب نفسه، وانظر إلى حديث عبد الله بن عمرو لما كان يصوم ولا يفطر، وكان يقوم حتى أثر ذلك على نفسه، فجاء أبوه إلى النبي ﷺ فسأله عن عبادته، ثم بعد ذلك أرشده إلى ترك مواصلة العبادة، بحيث يجعل وقتًا للراحة، ولا يشق على نفسه، وانظر في حديث تلك المرأة (زينب) التي كانت تضع حبلًا في المسجد حتى إذا تعبت تعلقت بالحبل، فقال النبي ﷺ : (لا، حُلُوهُ لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد) [¬٤]. ومن ذلك المفاوتة بين الفنون، فإنك لو استمررت على فنّ واحد من الممكن أن تمل نفسك، فتنتقل من علم إلى علم، كداخل البستان مرَّة يأكل عنبًا، ومرة يأكل رمانًا، ومرة يأكل تينًا، ومرة يأكل من غيره، أما لو أكل من صنف واحد فسيملّ.

стр. 163

ولهذا كانت العطل الأسبوعية للطلاب منتشرة منذ أمد بعيد، وكان الأغلب فيها: يوم الجمعة، وعصر الخميس، وعند بعضهم يوم الثلاثاء، ويوم الاثنين، وفي عيدي الفطر والأضحى من يوم إلى ثلاثة أيام وهكذا (١). ونجد ذلك في كتب آداب التعليم، وفي السير، ومنه على سبيل المثال: "آداب المعلمين" لسحنون، و"الرسالة المفصلة" للقابسي، و"الشقائق النعمانية"، وعنه في "ابجد العلوم"، وكتاب "أليس الصبح بقريب" للطاهر بن عاشور، و "فتاوى رشيد رضا"، و"معجم البلدان"، و"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية". (٣٧) قراءة التصحيح والضبط (٢): احرص على قراءة التصحيح والضبط على شيخ مُتْقِن، لِتَأْمَن من التحريف والتصحيف والغلط والوهم. وإذا استقرأت تراجم العلماء - وبخاصة الحفاظ منهم - تجد عددًا غير قليل ممن جرد المطولات في مجالس أو أيام قراءة ضبط على شيخ متقن. فهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قرأ "صحيح البخاري" في عشرة مجالس، كل مجلس عشر ساعات، و"صحيح مسلم" في أربعة مجالس في نحو يومين وشيء من بكرة النهار إلى الظهر، وانتهى ذلك في يوم عرفة، وكان (١) قوله: "كانت العطل الأسبوعية"، ومن هنا حرص أهل العلم على جعل إجازة وعطلة في الدراسة. (٢) قوله: "قراءة التصحيح"، عندما يقرأ المقبل على طلب العلم الكتاب على شيخ متقن، فإنه سيصحح قراءته فيأمن من تحريف النطق وأخطاء الطباعة.

стр. 164

يوم الجمعة سنة ٨١٣ هـ، وقرأ "سنن ابن ماجه" في أربعة مجالس، و"معجم الطبراني الصغير" في مجلس واحد، بين صلاتي الظهر والعصر. وشيخه الفيروز آبادي قرأ في دمشق "صحيح مسلم" على شيخه ابن جهبل قراءة ضبط في ثلاثة أيام. وللخطيب البغدادي والمؤتمن الساجي، وابن الأبار وغيرهم في ذلك عجائب وغرائب يطول ذكرها، وانظرها في "السير" للذهبي، و"طبقات الشافعية" للسبكي و"الجواهر والدرر" للسخاوي، و"فتح المغيث"، و "شذرات الذهب"، و"خلاصة الأثر"، و"فهرس الفهارس" للكتابي، و"تاج العروس". فلا تنسَ حظك من هذا. (٣٨) جرد المطوَّلات (١): الجرد للمطولات من أهم المهمات؛ لتعدد المعارف، وتوسيع المدارك، واستخراج مكنونها من الفوائد والفرائد والخبرة في مظان الأبحاث والمسائل، ومعرفة طرائق المصنفين في تأليفهم واصطلاحهم فيها. (١) هذه من آداب طالب العلم أنه يحرص على قراءة الكتب، خصوصًا المطوّلات على أشياخه، من أجل أن يضبط كيفية نطق الكلمات، وأن يضبط التشكيل والنحو، وكذلك يأمن من الغلط والوهم من إدخال جملة في جملة أخرى، ويسأل عما استشكل لديه من مثل هذا، فكان أهل العلم يفعلون هذا، وكان صحابة النبي ﷺ يفعلون ذلك في القرآن، فيقرءون على النبي ﷺ كتاب الله، وإذا وقع عندهم استشكال جاءوا وقرءوا، وكم من صحابي قد قرأ على النبي ﷺ وبواسطة قراءة هذه المطولات في المجالس القليلة=

