وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنف كتابًا في الزهد؟ قال: "قد صنفت كتابًا في البيوع" (١).
يعني: "الزاهد من يتحرر عن الشبهات (٢) والمكروهات في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والحرف". ا. هـ.
= فالمراد بالزهد: الاقتصار على ما ينفع، ولذلك نجد مثلًا سليمان بن داود وأباه قد آتاهما الله من الدنيا ما آتاهما، ولا يعد هذا مناقضًا للزهد، وإنما من جاءته الدنيا واستعملها فيما ينفعه في الآخرة فإنه يعد زاهدًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، فدل هذا على أن الأموال التي يعطيها الله - جل وعلا - للعبد إذا استعملها في طاعة الله - جل وعلا - فإنه حينئذ يكون من الزهاد، ولو كان عنده من الأموال الشيء الكثير، وأن الله - جل وعلا - إذا لم يجعل العبد يصرف ما أعطاه الله له في مراضيه فإنه ليس بزاهد، ولو لم يكن عنده من الدنيا إلا الشيء القليل.
(١) قوله: "وعن محمد بن الحسن الشيباني لما قيل له: ألا تصنِّف كتابًا في الزهد؟ قال: صنفت كتابًا في البيوع"، لأن من كان يترك من البيوع ما لا ينفعه فإنه حينئذ سيكون زاهدًا.
(٢) قوله: "الزاهد من يتحرَّز عن الشبهات"، والشبهات تشمل صورًا:
الصورة الأولى: إذا كان هناك مسائل يختلف أهل العلم فيها وللخلاف محله، فحينئذ هذه المسائل من الشبهات.
الصورة الثانية: مسائل فيها أدلة متعارضة، ولم يعرف الفقيه كيفية الجمع بينها، فهذه من المسائل المشتبهات.
الصورة الثالثة: أن يكون هناك مسائل لا ندري هل تدخل في تطبيق الحرام أو في تطبيق الحلال، فحينئذٍ هذه المسائل من المشتبهات، والمشتبهات لها عشر صور، هذه أبرز صور المشتبهات.
стр. 37
وعليه، فليكن معتدلًا في معاشه بما لا يشينه (١)، بحيث يصون نفسه ومن يعول (٢)، ولا يرد مواطن الذلة والهون (٣).
وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي المتوفى في ١٧/ ١٢/ ١٣٩٣ هـ رحمه الله تعالى متقلِّلًا من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: "لقد جئت من البلاد - شنقيط - ومعي كنز قلَّ أن يوجد عند أحد وهو (القناعة)، ولو أردت المناصب، لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية". فرحمه الله رحمة واسعة آمين (٤).
(١) قوله: "وعليه فليكن معتدلًا في معاشه بما لا يشينه"، يعني: ما يكون سببًا لورود ذم أو ما لا يحمد عليه، بحيث لا يثني عليه بسوء.
(٢) قوله: "بحيث يَصُون نفسه ومن يعول"، فهو يقتات ويعمل، ولكن لا يكون ذلك العمل من المشتبهات، أو مما يخالف المروءات.
(٣) قوله: "ولا يرد مواطن الذلة والهون"، يعني: المَحَال التي يكون ورودها أو فعلها سببًا من أسباب اعتقاد الناس أن هذا يخالف المروءة، فالصنائع أو الأعمال التي تخالف المروءات عند الناس يجتنبها طالب العلم.
(٤) ثم ذكر المؤلف عن شيخه الشيخ الأمين الشنقيطي، وهو من علماء الأمة فضلًا وعلمًا، ومن سمع أحاديثه أو أشرطته ودروسه، علم ما آتاه الله - جل وعلا - من العلم، وتفسيره أضواء البيان من الكتب النادرة العظيمة المشتملة على علم كثير، مع كونه لا يتجاوز تفسير الآيات التي يفسر القرآن فيها بالقرآن، أو يستنبط منها أحكام فقهية، والشيخ الشنقيطي نموذج للزاهدين، فالزهد عظيم الشأن ليس في حال من أعرضت عنه الدنيا، ولكن الزهد فيمن أقبلت عليه الدنيا.
إذا تقرر هذا فإن من آتاه الله المال الكثير فاستعمله في طاعة الله فهذا زاهد.
стр. 38
٧ - التحلي برونق العلم:
التحلي بـ (رونق العلم) حسن السمت (١)، والهدي الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجة (٢)، بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.
وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" (٣).
(١) هذا هو الأدب السابع من آداب طالب العلم، بحيث يكون ظاهر طالب العلم موافقًا للعلم الذي يطلبه، بحيث يكون حَسَنَ السمت، ذكرنا فيما سبق أن السمت هو الصورة الظاهرة، بحيث تكون أخلاقه الظاهرة وكلامه وملبسه دالًا على كونه من طلبة العلم، فيكون هديه الظاهر موافقًا لهدي أهل الصلاح، ومن ثم يلازم السكينة؛ وهي طمأنينة النفس والوقار، بحيث يكون ظاهره غير منبئٍ عن خلاف هذه، وكذلك يتَّصفُ بالخشوع، فليس متسرعًا ولا متبادرًا لما لا ينبغي، وليس متكلِّمًا بما لا يُناسب حاله، وكذلك يتَّصِفُ بصفة التواضع، ويتباعد عن التكبر.
(٢) قوله: "ولزوم المحجة"، المراد بالمحجة: وسط الطريق الموصل إلى المراد، بحيث لا يكون ممن يميلُ جهة اليمين ولا جهة الشمال، ويَعمُر ظاهره وباطنه بعبادة الله تعالى، وذكره، والتخلي عن نواقض ذلك.
(٣) قوله: "قال ابن سيرين: (كان يتعلمون الهدي - وهو الصفة الظاهرة كما يتعلمون العلم"، بحيث تكون ظواهرهم موافقة لبواطنهم، ظواهرهم متحلية بالأوصاف الشرعية، والأخلاق المرعية.
стр. 39
وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: "حدِّثنا، ولا تحدِّثنا عن مُتَمَاوت ولا طعَّان" (١).
رواهما الخطيب في الجامع وقال: "يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب، والعبث، والتبذل في المجالس بالسخف، والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حدِّ الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه، وما أوغر منه الصدور وجلب الشر، فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة" (٢). ا. هـ.
(١) قوله: "قال رجاء بن حيوة لرجل: (حدثنا ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعَّان)، والمتماوت هو من كان متصفًا بصفة موت القلب، بأن يكون باطنه غير معمور لله - جل وعلا، "ولا طعان"، وهو الذي يبذل لسانه في القدح في الآخرين وسبهم.
(٢) قوله: "قال الخطيب: (يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب .. ) "، ما المراد باللعب؟ العمل الذي ليس له ثمرة، ومن أمثلته: هذه الألعاب التي في زماننا وعصرنا، سواء كانت في الإنترنت أو في جهاز الهاتف، أو في غيرهما.
كذلك يتجنب العبث، مثل أن يحرك يديه حركات لا فائدة منها، كذلك يتجنب التَّبذُل في المجالس، والتبذل في المجالس: الحديث في كل ما يقصد الناس الحديث فيه، بحيث لا يوجد له ضوابط في حديثه، ومن ثم تجده يتكلم بالسُّخف والمراد بالسخف الأمور التوافه، التي لا قيمة لها ولا منزلة، أو يتكلم بأمور مضحكة التي ينتج عنها قهقهة، وكثرة التندُّر، والتنكيت على الآخرين، وكذلك على طالب الحديث أن يتجنب إدمان المزاح والإكثار منه، لو مزح مرة جاز ولم يناف ذلك آداب طالب العلم، لكن أن يكون ذلك دأبه في كل حديثه وفي كل أموره، فهذا ليس من شأن طالب العلم، إنما يُسْتَجَاز من المزاح الشيء =
стр. 40
وقد قيل: "من أكثر من شيء عُرف به" (١).
فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية (٢).
= اليسير النادر القليل والطريف، الذي لا يخرج عن حد الأدب، ولا عن طريقة العلم، أما أن يكون كل حديثه وكل مجالسه مبنية على المزاح، ويتكلَّم بالأمور الفاحشة في المزاح التي تكون كبيرة، وتكون عظيمة أن تصدر من إنسان يطلب العلم، أو يتكلم في الأمور السخيفة التافهة التي لا قيمة لها، أو يتكلم من المزاح بما يُوغِرُ الصدور، بحيث يُعلِّق على هذا، ويُنكِّت على هذا، فهذا يورث القطيعة، ويورث غِل القلوب، ويجلب الشر، وهذا كله مذموم.
وأصل كثرة المزاح - حتى ولو لم يكن بهذه الأمور؛ من الفاحش والسخيف والمورث للعداوة - يضع من قدر الإنسان، ويزيل صفة المروءة منه، ما هي صفة المروءة؟ المروءة المراد بها اجتناب الإنسان ما لا يُثنى عليه من الأوصاف عند الناس، وبعضهم يقول: المروءة اجتناب الإنسان الصفات غير المرغوب فيها.
مثال هذا: مما يُرغب فيه أن يكون الإنسان في مجتمعاتنا لابسًا للثياب، فإذا لبس البنطلونات لم يُعدّ حينئذٍ ممن اتصف بصفات المروءة؛ لأن الناس لا يثنون على من ترك هذه الثياب المعتادة.
(١) قوله: "وقد قيل: من أكثر من شيء - من مزاح أو ضحك - عُرف به"، بحيث يكون موصوفًا به فيقال: فلان مزَّاح.
