← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30622

شرح حلية طالب العلم - الشثري

سعد الشثري

Полный текст (199 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: فإن الله جل وعلا قد رغَّب في طلب العلم، ورتَّب عليه الأجور العظيمة، كما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العلم رضًا بمَا يَطْلُبُ) (١)، وكما قال النبي: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهْلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إلى الجنَّةِ" (٢)، وكما جاء في الحديث الثالث: (مَنْ خَرَجَ في طَلَب العِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ) (٣). ولذلك أشاد الأئمة بطلب العلم، ورغَّبوا فيه، وحثُّوا عليه انطلاقًا من هذه النصوص، وذلك أن حاجة الأمة إلى العلماء أشد من حاجتها إلى وجود غيرهم مِنْ طَوَائِفِ النَّاس، سواءً كان العُبُّاد، أو كان أهل الجهاد، أو كان أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك أن هذه العبادات لا تصح إلا بعلم، لو جاهد بدون علم، لكان ما يؤدي إليه جهاده من الفساد أعظم مما يؤدي إليه من إصلاح الأحوال، وهكذا في بَقِيَّة الأعمال؛ مَنْ تَقَرَّبَ إلى الله بصلاة ليست مبنيَّة على علم، فقد يكون فيها من المُبطلات والمُفسدات ما يجعلها غير مقبولة عند الله ، ولذلك اهتمَّ الأئمة بالعلم، ورغَّبوا فيه، وجَعَلوهُ شَرْطًا للعمل، كما قال الإمام البخاري: "باب العلم قبل القول والعمل (٤).

стр. 2

واسْتَدَلَّ عليه بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. إذا تَقَرَّر هذا، فإن الله - جل وعلا - قد وازن بين العلماء وبين غيرهم، فَرَفَعَ شأن العلماء، وبيَّن رفْعَةً مكانتهم، كما قال - جل وعلا -: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال النبي ﷺ (فضل العالم عَلَى العَابِدِ كَفَضلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) (١)، (وفَضلُ العالم عَلَى العَابِدِ، كَفَضَل القَمَر عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِب) (٢)، والنصوص في هذا كثيرة. والعِلْمُ لا يَحصل إلا بطلبه، وبذل الأسباب من أجل تحصيله، ولذا كان طلب العلم من أفضل القربات. وحاجة الأمة إلى العلماء أشد من حاجتها إلى غيرهم كما تقدَّم، ومن هنا فإن العلماء هم الذين يأمرون الناس بالخير، وهم الذين يعلِّمونهم ما فيه نفعهم في دنياهم وآخرتهم، وهم الذين يقي الله الأمة من الشرور، وهم الذين يستنبطون حلول مشاكل الأمة من كتاب الله - جل وعلا - ومن سنة رسوله ﷺ . إذا تَوَجَّه الناس إلى رعاية العمل الإسلامي بدون أن يكون ذلك مبنيًّا على علم، كان ذلك سببًا من أسباب انتكاسة العمل الإسلامي؛ وذلك لأن العمل متى كان مبنيًّا على عاطفة، ولم يكن مبنيا على علم شرعي مؤصل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كان ما يُؤَدِّيهِ من المفاسد أكبر مما يُؤَدِّيهِ من المصالح، خصوصًا في مثل أزماننا هذه، التي ركض فيها أهل الضلالة والفساد نحو

стр. 3

مجتمعات المسلمين، يقودهم عدونا الأكبر الشيطان، من أجل صد الناس عن دين الله، ولهم في ذلك حيلٌ ومكر كثير، من حيلهم أنهم يدفعون الناس إلى ردود فعل غير محسوبة النتائج؛ فتؤدي إلى مفاسد شنيعة؛ وذلك لأنهم لم ينطلقوا في تصرفاتهم من علم شرعي، ولذلك ذكر العلماء أن من شروط الفعل المكلَّف به: العلم، بحيث يكون المرء عالمًا بأن الشرع قد كلَّف بذلك الفعل، ويكون المرءُ عالمُا بكيفية أداء ذلك الفعل، لكن العلم له طرائق في تعلُّمه، لا يمكن الاستفادة من هذا العلم إلا عندما نقوم بالالتزام بآداب التعلُّم، بحيث نتصف بهذه الآداب ونُطبِّقها في تعلمنا، فمن تعلم العلوم بدون أن يتأدَّبَ بالآداب الشرعية لم يبارك له في علمه، وكان الناس ينفرون منهُ، ويظنون أن تلك النُّفرة من العلم الذي يحمله، وإنما النُّفرة من سوء تأدُّبه، وسوء تخلُّقه بأخلاق الإسلام، فحينئذ قد يكون ما يؤديه من المفاسد أكثر مما يؤديه من المصالح، ولذلك عني أهل العلم بالتأليف في آداب طلب العلم منذُ العصور الأولى، فألّفت مؤلَّفات كثيرة، منها آداب حملة القرآن، ومنها أخلاق أهل العلم، لطائفة من أهل العلم، ولا زال علماء الشريعة يَعْتَنُون بهذا الباب، ولكن كل عصر تولد فيه مستجدات تجعل أهل العلم يحاولون أن ينصُّوا على أحكام هذه المستجدات من آداب طلب العلم في مؤلفاتهم، ولذلك كُلَّما وُجد عندنا كتاب يعتني بالمستجدات المتعلِّقة بطلب العلم وآدابه وطريقته كانت الاستفادة من ذلك أكثر وأشمل. ومما أُلف في أدب طلب العلم كتاب: "حلية طالب العلم" للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وهو من علماء الأمة الذين لهم مؤلفات عديدة، وقد كان عضوًا في هيئة كبار العلماء، وعضوا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وقد نفع الله به كثيرًا، ولم يمُت إلا منذ سنوات قليلة، ونَفَعَ الله بعلمه، ونشر الله ذلك العلم في الأمة في مشارق

стр. 4

الأرض ومغاربها، ولذلك فإني أستعين بالله في شرح هذا الكتاب "حلية طالب العلم" الذي فاز بمميزات: أول هذه المميزات: اشتماله على أدب طلب العلم. وثانيها: أن هذا الكتاب ألفَهُ عالم سلَفِي سُنّي، ينطلق من النصوص الشرعية فيما يكتبه. وثالثها: أن هذا الكتاب اشتمل على آداب كثيرة من آداب طلب العلم، حتى فيما يتعلق بتربية طالب العلم في نفسه، وفي أخلاقه، وفي تعامله مع الله - جل وعلا - ومع عباده. ومن مميزات هذا الكتاب: شموله لكثير من هذه الآداب، ولم يترك إلا الشيء القليل. ومن مميزات هذا الكتاب: أنه قد تعرض لمسائل عصرية يحتاج إليها طالب العلم، سواءً فيما يتعلق بالتحزّبات والافتراقات، أو فيما يتعلَّق بجعل الولاء والبراء الجماعة أو حزب أو نحوه، أو فيما يتعلَّق بالوسائل الحديثة لطلب العلم وكيفية الاستفادة منها. كذلك من مميزات هذا الكتاب: أنه أُلِّف بلغة رفيعة فيها ألفاظ عربية، بحيث يتعلَّم الإنسان من هذا الكتاب عددًا من الألفاظ اللغوية التي قد لا يجدها في غيره، ثم فيه من الألفاظ الجزلة القوية المؤدّية للمعنى ما يجعل لغة طالب هذه الكتاب تَعلُو وتَرتَفِع. ولذلك لعلَّنا نشرح هذا الكتاب المبارك، كتاب "حلية طالب العلم" للشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد رحمه الله تعالى، ورفع درجته، وأعلى منزلته في علِّيين، وجعلنا وإياكم ممن تبع هذا الإمام، واستفاد من علمه، وسار على طريقته، ورضي الله عنه بذلك، هذا ونبتدئ بإذن الله قراءة الكتاب.

стр. 5

مقدمة المؤلف الحمد لله، وبعد: فأقيد معالم هذه الحلية المباركة عام ١٤٠٨ هـ، والمسلمون - ولله الحمد - (١) (١) هذه مقدمة كتاب "حلية طالب العلم"، ذكر المؤلف فيها عددًا من الأمور: الأمر الأول: السَّبَبُ الذي دعاه لتأليف هذا الكتاب، وهو أنه رأى نهضَةً علمية مباركة من شباب الأمة نحو تعلّم العلوم الشرعية النافعة في الدنيا والآخرة، ولذلك خشي أن يكون هذا التعلم غير منضبط بالضوابط الشرعية فيُودي إلى مفاسد عديدة، ويؤدي إلى تضييع أوقات الشباب بما لا ينفعهم، ويقول: بأنه قد بذل خُطوة في هذا في رسالة "التعالم"، من أجل بيان من اندسَّ في طلب العلم، وهو ليس من العُلماء ليُحذر منه، ومن أجل ألا يُطلب العلم على يديه. ثم بعد ذلك بيّن أن هذه الشريعة مبنيَّة على الأخلاق الفاضلة، وأن أهل الإسلام يتمسَّكون بالخلقِ الطَّيِّب، ومن أَوْلَى من يتمسك بالخُلُق الطيب هم علماء الشريعة وطلبة العلم، ولذلك ألف هذه الرسالة في بيان آداب الشرع، من أجل أن يتمسك بها المتعلِّمون. الأمر الثاني: أن من سنة العلماء التي توارثوها، وَرِثَهَا الصغير عن الكبير، أنهم يتعلمون آداب طلب العلم قبل بدئهم في تعلم العلوم، فلا بد أن نسير على هذ الطريقة؛ لأن هذه الأمة المحمَّديَّة لا تجتمع على ضلالة، ولذلك أوْصَى بوصية التزام دراسة آداب طلب العلم قبل دراسة ذات العلم، سواءً كان في المساجد أو في دور التَّعلم. الأمر الثالث: وهو أنه من فاتته هذه الآداب فاته خيرٌ كثير، وفاته علم، بسبب عدم تأدبه بآداب التَّعلّم. ثم ذكر أن هذا الكتاب لم يُعن باستيفاء الآداب، وإنما ذكر أمثلة ونماذج من أجل أن تفهم بقية المسائل بواسطة هذه الآداب التي ذكرها المؤلف في هذا الكتاب. نمر على بعض الألفاظ الموجودة في الكتاب؛ لعلنا إن شاء الله نفسِّر شيئًا من هذه الألفاظ:

стр. 6

يعايشون يقظة علمية (١) تتَهَلَّل لها سبحات الوجوه (٢)، ولا تزال تنشط متقدمة إلى الترقي والنضوج (٣) في أفئدة شباب الأمة، مجدها ودمها المجدد لحياتها (٤)، إذ نرى الكتائب الشبابية تترا يتقلبون في أعطاف العلم (٥) مُثقَلِينَ بِحَمْلِهِ يَعُلّون منه وينهلون (٦)، فلديهم من الطموح (٧) والجامعية (٨)، والاطلاع المدهش (٩)، والغوص على مكنونات المسائل (١٠)، (١) قال المؤلف: "يعايشون يقظة علمية": يعني: أن المسلمين أصبح في حياتهم ومما شاع بينهم التوجه إلى العلم الشرعي، وتعلُّم هذا العلم، وهذا يُعدّ "يقظة علمية" كأنهم قد أفاقوا من السُبات والنوم إلى التَّعَلم. (٢) ثم قال: "تَتَهلَّل له" أي أن سُبُحات الوجوه - وهي قسمات الوجوه وما فيها من أجزاء - تتهلل، بمعنى أنها تفرح ويظهر منها آثار الاستِبشَار. (٣) وقال: "ولا تزال تنشط متقدمةً إلى التَّرقِّي والنضوج"، الترقي: الصعود إلى أعلى، والنضوج: أن يكون الشيء على تمامه، بحث يكون على أكمل وجوهه. (٤) وقال: "في أفئدة شباب الأمة مجدها ودمها المُجدِّد لحياتها"؛ لأن هذا العلم هو الذي يُجدِّد للأمة حياتها، ويعيدها إلى الهدي النبوي. (٥) ثم قال: "نرى الكتائب الشبابية تترا"، يعني: تأتي طائفة بعد طائفة "يتقلبون في أعطاف العلم"، عِطْف الثوب: جانبه وطرفه الذي يُتَحَلى به. (٦) وقال: "مُثقلين بحمله يعُلُّون منه وينهلون" النَّهل: الشرب أول مرة، والعَلَل: الشرب في المرة الثانية. (٧) قوله: "فلديهم من الطموح"، يعني الرغبة الجامحة للتعلم. (٨) قوله: "والجامعية" يعني: الرغبة في جمع أكبر قدر من العلوم. (٩) قوله: "والاطلاع المدهش"، يعني: الذي يجعل الإنسان يُعْجَبُ به. (١٠) قوله: "والغوص على مكنونات المسائل"، يعني: المسائل الخفية الغامضة التي يضعها أهل العلم في غير مواضعها.

стр. 7

ما يفرح به المسلمون نصرًا، فسبحان الله من يحيى ويميت قلوبًا (١). لكن، لا بد لهذه النواة المباركة من السَّقي (٢) والتعهد في مساراتها كافة (٣)، نشرًا للضمانات (٤) التي تكف عنها العثار والتعصب (٥) في مثاني الطلب، والعمل من تموجات فكرية، وعقدية، وسلوكية، وطائفية، وحزبية (٦). (١) قوله: "ما يفرح به المسلمون نصرًا، فَسُبْحَانَ من يحيي ويميت قلوبًا"، فحياة القلوب هي في العلم، وموت القلوب في ترك العلم. (٢) قوله: "لكن لا بد لهذه النواة المباركة من السَّقي"، بحيث "نمدها" بطرائق التعلّم وآداب التعلم. (٣) قوله: "والتعهد في مساراتها كافة"، يعني: في الطرق المتعددة التي يسلُكُونها في طلب العلم. (٤) قوله: "نشرًا للضمانات"، يعني: للحواجز التي تحجز هؤلاء الشباب عن الضلال والإضلال، وعن الإسفاف في التعامل والخُلُق. (٥) قوله: "التي تكف عنها العثار"، وهو السقوط مرة. - "والتعثر": يعني السقوط الشديد الذي لا يتمكن الإنسان من التجاوز لمكان السقوط مرة أخرى. (٦) قوله: "في مثاني الطلب والعمل .. "؛ لأن هناك "تموجات فكرية"، يعني: أن هناك أمورًا ناتجة عن أفكار بعض الناس، وذلك أن الشياطين تُلقي في قلوب بعض العباد وساوس يظنونها معقولات وأفكارًا فيبثونها، ويكتبونها، ويتكلَّمون بها في وسائل الإعلام، فتسبب موجات فتن مختلفة، وهناك أيضًا تموّجات عقدية، فهؤلاء من الطائفة الفلانية، وهؤلاء من الطائفة الفلانية، كيف نقي شبابنا هذه التموّجات؟ لا بد أن=

стр. 8

وقد جعلت طوع أيديهم رسالة في "التَّعالُم" (١) تكشف المندسين بينهم، خشية أن يردوهم (٢)، ويضيعوا عليهم أمرهم (٣)، = يكون ذلك من خلال تعلمهم لآداب طلب العلم، وكذلك في الأمور السلوكية فيما يفعلونه ويؤدونه من السلوكيات والتصرفات التي قد يكون منشؤها ناشئًا من شرق أو غرب، ولا بد من أن نتعلم الآداب لنقي هؤلاء الشباب الذين توجهوا للعلم من العَثَرات السلوكية، وهكذا أيضًا فيما يتعلق بتقسيم أهل الإسلام وجعلهم طوائف وأحزابًا يعادي بعضهم بعضًا؛ إذ إن هناك من يحاول أن يفرِّق المسلمين ويوجِد الشَّتات بينهم، ولذلك لا بد أن نعطي آدابًا واضحة تجمع أبناء الأمة ليكونوا على طريقة واحدة وهيئة واحدة، ينطلقون من الكتاب والسنة، وكلَّما رجع الناس إلى الكتاب والسنة كان ذلك سببًا لتآلف قلوبهم ومحبَّة بعضهم لبعض، وجعلهم أمة واحدة ويدًا واحدة على من سواهم، وكلما ابتعدوا عن الكتاب والسنة حصل النزاع والشقاق والتطاحن والتقاتل بينهم، ومن هنا نعلم أن التآُلف بين القلوب نعمة ربانية تكون لمن تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. (١) رسالة التعالُم رسالة ألَّفها الشيخ ﵀ لبيان صفات أولئك الذين يدَّعون العلم، ويحاولون أن ينسبوا إلى أنفسهم علومًا وهم ليسوا كذلك، وليسوا من أهل العلم في شيء، وإنما يريدون إظهار أنفسهم، وأذكر أن الشيخ ضرب لذلك أمثلة، فقال: "الطُّبوليّون"، وقال: (الخنفشاريُّ"، ولعل التنبيه إلى هذا يأتي - إن شاء الله - في هذا الكتاب. (٢) قال: "خشية أن يُردُّوهم"، يعني: نخشى أن يأتي هؤلاء المتعالمون لطلاب العلم، فيكون ذلك سببًا لجعل طلاب العلم يتَردُّون ولا ينتفعون بالعلم. (٣) قوله: "ويضيِّعوا عليهم أمرهم"؛ بأن يوجهوهم إلى غير العلم النافع، أو يعطوهم معلومات خاطئة، أو يدلوهم على طرائق مخالفة لطرائق أهل العلم.

стр. 9

ويبعثروا مسيرتهم في الطلب (١)، فيستلُّوهم وهم لا يشعرون (٢). واليوم أخوك (٣) يشد عضدك، ويأخذ بيدك، فأجعل طوع بنانك رسالة تحمل "الصفة الكاشفة" (٤) لحليتك (٥)، فها أنا ذا أجعل سن القلم على القرطاس (٦)، قاتل ما أرقم لك (٧) أنعم الله بك عينًا (٨): (١) قوله: "ويُبَعْثِروا مسيرتهم في الطلب"، كم وجدنا من هؤلاء المُتعالمين مِنْ صد الطلاب عن طلب العلم باسم طلب العلم. (٢) ثم قال: "فيَسْتَلُّوهم وهم لا يشعرون"، يعني: يستخرجوهم استخراجًا لطيفًا، كما يقال: استلَّ الشَّعرة من العجين، يعني: استخرجها استخراجًا لطيفًا. (٣) قوله: "واليوم أخوك"، يقصد المؤلف نفسه. (٤) قوله: "يشد عضدك"، ويأخذ بيدك، فأجعل طوع بنانك رسالة تحمل "الصفة الكاشفة"، الصفات على نوعين: صفة كاشفة توضح وتُبَيِّن الموصوف، وهناك الصِّفات التي يُراد بها إعمال مفهوم المخالفة، وتُسمى: (الصفة المقيِّدة)، عندما تقول: رجل طويل، فـ (طويل) وصفٌ كاشف، وعندما تقول: أعتق رقبةً مؤمنة، معناها أنك تقول: في الكفارة: لا تعتق غير المؤمنة. الصفة الكاشفة: أي الكيفية التي تتضح بها حال الشيء الموصوف، وهذا الوجه من الصفة هو الذي يراد به تمييز الموصوف الذي لا يعلم، ليميز من سائر الأجناس بما يكشفه. انظر حرف الصاد من "الكليات" ٣/ ٩٢. (٥) قوله: "لحليتك"، الأصل في الحلية ما تلبسه النساء من الذهب والفضة ونحو ذلك، وهنا المراد به الآدابُ التي يتأدب بها طالب العلم فتظهر أمام الناس. (٦) قوله: "فها أنا ذا أجعل سِنَّ القلم على القرطاس"، سن القلم: يعني طرف القلم. (٧) قوله: "فاتلُ ما أرقم لك"، اقرأ ما كتبته لك. (٨) قوله: "أنعم الله بك عينًا"، يعني: أنني أدعو الله أن تنعم العيون برؤيتك.