стр. 165

وقد كان السالفون يكتبون عند وقوفهم: "بلغ"، حتى لا يفوته شيء عند المعاودة، لاسيما مع طول الزمن (١). = والأوقات القليلة يحصل فوائد: منها تحصيل العلوم والمعارف الكثيرة في الزمن القليل، ومنها توسيع مدارك الإنسان، بحيث يعرف أمورًا وأقوالًا مخالفة لما يستقر في نفسه، وبذلك يتمكن من استخراج النوادر والمسائل والفرائد الغربية، وبذلك أيضًا يتكون عند الإنسان قدرة على معرفة مواطن بحث المسائل في كتب أهل العلم، وكذلك تعرف طرائق التأليف وأنواع المؤلفات والمصطلحات التي يستخدمها علماء الشريعة فيها، وينبغي أن تميز ما قرأته وتضع علامة بحيث لا يفوتك شيء من الكتاب المقروء، وهذا هو شأن أهل العلم، والدروس العلمية كانت تجعل على نوعين: النوع الأول: دروس جرد المطولات يقرءون فيها ولا يتوقفون إلا عند النقطة المشكلة. والنوع الثاني: قراءة المتون، والمتون للمبتدئين، ويحرص فيها على التفهيم والإفهام. (١) قوله: "وقد كان السالفون يكتبون .. "، أي: وللعلماء طرائق متعددة في التفهيم: أول هذه الطرائق: الطلب من الطلاب أن يبينوا فهمهم من الكتاب، ثم يقوم الشيخ بتصحيحه، مثال هذا: عندنا درس في زاد المستقنع مثلًا، أتينا بجملة أقول: ما معناه يا زيد؟ ما معناه يا عمرو؟ ما معناه يا خالد؟ ثم أصحح وأقول: الصواب في الفهم كذا، وأما فهمك يا فلان بالفهم الفلاني فهو خطأ، وسبب خطئه كذا، فتستقر المعلومات في الأذهان، وكل جملة يسأل عنها أشخاص مختلفون، وهذه أحسن الطرق، وهي التي تستقر في الذهن. الطريقة الثانية: طريقة المجادلة والمناقشة، بحيث نقسم الطلاب إلى فريقين، وكلما جاءت مسألة نقول: انتخبوا لنا واحدًا مغايرًا لما انتخبتموه في المسائل السابقة، فيشرح، ثم يشرح الثاني، ونقارن بينهما، أو يشرح أحدهما ويصحح له الآخر، ثم يصحح الشيخ =