(٢) قوله: "فتجنَّب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية"، الأريحية يعنى ما يكون منتجًا لراحة النفس، بعض الناس يعد الضحك والتبذل وكثرة المزاح من الأريحية التي ترتاح لها النفوس، وهذا ليس من ذلك في شيء، بل إن الناس إذا وجدوا شخصًا يكثر من المزاح والتعليق على الآخرين، فإنه حينئذ تنفر منه نفوسهم.
стр. 41
وعن الأحنف بن قيس قال: "جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصَّافًا لفرجه وبطنه" (١).
وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في القضاء: "ومن تزيَّن بما ليس فيه، شانه الله" (٢).
وانظر شرحه لابن القيم رحمه الله تعالى.
(١) قوله: "قال الأحنف بن قيس: (جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام) "، وذلك لأن هذه الأمور ليست من الأمور التي تقصدها نفوس العقلاء، وترتفع نفوسهم بها، وإنما ينبغي أن تكون مجالسنا فيها ذكر الآداب، فيها ذكر الأحكام الشرعية.
كذلك من الأمور التي تتعلق بهذا: أن لا يظهر الإنسان صفة ليس متصفًا بها حقيقة، كأن يُظهر للآخرين أنه يقوم الليل وليس كذلك، أو يظهر للآخرين أنه يقرأ القرآن أو يحفظ كتاب الله، وليس فيه تلك الصفة.
(٢) قوله: "قال عمر ﵁: (من تزين بما ليس فيه شانه الله) "، ويقول النبي ﷺ : (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) [¬١]، المتشبع بما لم يعط: الذي يقول أنا متصف بالصفة الفلانية، ومتصف بالصفة الفلانية، وهو لا يتصف بذلك، هذا كلابس ثوبي زور، والزور: هو الكذب وتمويه الحقائق، وجعلها كالثوبين لأنه أولًا قد كذب على نفسه، بحيث يُظهر أنه متصف بهذه الصفة وليس كذلك، وكذلك قد زوَّر صورته في نفوس الآخرين، ولذلك جعله كلابس ثوبي زور.
стр. 42
٨ - تحل بالمروءة:
التحلي بـ (المروءة)، وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس (١)، والأنفة من غير كبرياء (٢)، والعزة في غير جبروت (٣)، والشهامة في غير عصبية (٤)، والحمية في غير جاهلية (٥)،
(١) هذا هو الأدب الثامن من آداب طالب العلم: التحلي بالمروءة.
تقدم معنا أن المروءة: التزام الصفات المحمودة عند الخلق، واجتناب الصفات غير المرغوب فيها عند الخلق.
والتحلي بالمروءة من مكارم الأخلاق، ومن أمثلة المروءات التي يحسن لطالب العلم أن يلتزم بها: أن يكون ملازمًا للأخلاق الفاضلة، يحسن التعامل مع الآخرين، ومن ذلك طلاقة الوجه؛ بحيث لا يكون عابسًا أو يكون معرضًا بوجهه عن طلابه أو عن زملائه.
ومن المروءة: إفشاء السلام. ومن المروءة تحمُّل الناس، والمراد بتحمل الناس: الصبر على أذيتهم.
(٢) قوله: "الأنفة من غير كبرياء"، المراد بالأنفة: ترفُّع بالنفس عما لا يليق بها، بحيث لا يفعل الإنسان فعلًا لا يكون مناسبًا لحاله.
(٣) قوله: "العزة في غير جبروت"، أي: فلا يقدم على فعل لا يليق به، فيرفع نفسه من غير تكبر.
(٤) قوله: "والشهامة في غير عصبية"، بأن يكون مقدِّمًا للخير للآخرين شهمًا، كريمًا، لكن لا يكون دافعه لذلك العصبية ونفع قرابته فقط، وإنما يكون دافعه لذلك التقرب لله - جل وعلا -.
(٥) قوله: "والحمية في غير جاهلية"، والمراد بالحمية: أن يحمي المؤمنون بعضهم بعضًا عما لا يليق بهم تقربًا لله، ولا يكون الدافع لذلك صفة من صفات أهل الجاهلية.
стр. 43
وعليه فتنكب (خوارم المروءة)، في طبع، أو قول، أو عمل، من حرفة مهنية (١)، أو خلة رديئة، كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين (٢)، وغشيان مواطن الريب (٣).
(١) قوله: "وعليه فتنكب (خوارم المروءة) في طبع، أو قول .. "، خوارم المروءة ليست من شأن أهل العلم، وخوارم المروءة تقدم لنا أمثلتها سواء كانت هذه الخوارم في طبع؛ كأن يكون الإنسان مخراقًا، أو يكون عجلًا، أو كانت الخوارم في قول، بأن يتكلم بالكلام غير اللائق، كأن يسب ويقدح في الآخرين، أو كانت الخوارم في عمل، كأن يبتذل نفسه في الذهاب إلى أماكن لا تليق به، وكذلك يجتنب الحرف المهنية التي يحتقرها الناس؛ لأن طالب العلم ينبغي أن يوجد له مكانة في الناس من أجل أن يقبلوا ما ينشره من العلم، وعندما يمتهن حرفة مَهِينة فإنه حينئذٍ يكون مناقضًا، ويكون مما لا تقبله نفوس الناس، وبالتالي لا يسمعون له، ولا يأخذون ما لديه من علم. وهكذا يجتنب الأوصاف الرديئة.
(٢) قوله: "خلة رديئة … " يعني الوصف، والرديء يعني السيئ غير المقبول، ومن ذلك العجب بأن يرى الإنسان لنفسه فضلًا، والرياء بأن يكون مقصوده بما يؤديه من العمل اطلاع الناس عليه، والبطر وهو نوع من أنواع الكبرياء، ويكون فيه جحد للحق، والخيلاء بترفع النفس عما يكون مناسبًا لها، ومظنة أن للنفس فضلًا على الغير، ومن الصفات الرديئة: احتقار الآخرين.
(٣) قوله: "غشيان مواطن الريب"، أي: المواطن التي يُظَنُّ فيمن دخلها بظن السوء، من أمثلة ذلك: عندما يذهب الإنسان إلى الأمكنة التي فيها معازف، فهذا موطن من مواطن الريب، ولو لم يكن مقصده مكان العزف، وكان مقصده محلًا مجاورًا له، هذا من خوارم المروءة، لأن هذا من مواطن الريب، ولذلك يجتنبه الإنسان، وهكذا أيضًا المحال التي فيها معاص يجتنبها طالب العلم؛ لأن هذه من مواطن الريب، وإذا خشي أن يظن به =
стр. 44
٩ - التمتع بخصال الرجولة (١):
تمتع بخصال الرجولة من الشجاعة وشدة البأس في الحق ومكارم الأخلاق (٢)،
= ظن السوء احتاط لذلك، وبذل من الأسباب ما يدفع مثل هذا الظن السيئ، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ جاءته زوجته صفية وهو معتكف، فلبثت معه في المسجد، فلما أرادت أن تنصرف انقلب معها وكانوا في ليل، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي) فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا، - أو قال - شيئًا) [¬١]، كما ورد في الصحيح.
(١) هذه الخصلة التاسعة من خصال طالب العلم: اتصافه بصفات الرجولة، وصفات الرجولة أنواع: منها الشجاعة، بحيث يكون مقدامًا على الأفعال الطيبة، ولا تكون نفسه ذات خور أو ضعف عن الإقدام عما يليق به، فالشجاعة صفة من صفات الرجال الذين يُثنى عليهم بها، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ تَعوَّذ من الجبن والجبن هو الضعف والخور مما يقابل الشجاعة، ومن أنواع الشجاعة: شدَّة البأس في الحق.
(٢) قوله: "مكارم الأخلاق"، ومن صفات الرجال اتصافهم بمكارم الأخلاق، وبذلك يكونون على الخلق العالي، وقد جاءت الشريعة تُرغِّب في اتصاف المؤمنين بالصفات العالية، والأخلاق الكريمة، يقول النبي ﷺ : (أنا زعيم ببيت أعلى الجنة لمن حسن خُلُقه) [¬٢]، وجاء في حديث في السنن أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن ليدرك بحسن خُلُقه درجة الصائم القائم) [¬٣].
стр. 45
والبذل في سبيل المعروف (١)، حتى تنقطع دون آمال الرجال.
(١) قوله: ومن خصال الرجولة "البذل في سبيل المعروف"، بحيث يعطي الإنسان لله، وكم من آية في كتاب الله تُثني على أولئك الذين يبذلون في سبيل الله، قال - جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، والآية التي قبلها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال - جل وعلا -: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، يعني: يضاعفها، وقد وعد الله - جل وعلا - المنفقين في سبيله بالخلف في الدنيا، والأجر العظيم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (قال الله : يا ابن آدم أَنْفِق، أُنْفِق عليك) [¬١]، وجاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) [¬٢]، يعني: خسارة وذهابًا للمال.
كذلك هذه الصفات الثلاث الشجاعة والأخلاق الفاضلة والبذل بالمعروف، من وجدت فيه أصبح ممن يعظم أجرهم، ومن الرجال الذين يعتمد عليهم، وممن تكون لهم مكانة عند الخلق، ويقابل هذا الصفات صفات مذمومة. =
стр. 46
وعليه، فاحذر نواقضها من ضعف الجأش، وقلة الصبر، وضعف المكارم، فإنها تهضم العلم (١)، وتقطع اللسان عن قولة الحق، وتأخذ بناصيته إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده (٢).
= أولها: ضعف الجأش والجبن والخور، والضعف صفة يذم بها الإنسان.
الصفة الثانية: قلة الصبر وعدم التمكن من إمساك النفس في المكارم وأفعال الخيرات.