стр. 10

لقد تواردت موجبات الشرع على أن للتحلِّي بمحاسن الأدب، ومكارم الأخلاق، والهدي الحسن، والسمت الصالح: سمة أهل الإسلام (١)، وأن العلم - وهو أثْمَن درة في تاج الشرع المطهر (٢) - لا يصل إليه إلا المتحلِّي بآدابه (٣)، المتخلِّي عن آفاته (٤)، ولهذا عناها العلماء (٥) بالبحث والتَّنبيه، وأفردوها بالتأليف، إما على وجه العموم لكافة العلوم، أو على وجه الخصوص، كآداب حملة القرآن الكريم، وآداب المحدِّث، وآداب المفتي، وآداب القاضي، وآداب المحتسب، وهكذا .. والشأن هنا في الآداب العامة لمن يسلك طريق التعلم الشرعي (٦). وقد كان العلماء السابقون يلقنون الطلاب في حِلَقِ العِلْمِ آداب الطلب، وأدركت خبر آخر العقد في ذلك الوقت في بعض حلقات العلم في المسجد النبوي الشريف؛ إذ كان بعض المدرسين فيه يدرس طلابه كتاب الزرنوجي (م سنة ٥٩٣ هـ) رحمه الله تعالى، المسمى: "تعليم المتعلم طريق التعلم". فعسى أن يصل أهل العلم هذا الحبل الوثيق الهادي لأقوم طريق، فيدرج تدريس هذه المادة في فواتح دروس المساجد، وفي مواد الدراسة النظامية، (١) قوله: "لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلِّي بمحاسن الآداب .. إلى أن قال: "سمة أهل الإسلام"، يعني: صفتهم الظاهرة، فالسمة هي الصفة الظاهرة. (٢) قوله: "وأن العلم هو أثمن دُرَّة في تاج الشرع المطهر"، الدرة نوع من أنواع الجواهر، والتاج هو ما يلبس على الرأس. (٣) قوله: "لا يصل إليه إلا المتحلِّي بآدابه"، المتحلِّي يعني: المتصف بالصفة الظاهرة. (٤) قوله: "المتخلي عن آفاته"، يعني التارك للأخلاق الرديئة التي تكون سببًا لفوات العلم، وتكون من آفاته. (٥) قوله: "ولهذا عناها العلماء"، يعني: الآداب بالبحث والتنبيه. (٦) قوله: "والشأن هنا في الآداب العامة لمن يسلك طريق التعلم الشرعي"، يعني: أنني سأخصص كتابي في آداب طالب العلم.

стр. 11

وأرجو أن يكون هذا التَّقييد فاتحة خير في التنبيه على إحياء هذه المادة التي تهذب الطالب، وتسلك به الجادة في آداب الطلب وحمل العلم، وأدبه نفسه، ومع مدرِّسه، ودرسه، وزميله، وكتابه، وثمرة علمه، وهكذا في مراحل حياته. فإليك حلية (١) تحوي مجموعة آداب، نواقضها (٢) مجموعة آفات (٣)، فإذا فات أدب منها اقترف المفرط آفة من آفاته، فمقل ومستكثر (٤)، وكما أن هذه الآداب درجات صاعدة إلى السنة فالوجوب، فنواقضها دركات هابطة إلى الكراهة فالتحريم. ومنها ما يشمل عموم الخلق من كل مكلف، ومنها ما يختص به طالب العلم، ومنها ما يدرك بضرورة الشرع، ومنها ما يُعرف بالطَّبع، ويدل عليه عموم الشرع من الحمل على محاسن الآداب، ومكارم الأخلاق، ولم أعن (١) ثم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بتتابع الناس على تعلم آداب التعلم فقال: "فإليك حلية"، يعني أهدي إليك حلية. (٢) قوله: "تحوي مجموعة آداب، نواقضها"، يعني: يضادها. (٣) قوله: "مجموعة آفات" فأنت إذا عرفت هذه الآداب، عرفت ما يقابلها من الآفات. (٤) قوله: "فإذا فات منها أدب، اقترف المفرط آفة من آفاته، فمقلٌّ ومُستكثر"، وبعض هذه الآداب مستحب، وبعضها واجب، وكذلك ما يقابلها من الآفات منها ما هو مكروه، ومنها ما هو محرم. ما المراد بالسنة؟ هو المستحب، والنفل والمندوب، الذي طلبه الشارع طلبًا غير جازم، يُؤجر صاحبُه ولا يُعاقب تاركُه، لكن لا ينبغي لطالب العلم أن يتركه؛ لأن طلبة العلم هم أعلى الأمة بعد الأنبياء والصحابة، ولذلك يشرع لهم أن يلتزموا هذه السنن، أما الواجب فهو ما طلبه الشارع طلبًا جازمًا، بحيث يؤجر فاعله متى فعله الله، ويُعاقب تاركُه، والمراد بالمكروه هو ما نهى عنه الشارع نهيًا غير جازم، بحيث يُؤجر تاركُه متى تركه لله، ولا يعاقب فاعله، وأما المحرَّم فهو ما نهى عنه الشارع نهيًا جازمًا، بحيث يأثم فاعله متي فعله قصدًا عمدًا، ويؤجر تاركه متى تركه الله.

стр. 12

الاستيفاء لكن سياقتها تجري على سبيل ضرب المثال، قاصدا الدلالة على المُهِمَّات، فإذا وافقت نفسًا صالحة لها (١)، تناولت هذا القليل فكثَّرَتْهُ، وهذا المجمل ففَصَّلَتْهُ، ومن أخذ بها، انْتَفَعَ وَنَفَعَ، وهي بدورها مأخوذة من أدب من بارك الله في علمهم، وصاروا أئمة يُهْتَدَى بهم، جمعنا الله بهم في جنته، آمين. * * * * * (١) قوله: "هذه الآداب منها ما يشمل كل مكلف، ومنها ما يختص به طلبة العلم، إلى أن ذكر قوله: فإذا وافقت نفسًا صالحة لها"، فمن يتلقَّى العلم، منهم من يكون عنده استعداد ونفس مهيأة لطلب العلم، وبالتالي تتقبل نفسه العلم، وتلتزم به، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، فهؤلاء عندهم نفوس صالحة، أسأل الله - جل وعلا - أن يجعل نفوسنا وإياكم صالحة لذلك. فهذه النفوس إذا قبلت هذه الآداب كثَّرتها واستفادت منها، وإذا وجدت كلامًا مختصرًا، فصَّلته وعرفت المراد به، والمعاني التي اشتملها ذلك الكلام. من أخذ بهذه الآداب انتفع في نفسه ونفع غيره، وهذه الآداب مأخوذة من الكتاب والسنة، ومأخوذة من سير سلفنا الصالح الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فأثنى على تابعيهم؛ لكونهم اتبعوا سلفنا الصالح، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾ [لقمان: ١٥].

стр. 13

الفصل الأول آداب الطالب في نفسه (*) * هذا هو الأدب الأول من آداب طالب العلم. المؤلف رحمه الله تعالى قسَّم آداب طلب العلم إلى آداب الطالب في نفسه، وآدابٍ متعلقة بكيفية الطلب والتلقي، وآداب الطالب مع شيخه، وأدب الطالب مع زميله، وأدب الطالب في حياته العلمية، وآداب متعلقة بالعمل وبالعلم، ثم هناك محاذير متعلقة بطلب العلم. إذن قسَّم المؤلف كتابه إلى سبعة فصول: الفصل الأول: في آداب طالب العلم في نفسه: طالب العلم في نفسه لا بد أن يلتزم بآداب شرعية محددة: أولها أن يعلم أن طلب العلم عبادة، ويترتب على ذلك أنه لا بد أن يلتزم بشروط العبادات، متى تكون العبادة صحيحة؟ إذا وجد فيها شرطان: الشرط الأول: الإخلاص لله: والشرط الثاني المتابعة للنبي ﷺ بحيث يكون علم الإنسان على وفق الشريعة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي: يكون فيه متَّبعًا، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: أنه يخلص عمله لله، فينوي بأعماله وجه الله والدار الآخرة. جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، قال الفضيل بن عياض: (أحسن عملًا: أن يكون صوابًا خالصًا)، صوابًا يعني: على طريقة النبي ﷺ ، خالصًا يعني: بنية الله. إذا تقرَّر هذا فإن في الشرط الأول - وهو ما يتعلق بإخلاص النية - هناك نصوص كثيرة تدل على وجوب إخلاص النية في جميع الأعمال، ذكر المؤلف منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وحديث: (إنما الأعمال=