стр. 166

(٣٩) حسن السؤال (١): = لهما، هذه أيضًا طريقة جميلة، ويستقر بها الفهم، وهاتان الطريقتان لهما أصل في السنة، كما في حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ سأل عن شجرة صفتها كذا وصفتها كذا)، هذا سؤال، فالشيخ هو الذي يسأل ويطلب من الطلاب أن يجيبوا. الطريقة الثالثة: أن يقوم طالبان للمناظرة؛ وتسمى طريقة المناظرة، فيتناظران في المسألة، بحيث هذا يناظر هذا، وننظر: هذا يتبنّى قولًا وهذا يتبنى قولًا آخر، وننظر من يكون معه الغلبة، ثم يعقب الشيخ بما يستقيم. الطريقة الرابعة: طريقة السرد، بأن يلقي الشيخ الدرس، وهي من أضعف الطرق في إبقاء المعلومات، ولكنها جيدة، يحصِّل الناس منها شيئًا، خصوصًا إذا كان هناك كتابة وتسجيل، وتَنَاقَشَ الطلاب فيها فيما بعد، فإنها تبقى تلك المعلومة حينئذ. (١) من آداب طالب العلم حسن السؤال، والسؤال من الأمور التي يرغب فيها، إذا استشكل عليك فاسأل حتى تتقن العلم، ولذلك قيل لابن عباس: أين أصبت هذا العلم؟ قال: (بلسان سؤول وقلب عقول) [¬١]. إذا تقرر هذا فإن السؤال لا بد أن يكون على السنن، بحيث يلتزم فيه الطالب بالأدب، فلا يسأل في غير الفن الذي يتدارسونه، دَرْسُنا هذا في آداب طالب العلم، فلا تنقلونا إلى الفتوى، مثلًا ندرس في باب الصيام، فلا يحق لك أن تنقلنا إلى باب القصاص، أو باب من أبواب الأنكحة. الثاني: حسن انتقاء الألفاظ، لا تأتي بلفظ نابٍ، ولا لفظ غريب، ولا لفظ غير مرغوب فيه.

стр. 167

التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع، فَصحَّةُ الفهم للجواب (١)، = الثالث: ألا تسأل في شيء قد تكلم فيه الشيخ، فمسألة طرحها الشيخ وهي واضحة وجلية، وحكم قد قرره الشيخ لا يصح بأن تقول بعد ذلك: ما الحكم في كذا، والشيخ قد قرره. الأمر الرابع: لا بد أن يكون سؤالك سؤالًا صحيحًا، فبعض الناس يسأل بسؤال مركب بصياغة غير صحيحة. الأمر الخامس: أن يكون سؤالك سؤالًا واقعيًا، وتدعو الحاجة إليه. الأمر السادس: ألا يكون من التعنت، تريد أن تختبر الشيخ، وقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات) [¬١]. الأمر السابع: أن لا يكون سؤالك على جهة إبطال قول الشيخ، قد تستفهم، لكن لا تحاول إبطال قول الشيخ؛ لأن هذا سوء أدب، وقد يكون سوء فهم منك، وبالتالي لا يكون كلامك صحيحًا، قد تعترض وتقول: كيف الجمع بين كذا وكذا؟ فهذا لا بأس فيه، لكن أن تقول: كلامك غلط أو فيه ما فيه؛ لأن الله يقول كذا، فهذا سوء أدب، وليس من حسن السؤال في شيء. (١) وقول المؤلف: "التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع، فصحة الفهم للجواب"، مَرَّات يأخذ بعض الناس جزءًا من الجملة، ولا يلتفت إلى بقيتها، ويفهم فهمًا خاطئًا، وهذا يحصل خصوصًا من عوام الناس، يأخذ ربع جملة، ثم يبدأ ينسب إلى الشيخ ما لم يقله، ولذلك لا يجوز أن ينسب إلى عالم أي مقالة إلا إذا كان الإنسان قد سَمِعَ المقالة كاملة، مرات يأتي العالم، ويتكلم بنقل كلام باطل لا يقول به الشيخ، وإنما أورده ليبطله، ثم يجيب عنه، ويرد عليه، فيأتيك بعض الناس ما سمع إلا المقالة الباطلة؟! فيقول=