الثالثة: عدم فعل الأخلاق الفاضلة، وعدم البذل في طرق الخير.
(١) فهذه الأمور "تهضم العلم"، يعني تنقص مقدار العلم، فالعالم متى كان باذلًا في المعروف منفقًا فيه فإن الله - جل وعلا - يبارك له في علمه، ويضع له القبول في الأرض.
(٢) وكذلك هذه الصفات، وهي الجبن وسوء الأخلاق والبخل "تقطع اللسان عن قولة الحق"، بحيث تعجز الإنسان عن أن يتكلم بما ينتفع به الناس في دنياهم وآخرتهم، بل إن هذه الصفات تجعل طالب العلم في حالة يتمكن أعداؤه منه، ويتمكنون من بث سمومهم في سمعته، فيكون ذلك سببًا لإعراض الناس عن العلم النافع بسبب عدم اتصاف أصحابه بهذه الصفات التي تجعل الناس يقبلون عليه.
стр. 47
١٠) هَجْرُ التَّرَفُّهِ (١):
لا تسترسل في (التنعم والرفاهية)، فإن (البذاذة من الإيمان) (٢) [¬١]، وخذ بوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في كتابه المشهور، وفيه: (وإياكم والتنعم وزي العجم، وتمعددوا (٣) واخشوشنوا .. (٤)) [¬٢].
(١) ذكر المؤلف ها هنا الأدب العاشر من آداب طالب العلم، وهو ترك الاسترسال في التنعم والرفاهية، والمراد بالتنعم استخدام أنعم ما يكون من الثياب والمراكب ونحو ذلك.
(٢) قوله: "فإن البذاذة من الإيمان"، ورد حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (البذاذة من الإيمان) [¬٣]، والمراد بالبذاذة: ترك الترفه، وعدم استعمال الناعم من الملابس والمراكب.
(٣) قوله: "جاء في كتاب عمر: (إياكم والتنعم وزي العجم وتمعددوا) "، أي: شابهوا معد بن عدنان الذي كان يترك الرفاهية في لباسه وسائر أموره.
(٤) قوله: "واخشوشنوا"، يعني: ليكن من أموركم الخشونة، مما يكون مخالفًا للتنعم.
стр. 48
وعليه، فازْوَرَّ عن زيف الحضارة (١)، فإنه يؤنث الطباع (٢)، ويرخي الأعصاب (٣)، ويقيدك بخيط الأوهام، ويصل المجدون لغاياتهم وأنت لم
(١) قوله: "وعليه فازور عن زيف الحضارة .. "، جاء في الحديث عن عمر ﵁ أنه أتى النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ نائمًا على حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرضًا مصبوبًا، وعند رأسه أهب معلقة، قال: فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: (ما يبكيك؟) فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) [¬١].
فالمقصود أن الإنسان يستعمل ما لديه، فلا يتكلَّف في ملبسه، ولا يتكلف في مركبه، ولا يتكلف في أنواع الأثاث لديه، وذلك لأن التكلف في ذلك يخالف سمت طالب العلم، ويجعل الناس يظنون به ظن السوء.
- وقوله: "وعليه" أي: وبناء على ما مضى.
- وقوله: "فازْوَرَّ"، يعني أعرض.
- وقوله: "عن زيف الحضارة"، والمراد به الصورة الظاهرية الزائفة.
(٢) وقوله: "فإنه يؤنث الطباع"، يجعل الطبع مشابهًا لطبع من يكون رقيقًا في أموره.
(٣) وقوله: "ويُرخي الأعصاب"، وبالتالي لا يتمكن الإنسان من أن يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، ولا يكون قويًا في الحق، ومثل ذلك يقيدك بخيط الأوهام: الناس لم يعجبهم لباسي، الناس لم يكن ثوبي حسنًا عندهم، الناس لم يعجبوا بالطيب الذي استعمله، ويكون همه في هذه الأمور الظاهرة، ويترك الأمور الحقيقية التي ينبغي به أن يتوجه لها، ولا يتمكن المجدون من الوصول لغاياتهم؛ لأنهم اشتغلوا بالتوافه، ويصل =
стр. 49
تبرح مكانك، مشغول بالتأنق في ملبسك، وإن كان منها شيات (١) ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتًا صالحًا (٢)، والحلية في الظاهر كاللباس عنوان على انتماء الشخص (٣)،
= المجدُّ إلى الغاية وأنت تشتغل بالصورة الظاهرة، لم تبرح مكانك؛ لأنك مشغول بالتأنق في الملبس، يعني حسن اختيار أنواع الملابس، هذا القماش، هذه النوعية من القماش أفضل من تلك النوعية، وهذا الكبك أحسن من ذلك الكبك، هذه الساعة خير وأحسن، وهذا الجوال بهذه الصفة أحسن من تلك الصفة، والنوع الفلاني من الجوالات أحسن، ومن ثم يصبح يشتغل بهذه الأمور التوافه الظاهرة، وإن كان منها شيات ليست محرمة، نحن لا نستطيع أن نقول إنها محرمة، لكن طالب العلم مشتغل بما هو أعظم وأنفع وأعلى، حيث اشتغل بما يوصله إلى جنة الخلد، فكيف يكون مشتغلًا بهذه الأمور الظاهرة.
(١) قوله: "وإن كان منها شِيَات .. "، الشِّيّة هي الأمور القليلة التي ليست بمحمودة.
(٢) وقوله: "ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتًا صالحًا"، أي: ليست من صفة طالب العلم.
(٣) قوله: "والحلية في الظاهر كاللباس عنوان على انتهاء الشخص"، من جاء وعليه شماع وقد زخرف ذلك الشماغ، عَرَفْتَ طَرِيْقَتَه وحكمت عليه، إذا وجدته قد لبس من الساعات المزخرفة التي فيها جذب لرؤية الآخرين عرفت توجهه، وعرفت طريقته، فالحلية في الظاهر عنوان على انتهاء الشخص، ولذلك الأشخاص في ملبسهم يذهب كل واحد منهم إلى من يشاكله في اللباس، ومن هنا من لبس الملابس الكاملة، لبس الغترة، ولبس البشت، وجدته مع من كان بهذه الصفة، ومن خَلَعَ العباءة وجدته مع من ماثله، ومن خلع الغترة وجدته مع من ماثله، وهكذا فالناس كالطيور يأتون إلى من يماثلهم في الصفة، والطيور على أشكالها تقع.
стр. 50
بل تحديد له، وهل اللباس إلا وسيلة من وسائل التعبير عن الذات؟! (١).
فكن حذرًا في لباسك، لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك (٢)، في الانتماء والتكوين، والذوق، ولهذا قيل: الحلية في الظاهر (٣) تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف الناس من: الرصانة والتعقل؛ أو التَّمَشْيُخ والرهبنة؛ أو التصابي وحب الظهور (٤).
(١) قوله: "وهل اللباس إلا وسيلة من وسائل التعبير عن الذات"، لذلك من وجدته يلبس أنواعًا من الألبسة حكمت عليه من مجرد لباسه.
(٢) قوله: "فكن حذرًا في لباسك، لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك"، فالناس يحكمون عليك من خلال ما تلبسه، سواء في انتمائك إلى من تنتمي؟ وكذلك في تكوينك؛ ما هي شخصيتك؟ يعرفونها من اللباس، وكذلك في ذوقك، فيعرفون ما هو ذوقك، وما الذي تشتهيه وما لا تشتهيه من خلال رؤية لباسك؟ وانظر إلى نفسك كم من شخص بمجرد رؤيته الظاهرة ارتاحت نفسك إليه؟ وكم من شخص بمجرد رؤيته الظاهرة اشمأزت نفسك منه وابتعدت عنه كل الابتعاد؟ وهذا تجدونه في نفوسكم.
(٣) قوله: "ولهذا قيل: الحلية في الظاهر"، ما تظهره من حليتك ولباسك.
(٤) قوله: "تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف الناس"، نحن نلبس جميعًا هذه الكوفية - الغترة - ومع ذلك يحكم الناس علينا بأحكام مختلفة لطريقة اللبس، فهذا يصفونه بالعقل والحكمة، وهذا يصفونه بالطيش من مجرد لبسته لهذا النوع من أنواع اللباس، وهكذا أيضًا بلباسك يحكمون هل أنت شيخ؟ هل أنت ممن يقبل على الخير؟ أم أنت ممن يقبل على الشر؟ هل =
стр. 51
فخذ من اللباس ما يزينك ولا يشينك، ولا يجعل فيك مقالًا لقائل، ولا لمزًا للامز، وإذا تلاقى ملبسك وكيفية لبسك بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم الشرعي، كان أدعى لتعظيمك والانتفاع بعلمك، بل بحسن نيتك يكون قربة، إنه وسيلة إلى هداية الخلق للحق.
= أنت ممن يتصابى ويحاول أن يظهر نفسه بمظاهر الصبيان وصغار السن؟ هل أنت ممن يحب الظهور ويجب لفت الأنظار إليه أو لا؟ فحينئذٍ خذ من اللباس ما يكون مزينًا لك عند الله - جل وعلا - ومبعدًا لقالة السوء ومظنة السوء فيك، واترك ما يشينك من اللباس، وينقص درجتك عند ربك، لكن لا يعني هذا أن يلبس الإنسان الثياب المخرقة، أو يلبس الثياب المتسخة، أو يلبس ما لا يعتاده الناس من اللباس، إنما يلبس ما يكون معتادًا عند أهل الخير والصلاح من اللباس، ويتزيَّا بزيِّهم، ولذلك لم يخالف النبي ﷺ في لباسه طريقة أهله وقبيلته، لبس مثل لباسهم، لكن على صفة محمودة، ولذلك تجد بعض الناس طريقة لبسه تدل على العقل والرزانة.