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) [¬١]، وبين أنه إذا لم ينو الإنسان بطلبه للعلم وجه الله والدار الآخرة كان مشركًا، وكون الشرك يكون في معابد المشركين هذا نستنكره، لأنه فساد، فإذا وجد في بلاد الحرمين استنكرناه أكثر، فإذا وجد في بيوت الله في المساجد كان استنكارنا له أعظم، وما ذاك إلا شأن أولئك الذين يريدون بطلب العلم غير وجه الله تعالى. استمع لما يقوله - جل وعلا - فيمن أراد بعمله الدنيا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. واسمع قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]، ولذلك على كل منا أن يحرص على إخلاص النية في طلب العلم ماذا ننوي؟ ننوي إرضاء رب العالمين، وننوي رفعة الدرجة في الجنة، وننوي الحصول على الدرجات، فإن قال قائل: ما هي أوجه ترك هذا الأدب، أدب الإخلاص في طلب العلم؟ نقول هنا أمثلة: منها الرياء، رياء الشرك، بأن يقول: أنا أتعلم من أجل أن أكون صاحب منزلة عند الناس، أو أتعلم من أجل أن يتكلم الناس في علمي ويثنوا عليَّ، أو من أجل أن يقول الناس ما أكثر محفوظاته. الشرط الثاني: المتابعة للنبي ﷺ : لأن من لم يتابع الهدي النبوي في العبادة فإن عبادته مردودة؛ لأنها تكون بدعة، وقد قال النبي ﷺ (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) [¬٢]، أي مردودٌ على صاحابه، وقال ﷺ : (كل بدعة ضلالة) [¬٣]، والله - جل وعلا - يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ولذلك جاءت النصوص بالأمر باتباع هذ النبي الكريم، فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ =

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولذلك يحرص الإنسان على اقتفاء الهدي النبوي، وخصوصًا في طلب العلم، فإن النبي ﷺ قد وفد عليه الطلاب وعلَّمهم، وجعل لهذا التعلم آدابًا وسنًا وطرائق، ولذلك لا بد أن نقتدي بهذا الهدي الكريم، ولا يمكن أن نقتدي بهذا الهدي الكريم حتى نتعلم السُّنُّة الواردة في ذلك، إذ كيف تقتدي بشيء أنت لا تعرفه؟ أو يكون مقصوده التفوق على الأقران، فيقول: أتعلم وأدرس من أجل أن أكون الأول على زملائي، ومن أجل أن كون سابقًا لفلان أو لفلان، أو يكون تعلمه سُلَّما لأغراض وأعراض بحيث يقول: أنا أريد أن أكون لي أموالٌ كثيرةً بسبب طلبي العلم، أو أريد أن يكون لي منزلة، وبالتالي إذا طلبت من أحد المسؤولين أمرًا من الأمور استجابوا لي، أو يكون لي منزلة وجاه بحيث إذا شفعت لأحدٍ من قرابتي شُفِّعْتُ فيه، أو أن يعظمني الناس في المجالس إذا دخلت في المجلس وضعوني في صدر المجلس، أو ليُقبِّلوا رأسي. كل هذه أغراض فاسدة تخالف الإخلاص في النية. إذا حصل شيء من هذه الأمور، ولم تكن من قصد الإنسان، ولم تكن عنده ذات قيمة ومنزلة، فهذه لا تؤثر عليه، لو حصل أن عالمًا أصبح الناس يقبِّلون رأسه، لم يكن قاصدًا لذلك ولا مريدًا، له وأذِن لهم ليكون ثوابًا لهم؛ لأن الإنسان لا يستفيد من تقبيل الناس لرأسه شيئًا، بل قد يؤذونه ويؤلمون رقبته، فالمستفيد المُقبِّل لا المُقبَّل، فحينئذ لا تؤثر على نيته وإخلاصه. ويدل على ما سبق ما جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ذكر: (أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة؛ منهم رجلٌ تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال:=

стр. 16

العلم عبادة (١): أصل الأصول (٢) في هذه "الحلية" بل ولكل أمر مطلوب عِلْمُكَ بأنَّ العلم عبادة، قال بعض العلماء: "العلم صلاة السر، وعبادة القلب". = كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال قارئٌ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) [¬١]. والعياذ بالله، أتعب نفسه في الدنيا، ولم يحصل ثمرةً في الآخرة. وجاء في سنن الترمذي أن: من (طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار) [¬٢]، فالأمر خطير، وليس الأمر بالسهل. وذكر المؤلِّف أيضًا عددًا من الآثار المتعلقة بهذا. (١) قال: "العلم عبادة"، يقصد بالعلم: العلم الشرعي؛ لأنه مما يتمحَّض أن يكون عبادة، والناس فيه على ثلاثة أصناف: الأول: من جعله الله من أجل أن يُنيله الآخرة، فهذا مؤمن موحد مُثاب. الثاني: من جعله الله لينيله الله الدُّنيا، فليس له في الآخرة من خلاق. الثالث: من قصد به الدنيا مباشرة، فهذا مشرك آثم مستحق للغضب دنيا وآخر. (٢) وقول المؤلف: "أصل الأصول"، هذا الأصل، يعني يتعلق بالنية ويتعلق بالمتابعة، قال بعض العلماء: "العلم صلاة السر، وعبادة القلب؛ لأن العلم منشؤه ذاتي من القلب، والنية فيه تكون مما يختص به، أو مما يُضْمَر في القلوب.

стр. 17

وعليه، فإن شرط العبادة ١ - إخلاص النية لله ، لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]: وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات … ). الحديث (١). فإن فقد العلمُ إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات (٢)، ولا شيء يحطم العلم مثل: الرياء، رياء شرك، أو رياء إخلاص، ومثل التسميع، بأن يقول مسمعًا: علمت وحفظت (٣). (١) وقول المؤلف: "في الحديث الفرد المشهور"، الفرد يعني أنه غريبٌ رواه راوٍ واحد عن راوِ واحد عن راوٍ واحد، وذلك أن هذا الحديث قد رواه يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التَّيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب، فهو فردٌ في أربع طبقات من إسناده (مشهور)؛ لأنه اشتهر بَعْدَ ذلك على الألسن واستفاض، فقد رواه عن يحيى بن سعيد قرابة مائتي راوٍ. (٢) وقول المؤلف: "فإن فقد العلم إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات"، لأنه حينئذ يكون شركًا؛ إما شركًا أكبر وإما شركًا أصغر، ومثل المؤلف له بالأمثلة. (٣) قوله: "ومثل التسميع بأن يقول مسمِّعًا"، للناس: أنا علمت بكذا، وأنا حفظت كذا، بحيث يكون له منزلة. مثَّل المؤلف بما يفقد فيه الإخلاص: بحب الظهور؛ فيقول: أتعلم حتى يعرفني الناس، ويكون لي معرفة، ويعرفني من في مشارق الأرض ومغاربها، فإنَّ هذا ليس من الإخلاص في شيء.

стр. 18

وعليه، فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب؛ كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلمًا لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها، وذهبت بركة العلم، ولهذا يتعيَّن عليك أن تحمي نيَّتَك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمي الحِمَى. وللعلماء في هذا أقوال ومواقف بينت طرفًا منها في المبحث الأول من كتاب "التعالم"، ويزاد عليه نهي العلماء عن "الطبوليات" (١)، وهي المسائل التي يراد بها الشهرة. وقد قيل: "زلة العالم مضروب لها الطبل". وعن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال: "كنتُ أوتيتُ فهم القرآن، فلما قبلتُ الصُّرَّةَ سُلِبْتُهُ" (٢). (١) قال: ويزاد عليه نهي العلماء عن "الطبوليات"، يأتي الإنسان بالمسألة الغريبة فينشرها في وسائل الإعلام، ثم يأتي ضعاف القلوب فيصفقون لها، ويطبلون لها، وينشرونها في الأمة، ولذلك نقل هذه الكلمة "زلة العالم مضروب لها الطبل"؛ لو أتى إنسان غير معروف بقول شاذ فيكتب كتابة مخالفة لما استقر في علم الشريعة لانطمست ولم يكن لها أثر، وإنما نخشى من زلة العالم، فإنه يزلُّ بها عالم، هذا ما أراده المؤلف بهذه الكلمة. (٢) قال سفيان: "كنت أوتيت فهم القرآن"، يعني معرفة معاني آيات القرآن وأسراره وحكمه، وتمكنت من استنباط الأحكام منه، "فلما قَبِلتُ الصُّرَّة" أخذت المال من الناس، سُلبت هذه القدرة، وهي فهم القرآن، وحينئذٍ يحذر الإنسان - طالب العلم - من الرغبة =

стр. 19

فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب؛ بأن تكون - مع بذل الجهد في الإخلاص - شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه. ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: "ما عالجت شيئًا أشد على نفسي من نيتي" (١). وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: "يا أبي! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعَظَهُم غيرُك لا يبكون؟ فقال: يا بني! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة". وفقك الله لرشدك آمين. = في الدنيا وبذل العلم من أجله، فإنه يكون سببًا من أسباب عدم فهمه للعلم، ومن أوّله فهم القرآن، وليعلم بأن ما أتى من هذا المال بدون طلب، وبدون إشراف نفس، ولم تتعلق نفسه به، وقضى حوائجه، فحينئذ لا يلحقه به حرج، كما ورد في حديث عمر أن النبي ﷺ قال: (إذا جاءك من هذا المال شيءٌ وأنت غيرُ مُشْرِفٍ ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) [¬١]. (١) ثم ذكر المؤلف قول سفيان أيضًا: ما عالجت شيئًا أشدَّ علي من نيَّتي"، النية سهلة على من سهَّلها الله عليه، وفي لحظة وفي ثانية تتمكن من قلب نيتك وتجعل أعمالك الله، وفي نفس الوقت هي صعبة عسيرة؛ لأن الناس يغفَلون عنها من جهة؛ ولأن الشيطان يحرص على إفساد النوايا؛ لأن النية عظيمة النفع، كبيرة الأثر، جالبة البركة، ومن ثم فالشيطان يحرصُ على إفساد النيات من أجل هذا الأمر.