стр. 168

وإياك إذا حصل الجواب أن تقول: لكن الشيخ فلان قال لي كذا، أو قال كذا، فإن هذا وَهْنٌ في الأدب (١)، وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض، فاحذر هذا. وإن كنت لا بد فاعلًا، فكن واضحًا في السؤال، وقل: ما رأيك في الفتوى بكذا، ولا تُسَمِّ أحدًا. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقيل: إذا جلست إلى عالم، فسل تفقهًا لا تعنتًا" ا. هـ (٢). وقال أيضًا: "وللعلم ست مراتب: أولها: حسن السؤال. الثانية: حسن الإنصات والاستماع. = الشيخ فلان يقول كذا، فيكون قد كذب على الشيخ؛ لأن الشيخ نقل هذه الجملة ليرد عليها ويبطلها، وبعض الناس يحضر الشريط، وينقل هذه الجملة، وهذا الجزء، ويقول: اسمع الشيخ يقول كذا، وبالتالي يكون قد كذب عليه، وصدَّ الناس عن سبيل الله؛ لأن إبعاد الناس عن علماء الشريعة، والكلام في أعراضهم، وتشويه سمعتهم، وإنزال مكانتهم يؤدي إلى جعل الناس ينصرفون عن العلم الذي يحملونه. (١) قوله: "هذا وهن في الأدب"، كذلك من سوء الأدب، معارضة الأقوال بعضها ببعض، يقول مثلًا: الشيخ الفلاني يقول كذا، فنقول له: لا يصح لك أن تقارن قولي بقوله. (٢) قوله: "قال ابن القيم"، سل تفقهًا - يعني من أجل تحصيل الفقه - لا تعنتًا - من أجل إنزال المشقة على العالم.

стр. 169

الثالثة: حسن الفهم. الرابعة: الحفظ. الخامسة: التعليم. السادسة: وهي ثمرته العمل به ومراعاة حدوده. ا. هـ ثم أخذ في بيانها ببحث مهم. (٤٠) المناظرة بلا مماراة (١): إياك والمماراة، فإنها نقمة، أما المناظرة في الحق، فإنها نعمة، إذ المناظرة الحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح، فهي مبنية على المناصحة، والحلم، ونشر العلم، أما المماراة في المحاورات والمناظرات، فإنها تحجُّجٌ ورياء ولغط وكبرياء ومغالبة ومراء، واختيال وشحناء، ومجاراة للسفهاء، فاحذرها واحذر فاعلها؛ تسلم من المآثم وهتك المحارم، وأعرض تسلم وتكبت المأثم والمغرم. (١) قوله: "المناظرة بلا مماراة"، المماراة هي المناقشات العقيمة، والمناقشات التي تكون لإظهار النفس لا لتعرّف الحق، وقد قال النبي ﷺ : (أنا زعيم ببيتٍ في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا) [¬١]. - أما المناظرة والمناقشة والمجادلة في المسائل العلمية فهذه مطلوبة؛ لأن الإنسان يقصد بها الوصول إلى الحق؛ لأن الكلام فيها يبنى على دليل صحيح، ولأن المرء في المناظرة والمناقشة إذا وصل إلى الدليل سمع له وأذعن: أما الماراة فهو يريد إبطال دليل خصمه =

стр. 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ولو كان دليلًا صحيحًا في نظره، فالمجادلة بالتي هي أحسن مطلوبة، وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. من هنا فإن المناقشة محمودة، وهي نوع من أنواع النصح، ونوع من أنواع التعلم، وقد ذكر الله في كتابه عددًا من المناقشات والمناظرات بين الأنبياء وأقوامهم، انظر لمناقشة موسى لفرعون، ومناقشة إبراهيم لقومه، وبعض مناقشات النبي ﷺ لبعض من في زمانه، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَ عْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤]. وبالتالي فإن المراء مذموم؛ لأن المقصود فيه الغلبة وليس المقصود فيه الوصول إلى الحق، وبالتالي تجد صاحبه يرفع الصوت ليغلب من أمامه، وتجده يُمَوّه في الكلام ليغلب من أمامه، وتجده يحاول أن يوجد تناقضات في كلام مقابله، ولو لم تكن صحيحة من أجل أن يغلبه ويتمكن منه، وبالتالي فالمراء مؤثر على صحة النية غير موصل إلى حق، ومن هنا فإنه ينهى عنه؛ لأنه سبب من أسباب الإثم، فإذا وجدت هذه المناقشات تحوّلت إلى مراء، ومناقشات عقيمة، والمقصود منها الغلبة والانتصار، فحينئذ أعرض عنها، وأوصل الحق فقط ولا تجادل ولا تناقش إذ المقصود إيصال الحق للخلق.