اللباس إذا لم يكن على الصفة المعهودة جعل للناس فيك مقالًا، ومنها إذا جاء طالب علم لبس في كوفيته من أنواع الزري، وجعل في ثوبه أنواع المخططات التي تكون لافتة للنظر، فحينئذ هذا ليس لائقًا به، وليست هذه اللبسة من ملابس أهل الفضل والعلم، وهذه قد تجعل الناس يتكلمون فيه ويلمزونه، ومن ثم لا يقبلون ما لديه من العلم، وإذا تلاقي ملبسك ونوع الملبس وكيفية اللبس - طريقة اللبس - بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم انتفع الناس بك، وأخذوا منك العلم، وإذا أحسنت النية في لباسك وفي اختيار نوعه، كان ذلك سببًا للحصول على الأجر من جهة، وسببًا لقبول الناس منك وأخذهم الحق عنك.
стр. 52
وفي المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (أحبِّ إليَّ أن أنْظُرَ القارئ أبيض الثياب) (١).
أي: ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق.
والناس - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -: "كأسراب القَطَا (٢)، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض" (٣).
فإياك ثم إياك (٤) من لباس التصابي (٥).
(١) قوله: "قال عمر ﵁: (أحبُّ إليَّ أن انظر القارئ أبيض الثياب) "، ولهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ أمر باختيار الثياب البيضاء، وقال: (البسوا من ثيابكم البيض وكفنوا فيها موتاكم) [¬١]، وهذا لأن الثوب الأبيض يجر النفوس إليه، وترتاح العين برؤيته، ويسكن القلب بالاطلاع على صاحبه.
(٢) قوله: "والناس كما قال شيخ الإسلام: كأسراب القطا"، القطا نوع من أنواع الطيور.
(٣) وقوله: "مجبولون على تشبه بعضهم ببعض"، فطائر القطا إذا فعل واحد منهم شيئًا فعل البقية مثل فعله، تجدونهم في أول النهار إذا صوَّت واحد منهم لجت أصواتهم في وقت واحد.
(٤) قوله: "فإياك ثم إياك .. "، يعني احذر.
(٥) قوله: "من لباس التصابي"، أي: أن تلبس مثل لبس الصبيان بحيث يظن الناس أنك صغير السن.
стр. 53
أما اللباس الإفرنجي، فغير خاف عليك حكمه (١).
وليس معنى هذا أن تأتي بلباس مشوّه (٢)،
(١) قوله: "أما اللباس الإفرنجي، فغير خاف عليك حكمه، .. "، ذكر المؤلف اختيار الألبسة التي تكون من بلدان أخرى، فهذا ليس من شأن طالب العلم، وإن كان إذا ذهب إليهم قد يلبس مثل لباسهم، مثال هذا: لباس أهل الخليج يخالفوننا في بعض الصفات، فحينئذ لا ينبغي لطالب العلم أن يلبس مثل لباسهم عند أصحابه وجماعته وأهل بلده لماذا؟ لأن الناس يلتفتون إلى هذا، ويكون مثارًا لكلامهم وحديثهم، فينصرفون عن علمك وعن حديثك إلى الاطلاع على لباسك، وهكذا مثلًا لباس أهل باكستان لا يلبسه طالب العلم، لماذا؟ لأنه ليس من الألبسة المعتادة، وهكذا أيضًا اللباس الذي يكون للكفار، فإن المؤمن حريص على الابتعاد عن التشبه بغير المسلمين، وقد ورد في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ نهي عن التشبه باليهود [¬١]، وعن التشبه بالنصارى [¬٢]، وعن التشبه بالأعاجم [¬٣]، وعن التشبه بالمجوس [¬٤].
(٢) قوله: "وليس معنى هذا أن يأتي الإنسان بلباس مشوَّه"، أي: إما وسخ، وإما مقطع، فإن هذا من لباس الشهرة، ومن هنا فإنه يُنهى عنه، وقد ورد في الحديث النهي عن لباس الشهرة [¬٥].
стр. 54
لكنه الاقتصاد في اللباس برسم الشرع (١)، تحفة بالسمت الصالح، والهدي الحسن.
وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة والرقاق (٢)، لا سيما في "الجامع" للخطيب.
ولا تستنكر هذه الإشارة، فما زال أهل العلم ينبهون على هذا في كتب الرقاق والآداب واللباس، والله أعلم (٣).
(١) قوله: "لكنه الاقتصاد في اللباس"، أيضًا يتجنب الإنسان ذلك اللباس الذي له أثمان كثيرة، فإن هذا إسراف، والإسراف منهي عنه في الشريعة، وبالتالي إذا التزم الإنسان بهذه الآداب كان متصفًا بالسمت الصالح، والهدي الظاهر الحسن.
(٢) قوله: "وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة والرقاق"، أي: أن أهل العلم قد كتبوا لذلك أمثلة في كتب الرقائق والسنة، وقد ألف عدد من الأئمة كتبًا في هذا، وألفوا في الزهد كتبًا عديدة، ومثَّل المؤلف لذلك بكتاب "الجامع لآداب الراوي والسامع" للخطيب البغدادي رحمه الله تعالى.
(٣) قوله: "ولا تستنكر هذه الإشارة، … "، أي: لا يقولن قائل: ما مدخل هذا في آداب طالب العلم فنقول:
أولًا: النصوص الشرعية قد وردت بهذه الآداب.
ثانيًا: الناس عند التزام هذه الآداب يُقبلون على علم ذلك المتعلم.
ثالثًا: الناس ينفرون ممن لم يتصف بهذه الآداب ولا يقبلون منه علمًا.
رابعًا: أن لبس ما يخالف ما تقدم يعدُّ من أنواع الشهرة التي تورث في النفس ترفعًا وتكبرًا، وطالب العلم ينبغي به أن يعالج نفسه من ذلك.
стр. 55
١١) الإعراض عن مجالس اللغو (١):
لا تطأ بساط من يَغْشَوْنَ في ناديهم المنكر (٢)، ويَهْتكُون أستار الأدب، متغابيًا عن ذلك، فإن فعلت ذلك، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة (٣).
(١) هذا هو الأدب الحادي عشر: الإعراض عن مجالس اللغو، والمراد باللغو: أنوع الكلام الباطل، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٣]، وبعض أهل العلم يقول: إن المراد باللغو: ما لا فائدة له من الكلام، وكلاهما قد يكون مرادًا هنا، فطالب العلم يحفظ وقته، ومن حفظه لوقته أن يعرض عن مجالس اللغو، ليستعمل وقته في طاعة الله - جل وعلا -.
(٢) قوله: "ولا تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر"، المراد بالمنكر: المعصية؛ فإنه لا يجوز للإنسان أن يجلس في مجلس يُعْصَى الله فيه، وهو قادر على ترك ذلك المجلس، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقال - جل وعلا -: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وجاء في سنن أبي داود بسند ضعيف: (أن النبي ﷺ نهى عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر) [¬١]، وهكذا بقية أنواع المعاصي.
(٣) قوله: "متغابيًا عن ذلك … "، يعني: لا تجلس في ذلك المجلس الذي فيه معصية، وفيه هتك لستر الأدب، متغابيًا عنه غير ملتفت إليه، فإن فعلت ذلك وجلست في هذه =
стр. 56
(١٢) الإعراض عن الهيشات (١):
التصون من اللغط والهيشات، فإن الغلط تحت اللغط، وهذا ينافي أدب الطلب.
ومن لطيف ما يستحضر هناك ما ذكره صحاب "الوسيط في أدباء شنقيط" وعنه في "معجم المعاجم": "أنه وقع نزاع بين قبيلتين، فسعت بينهما قبيلة أخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكَّموا عالمًا، فاستظهر قتل أربعة من قبيلة بأربعة قُتِلوا من القبيلة الأخرى، فقال الشيخ
= المجالس، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة؛ لأن الناس يبدءون يهتكون أستار الأدب مع أهل العلم، ولا يقيمون لهم وزنًا، ويكون ذلك سببًا من أسباب انتشار المعاصي والمنكرات؛ لأنهم إذا رأوا طلبة العلم يجلسون في مجلس المعصية ولا ينكرونها فعل أهل المعاصي تلك المعاصي في الظاهر، وجاهروا بها. ومن قواعد الشريعة: الترغيب في عدم إظهار المنكرات، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) [¬١].
(١) الأدب الثاني عشر من آداب طالب العلم: أنه يتصوّن عن اللغط والهيشات.
والمراد بالهيشات: ما يحصل من الخصومات والتجمعات التي يكون فيها كلام بعض الناس على بعض مما لا يمكن ضبطه ولا تعرف عاقبته، فإن دخول طلبة العلم في الهيشات ينتج عنه أن الناس قد يعتدون عليهم، وقد يتكلمون فيهم، وقد يكون ذلك سببًا من أسباب احتقارهم، وعدم معرفة ما لديهم من علم يستوجب رفع مكانتهم والأخذ بيدهم، ومن ذلك المظاهرات والتجمعات في الطرقات.
وذكر المؤلف هنا ما يتعلق بهذا النداء الذي وقع بين هاتين القبيلتين.
стр. 57
باب بن أحمد: مثل هذا لا قصاص فيه. فقال القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب. فقال: بل لم يخل منه كتاب. فقال القاضي: هذا "القاموس"؛ يعني أنه يدخل في عموم كتاب - فتناول صاحب الترجمة "القاموس"، وأول ما وقع نظره عليه: (والهيشة: الفتنة، وأم حبين، وليس في الهيشات قود)، أي: في القتيل في الفتنة لا يُدْرَى قاتله، فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج" .. ا. هـ. ملخصًا.
