* عزوت تخريج الأحاديث الثلاثين التي رواها الإمام الرَّافِعِيُّ للمصادر التي ذكرها المصنف ولم أزد عليه إلَّا لحاجةٍ أوضحها، وكذا الأقوال التي ذكرها المصنف عن بعض الأئمة قدر الإمكان.
* خرَّجت الأحاديث الواردة خلال الكتاب من الكتب الستة، "صحيح ابن خزيمة"، "صحيح ابن حبان"، "المستدرك" مع الاستشهاد لها إن أمكن بالصحة والاستحسان أو الضعف من كلام الأئمة المعتبرين.
* راجعت تراجم الرجال وضبطتها، فعزوت تراجم الصحابة لـ "معرفة الصحابة" لأبي نعيم، "الإصابة" لابن حجر، وباقي التراجم إلى "تهذيب الكمال"، "سير أعلام النبلاء" إذا أمكن وإلَّا فقد عزوت لبعض الكتب الأخرى كـ "التدوين في أخبار قزوين" للمصنف، وغير ذلك.
* راجعت المعاني اللغوية التي شرحها الإمام الرافعي من كتب اللغة وخاصة "الصحاح" للإمام الجوهري؛ إذ هو المصدر المعتمد عند الإمام الرافعي في ذلك.
* نسَّقت فقرات الكتاب، ووضعت علامات الترقيم المناسبة، فأبرزت نَصَّ الحديث ليسهل الوقوف عليه.
* دفعت الكتاب إلى أخي الحبيب: الأستاذ رأفت حمدي فراجع الأبيات الشعرية التي وردت في الكتاب وقام بضبطها، ثم دفعتها أيضًا إلى أخي الحبيب الدكتور هاشم محمود درويش فراجع ضبطها وقام بصنع فهرس الأشعار بارك الله فيه.
* وضعت فهارس علمية للكتاب اشتملت على الآتي:
стр. 37
- فهرس الآيات.
- فهرس الأحاديث.
- فهرس الآثار.
- فهرس الرواة المترجم لهم.
- فهرس الأشعار.
- فهرس الأعلام.
- فهرس الموضوعات.
وقد بذلت قصارى جهدي في إخراج هذا الكتاب، فما كان من خطأ فمنّي ومن الشيطان، وما كان من توفيقٍ فمن الله وحده، وأسأل الله أن يجعل العمل في ميزان حسناتنا، آمين.
وأتقدم بالشكر إلى زوجتي الحبيبة أم حبيبة على مساعدتها لي في بعض أعمال هذا الكتاب، فجزاها الله خيرًا، وبارك الله فيها وفي أولادها.
وأخيرًا لا أدعي كمالًا ولا أنّي أتيت بكلِّ ما هو مطلوب لكن حسبي أنّي بذلت قصار جهدي على حسب الطاقة، ومن الله نستمد العون والسداد؛ فإن أحسنت ووفقت فذاك من الله؛ وإن أسأت فمن نفسي ومن الشيطان، وما التوفيق إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
وكتبه
أبو أحمد
وائل محمد بكر زهران
شنشور / أشمون / المنوفية / مصر الحبيبة
стр. 38
نماذج من النسخ الخطية
ظهرية النسخة س
стр. 39
نماذج من النسخ الخطية
الورقة الأولى من النسخة س
стр. 40
نماذج من النسخ الخطية
خاتمة الأمالي من النسخة س
стр. 41
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
المجلس الأول من أمالي الشيخ الإمام السعيد العلامة المجتهد، إمام الملة والدين، حجة الإسلام والمسلمين أبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي تغمده الله بغفرانه: أملاه يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من رجب سنة إحدى عشرة وستمائة
قال: قَرَأْتُ على والدي أَسْكَنَهُ الله الْفَرَادِيسَ وَأَنَالَ رُوحَهُ التَّقْدِيسَ: أَنَبَا عبد الله بن محمد، ثَنَا أحمد بن عَلِيٍّ الْأَدِيبُ، أَنَبَا محمد الزِّيَادِيُّ، أنبا مُحَمَّدُ بن الْحُسَيْنِ، ثَنَا أحمد بن يوسف، ثنا عبد الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامٍ قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هُرَيْرَةَ عن مُحَمَّدٍ رسول الله ﷺ قَالَ: "لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ" (١).