стр. 171

(٤١) مذاكرة العلم (١): تمتع مع البصراء بالمذاكرة، والمطارحة فإنها في مواطن تفوق المطالعة وتشحد الذهن، وتُقَوِّي الذاكرة ملتزمًا الإنصاف والملاطفة مبتعدًا عن الحيف والشغب والمجازفة. وكن على حذر، فإنها تكشف عوار من لا يصدق. فإن كنت مع قاصر في العلم، بارد الذهن، فهي داء ومنافرة، وأما مُذاكرتك مع نفسك في تقليبك لمسائل العلم، فهذا ما لا يسوغ أن تنفك عنه. … وقد قيل: إحياء العلم مذاكرته. (١) قوله: "مذاكرة العلم"، هذا هو الأدب الحادي والأربعون من آداب طالب العلم، ومذاكرة العلم تعني: مراجعته والمناقشة فيه، فيقول: الباب الفلاني، ماذا يشتمل عليه من المسائل؟ يشتمل على مسائل: المسألة الأولى كذا، والمسألة الثانية كذا، والمسألة الثالثة كذا. الباب الفلاني من أبواب العلم ما هي الأحاديث التي تكون فيه؟ ثم أسرد أنا وجليسي أحاديث الباب، أورد حديثًا ثم أنت تورد حديثًا، أقول مثلًا: باب الاعتكاف ماذا وُجد فيه من الآيات القرآنية والأحاديث، نورد الآيات ثم نورد الأحاديث واحدًا واحدًا، أنت تورد حديثًا وأنا أورد حديثًا آخر، هذا يسمى مذاكرة العلم، ومذاكرة العلم من أكبر الوسائل المؤدية إلى حفظ العلم، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة يتذاكرون العلم إذا جَلَسُوا بدأوا يتذاكرون، وكل يوم يتذاكرون في باب أو نحوه، وبالتالي يحفظون العلم. وهذا شاهده ودليله: (أن النبي ﷺ كان يأتيه جبريل في رمضان فيدارسه القرآن في كل عام مرة) [¬١]، فهذا من مذاكرة العلم.

стр. 172

(٤٢) طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة وعلومها (١): فهما له كالجناحين للطائر، فاحذر أن تكون مهيض الجناح. = وكان الصحابة يذاكرون العلم، فأبو هريرة كان في الليل يراجع الأحاديث التي حفظها لتبقى في ذهنه، وهكذا الأئمة لا زالوا على طلب العلم بواسطة المذاكرة، والمذاكرة فوق المطالعة، تجيء بكتاب وتقرأ في باب الاعتكاف في كتب هذه الأحاديث، هذه مطالعة، فإذا جلست مع طالب علم، وبدأت تذاكر: ماذا ورد في باب الاعتكاف من الأحاديث؟ هذا أقوى في رسوخ المعلومة من الأول، وفي نفس الوقت تجعل الذهن متوقدًا حاضرًا في هذا الباب، وتقوي ذاكرة الإنسان، وتجعله منصتًا لكلامه مع غيره؛ لأنه مرة يعطي معلومة، ومرة يأخذ المعلومة من غيره، وبالتالي يكون لطيفًا، بخلاف المناظرات، فإنها قد يكون فيها ما يكون من القوة وما ينافي الملاطفة، لكن ينبغي أن تبتعد في المذاكرة عن ذلك المتعالم، أو ذلك الكاذب، أو من ليس عنده أمانة علمية؛ لأنه قد يوهمك بأن في هذا الباب الحديث الفلاني، ويوهمك أن هذه المسألة توجد في باب كذا، ويوهمك أن هذه المعلومة عند هؤلاء الفقهاء على هذا النحو، ولا يكون الأمر كذلك، أما مراجعة الإنسان لمسائل العلم في نفسه فهذا عظيم الفائدة. (١) قوله: "طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة وعلومها"، الأصل في العلم الشرعي الاستمداد من الكتاب والسنة، وحينئذ لا بد أن يكون هما الذي يعول عليهما طالب العلم في علمه، ومن ثم فقراءة أقوال العلماء، والبحث في كتب الفقه إنما هي وسائل يستعين بها الإنسان على ضبط العلم، وعلى القدرة على مراجعة النصوص الشرعية كتابًا وسنة، هذه وسائل، وإلا فإن الأصل هو الكتاب والسنة، ولذلك طالب العلم تجده يعيش بين هذين الأصلين: =