(١٣) التحلي بالرفق (١):
التزم الرفق في القول، مجتنبًا الكلمة الجافية، فإن الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة.
وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة (٢).
(١) هذا هو الأدب الثالث عشر من أدب طالب العلم: "التحلي بالرفق".
والمراد بالرفق: السهولة واللين، ولا يعني هذا نفي العقوبة، أو نفي ما يكون مؤديًا إلى أخذ الإنسان بحقوقه.
(٢) قوله: "وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة"، جاء في ذلك نصوص عديدة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شأنه) [¬١]، وقد جاء في الحديث أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: دخل =
стр. 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله ﷺ : (مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله) [¬١].
وجاء في عدد من الأحاديث الترغيب في لين القول، وعدم إغلاظه؛ ليكون ذلك سببًا في تأليف القلوب.
قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
والناس مهما كانت قلوبهم يتمكَّن طالب العلم من جلبهم بالكلمة الطيبة اللينة السهلة.
ولذلك انظر: كم من كلمة أثرت في نفوس كانت بعيدة عن الخير، ناشزة عنه، بعيدة عن طاعة الله - جل وعلا -؟! وكم من كلمة قاسية كانت سببًا من أسباب ابتعاد كثير من الناس عن طاعة الله تعالى؟ والعبد يحرص على لين القول تقربًا لله، وليكون ذلك أدعى لقبول قوله، لا انتصارًا لنفسه، ولا ترويجًا لذاته، وإنما رغبة في نشر الخير، وأملًا في قبول الناس ما يقوله من دعوة إلى الله - جل وعلا -، ويكون هذا سببًا من أسباب زيادة حسناته وعلو درجته عند الله - جل وعلا - وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (الكلمة الطيبة صدقة) [¬٢].
стр. 59
(١٤) التأمل (١):
التحلي بالتأمل، فإن من تأمل أدرك، وقيل: "تأمَّل تُدْرِكْ".
وعليه، فتأمل عند التكلم: بماذا تتكلم؟ وما هي عائدته؟
(١) الأدب الرابع عشر من آداب طالب العلم: "أن يكون متأملًا متفكرًا في عواقب الأمور".
التأمل يشمل عددًا من الأمور:
أولها: التفكر: بحيث يعرف حقيقة ما يعرض عليه، سواء كان من آيات الله الكونية، أو من آيات الله الشرعية، وقد جاءت النصوص في الترغيب في التفكر في ذلك.
الثاني: الاعتبار: وهو مقايسة النفس بغيرها، بحيث يقيس العبد نفسه على غيره فيما يتعلق بما حصل لهم، سواء كان من العاقبة الحميدة، أو العواقب السيئة، فإن ما حل بغيرك سيحل بك متى فعلت مثل فعله.
الأمر الثالث: التدبر: بحيث يعرف الإنسان معاني الكلام، ويتأمل في دلالاته، وقد جاءت النصوص بالترغيب في التدبر للقرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وقال - جل وعلا -: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩].
وحينئذٍ أيضًا يتأمل الإنسان في كلامه، فلا يتكلم إلا بالكلام الذي تكون عاقبته حميدة.
ويشمل هذا أمورًا:
الأول: أن يكون اللفظ مناسبًا غير نابٍ أو أقل مما يراد به من المعاني، فإن اللغة واسعة، واللفظ يدل على معنى، وهناك ألفاظ تدل على معنى أعلى من المعنى المقصود، وهناك ألفاظ تدل على معانٍ أقل منه، فحينئذ ننتقي من الألفاظ ما يكون دالًا على المراد، وبالتالي يتفكر الإنسان في ألفاظه، ويتفكر في معاني الألفاظ بحسب الدلالة اللغوية قبل أن يتكلم بالكلمة. =
стр. 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الثاني: أن يتأمل الإنسان في العواقب التي تنتج عن هذه الكلمة، فإن كانت العاقبة حميدة تكلم بها، وإن كانت العاقبة غير ذلك لم يتكلم بها.
الثالث: أن يتأمل في طريقة كلامه وأسلوبه، بحيث يكون مرتبًا ترتيبًا صحيحًا لا يأتي بكلام متنافر لا يصح أن يرتب بعضه مع بعض.
الرابع: أن يحرص أن يكون كلامه سهلًا، بحيث يجتنب التقعر في الكلام.
الخامس: أن يحرص أن يكون كلامه سهلًا من جهة وضوحه، واضحًا عند سامعه، يعرف المراد به.
السادس: أن يجتنب اللفظ الذي يكون مجملًا يحتمل معاني متعددة، فإن الألفاظ المشتركة إذا أطلقها الإنسان قد يفهم منها غير ما يريده المتكلم به.
السابع: فيما يتعلق بإطلاق الأسئلة، يتحرى الإنسان في أسئلته عند شيخه، فلا يتكلم بلفظ في سؤاله إلا وهو دال على المراد الذي يريده، ويكون ملتزمًا فيه جانب الأدب، كذلك يكون كلامه مفهومًا عند شيخه، بحيث يجتنب ما قد يظن أنه لا يُفْهَم.
وكذلك يحرص عند سؤاله ألا يتكلم بالألفاظ التي لها معان متعددة، ويكون الكلام في أحد هذه الأبواب التي يفهم منها خلاف مراد السائل، مثال هذا: كلمة (المفرد) في النحو نطلقها مرة ونريد بها ما يقابل الجملة، وما يقابل شبه الجملة، ومرة نطلق كلمة (المفرد) ونريد بها ما يقابل المثنى والجمع، فعندما يأتي الشيخ ويتكلم في باب الخبر، ويقول: الخبر ينقسم إلى مفرد وجملة وشبه جملة، فيسأله عن المفرد الذي هو مقابل للمثنى والجمع، فحينئذٍ يكون قد أدخل في الكلام ما يكون سببًا للتشويش، إما تشويشًا على الطلاب، أو محرجًا للأستاذ؛ لأنه سيمتنع عن الجواب لكي لا ينتقل للجواب عن ذلك السؤال في ذلك الموطن؛ خشية من تداخل هذه المصطلحات.
стр. 61
وتحرز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق (١)، وتأمل عند المذاكرة: كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد، وتأمل عند سؤال السائل: كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين، وهكذا.
= مثال ذلك: عندما يأتي الفقيه أو الأصولي ويأمر الناس بالعمل بالنصوص، ثم يأتي السائل ويسأله عن النص الذي في مقابلة الظاهر، فحينئذٍ هذا السؤال يُلْبِس، وقد يُظَنُّ أن العمل بالنصوص إنما يراد به الأدلة القطعية، وهذا ليس مرادًا للشيخ، وإنما مراد الشيخ بكلامه: النص الذي يشمل ما كان صريح الدلالة، وما ورد عليه احتمال، ويشتمل أيضًا اللفظ الظاهر، فعندما يأتي الطالب ويسأل عن هذا اللفظ يكون قد أوقع الناس في لبس، سواء أوقع شيخه أو أوقع زملاءه.
(١) قوله: "وتحرز في العبارة .. "، كلمة العبارة: يراد بها الجملة من الكلام، وذلك أن هذه اللفظة أصلها من الفعل (عبر) بمعنى انتقل من مكان إلى مكان، وقد أمر الله - جل وعلا - بالاعتبار فقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، يعني: اعتبروا بأذهانكم، وانتقلوا بذهنكم من حال أولئك اليهود الذين خربت عليهم بيوتهم، وعذبوا بهذا التعذيب المذكور في أول السورة، وقيسوا أنفسكم، وانتقلوا بأذهانكم لأنفسكم، فإنكم إذا فعلتم مثل فعلهم عاقبكم الله بمثل عقوبتهم، وبعض أهل العلم يطلق على (الجملة من الكلام) هذا اللفظ: (العبارة)، وهذا ناشئ من منشأ عقدي؛ وذلك أن بعض الطوائف يرون أن الكلام هو المعاني النفسية، وأن الألفاظ والأصوات والحروف عبارة عن الكلام، وليست هي الكلام، ولذلك يسمون الجُمَل والكلمات عبارات، وهذا نشأ من أصل عقدي، ولذلك ينبغي التحرز من إطلاق هذه الجملة جملة (العبارة)، بحيث يراد بها الألفاظ.
стр. 62
(١٥) الثبات والتثبت (١):
تحل بالثبات والتثبُّت، لاسيما في الملمات والمهمات، ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن "من ثبت نبت".
(١) هاتان صفتان ذكرهما المؤلف في آداب طالب العلم المتعلِّقة بنفسه:
الصفة الأولى: الثبات: والثبات يراد به البقاء على الخير والدعوة له، والأمر بالمعروف وعدم الانتقال إلى غيره، والثبات يشمل ما يأتي:
أولًا: الثبات في المعتقدات، بحيث لا ينجر الإنسان في معتقده لأي متكلم يتكلم معه، حتى يكون متثبتًا في أمره.
الثاني: الثبات فيما يتعلق بالتصرفات، فلا يكون الإنسان من أتباع كل ناعق، كلما تكلَّم متكلِّم صار معه، وإنما يكون ثابتًا على مبدئهِ وطريقته.
الثالث: الثبات فيما يتعلق بنصرة الأشخاص، فلا ينصر غيره إلا إذا علم أنه على حق ويستمر في ذلك، وأما أن ينصر قريبه أو صاحب بلده بدون أن يكون متثبتًا من حاله، فهذا يكون من العصبية المذمومة كحمية الجاهلية.