الكلام في شرح الحديث إِسْنَادًا وَمَتْنًا يَقَعُ في فُصُولٍ
الفصل الأول
هذا حديث متفقٌ على صِحَّتِهِ:
رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن المديني عن ابن عيينة (٢)، وعن أبي اليَمان
стр. 42
عن شعيب بن أبي حمزة، بروايتهما عن أبي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عن أبي هريرة (١).
ومسلم عن عمرو الناقد وزهير وابن أبي عمر عن ابن عيينة، وأيضًا عن محمد بن رافع، (عن عبد الرزاق) (٢) عن معمر بروايته بطريقين:
أحدهما: عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة وليس فيه: "إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ".
والثاني: عن همام عن أبي هريرة، وهو الذي سقناه (٣).
ورواه الحافظُ أبو بكرٍ الْبَيْهَقِيُّ عن ابن (بشران) (٤) عن أبي عليٍّ الصفار، عن الرمادي) (٥) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين (٦).
فكأنَّ والدي سمعه من الْبَيْهَقِيِّ، وقد أجازني من أجاز له الأديب كطاهر بن محمد المقدسي، فإن رويت بالإجازة فكأنِّي سمعته من الْبَيْهَقِيِّ.
وأبو هريرة ﵁ دوسيٌّ أبًا وأمًّا، ودوس من الأزد، وفي اسمه واسم أبيه
стр. 43
اختلاف كبير:
فقيل: هو عبد الرحمن، ثم قيل: ابن صخر، وقيل: ابن غنم.
فقيل: هو عبد الله، ثم قيل: ابن عائذ، وقيل: ابن عمرو.
وقيل: هو سكين، ثم قيل: ابن عامر، وقيل: ابن ملٍّ، وقيل: ابن هانئ.
وقيل: هو برير، ثم قيل: ابن عشرقة، وقيل: ابن عشيرقة.
وقيل: هو سكن بن صخر، وقيل: سعد بن الحارث، وقيل: عمير بن عامر، وقيل: هو عبد شمس، وقيل: عبد نهم، وقيل: عبد غنم، وقيل: عمرو، وقيل: المحرر؛ والأصح عند جماعة من الحفاظ من اسمه واسم أبيه ما ذكرناه أولًا.
وأما كنيته فيقال: إنه كان يكنى أبا الأسود، فكنَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بأبي هريرة، ويقال: إنَّه في صباه جمع في كُمِّه أولاد هِرَّةٍ وحشيَّة فقال له أبوه لما اطلع عليها: أنت أبو هريرة فلزمته الكنية.
واختلف أيضًا في وفاته مكانًا فقيل: توفي بالمدينة، وقيل: بالْعَقِيقِ؛ وزمانًا فقيل: سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع.
وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ وأحرصهم على حديثه، وأكثرهم رواية عنه، دعا له رسول الله ﷺ بالحفظ وبأن يحبب إلى عباده المؤمنين، ولازم بعد إسلامه صُفَّةَ المسجد، وكان عريف أهلها، ويذكر أنه أسلم سنة سبع (١).
وهَمَّامُ بن مُنَبِّهٍ بن كامل بن سيج الصنعاني.
سمع: أبا هريرة، ومعاوية. روي عنه: معمر، وأخوه وهب بن منبه.
مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل: سنة إحدى وثلاثين. وله صحيفة
стр. 44
تعرف به مخرجة في "الصحاح" وكان والدي ﵀ يحفظنيها في صغري (١).
وَمَعْمَرٌ: أبو عروة بن راشد بن (أبي) (٢) عمرو الأزدي الصنعاني مولى عبد السلام بن عبد القدوس أخي صالح، وقيل: مولى المهلب بن أبي صفرة.
سمع: الزهري بالمدينة، وعمرو بن دينار وقتادة بالبصرة، ويحيى بن أبي كثير باليمامة، وأبا إسحاق السَّبِيعِيَّ والأعمش بالكوفة، ويقال: لم يجتمع هؤلاء السِّتة لأحدٍ غيره.
روى عنه: ابن جريج، وابن عيينة، وابن المبارك.
مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع (٣).
وعبد الرزاق: أبو بكر بن همام بن نافع الحميري الصنعاني.
سمع: مالكًا، وابن جريج، وسفيان الثوري، والأوزاعي.
روى عنه: ابن عيينة فيما قيل حديثًا واحدًا، وأحمد، وإسحاق.
وكثرت الرحلة إليه من الأقطار، وكُفَّ في آخر عمره، توفي سنة إحدى عشرة ومائتين (٤).
وأحمد بن يوسف: هو أبو الحسن بن يوسف بن خالد بن سالم النيسابوري ويُشتهر بالسُّلمِيِّ؛ لكنه فيما يقال: سُلميُّ الأمِّ أَزديُّ الأب.
سمع: يحيى بن يحيى، وعَبْدان، وأبا النَّضْرِ، وأبا عامر العَقَدِيَّ، وعبد الرزاق.
روى عنه: يحيى بن يحيي، والبخاري، ومسلم، وابن خُزيمة.
стр. 45
توفي سنة أربع وستين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث (١).
ومحمد (٢) بن الحسين: هو أبو بكر بن الحسين بن الحسن بن الخليل القطان.
سمع: محمد بن يحيي الذُّهْلِيَّ، وأبا الْأَزْهَرِ، وأحمد بن يوسف.
روى عنه: أبو بكر بن إسحاق، وأبو عليٍّ الحافظُ.
قال الحاكم أبو عبد الله: كان القطان أسند أهل عصره، أحضروني مجلسه غير مَرَّةٍ، ولم يصح لي منه سماع. توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
والزِّياديُّ: أبو طاهر محمد بن محمد بن مَحْمِشٍ بن علي بن داود بن أيوب بن محمد الفقيه الشُّرُوطِيُّ.
سمع: أبا حامد بن بلال، وأبا العباس الأصم، وأبا عبد الله الصفار، وأبا بكر القطان.
وكان أبوه من العُبَّادِ الْمُتَبَرَّكِ بِدُعَائِهِمْ، وهو من فقهاء أصحاب الشافعيِّ ﵁ المشهورين المخصوصين بِعُلُوٍّ الإسناد في الفقه والحديث.
تَفَقَّهَ على الأستاذ أبي الوليد. توفي سنة عشر وأربعمائة (٣).
والأديب: أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن خلف، شيرازي الأصل، نيسابوري المنشأ.
مُتْقِنٌ، صحيحُ السماع، جمع وروى وأملى الكثير.
سمع: الحاكم أبا عبد الله، وأبا القاسم بن حبيب، وحمزة بن عبد العزيز،
стр. 46
والزِّياديَّ. توفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة (١).
وعبد الله بن محمد: هو أبو البركات عبد الله بن محمد بن (الفضل) (٢) بن أحمد الصَّاعِدِيُّ الْفُرَاوِيُّ.
وهو وأبوه وجده معروفون بالعلم والديانة، من أئمة نيسابور، واستشهد سنة خمسين وخمسمائة (٣).
ووالدي ﵀:
الإمام أبو الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين الرَّافِعِيُّ.
مِمَّنْ خُصَّ بِعِفَّةِ الذَّيْلِ، وحسن السيرة، والجدّ في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان (٤)، وقوة الجنان، والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلوم حفظًا وضبطًا، ثم إتقانًا وبيانًا وفهمًا ودرايةً، ثم أداءً وروايةً.
سمع الحديث وتفقه بِقَزْوِينَ في صباه، ثم سافر إلى الرَّيِّ فسمع وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد فسمع وتفقه وحجّ منها، ثم انتقل إلى نيسابور فحصَّل على الإمام محمد بن يحيى، وسمع الحديث الكثير، وكان مشايخه يُوَقِّرُونَهُ لحسن سيره وشمائله، وَوُفُورِ فضله وفضائله، ولما عاد إلى قَزْوِينَ أقبلت عليه المتفقهة، فدرس وأفاد وناظر وذاكر وذكر وفَسَّرَ وروى وأملى، وصَنَّفَ في التفسير والحديث والفقه، وانتفع به الخواص والعوام، ثم استأثر الله تعالى به في شهر رمضان سنة
стр. 47
ثمانين وخمسمائة.