стр. 173

(٤٣) استكمال أدوات كل فن (١): لن تكون طالب علم متقنًا متفننًا - حتى يلج الجمل في سم الخياط - ما لم تستكمل أدوات ذلك الفن، ففي الفقه بين الفقه وأصوله، وفي الحديث بين علمي الرواية والدارية … وهكذا، وإلا فلا تتعن. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. = أولًا: يراجع حفظه للقرآن، ويتأمل فهم القرآن. ثانيًا: يسرد كتب السنة، ويحاول ضبط ما يستطيع ضبطه منها. ولا يصح أن تكتفي بأحدهما عن الآخر. والله - جل وعلا - قد أمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، آيات الله يعني: القرآن، والحكمة يعني السنة، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] يعني: الكتاب والسنة. (١) قوله: "استكمال أدوات كل فن"، هذا الأدب اشتمل على أمرين: الأمر الأول: معرفة أدوات العلم قبل الدخول فيه، لو جاءنا إنسان، وبدأ يدرس النحو، وأخذ المرفوعات والمنصوبات، لكنه أصلًا لا يعرف، ولا يعلم أن النحو يتعلق بأواخر الكلمات، ليس لديه فهم المصطلحات في هذا العلم، ولا يعرف المنشأ الذي نشأ منه هذا العلم، فلن يُنْقِن هذا العلم، وهكذا في بقية الفنون، عندما. يريد الإنسان فهم الكتاب والسنة، واستخراج الأحكام منها، فإنه إذا لم يعرف القواعد الأصولية فلن يتمكن من ذلك، وحينئذ إذا أرد أن يحكم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا لا بد أن يعرف قواعد المصطلح، ويكون=

стр. 174

فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علمًا حتى يُتْقِنَهُ (١). * * * = عنده قدرة على معرفة أحوال الرواة، فإذا لم يكن محيطًا بالوسيلة فلن يتمكن من الوصول إلى الغاية، وبالتالي لا بد من معرفة الأدوات قبل الولوج في تعلم العلم. (١) قوله: "فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علمًا حتى يتقنه"، هذا هو الأمر الثاني مما ذكره المؤلف هنا: ألا يَتْرُك العلم حتى يتقنه، إذا بدأ الطالب في علم ثم مل وانتقل إلى غيره، وأهمل العلم الأول، فحينئذ قد أضاع وقته، ومن أخذ كتابًا وقرأ ربعه أو نصفه، ثم انتقل إلى غيره، فلا يتمكن أن يقول: قرأت الكتاب ولا يتمكن أن يقول: هذه المعلومة ليست في الكتاب؛ لأنه لم يُحِط بالكتاب.

стр. 175

الفصل السادس التحلي بالعمل (٤٤) من علامات العلم النافع (١): تَسَاءَلُ مع نفسك عَنْ حظِّك من علامات العلم النافع، وهي: الأول: العمل به. الثاني: كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق. الثالث: تكاثر تواضعك كلما ازددت علمًا. الرابع: الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا. الخمس: هجر دعوى العلم. السادس: إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس، تنزهًا عن الوقوع بهم. وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد: لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم … ليس الصحيح إذا مشى كالمُقْعَد (١) قوله: "من علامات الأدب النافع"، أي: الأدب الرابع والأربعون من آداب طالب العلم، العمل بالعلم، ويترتب على هذا أن تكون عارفًا لمقدار نفسك، فإنه كُلَّما ازداد الإنسان من العلم كلما احتقر نفسه، وتواضع لغيره، وكلما نقص علم الإنسان ظن أنه قد حصل العلم فتكبر، ولذلك يحرص طالب العلم على العمل بما علم.