стр. 20

الخصلة الجامعة (١) لخيري الدنيا والآخرة: محبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ ، وتحقيقها بتمحّض المتابعة وقفو الأثر للمعصوم: قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: ٣١]. وبالجملة، فهذا أصل هذه الحلية (٢)، ويقعان منها موقع التَّاج من الحُلَّةِ (٣). فيا أيها الطلاب! ها أنتم هؤلاء تربَّعتم للدرس، وتعلقتم بأنفس علق (طلب العلم)، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، فهي العدة، وهي مهبط الفضائل، ومتنزّل المحامد، وهي مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن، فلا تفرطوا. ٢ - كن على جادة السلف الصالح (٤): (١) وقول المؤلف: "الخصلة الجامعة"، يعني الشرط الثاني من شروط العبادة، المتابعة، والمتابعة هي الجالبة لمحبة الله ولمحبة رسوله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. (٢) قوله: "وبالجملة فهذا أصل هذه الحلية"، الذي هو الإخلاص والمتابعة. (٣) قوله "ويقعان منها موقع التاج من الحلة"، في أعلى شيء وأبرك شيء وأعظم شيء وأكثر شيء أثرًا؛ الإخلاص والمتابعة. (٤) قوله في الحلية الثانية: "كن على جادة السلف الصالح"، أخبر النبي ﷺ : (أن خير أمته هم القرن الأول، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فهؤلاء هم خير الأمة [¬١]، وإذا=

стр. 21

كن سَلَفِيًّا على الجادة (١)، طريق السلف الصالح من الصحابة ﵃، = أردنا أن نكون ممن اتصف بالخيرية فلنكن ممن يسير على طريقتهم، قال الله - جل وعلا -: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، والله - جل وعلا - قد أمر باتباع طريقة الصالحين، كما قال - جل وعلا -: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وأمر بالاقتداء بأهل الفضل، ولذلك لما ذكر قول إبراهيم وممن معه، أمر بالاقتداء بهم، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٦]، ولما ذكر الله - جل وعلا - السابقين من المهاجرين والأنصار أمر باتباعهم، وأثنى على من اتبعهم، وقال النبي ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) [¬١]، وقال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) [¬٢]، والنصوص في هذا كثيرة. ولذلك تجد السلف الصالح عندهم من الفوائد والبركة الشيء الكثير، عندهم كلام قليل فيه معان كثيرة، فما أعظم مِنَّة الله علينا بأن جعل سلفنا أولئك القوم الصالحين! فإن صحابة رسول الله ﷺ قد أثنت عليه النصوص، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، والنصوص في الثناء عليهم كثيرة. (١) قول المؤلف: "كن سلفيًا"، بعض الناس يقول: السلف مرحلة زمنية، فكيف ينتسب المتأخر للسلف؟ فنقول: اتباع السلف ليس مرحلة وإنما هو علم وعمل، وبالتالي نحن نقصد اتِّبَاع السلف الذي جاءت النصوص به، فمن طالبنا بغير ذلك لم نسمع منه.

стр. 22

فمن بعدهم ممن قفا أثرهم في جميع أبواب الدِّين (١)، من التوحيد، والعبادات، ونحوها، متميزًا بالتزام آثار رسول الله ﷺ وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال (٢)، (١) ثم قال المؤلف: "اتبع طريق السَّلف الصالح ومن قفا أثرهم في جميع أبواب الدين"؛ لأن بعض الناس يقتدي بالسلف في باب دون باب، فحينئذ يضل في الباب الذي ترك فيه الاقتداء بسلف الأمة، أضربُ لهذا مثالًا: يأتيك إنسان يُتقِنُ أبواب الصفات، ويكون على طريقة السلف الصالح فيه، ولكنه في أبواب الإيمان لا يكون كذلك، حينئذٍ ضيَّع جزءًا من طريقة السلف، عندما يأتي في أبواب الإيمان وأبواب الصفات على طريقة السلف، لكنه يخالف طريقة السلف فيما يتعلق بمعاملة الولاة، حينئذ لا يكون سلفيًا، لأنه وإن كان سلفيًا في باب لكن لا يقال له بأنه سلفيٌ بإطلاق، ذكر المؤلف من ذلك: (التوحيد والعبادات ونحوها). (٢) قوله "وترك الجدال"، الجدال قد يراد به توضيح الحق والاستدلال له، فيكون محمودًا، مرغبًا فيه، وقد يكون المراد به المناقشة العقيمة، والمجادلة بما لا يصل إلى ثمرة، بحيث يكون مقصود كلٍّ من المتكلمين الانتصار للنفس، فحينئذ يكون مذمومًا، أما الدليل على المحمود فقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، هذه الآية اشتملت على النوعين: الجدال المذموم، والجدال المحمود، وقال تعالى في الجدال المحمود: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فإذا كان الجدال ليس بالتي هي أحسن فإنه يكون مذمومًا، وإن كان بالتي هي أحسن فإنه يكون محمودًا، فما صفة الجدال المحمود؟ أن يكون المقصود والمراد هو إعلاء الحق وبيانه، وإرشاد الناس إليه، لا الانتصار للنفس، إذا كان المجادل ملتزمًا بالآداب والأخلاق الشرعية، إذا كان المجادل لا يتكلم بلسانه بما يخالف الحق، أو بما يكون منافيًا للأدب.

стр. 23

والمراء (١)، والخوض في علم الكلام، (٢) وما يجلب الآثام، ويصد عن الشرع. قال الذهبي رحمه الله تعالى: "وصح عن الدارقطني أن قال: ما شيء أبغض إليَّ من علم الكلام. قلت: لم يدخل الرجل أبدًا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيًا" (٣). ا. هـ. (١) قوله: "المراء"، المراد بالمراء: الحديث والمجادلة التي لا تصل إلى ثمرة ونتيجة، بحيث يردِّد كل منهما مقالته وينتصر لها، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا) [¬١]، فإن المرء يأتي بالحق ويوضحه ويبينه ويقيم الدليل عليه، وحينئذ يكتفي بذلك. (٢) قوله: "والخوض في علم الكلام"، علم الكلام الذي ذمَّةُ السلف الصالح يراد به: الحديث في المباحث العقدية على مقتضى الطرائق اليونانية، طرائق غير المسلمين، فإن الكلام في التوحيد على مقتضى ما ورد في الكتاب والسنة محمود مرغَّبٌ فيه، سواء كان بالدلالة الشرعية المجردة، أو بالدلالة العقلية الموافقة لها؛ لأن القرآن قد اشتمل على أعلى الأدلة العقلية الواردة في المباحث العقدية، انظر في آخر سورة (يس)، فإنها حجج عقلية ترشدك إلى الإيمان بالبعث يُذْعِنُ لها كل عاقل منصف. (٣) قوله: "صح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إليَّ من علم الكلام. قلت: لم يدخل الرجل أبدًا"، الذهبي يثني على الدارقطني، يقول: "لم يدخل الدارقطني في علم الكلام ولا الجدال، بل كان سلفيًا".

стр. 24

وهؤلاء هم (أهل السنة والجماعة) المتبعون آثار رسول الله ﷺ وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأهل السنة: نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس" (١) ا. هـ. فالزم السبيل، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ٣ - ملازمة خشية الله (٢): التَّحَلّي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى، محافظًا على شعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها؛ دالًا على الله (١) ثم ذكر كلمة شيخ الإسلام: "أهل السنة نقاوة المسلمين"، يعني صفوتهم "وهم خير الناس"، لأنهم يرشدونهم إلى الحق، ويحسنون إليهم، ويكُفّون عن الكلام في معايبهم، وبالتالي هم خير الناس للناس، بينما بقية الطوائف يكون عندهم من الشر والأذى ما يقابلون به إحسان أهل السنة إليهم، ولذلك من رحمة الله أن جعل أهل السنة أهل الصفات الحسنة الذين يحسنون إلى الخلق، وكلما ابتعد الإنسان عن السنة تقرَّب إلى الله بإيذاء الناس. (٢) الأدب الثالث من حلية طالب العلم: "ملازمة خشية الله تعالى"، بحيث يمتلئ قلبك من مخافة الله التي تدفعك إلى طاعته، وتبعدك عن معصيته، والفرق بين الخوف والخشية أن الخوف يُلاحظ فيه الخائفُ ضَعْفَ نفسه، والخشية يُلاحِظُ فيها الخاشي قوة المخشي، فعندما يُلاحظ المرء قدرة الله - جل وعلا - تبدأ عنده درجة الخشية، وكلاهما مطلوب؛ الخشية والخوف، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، والخشية أيضًا مطلوبة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١]، فإذن الخشية من الدرجات المطلوبة، والخشية تدفع الإنسان إلى المحافظة على شعائر الإسلام في باطنه وظاهره.

стр. 25

بعلمك وسمتك وعملك، متحليًا بالرجولة، والمساهلة، والسمت الصالح (١). وملاك ذلك خشية الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أصل العلم خشية الله تعالى". فالزم خشية الله في السر والعلن، فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم، إذن فخير البرية هو العالم، ولا يغب عن بالك أن العالم = الخشية تنشأ من أمور: أولها: العلم بالله تعالى وبقدرته وبصفاته، ومن ذلك أن يعلم العبد أن الله مطلع عليه في كل أحواله. الثاني: مما تنشأ عنه الخشية، معرفة العبد بأن ربه قادر عليه، قادرٌ على إنزال العقوبة به، ويُطالع سنن الله في الكون في الأمم السابقة كم أنزل بهم من العقوبات. والخشية تنشأ من ملاحظة الدار الآخرة، وأن المرء عما قريب منتقل إليها، ومحاسبٌ على أعماله في الدنيا، فأذا استحضر الإنسان ذلك زادت عنده صفة الخشية من الله تعالى. هذه الخشية ليست خاصة بالقلب بل لها مظاهر في ظاهر البدن، منها المحافظة على شعائر الإسلام ومنها إظهار السنة، ومنها حرص الإنسان على نشر السنة والدعوة إليها، ومنها أن يكون المرء متخلقًا بالأخلاق الفاضلة، سهلًا مع عباد الله. - وهذا معنى قول المؤلف: "والمساهلة"، يعني أن يكون هيِّنًا رفيقًا مع الخلق. (١) قوله: "السَّمت الصالح"، فالسَّمت المراد به الصفة الظاهرة، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [فاطر: ٢٨].