الرابع: الثبات فيما يتعلق بما يؤديه العبد من الأعمال الصالحة، بحيث لا تصرفه الصوارف عن عمله الصالح الذي يؤديه، سواء كان من الفرائض أو النوافل، وتعلمون أن النصوص قد جاءت بالترغيب في المداومة على الأعمال الصالحة، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أحبُّ العمل إلى الله أدومه وإن قل) [¬١].
стр. 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأمر الخامس: مما يؤمر بالثبات فيه: الثبات في طلب العلم، بحيث لا تأتي المشغلات فتصرف الطالب عن طلبه للعلم، وهذه مسألة مهمة جدًّا ينبغي الالتفات إليها، فإن بعض الناس عندما يأتيه أدنى أمر ينشغل عن طلب العلم، ولا يثبت فيه، وحينئذٍ لا يرزق بركته ولا يستمر معه، نجد طلبة العلم كثيرين ثم بعد ذلك لا يثبتون، وما هذا إلا لانشغالهم مرات بتوافه، ومرات بلعب، ومرات بلغو، ومرات بهيشات، ومرات بأمور لا تناسب طالب العلم، ولذلك هذه الهيشات وهذه المشغلات تكون سببًا في انصراف طالب العلم عن طلب العلم، ولذلك رغب المؤلف هنا في الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن من ثبت - يعني في طلب العلم - نبت، وأصبح عاليًا، وأما من بذل من وقته شيئًا ثم انصرف فإنه لا يستفيد العلم.
والصفة الثانية: التثبت: بحيث لا يقبل ما يرد عليه من الواردات حتى يكون متيقنًا منه أنه الحق، وأنه الصحيح، وهذا يشمل أمورًا:
أولها: ما يتعلق بالمعتقد، فإذا وردت إليك مسألة عقدية فيها كلام أحد من الناس، فتثبت فيها حتى تحقق من النصوص ومن صحة النقل.
وثانيهًا: التثبت فيما يتعلق بالأحاديث التي تورد على الإنسان، فلا يأخذ منها إلا ما تثبَّت أنه صحيح ثابت النسبة إلى النبي ﷺ ، إما بمعرفة إسناده، أو بمعرفة مَنْ صَحَّحَه من أهل العلم، أو بنقله عن عالم التزم الصحة في حديثه وفيما ينقله من الأحاديث.
الثالث: التثبت في نسبة الأقوال إلى علماء الشريعة، فكم من مرة وجدنا أقوالًا تنسب إلى فقهاء وهم منها براء، وهذا في مسائل عظيمة من مسائل العقائد فضلًا عن مسائل الفقه.
стр. 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وإذا نظر الإنسان إلى مثل هذا وجده كثيرًا، حتى إنهم قالوا عن بعض المسائل: هذه مسائل التراجم أو قول التراجم، ما معنى قول التراجم؟ هو القول الذي تنسبه كل طائفة إلى الطائفة الأخرى بدون أن تكون النسبة صحيحة.
مثال ذلك: مسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ إذا نظرنا إلى كتب الأصول عند الحنفية، قالوا: وقد قالت الشافعية بأن الكفار غير مخاطبين، وإذا نظرنا إلى كتب الشافعية وجدناهم يقولون: الحنفية يقولون بأن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة.
وإذا نظرنا مثلًا إلى مسألة التصويب والتخطئة في المعتقدات وجدناهم ينسبون أقوالًا عظيمة إلى عبيد الله بن الحسن العنبري، وهو منها بريء، بل ينسبون إلى طوائف كثيرة أقوالًا هم منها براء، وفي نفس الوقت في مثل هذه المسألة مسألة التأثيم بالخطأ في مسائل العقائد، نجدهم ينسبون إلى جماهير أهل العلم خلاف ما يقولون به، ومن هنا ففي مسألة التصويب والتخطئة نجد أئمة كالنووي وابن حجر ينسبون إلى الجمهور أنهم يقولون بأن كل مجتهد مصيب؛ لأنهم يقصدون جمهور الأشاعرة، وإلا فإن جمهور أهل العلم من بقية الطوائف يقولون بخلاف هذا، ويقولون: إن المصيب واحد، وإن ما عداه مخطئ، وهكذا أيضًا فيما يتعلق بالأخبار التي يتناقلها الناس، يكون الإنسان متثبتًا فيها ولا يقبل منها إلا ما يكون قد قامت البراهين والدلائل على صحته، قال الله - جل وعلا -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وورد في بعض القراءات ﴿فَتَثَبَتُوا﴾.
* * * * *
стр. 65
الفصل الثاني كيفية الطلب والتلقي
(١٦) كيفة الطلب ومراتبه (١):
"من لم يتقن الأصول حرم الوصول".
(١) بعد أن ذكر المؤلف ﵀ آداب طالب العلم في نفسه انتقل إلى الآداب المتعلقة بكيفية الطلب والتلقي.
وأول هذه الآداب: أن يحرص على التدرج في التعلم، بحيث يأخذ كل أناس ما يناسبهم، وينبغي أن يكون هذا بأمور:
الأمر الأول: الارتباط بعالم ناصح فاهم مشفق، بحيث إذا ارتبط الإنسان بالعالم استفاد من سمته وهديه، وكذلك درَّجَهُ في العلم، وانتقى له من الكتب ما يناسبه، ويكون صالحًا لحاله.
الأمر الثاني: حسن اختيار الكتاب الذي يدرسه الطالب، وأضرب لهذا مثلًا: سألني بعض الطلاب هنا أن أشرح لهم "مختصر التحرير"، و "مختصر "التحرير" كتاب طويل وصعب، وفيه مباحث دقيقة ومبنية على أصول عقدية، وقد لا يستوعبها هؤلاء، ثم قد يضيق الوقت عندهم، فيأخذون ربع الكتاب، أو نصف الكتاب، ثم لا يتمكنون من إتمامه وإكماله، فيكون عندهم في نفوسهم نوع من التنقص لعدم إكمالهم للكتاب، ولذلك اخترنا لهم أن يكون لنا دورة علمية في كل أسبوع منها نأخذ متنًا علميًّا، فيكون ذلك سببًا من أسباب التحصيل، وإكمال مهمات هذه الكتب، وإدراك الأهداف التي سعى إليها مؤلفو هذه المتون.
الأمر الثالث: التدرج في التعلم، بحيث يبتدئ الإنسان بالنقطة الأولى، ويتجه إلى المتن الأقل ليضبطه ويتقنه، فيكون بمثابة الأساس الذي يؤسس عليه البنيان، وأما إذا أتى ليبني سقف البيت وهو لم يبن أساسه بعد فإنه لن يتمكن من بنائه، ولو وضع سقفًا فهو عما قريب =
стр. 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= سيسقط، وهذا من أكثر المسائل التي نُعْنَى بها في عصرنا، تجد بعضهم ينتقل إلى المطولات، فيكون سببًا في تخليطه في المسائل، وإدخاله المسائل بعضها ببعض، كم أدركنا من أناس رغبوا في الخير فأخذوا كتاب "المغني"، فبدءوا يقرؤونه يقولون: نريد الكتاب الشامل المحتوي على العلم كله، فلما ابتدءوا في قراءته فإذا في أوله مسائل عديدة متعلقة بالمياه لا يفهمونها، ولا يدركون مصطلحات أهل العلم فيها، فكان ذلك سببًا لتركهم التعلم بالكلية.
ويحضرني في هذا أن بعض الفقهاء الذين ذكروا أنهم كانوا يدرسون مختصر الخرقي، فلما طلبوا من شيخهم أن ينتقل بهم إلى كتاب آخر، قال: هذا الكتاب قد ضبطته، وعرفت ما فيه سأُدرِّسكم إياه، ومن أراد غيره فلينتقل لغيري، ثم قال: أنت يا فلان ويا فلان لا تنتقل عن هذا الكتاب حتى تضبطه، وبذلك لا بد من التدرج في التعلم.
الأمر الرابع: معرفة المصطلحات العلمية في الكتب التي يريد الإنسان قراءتها، بحيث كلما مر عنده لفظ عرف معناه، وعرف مراد أهل العلم به، بحيث لا يُنَزّل كلام أهل العلم على غير مرادهم، فإنك إذا لم تَفْهَمْ هذه المصطلحات، فحينئذ ستفهم كلام الفقهاء فهمًا خاطئًا مغلوطًا، وأضرْبُ لهذا مثلًا: جاءني إنسان ووجدني أقرأ كتاب "الرد على المنطقيين" كانت هيئته حسنة، وأعرف عنه رغبة في العلم، فطلب مني استعارة هذا الكتاب فأعرته له، وبعد أسبوع أعاد لي الكتاب، وقال: هذا كتاب قيم فيه فوائد كثيرة، لكن هذا الكتاب اشتمل على كلمة لا أعرف ما مدخلها في الكتاب، فقلت له: ما هي هذه الكلمة، قال: كلمة الحد، فما مدخل العقوبات عند المناطقة؟ فقلت له: قد أتعبت نفسك بدراسة هذا الكتاب، المراد بالحد: التعريف، والمؤلف في الرد على المنطقيين يرد على المناطقة طريقتهم في التعريفات التي هي الحدود، فعندما يفهم القارئ أن المراد هو الحد الذي يقصد به العقوبة المقدرة حينئذ يكون قد فَهِمَ الكتاب على غير مراد صاحبه.