ولعل الله يوفق لما في عزمي من جمع مختصر في مناقبه أسميه بـ "القول الفصل في فضل أبي الفضل" (١).
الفصل الثاني
في الاِسْمِ لُغَاتٌ: سِمٌ وسُمٌ واسْمٌ، وهو مشتقٌّ في أحد القولين من الوَسْمِ والسِّمَةِ وهي العلامة؛ لأنه علامة على المعنى، واعترض عليه بأنه لو كان كذلك لقيل في تصغيره "وُسَيْمٌ" كما قيل في تصغير عِدَةٍ: وُعَيْدَةٌ، وتصغير الاسم: سُمَيٌّ لا وُسَيْمٌ، واعتذر عنه بأنَّ الواو فيه نقلت من الأول إلى الآخر كما قيل: إنَّ أصل حادي عشر: واحد عشر، فكذلك: سُمَيٌّ.
وفي القول الثاني وهو الأصح عند الأكثرين: مشتقٌّ من السُّمُوِّ وهو الارتفاعُ والعلوُّ؛ لأنه يعلو ويصير عَلَمًا على المعنى تحته، وعلى هذا قالوا: الذاهب من الاسم الواو، والألف زائدة، ووزنه "افع".
واختلف في أصله: فقيل: فِعْل، وقيل: فُعْل، وجمعه وهو أسماء يجيء في جمع الوزنين، يقال: جِذْعٌ وأجْذَاعٌ، وقُفْلٌ وأَقْفَالٌ، وجمع الأسماء أَسَامِي.
وذكر أنَّ أصل اسم: أُسْم على الأمر من سَمَا يَسْمُو، فبنوا من هذا الفعل اسمًا، كما قالوا للبعير: مَحْمِلٌ؛ لأنه يحمل.
ويقال: سَمَّيْتُ فلانًا كذا، وسَمَّيته بكذا، وهو سَمِيِّ إذا توافق اسماهما.
والنِّسْبَةُ إلى الاسم: سَمَوِيٌّ، وقد يترك بحاله فيقال: اسْمِيٌّ.
وفي قوله: "أَحْصَاهَا" وجوه:
стр. 48
قِيلَ: حَفِظَهَا، وكذلك ورد في بعض روايات "الصحيح" (١) ومنه: "أَكُلَّ الْقُرْآنَ أَحْصَيْتَ" (٢) أي: حَفِظْتَ، ويقرب منه قول من يقول: "أَحْصَاهَا" أي: عَدَّها ليحفظها.
وَقِيلَ: أَطَاقَهَا، ومنه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (٣) أي: أطاق العمل بها والطاعة بمقتضاها.
وَقِيلَ: عَقلَهَا وَأَحَاطَ عِلْمًا بِمَعَانِيهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: "فُلَانٌ ذُو حَصَاةٍ" أي: عَاقِلٌ.
وَقِيلَ: أراد حفظ القرآن فأحصاها بحفظه للقرآن.
و"الْوِتْرُ": الْفَرْدُ، وقد تفتح الواو منه.
الفصل الثالث
من الأصحاب من يقول: الاسم: المسمى، وقد يرد بمعنى التسمية مجازًا.
وقال الأستاذ أبو منصور الأيوبيُّ الأشعريُّ (٤): إنه مشترك موضوع لهما، وَمَثَلُ وروده بمعنى المُسَمَّى فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٥) فالمُسَبَّح: الرَّبُّ لا غيره، ووروده بمعنى التَّسْمِيَة فقوله ﷺ : "لله تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا".
وقالوا: العدد راجع إلى التَّسميات والله تعالى واحد.
стр. 49
وقيل: "الاسم" اللَّفْظُ الدَّالّ على المُسَمَّي.