стр. 26

لا يعدُّ عالمًا إلا إذا كان عاملًا، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لزمته خشية الله. وأسند الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسند فيه لطيفة إسنادية برواية آباء تسعة، فقال: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن زيد بن أكينة بن عبد الله التميمي من حفظه؛ قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) (١). وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى. ٤ - دوام المراقبة (٢): التحلي بدوام المراقبة الله تعالى في السِّرّ والعلن، سائرًا إلى ربك بين (١) ثم أورد المؤلف أثر "هتف العلم بالعمل، فإن أجابه، وإلا ارتحل"، يعني: أن صاحب العلم إذا عَمِلَ به بقي علمُه، وإذا لم يعمل به فإن العلم يزول، ولكن هذا الأثر الذي ذكره المؤلف ضعيف الإسناد، فيه عبد العزيز التميمي، وهو مُتكلَّمٌ فيه، ولذلك لا يصح هذا الأثر، وهو ضعيف جدًّا. (٢) هذه الصفة الرابعة من صفات طالب العلم، حلية طالب العلم تقتضي أن الطالب يستشعر أن الله تعالى يُراقِبُهُ، فهو يراقب عمله الظاهر، وهو يراقب نيته ومقصده؛ لأن الله تعالى كما وصف نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وكما قال - سبحانه - في وصف نفسه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، ومن =

стр. 27

الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر (١). فأقبل على الله بكليتك (٢)، وليمتلئ قلبك بمحبته (٣)، ولسانك بذكره، = استشعر هذه الصفة، وكانت صفةً ملازمةً له، وصل إلى أعلى مراتب الدِّين، وهي صفة الإحسان، فإن صفة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. والمؤمن يتَّصف بهذه الصفة حال وجوده بين أيدي الناس وحال خلوته؛ لأنه يعلم أن الله - جل وعلا - مُطَّلِعٌ عليه في جميع أحواله، ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، كذلك هذه الصفة تجعل المؤمن يستشعر الخوف ويستشعر الرجاء، فهو يخافُ على نفسه أن يُعاقبه الله بسبب ذنوبه، وهو في نفس الوقت يرجو من الله أن يُسبغَ عليه نعمهُ، وأن يرحمه بسبب أن الله كريم عفو رحيم متفضِّل، فهو يخاف بسبب فعل نفسه، ويرجو بسبب رحمة ربه. (١) قوله: "فإنهما - يعني الخوف والرجاء - للمسلم كالجناحين للطائر"، وهذا يدلك على خطأ من يقول: العبادة تكون بالمحبة فقط، بل لا بد في العبادة من خوف ورجاء ومحبة. (٢) قوله: "فأقبل على الله بكُلِّيَّتك"، يعني: بجميعك، من أقبل على الله فإن الله سيكون له معينًا، ومؤيدًا وناصرًا، من كان مع الله كان الله معه، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. (٣) قوله: "وليمتلئ قلبك بمحبة الله"، لأن محبة العبد لربه من القربات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وليمتلئ لسانك بذكر الله فإن ذكر الله سبب من أسباب طمأنينة القلب التي يتمكن القلب بها من تحصيل العلم، وذكر الله سبب من أسباب طرد الشياطين التي تلقي الوساوس في قلوب العباد، وذكر الله سبب من أسباب إعانة الله للعبد كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وفي الحديث القدسي=

стр. 28

والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه (١). = يقول الله تعالى: (وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) [¬١]، وهذا الوصف مما يؤكد عليه خصوصًا في زماننا هذا؛ فإن الإكثار من ذكر الله أعظم أسباب تحصيل العلم، وكلما كان الإنسان مكثرًا لذكر الله فتح الله ذهنه للفهم الصحيح، وجعل قلبه يحوي العلم الكثير، وبارك الله في شأنه كله، وكلما أقل الإنسان من ذكر الله، ابتعدت عنه البركة، ولذلك ليكن لطالب العلم أورادٌ يومية، وكلما خَلا بنفسه اشتغل لسانه بذكر الله، وترك هذه الوساوس التي تشغل قلبه في أوقات خلوته. وإذا تأمل الإنسان الأمر بذكر الله، وجد أن الله لا يأمر بالذكر إلا ويصفه بصفة الكثرة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، بينما وصف المنافقين بأنهم كانوا: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، حينئذ إذا أراد الإنسان أن يبارك له في وقته، وفي شأنه، فليُكثر من ذكر الله، ومن أعظم أنواع الذكر: قراءة القرآن. (١) قوله أيضًا: من الأمور التي يتصف بها طالب العلم: "الاستبشار والفرح والسرور بأحكام الله وحكمه "، فافرح بما أنعم الله عليك، وافرح بإنزال هذا الكتاب، وافرح ببعثة هذا النبي الكريم، وافرح بأن تعلمت شيئًا من أحكام هذه الشريعة، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. هذا شيء من الصفات التي ذكرها المؤلف في حلية طالب العلم مما يتعلق بصفة طالب العلم في نفسه.

стр. 29

٥ - خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء (١): (١) ذكر المؤلف رحمة الله تعالى أدبًا خامسًا من آداب طالب العلم، وهو خفض الجناح ونبذ الخيلاء، والكبرياء، والمراد بهذا التواضع، فخفض الجناح، بأن يكون المرء يُحْسِنُ التعامل، ذليلًا في تعامله مع غيره، بحيث لا يري لنفسه فضلًا، ولا مكانة، ولا يرى أنه أعلى من غيره، هذا هو خفض الجناح، بحيث يكون بمثابة من يرى أنه والناس بمرتبة واحدة، ولا يري له فضلًا على أحد من الناس، ولا يرى أنه أرفع أو أعلى من أي أحد من الخلق مهما كانت منزلة من يقابله. وأما الخيلاء والكبرياء فالمراد بها: رؤية المرء للنفس حتى يُخيّل للإنسان أنه أعلى من غيره، وأرفع درجة منهم، وأما الكبرياء فقد فسرها النبي ﷺ بأنها جحد الحق واحتقار الخَلق. إذا تقرر هذا فإن الكِبْر والبَطرَ من الأمور المحرَّمة في الشريعة، يقول النبي ﷺ : (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحدٌ على أحدٍ، ولا يفخر أحدٌ على أحدٍ) [¬١]، ويقول النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبرٍ)، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغَمْطُ الناس) [¬٢]. بطر الحق: يعني جحده، وغمط الناس: يعني احتقارهم. والنصوص الواردة في النهي عن الخيلاء والكبرياء كثيرة، جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) [¬٣].

стр. 30

تحل بآداب النفس، من العفاف (١)، والحلم (٢)، والصبر (٣)، والتواضع للحق (٤)، وسكون الطائر، من الوقار (٥) والرزانة (٦)، وخفض الجناح (٧)، متحملًا ذلّ التعلم لعزة العلم، ذليلًا للحق. (١) فقول المؤلف: "تحل بآداب النفس من العفاف"، المراد بالعفاف: ترفع النفس عما لا يليق بها، فابتعادها عن الأمور السيئة والفواحش، وترفعها عنها يعد عفافًا. (٢) قوله: "الحلم فهو السكينة والأناة، بحيث يصبر الإنسان على أذى الآخرين، ويكون حسن التعامل معهم. (٣) قوله: "الصبر" فيراد به ضبط النفس مع ورود أذية الآخرين، كما يراد به الصبر في طاعة الله، والصبر عن معاصي الله. (٤) قوله: "والتواضع للحق"؛ بحيث إذا جاءك الحق من أي أحد قبلته وعملت به مهما كان قائله. (٥) قوله "وسكون الطائر من الوقار"؛ بحيث لا يكون الإنسان خفيفًا ولا سريعًا، وإنما تظهر عليه السكينة والهدوء. (٦) قوله: "والرزانة"؛ بحيث لا يتصرف الإنسان تصرفات فيها تسرع، أو فيها دلالة على طيش. (٧) قوله: "وخفض الجناح"، يعني: التواضع مع الآخرين، "متحملًا ذل التعلم" من أجل أن تنال عزة العلم "ذليلًا للحق".