الأمر الخامس: الحرص على الحفظ، وأول ما يُحْفَظ النصوص الشرعية، الكتاب، والسنة، فإن الإنسان إذا لم يحفظ هذه الأصول فإنه حينئذ لا ينطلق في تعليمه، ولا في دعوته، ولا في علمه من منطلقات صحيحة؛ لأنَّ منطلقات العلم هي النصوص كتابًا =
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وسنة، من عرفها تمكن من تأسيس علم صحيح، ومن لم يعرفها فإنه حينئذ سيعرف شيئًا من المعلومات يسيرًا لا كلها، وبالتالي لا يكون قد وصل إلى مقصود الشرع ومراده.
الأمر السادس: وهو أن يحرص الإنسان على اختيار الكتب والمؤلفات التي يعرفها الناس في بلده، ويكون لها مكانة في ذلك البلد، من أجل أن يتمكن من ضبطها، ومن أجل أن يكون ذلك سبيلًا لنشرها في الأمة، ومن أجل اجتماع كلمة الناس من خلال تعلمهم في كتب متقاربة، وأما إذا درسنا كتبًا لا يعرفها الناس، وجعلناها هي الأساس الذي ننطلق منه في التعلم، حينئذٍ نكون قد نافرنا بقية طلبة العلم، ولم نكن وإياهم على وفاق.
الأمر السابع: عدم الملل في التعلم، وقد أشرنا إلى هذا فيما سبق، فإن الإنسان إذا كان كلما قرأ كتابًا وانتصف فيه مل منه، وانتقل إلى كتاب آخر لم يتمكن من ضبط العلم.
الأمر الثامن: من الأمور التي ينبغي أن تُعْرَف هو عدم الخلط بين العلوم، وليس المراد به أن لا يتعلم الإنسان علمين في زمن واحد، في سنة واحدة أو في يوم واحد، وإنما المراد به ألا يدخل بعضهما في بعض في وقت واحد؛ لأن مصطلحات أهل الفنون تختلف، ومراد كل طائفة يغاير مراد الطائفة الأخرى.
الأمر التاسع: من الأمور التي ينبغي أن تكون عند طالب العلم: ألا يَدْخُلَ في الخلاف حتى يتقن أساس ذلك الفن الذي يدرسه؛ لأنك إذا دخلت في الأقوال، وفي الأدلة وأنت لم تحط بالمراد بهذه المسائل، فحينئذ ستنزل كلامهم على غير مرادهم، ولن تتمكن من فهم هذه المسألة.
الأمر العاشر: ينبغي أن يعلم بأن التعلم في الكتاب لا يعني العمل به، فطالب العلم يتعلم ما في هذا الكتاب، لكنه عند العمل يسأل فقهاء عصره إن لم يكن مجتهدًا، وإن خالف الاجتهاد والفتوى ما في ذلك الكتاب فإنه يسأل عن سبب المخالفة؛ حتى يحيط بالقولين، ويعرف مستند كل منهما.
هذا شيء فيما يتعلق بكيفية الطلب والتلقي ومراتبه.
стр. 68
"من لم يتقن الأصول، حُرِمَ الوصول" (١)، و "مَنْ رَامَ العِلْمَ جُمْلَة، ذَهَبَ عنه جُمْلَة" (٢)، وقيل أيضًا: "ازدحام العلم في السمع مضلَّة الفهم" (٣).
وعليه، فلا بد من التأصيل والتأسيس لكل فَنٍّ تَطْلُبُه، بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، لا بالتحصيل الذاتي وحده، وآخذًا الطلب بالتدرج (٤).
(١) قوله: "من لم يُتْقِن الأصول حرم الوصول"، المراد بالأصول هنا: القواعد والأسس التي يتعلم الإنسان بناءً عليها، حرم الوصول، مراد أهل العلم: أن من لم يعرف قواعد التعلم ومراتبه فإنه لم يتمكن من الوصول لتحصيل العلم.
(٢) قوله: "من رام العلم جملة ذهب عنه جملة"، فمن أراد أن يحصل العلم كله في وقت واحد فإنه حينئذٍ سيذهب معه سريعًا، ولذلك ينبغي بالإنسان أن يقعد القواعد، ثم بعد ذلك يبني عليها فروع العلم.
(٣) قوله: "ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم"، فإن السمع كلما كان مصغيًا لأنواع التعليم مبتدئًا بالأقل فالأكثر، فإنه حينئذ سيفهم، وسينتقل من حال الجهل إلى حال العلم.
(٤) قوله: "فلا بد من التأصيل والتأسيس .. "، قالوا: التأصيل: معرفة الأصول، وهي القواعد التي ينبني عليها التعلم، والتأسيس يعني: معرفة الأسس التي ينبني عليها العلم، فالتأصيل معرفة قواعد التعلم هذا المراد هنا، والتأسيس: معرفة الأسس والقواعد التي يُبنى عليها العلم، وذلك بضبط أهل العلم، وبدراسة مختصرٍ على شيخ متقن لا بالتحصيل الذاتي وحده، وجدنا من حاول أن يحصل العلوم بنفسه دون الاستناد إلى شيخ وجدنا منه أمورًا كثيرة، منها:
أولًا: الخطأ في نطق الكلمات، فتجدهم لا يضبطون تشكيل الكلمة ضبطًا صحيحًا؛ وذلك لأنهم أخذوا الكتاب فقرءوا منه، فظنوا أن ما نطقوه هو الصحيح؛ لأن الكتب في =
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الغالب غير مُشَكَّلَة، لذا قرأ: (مُنى)، وهي (مِنى)، وقرأ: (أسيد بن حبيب) وهو (أُسيد بن حبيب)، وقرأ: (عَتاب بن أُسيد)، وهو (ابن أسيد)، وهكذا لأنه اعتمد على ما في هذه الكتب، ولم يكن لديه شيخ يأخذ منه طريقة نُطق هذه الكلمة.
الأمر الثاني: أن من لم يتعلم على شيخ أدخل المسائل بعضها في بعض، فقد مثلنا له فيما مضى بمن قرءُوا مسألة: من سبقه الحدث في الصلاة، فحينئذ يقول الفقهاء: يستخلف من وراءه، فيقدمون إمامًا يصلي بهم، بينما في مسألة من تذكَّر الحدث في أثناء الصلاة قالوا: تبطل صلاته وتبطل صلاة من خلفه، هكذا قال فقهاء الحنابلة، فيأتي إنسان، فيظن أن هذه المسألة هي تلك المسألة، فيَنسِب إلى هؤلاء الفقهاء ما لم يقولوه.
الأمر الثالث: من الأمور التي تنبني على تعلُّم الإنسان بنفسه بدون مراجعة شيخ عالم: أن فهم الكلمات والمصطلحات لا يُعْرَفُ إلا من خلال هؤلاء العلماء الذين يتعلم الإنسان عليهم، وقد مثَّلت لكم بأمثلة: مصطلح واحد يختلف من باب إلى باب، وهناك مصطلحات تختلف من عالم إلى عالم، وهناك مصطلحات تختلف من فن إلى فن، وهناك مصطلحات تختلف من منهج إلى منهج، مثال هذا: إذا قال إنسان أو فقيه: الكفالة جائزة، ما المراد بالكفالة؟ إن كان حنبليًا فهو يريد الالتزام بإحضار بَدَنِ مَنْ عليه حق، هذه كفالة، وإن لم يكن حنبليًا فهو يريد: الالتزام بدفع ما في ذمة الآخرين الذي يُسميه الحنابلة: الضمان. إذن من هنا اختلف المصطلح باختلاف المنهج، وقد يكون باختلاف الأبواب، فكلمة الضمان يراد بها مرة: ضم ذِمة إلى ذمة، ومرة يراد بها: دفع التعويض عن المتلفات، فكيف يعرف الإنسان التفريق بينهما؟ يعرف ذلك بكونه يتعلم على معلم يدله على مُراد أهل العلم بذلك اللفظ.
الأمر الرابع: معرفة الصحيح من الضعيف، عندما يأتي الإنسان ويقرأ الكتب يكون كحاطب ليل، لا يميز بين صحيحها وضعيفها، وعندما يراجع العلماء الفاهمين يدلونه =
стр. 70
قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] (١).
= على الصحيح من الضعيف، بل يوجدون لديه قدرة وملكة يتمكن بواسطتها من التمييز بين الصحيح والضعيف، ولذلك في عصرنا الحاضر وجدنا من لم يطلب العلم على العلماء يقومون بتسجيل أشرطة، ثم يكون في هذه الأشرطة من الطوام الشيء الكثير عند النطق بالكلمات لا ينطقونها بنطق صحيح، وعند الروايات لا يفرقون بين الرواية الصحيحة والرواية الضعيفة، ثم لا يتمكنون من ربط المسائل بعضها ببعض، أو ربط الحوادث بعضها ببعض؛ لأنهم ليس لديهم دراسة سابقة مبنية على تحصيل عند عالم متمكن.
إذا تقرر هذا فإنه لا بد أن يختار الإنسان العالم المتقن، أما من انتسب إلى العلم ولم يكن متقنًا له فحينئذ قد يوقعه في أشياء كثيرة، مخالفة للصواب والحق.
ومما يتعلق بهذا: أن تختار في كل فن من يتقنه حتى تكون بذلك قد حصلت الإتقان في ذلك الفن، وقد يوجد علماء يتقنون فنونًا عديدة، فمثل هؤلاء هم الذين يُحْرَصُ على اقتناصهم واقتناص التعلم منهم؛ وذلك لأن العلوم الشرعية يرتبط بعضها ببعض، فعندما تأتي بشخص عارف في الفقه، ومتقنٍ لكلام أهل العلم فيه، لكنه لا يعرف قواعد الأصول، أو لا يعرف مباحث المعتقد يكون درسك معه مقطوعًا؛ لأن مسائل الفقه مرتبطة بالأصول، وهناك مسائل فقهية عديدة فيها جوانب عقدية.