والأسماء التسعة والتسعون مجملة في هذه الرواية، وقد وردت مفصلة بطرق أشهرها وأكثرها دورانًا على الألسنة:
ما رواه الإمام أبو عيسى في "جامعه" (١) فقال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بن صالح، ثَنَا الوليد بن مُسْلِمٍ، ثَنَا شُعَيْبُ بن أبي حَمْزَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غير واحد من أَحْصَاهَا دَخَلَ الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ الْوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْخَافِضُ الرَّافِعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
стр. 50
الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ الْغَفُورُ الشَّكُورُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ الْحَفِيظُ الْمُقِيتُ الْحَسِيبُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّقِيبُ الْمُجِيبُ الْوَاسِعُ الْحَكِيمُ الْوَدُودُ الْمَجِيدُ الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ الْحَقُّ الْوَكِيلُ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ المُحْصِي الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْمَاجِدُ الْوَاجِدُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ الْأَوَّلُ الْآخِرُ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْوَالِيَ المُتَعَالِي الْبَرُّ التَّوَّابُ الْمُنْتَقِمُ الْعَفُوُّ الرَّءُوفُ مَالِكُ الْمُلْكِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ الْغَنِيُّ الْمُغْنِي الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الْهَادِي الْبَدِيعُ الْبَاقِي الْوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ".
أَخْبَرَنَا غير واحد عن أبي الْفَتْحِ الْكَرُّوخِيِّ (١)، عن أبي عَامِرٍ (٢)، عن أبي مُحَمَّدٍ (٣)، عن أبي الْعَبَّاسِ (٤)، عن أبي عِيسَى وقال: لا نعرفه إلَّا من حديث صفوان وهو ثقةٌ.
وقد بُنِيَتْ على هذه الأسامي بهذا الترتيب كتب كـ "التحبير" للأستاذ أبي القاسم القشيري، و "المقصد الأسني" للإمام أبي حامد الغزالي وغيرهما.
والثاني أورده الحافظ محمد بن يزيد القزويني في "سننه" (٥) فقال: ثَنَا هشام بن عَمَّارٍ، ثَنَا عبد المَلِكِ بن مُحَمَّدٍ، ثَنَا زُهَيْرُ بن مُحَمَّدٍ، ثنا مُوسَى بن عُقْبَةَ، ثَنَا الْأَعْرَجُ، عن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا من حَفِظَهَا دَخَلَ الجنة الله الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْأَوَّلُ الآخر الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ
والصمد تكرر (١) في الرواية والرحيم كذلك؛ فهو في أحد الموضعين تابع، ويمكن أن يكون المنير تفسيرًا للنور غير معدودٍ لنفسه، وأن يكون المتين صفة للقوة لا اسمًا آخر.
والثالث: روى عبد العزيز بن الْحُصَيْنِ بن التَّرْجُمَانِ، عن أَيُّوبَ وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَةَ عن رسول الله ﷺ الأسماء التسعة والتسعين مُفَصَّلَةً على ترتيبٍ آخر، وفيها تبديل بعض الأسماء ببعض، ومما ذكر فيها: ذو المعارج، وذو الفضل، والخلاق، والكفيل، والمولى، والنصير، والقديم، والفاطر، والوفي، وغيرها (٢).
وفي هذه الطّرقِ اختلافٌ في أعيان الأسماء وفي التقديم والتأخير، ولاختلافها ذهب ذاهبون إلى أنه ليس المقصود تسعة وتسعين اسمًا بأعيانها؛ بل الغرض أن يستخرج المتأمل بنظره تسعة وتسعين اسمًا من الكتاب والسنة، وقد يميل كلام الحاكم الْحَلِيمِيِّ والحافظ الْبَيْهَقِيِّ إلى هذا، ويتوجه عليه أن يقال: قوله: "أَحْصَاهَا" أي: استوفي هذا العدد ملتقطًا من الكتاب والسنة.
وقد يسبقُ إلى الفهم من لفظ الخبر انحصار أسماء الله تعالى في تسعة وتسعين، لأنَّ تخصيص هذا العدد بالذكر إنَّما يحسن إذا انحصرت الأسماء فيه، ألا ترى أنَّ من يملك ألفًا لا يحسن أن يقال: له تسعة وتسعون مثلًا، لكن أسماءه لا تنحصر
стр. 53
فيه.
ويدلّ عليه دعاءُ رَسُول الله ﷺ : "أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسك أو أَنْزَلْتَهُ في كتابك أو عَلَّمْتَهُ أَحَدًا من خَلْقِكَ أو اسْتَأْثَرْتَ به في عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ … " (١).