стр. 31

وعليه فاحذر نواقض هذه الآداب (١)، فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهدًا على أن في العقل علة، وعلى حرمان من العلم والعمل به، فإياك والخيلاء، فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغ من شدة التوقي منه (٢) عند السلف مبلغًا. (١) قوله: واحذر نواقض هذه "الآداب"، فإن المرء يكسب بهذه الآداب الأجر والثواب متى نوى التقرب بها الله، ويكسب أيضًا محبة الناس له، لكن إذا اتصف الإنسان بضد هذه الآداب، فإنه: أولًا: يأتم. وثانيًا: يمقته الله. وثالثًا: يحتقره الناس، ويعلمون أن في عقله مرضًا وعلة، ومن ثم يجتنبونه. ورابعًا: يكون سببًا لحرمان العلم والعمل. (٢) قوله: "وقد بلغ من شدَّة التَّوقِّي مِنْهُ"، يعني بلغ من شدة السلف للحذر من ذلك مبالغ عالية، من ذلك أن عمرو بن الأسود يخشى إذا أطلق يديه، وبدأ يرسلهما وهو يمشي، أن تتحرك يمينًا وشمالًا وأن تتقدم، ثم بعد ذلك مظهرًا من مظاهر الخيلاء، ولذلك كان يمسك شماله بيمينه. وعلى كلٍّ، هذا تطبيق للنصوص السابقة، والنصوص السابقة دلت على التحذير من الكبر والخيلاء، ورغَّبت في ضدهما من خفض الجناح والوقار والسكينة. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) [¬١]. وأما تطبيقات هذا فإنه يختلف ما بين زمان وآخر، قد نرى في زمن من الأزمان أن هذا التصرف فيه خيلاء وكبرياء، لكنه يكون في زمان آخر تصرفًا معتادًا لا يكون من الخيلاء=

стр. 32

ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي المتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى: "أنه كان إذا خرج من المسجد قبض بيمينه على شماله، فسئل عن ذلك؟ فقال: مخافة أن تنافق يدي". قلت: يمسكها خوفًا من أن يخطر بيده في مشيته، فإن ذلك من الخيلاء. ا. هـ. وهذا العارض عرض للعنسي رحمه الله تعالى. واحذر داء الجبابرة (الكِبْر)، فإن الكِبرَ والحرص (١) والحسد (٢) أول ذنب = في شيء، وهكذا أيضًا فيما يتعلق بأنواع الألبسة، فقد نلبس لباسًا في عصرنا الحاضر لكن هذا اللباس ليس معتادًا في زمان آخر، عندك مثلًا: كان أهل الزمان الأول يسيرون بهذه البشوت، يلبسها الصغير والكبير، ويلبسها العامي، ولا يتركها أحد، ففي ذلك الزمان لا يعد لبسها من الخيلاء في شيء، لكن في زماننا هذا اقتصر لبسها على المناسبات العامة، أو على العلماء ليعرفهم الناس، فحينئذٍ ويكون لبسها من غيرهم في غير المناسبات نوع خيلاء. (١) قوله: "واحذر داء الجبابرة وهو الكِبر، فإن الكِبرَ والحرص"، الحرص: الإسراع بالنفس من أجل طمع. (٢) قوله: "والحسد"، المراد بالحسد تمني زوال النعم التي أنعمها الله على الغير، هذه الأمور من الحسد والكبر أول ذنب عصى به إبليس ربه، هكذا يقرره طائفة من العلماء. لأن آدم حسده إبليس، وتكبَّر إبليس، حيث قال: كيف أسجد لمن خلقت طينا؟ من كان مخلوقًا من النار كيف يسجد لمخلوق من الطين؟ وقول المؤلف: فتطاولك من أمثلة الكبرياء المذمومة شرعًا"، التطاول على المعلم كبرياء، المراد بالتطاول: الترفع عليه، ومضادة كلامه، ورفع الصوت عليه ونحو ذلك، هذا يُعَدُّ من الكبرياء.

стр. 33

عصي الله به، فتطاولك على معلمك كبرياء، واستنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء (١)، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان. العلم حرب للمكان المتعالي … كالسيل حرب للمكان العالي فالزم - رحمك الله - اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك (٢). (١) قوله ومن أمثلته: "استنكافُك عمن يفيدك ممن هو دونك"، استنكافك يعني ترفعك عمن يأتيك بفائدة، إذا كان هذا ممن هو دونك فإنه من الكبرياء، فينبغي للإنسان أن يقبل الفائدة، ولو كانت من أصغر صغير، ولا يستنكف عن ذلك. صورة أخرى من صور التكبر: التقصير عن العمل بالعلم فإنه من مظاهر التكبر، لكن عندما يجد الإنسان مجتمعًا من المجتمعات لا يؤدي سنة كان يعتادها، فيتركها من أجلهم هذا نفاق. ثم ذكر المؤلف هذا البيت: العلم حرب للفتى المتعالي … كالسيل حرب للمكان العالي المتعالي يعني: المتكبر. كالسيل حرب للمكان العالي، فالمكان العالي لا يصله السيل، إنما السيل يجري في مكان منخفض، وهكذا العلم، العلم لا يناله - كما ورد عن بعض السلف - مستح ولا متكبر. (٢) قوله: "فالزم اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك"، يعني: التنقص منها. وإذا جاءتك نفسك وخيَّلت إليك أنك على منزلة عالية، وأنك قد استفدت علمًا كثيرًا فكذِّبها، وقل: يا نفس هذا ليس من صفاتك، لم تستفيدي من العلم إلا الشيء القليل، وانظر إلى قصة موسى ﵇ مع الخضر، لما سئل موسى: (أيُّ الناس أعلمُ؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه، إذ لم يَرُدُّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن عبدًا من عبادي بمجمع=

стр. 34

وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء (١) أو غطرسة أو حب ظهور أو عجب … ونحو ذلك آفات من العلم القاتلة له، المذهبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علمًا أو رفعة في ولاية، فالزم ذلك تحرز سعادة عظمى، ومقامًا يغبطك عليه الناس. وعن عبد الله ابن الإمام الحجة الرواية في الكتب الستة بكر بن عبد الله المزني رحمهما الله تعالى، قال: "سمعت إنسانًا يحدِّث عن أبي، أنه كان واقفًا بعرفة فرَقَّ فقال: لولا أني فيهم، لقلت: قد غفر لهم" (٢)، خَرَّجَه الذهبي ثم = البحرين، هو أعلم منك. قال يا رب، وكيف به؟ [¬١]، فسأله الرحلة إليه، لماذا؟ لأنه سيعرف حقيقة نفسه بعد ذلك، وطلب أن يذهب إلى من هو أعلم منه، وتعرفون من قصتهم في سورة الكهف ما تعرفون. (١) قوله: "ومراغمة النفس عند الاستشراف لكبرياء"، إذا تطلعت نفسك إلى التكبر على الخلق، قم بإمساك لجامها، وقدها، ولا تجعلها تستشرف الكبرياء، أو الغطرسة، أو حب الظهور، أو الإعجاب بالنفس، فكل هذا من آفات النفس التي يجب علينا أن نروض النفس من أجل مضادتها. قال المؤلف في بيان الأدب الخامس من آداب طالب العلم: خفض الجناح ونبذ الكبرياء، والخيلاء، قال من آفات النفس الكبرياء، والغطرسة، وحب الظهور والإعجاب بالنفس، فإن هذه الآفات تقتل النفس، ولا تمكنها من طلب العلم، وكلما ازددت علمًا أو رفعة في ولاية فاحذر من التكبر، والزم التواضع، تحرز بذلك السعادة العظمى، فإن المتكبر كالبعيد يراه الناس صغيرًا ويراهم صغارًا. (٢) ثم أورد رواية عن بكر بن عبد الله المزني قال ابنه: "كان أبي واقفًا بعرفة فرَقّ، أي رقَّت نفسُه، وبدأت العَبرة تخرج من عينه، ثم بعد ذلك أزرى بنفسه وتنقصها، فقال: =

стр. 35

قال: "قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يُزْري عن نفسه ويَهْضمها" (١). ا. هـ. ٦ - القناعة والزهادة (٢): التحلي بالقناعة والزهادة، وحقيقة الزهد: "الزهد بالحرام، والابتعاد عن حِمَاه، بالكف عن المشتبهات (٣) وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس". ويؤثر عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: "لو أوصى إنسان لأعقل الناس، صرف إلى الزُّهَّاد" (٤). = أخشى أن لا يُغفر لهم بسببي". بكر بن عبد الله المزني إمام، عالم، حجة، قد بثَّ من العلم ما بثَّ، ومع ذلك يخشى أن لا يُقبل من الحجيج ولا يُغفر لهم بسببه هو. (١) قال الإمام الذهبي: "كذلك ينبغي للعبد أن يُزري على نفسه"، أي: أن ينتقص منها، وأن يهضمها ويأخذ بعض ما يكون لها؛ من أجل أن يكون ذلك سببًا لقبول الله له، كلما تواضع العبد الله كان ذلك سببًا لرفعة العبد عند الله - جل وعلا -، وكلما ترك الإنسان الكبرياء، والعُجب بالنفس كان أدعى لقبول الأعمال، وأدعى إلى معية الله، وأدعى لأن تكون معية الله مع العبد. (٢) الأدب السادس من آداب طالب العلم، وهو القناعة والزهد، أما القناعة فالمراد بها: عدم استشراف النفس لما لم يُعطِه الله للعبد، بحيث يكون راضيًا بما رزقه الله - جل وعلا - هذه هي القناعة. أما الزهد فالمراد به: ترك ما لا ينفع في الآخرة. (٣) قوله: "الزهد بالحرام والابتعاد عن حماه بالكف عن المشتبهات"، الزهد بالحرام هذا يقول له الفقهاء: الورع، فالمراد بالورع هو ترك الحرام، والمراد بالزهد ترك ما لا ينفع. (٤) قوله: "قال الإمام الشافعي: لو أوصى إنسانٌ لأعقل الناس، فإنه يصرف إلى الزهاد"، لماذا؟ لأنهم انتفعوا بما لديهم ولم يقدموا على ما لا ينفعهم، وليس المراد بالزهد ترك الدنيا، وإنما المراد بالزهد استعمال الدنيا قلت أو كثرت فيما ينفع العبد في آخرته، =