стр. 176

(٤٥) زكاة العلم (١): أدِّ (زكاة المال) صادعًا بالحق، أمَّارًا بالمعروف، نهَّاءً عن المنكر، موازنا بين المصالح والمضار، ناشرًا للعلم، وحب النفع وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم وغيره. قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه، فبذله صدقة ينتفع بها، والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه. فاحرص على هذه الحلية فهي رأس ثمرة علمك. ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق وآفته الكتمان. ولا تحملك دعوى فساد الزمان وغلبة الفُسَّاق، وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت، فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة، ورفع لواء الرذيلة. (١) قوله: "زكاة العلم"، هو الأدب الخامس والأربعون، الحرص على الدعوة بنشر العلم، وبثه في الأمة، سواء إذا وجدت شخصًا تاركًا لما تعلمُه من الخير والصدق، أو بواسطة مجالس العلم، أو بالتأليف أو نحو ذلك، وهكذا أيضًا الحرص على نفع الآخرين، والشفاعة الحسنة لهم. والعلم يزيد بالنفقة منه، كلما دعوت إليه، وعلمت الناس، بقي العلم في نفسك، وأعطاك الله علمًا لم تكن عالمًا به، وبارك الله في علمك، وكلما تكاسل الإنسان في نشر =

стр. 177

(٤٦) عزة العلماء (١): التحلي بـ (عزة العلماء): صيانة العلم وتعظيمه، وحماية جَنَاب عِزِّه وشرَفِه، وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به، وبقدر ما تهدره يكون الفوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم (٢). = العلم فإنه سينساه عن قرب، ولن يبارك له في علمه، وفي عصرنا الحاضر استجدت وسائل جديدة، فيحسن استعمالها جميعًا في نشر العلم والدعوة إلى الله ، بعض الناس يقولون: الناس قد فسدوا وتجاهلوا العلم، فنقول: هذه تجعلك تحرص على كثرة التعليم، وتبذل الأسباب فيه، فإذا فسد الناس، وكثر الجهل فيهم، فلا بد أن يقوم العلماء وطلبة العلم بالتعليم، وقد قال النبي ﷺ : (ما بال أقوام لا يُعلمون جيرانهم ولا يُفقهونهم ولا يُفطنونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟! وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطّنون) [¬١]، والفُسَّاق يريدون من العلماء أن يسكتوا ولا ينشروا علمًا، ولا يوجهوا الناس وينصحوهم؛ ليتمكنوا من مرادهم في فسقهم، لكن ينبغي ألا نحقق مطلوبهم، وأن نحتسب للأجر في بث العلم. (١) قوله: "عزة العلماء"، هو الأدب السادس والأربعون، بحيث لا يبذل العلماء علمهم فيما لا يناسبه من المواطن والمحال، وبحيث لا يكون العلماء ممن يبذل علمه في تحقيق أهواء الناس وأغراضهم المخالفة للشريعة. (٢) قوله: "التحلي بعزَّة العلماء"، وفسره بـ "صيانة العلم وتعظيمه وحماية جناب عزه".

стр. 178

وعليه فاحذر أن يتمَنْدل بك الكبراء (١)، أو يمتطيك السفهاء (٢)، فَتُلاين في فتوى، أو قضاء، أو بحث، أو خطاب. ولا تسعَ به إلى أهل الدنيا، ولا تقف به على أعتابهم، ولا تبذله إلى غير أهله وإن عظم قدره (٣). (١) قوله: "وعليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء"، أي: أن يجعلوك منديلًا يمسحون به أيديهم؛ لأنك تذل لهم، ومن ثم يتوصلون بك إلى تحقيق أغراضهم. (٢) قوله: "يمتطيك السفهاء"، يعني: يركبوك ويجعلوك مطية لهم، ومن ثم تُلاين لهم في فتوى أو في قضاء أو في بحث أو في خطاب، ومما يترتب على هذا أن يعز طالب العلم نفسه، فلا يذهب إلى مجالس أهل الدنيا إلا إذا دعوه ليبلغ حقه، وأما أن يذهب إليهم ابتداء فليس هذا مما يحسن فعله من طالب العلم. (٣) قوله: "ولا تَقِفْ به على اعتابهم"، وكثير من الأئمة يقول بأن مجالس العلم يؤتى إليها، ولا يصح أن تُنقل مجالس العلم إلى مواطن أهل الدنيا، فيقال: إذا أردت التعلم فتَعَال، والإمام أحمد وغيره من الأئمة طلبهم السلاطين في وقتهم إلى أن ينقلوا حديثهم في مواطن السلطان، فأبوا، وقال له الواثق [¬١]: أريد أن تعلم فلانًا وفلانًا من أبنائي. قال: فليحضروا إلينا وليتعلموا كما يتعلّم غيرهم. وجاء هشام بن عبد الملك فطاف بالبيت، وجاءت له مسألة، فجاء إلى عطاء، وكان يصلي، فما نقص من صلاته شيئًا، ثم بعد ذلك أجاب الناس حتى جاء الدور إلى هشام بن عبد الملك فأجابه عن مسألته، ولا زال العلماء في الزمان الأول يأتيهم الولاة ويأتيهم الأمراء، ويسألونهم في مسائلهم في بيوت العلماء، فالعلم يؤتى إليه.