فقال العلماءُ: قوله: "لله تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا" مع قوله: "مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة" قضية واحدة لا قضيتان، وهو كقول القائل: "لفلان مائة درهم أعدها للصدقة" ولا يقتضي أن لا يكون له دراهم غيرها.
وأما تخصيص التسعة والتسعين؛ فقد ذكر الإمام الغزالي فيه احتمالين:
أحدهما: أنَّ المعاني الشَّريفة الدَّالة على الكمال والعظمة بلغت هذا المبلغ اتفاقًا، كما أنَّ الصفات عند أهل الحقِّ سبع أو ثمان؛ لأنَّ دلالة الدليل عليها وافقت هذا العدد لا أنَّ المقصد العدد.
والثاني: ما أشار إليه في آخر الخبر وهو أنه وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فسمَّى نفسه بتسعةٍ وتسعين اسمًا شرَّفها ولم يكملها مائة رعاية للإيتار.
стр. 54
وذكر بعضهم أنَّ الأسماءَ التسعة والتسعين مفاتيح خزائن الرحمة المدخرة للمؤمنين في الآخرة من مائة رحمةٍ لله تعالى، قسم منها واحدة بين خلقه في الأرض بها يتعاطفون ويتراحمون فجعل العدد وفق العدد.
وقوله: "مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا" بعد قوله: "تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ" توكيدٌ للعدد المذكور لئلَّا يتوهم أنه على التقريب، وفيه فائدة رفع الاشتباه فقد يشتبه في الخط تسعة وتسعون بسبعة وسبعين.
الفصل الرابع
ك ثرت أسماؤه تعالى لعظمته وكبريائه وتوالي آلائه ونعمائه، واتصافه بالكمالات، وتنزهه عن الآفات، وكلٌّ في الدرجة التي ليست وراءها غاية، ولا لها في نفسها نهاية، فاستحقَّ لأصولها أسماءً ولكمالها أسماءً؛ وذلك كالعالم والعليم والعلام، وأيضًا فليكثر ذكرها والذاكرون لها فإن غفلوا عن بعضها أو في بعضها لم يحرموا عن بعضها أو عن الالتذاذ في بعضها، وإذا تأملتها وجدتها أساميًا لم تزده معرفة وإنما لذَّة ذكرناها.
ثم انقسمت أسماؤه باعتبارات:
إلى أسماء تدلُّ على فعله ليستروح إليه المؤمن طالبًا راغبًا أو راهبًا.
وإلى أساء تدلُّ على صفاته ليتخلَّقَ بها العالم ويتخذ من كلٍّ منها لنفسه صاحبًا.
وإلى أسماء تخصُّ دلالتها بذاته ليستغرق في ذكرها العارف، ويذهب في الله ذاهبًا. وباعتبار آخر إلى ما يختص به ليبوح به المذكور تارة كما قيل: [طويل]
فَبُحْ بِاسْمِ مَنْ تَهْوَى وَلَا تَكُ كَاتِمًا … فَلَا خَيْرَ فِي اللَّذَّاتِ مِنْ دُوْنِهَا سِتْرُ
стр. 55
وإلى ما يقع على غيره ليوري به الغيور أخرى (١) كما قيل:
وَسَمَّيْتُهَا مِنْ خَشْيَةِ النَّاسِ زَيْنَبَا
قَرَأْتُ على والدي ﵀: أَنَبَا هِبَةُ الرحمن بن عبد الْوَاحِدِ قال: أَنَبَا مُحَمَّدُ بن عبد الْعَزِيزِ، أنبا أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ قال: قال أبو عبد الله المَغْرِبيُّ: من ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ وله مُرَادٌ بَاقٍ فهو كَذَّابٌ في دَعْوَاهُ، إنما تَصِحُّ الْعُبُودِيَّةُ لمن أَفْنَي مُرَادَاتِهِ وَقَامَ بِمُرَادِ سيده لِيَكُونَ اسْمُهُ ما سُمِّيَ به إذا دُعِيَ بِاسْمٍ أَجَابَ عن الْعُبُودِيَّةِ، ولا يُجيِبُ إِلَّا من يَدْعُوهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [سريع]
يَا عَمْرُو ثَارِي عِنْدَ أسْمَائِي … يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي
لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا … فَإِنَّهُ أَصْدَقُ أَسْمَائِي (٢)
وفي قَرِيبٍ منه أُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [سريع]
سِمْنِيَ مَا شِئْتَ وَسِمْ جَبْهَتِي (٣) … بِاسْمِك ثُمَّ اسْمُ بَأَسْمَائِي
فَسَمِّنِي عَبْدَكَ أَفْخَرْ بِهِ … وَيَسْتَوِي عَرْشِي عَلَى الْمَاءِ (٤)
آخر المجلس الأول، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين.