(١) ذكر المؤلف عددًا من الأدلة الدالة على مشروعية التدرج في طلب العلم، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، كثير من أهل العلم يفرق بين الفعلين: أنْزَل ونزَّل؛ لأن نزَّل يراد بها التنزيل المفرَّق، وأما أنزل فيحتمل أن تكون كذا وأن تكون كذا، وهذا إنما يكون عند المقارنة بين اللفظين.
стр. 71
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] (١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
فأمامك أمور لا بد من مراعاتها في كل فَنٍّ تَطْلُبه:
(١) حفظ مختصر فيه (٢).
(٢) ضبطه على شيخ متقن (٣).
(١) ثم جاء بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]، هنا لم يؤت في مقابلة أنزل وقيد بقوله: جملة واحدة ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ هذه هي الفائدة الأولى: أن يثبت العلم في قلب المتعلم ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
ذكر المؤلف عددًا من الوسائل في التعلُّم:
(٢) أولها: "حفظ مختصر في العلم"؛ فإنه يبقي ذلك العِلْم في القلب.
(٣) وثانيها: "ضبط العلم"؛ أي: ضبط مصطلحاته وضبط ألفاظه ومعانيها، وضبط أساليبه وضبط أبوابه، والمراد بالضبط الحفظ التام، والضبط يكون للعلم، ويكون لكتبه، فيضبط ما ألف فيه من مؤلفات، ويضبط أيضًا مواطن بحث المسائل التي تبحث، أين يبحث أهل العلم هذه المسألة؟ لأن كثيرًا من المسائل تبحث في غير مظانها، يبحث الإنسان عنها في باب وهي في باب آخر، مثال هذا حديث: (أن النبي ﷺ نهي أن توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) [¬١]، رواه مسلم. وجعله في آخر باب صلاة الجمعة؛ فهذا ليس مظنة له، إذن لا بد أن نعرف مواطن بحث المسائل، ومن أمثلة ذلك: خبر صلاة ابن عمر خلف الحجاج، أخرجه البخاري في باب التهجير بالرواح =
стр. 72
(٣) عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله (١).
(٤) لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب، فهذا من باب الضجر (٢).
(٥) اقتناص الفوائد والضوابط العلمية (٣).
(٦) جمع النفس للطلب والترقي فيه، والاهتمام والتحرق للتحصيل (٤)
= يوم عرفة [¬١]؛ من كتاب الحج، ولذا قال بعضهم: لم يروه البخاري؛ عندك مثلًا: مسائل متعلقة بالمسابقة أين تُبْحَث؟ فإن بعض أهل العلم يبحثها في كتاب القضاء، في باب الشهادات، وبعض أهل العلم يبحثها في كتاب الجهاد، وبعض أهل العلم يبحثها في كتاب المعاملات في باب الإجارة، إلى غير ذلك من طرائق أهل العلم، فعندما يتعلم الإنسان العلم على شيخ، وفي فن معين، وعلى مذهب معين يعرف أين تبحث هذه المسائل.
(١) ثالثها: كذلك لا ينتقل الإنسان إلى الكتاب المطول حتى يتقن المتون الأولى في ذلك العلم.
(٢) رابعها: لا يترك مختصرًا وهو لم يكمله إلى مختصر آخر.
(٣) خامسها: ينبغي أن نقتنص الفوائد كلما وجدنا فائدة علمية، وضابطًا حرصنا على تقييده، ليرسخ الفهم، ويكون ذلك سببًا من أسباب انتفاع الإنسان بهذا العلم.
(٤) وسادسها: الحرص على جعل النفس تلتفت إلى التعلم ولا تلتفت إلى غيره، بحيث يُجمع العبد نفسه في الطلب وفي الترقي من درجة إلى درجة، ويكون في نفسه حرقة ورغبة شديدة في التعلم.
стр. 73
والبلوغ إلى ما فوقه حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثقة (١).
وكان من رأي ابن العربي المالكي أن لا يخلط الطالب في التعليم بين عِلْمَيْن، وأن يقدم تعليم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل منه إلى القرآن.
لكن تعقبه ابن خلدون بأن العوائد لا تساعد على هذا، وأن المقدَّم هو دراسة القرآن الكريم وحفظه، لأن الولد ما دام في الحجر؛ ينقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ، صعب جبره (٢).
(١) قوله: "والبلوغ إلى ما فوقه حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثقة"، يقال: فاض الماء بحيث امتلأ المكان الأول فانتقل بعضه إلى مكان آخر، فاض الماء فهو يفيض، فينتقل من المختصرات إلى المطولات، وقوله: "بسابلة" السابلة السحاب القَوِي الذي فيه مطر كثير، "موثقة" ما يكون متوثقًا من علمه.
(٢) ذكر المؤلف خلافًا بين ابن العربي المالكي وبين ابن خلدون فيما يتدرج فيه من التعلم، فابن العربي يرى تقديم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل إلى القرآن، وابن خلدون يرى أن المقدَّم هو القرآن وحفظه، وعلى كل فإن معرفة العربية لغة كان الناس يحرصون عليها؛ وذلك لأن الصبي في أول تكلمه إذا عُلِّمَ العربية نطقًا وأسلوبًا تكون العربية سليقة له، فهذا يكون أول ما يتعلمه الإنسان، وأما تعلم العربية كقواعد، وتعلم أنواع علوم العربية فيكون بعد إتقان القرآن؛ لأن تعلم القرآن وحفظه يعين على معرفة العربية، ومعرفة العربية تعين على فهم القرآن، فهو يبتدئ أولًا بحفظ القرآن، ثم يتعلم العربية فينطلق من العربية إلى فهم القرآن.
стр. 74
أما الخلط في التعليم بين عِلْمَيْن فأكثر؛ فهذا يختلف باختلاف المتعلمين في الفهم والنشاط.
وكان من أهل العلم من يدرس الفقه الحنبلي في "زاد المستقنع" للمبتدئين، "والمقنع" لمن بعدهم للخلاف المذهبي، ثم "المغني" للخلاف العالي، ولا يسمح بالطبقة الأولى أن تجلس في درس الثانية .. وهكذا؛ دفعًا للتشويش.
واعلم أن ذكر المختصرات والمطولات التي يؤسس عليها الطلب والتلقي لدى المشايخ تختلف غالبًا من قطر إلى قطر باختلاف المذاهب، وما نشأ عليه علماء ذلك القطر من إتقان هذا المختصر والتمرس فيه دون غيره (١).
(١) ذكر المؤلف التدرج في التعلم، وذكر أنه كان من شأن أهل العلم أن لا يخلطوا بين المتعلمين، فيكون لطائفة التعلم في أول الفنون والمتون بالعلم، ثم بعد ذلك من أتقنه انتقل إلى المرحلة الأخرى، وأما إذا خُلط الطلاب بعضهم مع بعض فإنه يؤدي إلى التخبط؛ وذلك أن المبتدئ يسأل سؤالًا يناسب حاله، فيضجر منه من هو أعلى درجة منه، ويمل من طلب العلم في ذلك المجلس، وإذا سأل المتمكن والمتوصل سؤالًا قد لا يفهمه المبتدئ، فيكون ذلك سببًا لخلط العلوم في ذهنه، وإدخال بعضها في بعض، ولذلك كان من الشأن المحمود تقسيم طلبة العلم بحسب درجاتهم، أما بالنسبة لاختيار المتون فيختلف - كما تقدم - من بلد إلى بلد، ومن أهل مذهب إلى أهل مذهب، وحينئذ يختار الشيخ لطلابه ما يناسبهم من المتون ويتوافق مع أحوالهم.
стр. 75
والحال هنا تختلف من طالب إلى آخر باختلاف القرائح والفهوم، وقوة الاستعداد وضعفه، وبرودة الذهن وتوقده (١).
وقد كان الطالب في قطرنا بعد مرحلة الكتاتيب والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمر بمراحل ثلاث لدى المشايخ في دروس المساجد: للمبتدئين، ثم المتوسطين، ثم المتمكنين.
ففي التوحيد: "ثلاثة الأصول وأدلتها"، و "القواعد الأربع"، ثم "كشف الشبهات"، ثم "كتاب التوحيد"، أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، هذا في توحيد العبادة (٢).
(١) قوله: "والحال هنا تختلف من طالب إلى آخر .. "، أي: الطلاب يختلفون من حيث جودة الفهم، ومن حيث ما لديهم من صفات تؤهلهم لحفظ العلم، وما لديهم من رغبة في التعلم؛ وما لديهم من قوة الذهن وضعفه، ولذلك فيُنتقى لكل مجموعة ما يناسبهم من الكتب، ذكر المؤلف حال علماء هذه البلاد، وكيف كانوا يتدرجون في اختيار المتون، وابتدأ بعلم المعتقد والتوحيد؛ لأن التوحيد يُقدَّم على غيره من الفنون، وذلك لأنه أصل الأصول، ولأن النبي ﷺ يعلم من جاءه أول ما يعلمه إفراد الله بالعبادة؛ ولأن هذا هو الذي يجعل الإنسان من أهل دين الإسلام، ولأن النبي ﷺ إذا أرسل المعلمين يأمرهم بأن يبتدئوا بهذا الأصل، قال: (يا معاذ، إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله)، وفي رواية: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله) [¬١].
(٢) ذكر المؤلف الكتب المؤلفة في أنواع الفنون، وهي كتب نافعة قيمة، وكثير منها محلّ عناية أهل العلم في كثير من الأقطار.