стр. 179

ومَتِّع بَصَرَكَ وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا تَرَ فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لاسيما من جمع مثلًا في هذا، مثل كتاب "من أخلاق العلماء" لمحمد سلميان رحمه الله تعالى وكتاب "الإسلام بين العلماء والحكام" لعبد العزيز البدري رحمه الله تعالى، وكتاب "مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لفاروق السامرائي" (١). وأرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب "عزة العلماء" يسر الله إتمامه وطبعه. وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني علي بن عبد العزيز (م سنة ٣٩٢ هـ) رحمه الله تعالى، كما نجدها عند عدد من مترجميه، ومطلعها (٢): (١) قوله: "ومتع بصرك وبصيرتك .. " ذكر المؤلف نماذج من كتب أهل العلم التي ذكرت تراجم وسيرًا لأئمة مضوا حموا أنفسهم من إذلال علمهم بمثل هؤلاء، إلا أن بعض أهل العلم خص من هذا مجلس الإمام الأعظم، فالعلماء يجب عليهم أن يبلغوا ما لديهم من علم إليه، ومثل هذا يختلف باختلاف اجتهاد المجتهدين. كما أن ما سبق في نقل العلم والتعلم، أما في مجال الدعوة فإنه يحسن الذهاب للناس في مجالسهم من أجل الدعوة كما كان النبي ﷺ يغشى المجالس في المدينة وفي مكة ومنى من أجلها. (٢) وذكر المؤلف قصيدة الجرجاني، وفيها شيء من هذا المعنى، وقد جاء في مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن) [¬١]، وهذا له أسانيد متعددة يُقوِّي بعضها بعضًا.

стр. 180

يقولون لي فيك انقباض وإنما … رأوا رجلًا عن موضع الذل أحْجَما أرى الناس من داناهم هان عندهم … ومَنْ أَكْرَمَتْهُ عزة النفس أُكْرِمَا ولو أنَّ أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظَّموه في النفوس لَعُظْمَا (لعظما) بفتح الظاء المعجمة المشالة. (٤٧) صيانة العلم (١): إن بلغت منصبًا، فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم، أو الفتيا، أو القضاء .. وهكذا، فأعْطِ العلم قدره وحَظَّهُ من العمم به، وإنزاله منزلته. واحذر مسلَكَ مَنْ لا يرجون الله وقارًا، الذين يجعلون الأساس (حفظ المنصب)، فيطوون ألسنتهم عن قول الحق، ويحملهم حب الولاية على المجاراة. (١) قوله: "صيانة العلم"، هذا أدب آخر من آداب طالب العلم، وهو أن المرء إذا كان في منصب أو ولاية، فلا ينبغي أن ينقطع عن طلب العلم أو إقرائه وتدريسه ليبقى العلم عنده؛ وذلك أنه بالتعليم والتدريس يبقى هذا العلم الذي وصل به الإنسان إلى هذه الولاية، وبذلك يُرْضِي ربه - جل وعلا -، ويتواصل الناس بالعلم وتعليمه وإقرائه، ويأخذ الخلف عن السلف، ويبقى العلم ويستمر في الأمة.
следующие страницы →