стр. 36

وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنف كتابًا في الزهد؟ قال: "قد صنفت كتابًا في البيوع" (١). يعني: "الزاهد من يتحرر عن الشبهات (٢) والمكروهات في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والحرف". ا. هـ. = فالمراد بالزهد: الاقتصار على ما ينفع، ولذلك نجد مثلًا سليمان بن داود وأباه قد آتاهما الله من الدنيا ما آتاهما، ولا يعد هذا مناقضًا للزهد، وإنما من جاءته الدنيا واستعملها فيما ينفعه في الآخرة فإنه يعد زاهدًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، فدل هذا على أن الأموال التي يعطيها الله - جل وعلا - للعبد إذا استعملها في طاعة الله - جل وعلا - فإنه حينئذ يكون من الزهاد، ولو كان عنده من الأموال الشيء الكثير، وأن الله - جل وعلا - إذا لم يجعل العبد يصرف ما أعطاه الله له في مراضيه فإنه ليس بزاهد، ولو لم يكن عنده من الدنيا إلا الشيء القليل. (١) قوله: "وعن محمد بن الحسن الشيباني لما قيل له: ألا تصنِّف كتابًا في الزهد؟ قال: صنفت كتابًا في البيوع"، لأن من كان يترك من البيوع ما لا ينفعه فإنه حينئذ سيكون زاهدًا. (٢) قوله: "الزاهد من يتحرَّز عن الشبهات"، والشبهات تشمل صورًا: الصورة الأولى: إذا كان هناك مسائل يختلف أهل العلم فيها وللخلاف محله، فحينئذ هذه المسائل من الشبهات. الصورة الثانية: مسائل فيها أدلة متعارضة، ولم يعرف الفقيه كيفية الجمع بينها، فهذه من المسائل المشتبهات. الصورة الثالثة: أن يكون هناك مسائل لا ندري هل تدخل في تطبيق الحرام أو في تطبيق الحلال، فحينئذٍ هذه المسائل من المشتبهات، والمشتبهات لها عشر صور، هذه أبرز صور المشتبهات.

стр. 37

وعليه، فليكن معتدلًا في معاشه بما لا يشينه (١)، بحيث يصون نفسه ومن يعول (٢)، ولا يرد مواطن الذلة والهون (٣). وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي المتوفى في ١٧/ ١٢/ ١٣٩٣ هـ رحمه الله تعالى متقلِّلًا من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: "لقد جئت من البلاد - شنقيط - ومعي كنز قلَّ أن يوجد عند أحد وهو (القناعة)، ولو أردت المناصب، لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية". فرحمه الله رحمة واسعة آمين (٤). (١) قوله: "وعليه فليكن معتدلًا في معاشه بما لا يشينه"، يعني: ما يكون سببًا لورود ذم أو ما لا يحمد عليه، بحيث لا يثني عليه بسوء. (٢) قوله: "بحيث يَصُون نفسه ومن يعول"، فهو يقتات ويعمل، ولكن لا يكون ذلك العمل من المشتبهات، أو مما يخالف المروءات. (٣) قوله: "ولا يرد مواطن الذلة والهون"، يعني: المَحَال التي يكون ورودها أو فعلها سببًا من أسباب اعتقاد الناس أن هذا يخالف المروءة، فالصنائع أو الأعمال التي تخالف المروءات عند الناس يجتنبها طالب العلم. (٤) ثم ذكر المؤلف عن شيخه الشيخ الأمين الشنقيطي، وهو من علماء الأمة فضلًا وعلمًا، ومن سمع أحاديثه أو أشرطته ودروسه، علم ما آتاه الله - جل وعلا - من العلم، وتفسيره أضواء البيان من الكتب النادرة العظيمة المشتملة على علم كثير، مع كونه لا يتجاوز تفسير الآيات التي يفسر القرآن فيها بالقرآن، أو يستنبط منها أحكام فقهية، والشيخ الشنقيطي نموذج للزاهدين، فالزهد عظيم الشأن ليس في حال من أعرضت عنه الدنيا، ولكن الزهد فيمن أقبلت عليه الدنيا. إذا تقرر هذا فإن من آتاه الله المال الكثير فاستعمله في طاعة الله فهذا زاهد.

стр. 38

٧ - التحلي برونق العلم: التحلي بـ (رونق العلم) حسن السمت (١)، والهدي الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجة (٢)، بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها. وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" (٣). (١) هذا هو الأدب السابع من آداب طالب العلم، بحيث يكون ظاهر طالب العلم موافقًا للعلم الذي يطلبه، بحيث يكون حَسَنَ السمت، ذكرنا فيما سبق أن السمت هو الصورة الظاهرة، بحيث تكون أخلاقه الظاهرة وكلامه وملبسه دالًا على كونه من طلبة العلم، فيكون هديه الظاهر موافقًا لهدي أهل الصلاح، ومن ثم يلازم السكينة؛ وهي طمأنينة النفس والوقار، بحيث يكون ظاهره غير منبئٍ عن خلاف هذه، وكذلك يتَّصفُ بالخشوع، فليس متسرعًا ولا متبادرًا لما لا ينبغي، وليس متكلِّمًا بما لا يُناسب حاله، وكذلك يتَّصِفُ بصفة التواضع، ويتباعد عن التكبر. (٢) قوله: "ولزوم المحجة"، المراد بالمحجة: وسط الطريق الموصل إلى المراد، بحيث لا يكون ممن يميلُ جهة اليمين ولا جهة الشمال، ويَعمُر ظاهره وباطنه بعبادة الله تعالى، وذكره، والتخلي عن نواقض ذلك. (٣) قوله: "قال ابن سيرين: (كان يتعلمون الهدي - وهو الصفة الظاهرة كما يتعلمون العلم"، بحيث تكون ظواهرهم موافقة لبواطنهم، ظواهرهم متحلية بالأوصاف الشرعية، والأخلاق المرعية.

стр. 39

وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: "حدِّثنا، ولا تحدِّثنا عن مُتَمَاوت ولا طعَّان" (١). رواهما الخطيب في الجامع وقال: "يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب، والعبث، والتبذل في المجالس بالسخف، والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حدِّ الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه، وما أوغر منه الصدور وجلب الشر، فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة" (٢). ا. هـ. (١) قوله: "قال رجاء بن حيوة لرجل: (حدثنا ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعَّان)، والمتماوت هو من كان متصفًا بصفة موت القلب، بأن يكون باطنه غير معمور لله - جل وعلا، "ولا طعان"، وهو الذي يبذل لسانه في القدح في الآخرين وسبهم. (٢) قوله: "قال الخطيب: (يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب .. ) "، ما المراد باللعب؟ العمل الذي ليس له ثمرة، ومن أمثلته: هذه الألعاب التي في زماننا وعصرنا، سواء كانت في الإنترنت أو في جهاز الهاتف، أو في غيرهما. كذلك يتجنب العبث، مثل أن يحرك يديه حركات لا فائدة منها، كذلك يتجنب التَّبذُل في المجالس، والتبذل في المجالس: الحديث في كل ما يقصد الناس الحديث فيه، بحيث لا يوجد له ضوابط في حديثه، ومن ثم تجده يتكلم بالسُّخف والمراد بالسخف الأمور التوافه، التي لا قيمة لها ولا منزلة، أو يتكلم بأمور مضحكة التي ينتج عنها قهقهة، وكثرة التندُّر، والتنكيت على الآخرين، وكذلك على طالب الحديث أن يتجنب إدمان المزاح والإكثار منه، لو مزح مرة جاز ولم يناف ذلك آداب طالب العلم، لكن أن يكون ذلك دأبه في كل حديثه وفي كل أموره، فهذا ليس من شأن طالب العلم، إنما يُسْتَجَاز من المزاح الشيء =

стр. 40

وقد قيل: "من أكثر من شيء عُرف به" (١). فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية (٢). = اليسير النادر القليل والطريف، الذي لا يخرج عن حد الأدب، ولا عن طريقة العلم، أما أن يكون كل حديثه وكل مجالسه مبنية على المزاح، ويتكلَّم بالأمور الفاحشة في المزاح التي تكون كبيرة، وتكون عظيمة أن تصدر من إنسان يطلب العلم، أو يتكلم في الأمور السخيفة التافهة التي لا قيمة لها، أو يتكلم من المزاح بما يُوغِرُ الصدور، بحيث يُعلِّق على هذا، ويُنكِّت على هذا، فهذا يورث القطيعة، ويورث غِل القلوب، ويجلب الشر، وهذا كله مذموم. وأصل كثرة المزاح - حتى ولو لم يكن بهذه الأمور؛ من الفاحش والسخيف والمورث للعداوة - يضع من قدر الإنسان، ويزيل صفة المروءة منه، ما هي صفة المروءة؟ المروءة المراد بها اجتناب الإنسان ما لا يُثنى عليه من الأوصاف عند الناس، وبعضهم يقول: المروءة اجتناب الإنسان الصفات غير المرغوب فيها. مثال هذا: مما يُرغب فيه أن يكون الإنسان في مجتمعاتنا لابسًا للثياب، فإذا لبس البنطلونات لم يُعدّ حينئذٍ ممن اتصف بصفات المروءة؛ لأن الناس لا يثنون على من ترك هذه الثياب المعتادة. (١) قوله: "وقد قيل: من أكثر من شيء - من مزاح أو ضحك - عُرف به"، بحيث يكون موصوفًا به فيقال: فلان مزَّاح. (٢) قوله: "فتجنَّب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية"، الأريحية يعنى ما يكون منتجًا لراحة النفس، بعض الناس يعد الضحك والتبذل وكثرة المزاح من الأريحية التي ترتاح لها النفوس، وهذا ليس من ذلك في شيء، بل إن الناس إذا وجدوا شخصًا يكثر من المزاح والتعليق على الآخرين، فإنه حينئذ تنفر منه نفوسهم.
следующие страницы →