* * * * *
стр. 56
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
المجلس الثاني من أماليه رحمة الله عليه
قَالَ: قَرَأْتُ على والدي ﵀ ثُمَّ قُرِئَ عليه لِتَارِيخٍ آخر وأنا أَسْمَعُ قال: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ محمد بن يَحْيَى، حَدَّثَنَا أحمد بن عَلِيٍّ، أَنَبَا عبد الرَّحْمَنِ بن حَمْدَانَ، أَنَبَا أحمد بن جَعْفَرٍ، ثَنَا عبد الله بن أَحْمَدَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عَفَّانُ (ح)
وَأَخْبَرَنَا والدي عَالِيًا، عن سَعْدِ الْخَيْرِ بن محمد، ثَنَا حَمْزَةُ بن مَكِّيٍّ قال: أَنَبَا عبد الْمَلِكِ بن محمد، أَنَبَا أبو بكر بن الْآجُرِّيِّ، ثَنَا أبو شُعَيْبٍ، ثنا عَفَّانُ، ثنا هَمَّامٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ ﵁ أن أبا بكر ﵁ حَدَّثَهُ قال: قُلْتُ للنبي ﷺ ونحن في الْغَارِ: يا رسول الله، لو أن أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تحت قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا".
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثٌ صحيحٌ باتفاق الإمامين المقدمين:
أخرجه البخاري عن محمد بن سِنان الْعَوَقِيِّ البصري وموسى بن إسماعيل، عن همام، عن ثابت. وعن عبد الله بن محمد، عن أبي حبيب حَبَّانَ بالباء وفتح الحاء- بن هلال البصري، عن همام (١).
стр. 57
ومسلم عن عبد بن حميد وغيره، عن حَبَّانَ، عن همام (١).
وهو عالي الإسناد من جهة أن الْآجُرِّيَّ يقع في درجة مسلم، وكذا في درجة البخاري في طريقه الأخير، وبين والدي ﵀ وبينه ثلاث رجال، وحضور عزيز من جهة رواية الصديق ﵁ ثم من جهة رواية الصحابي عن الصحابي، وليس في متفق "الصحيحين" من رواية أنسٍ عن أبي بكر الصديق ﵄ إلَّا هذا الحديث، وانفرد البخاري (٢) بحديث بهذه الترجمة، ومسلم بآخر (٣).
وخليفة رسول الله ﷺ أبو بكر (٤) ﵁ قرشيٌّ تيميٌّ أبًا وأمًّا.
وهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وأمه بنت عمِّ أبيه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن عمرو.
وَلُقِّبَ بِعَتِيقٍ لما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ" (٥).
ومنهم من جعل عَتِيقًا اسمه.
стр. 58
تَوَلَّى خلافة رسول الله ﷺ اليوم الثاني من وفاته لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة.
وتوفي ليلة الأربعاء، وقيل: يوم الثلاثاء، وقيل: يوم الاثنين لثمان بَقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وهو ابن ثلاث وستين، وكانت مُدَّةُ خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ويقال: وأربعة أشهر كأنَّه على التقريب.
وأما فضائله فليست مما تجعل علاوة مجلس، والحديث أصل في فضائله.
وأنس (١) ﵁ خزرجيٌّ أبًا وأمًّا: وهو أبو حمزة بن مالك بن النَّضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار النجاري الأنصاري، وأمُّهُ أمُّ سُليمٍ مُليكة بنت مِلحان بن خالد بن زيد بن حرام.
قدم رسول الله ﷺ المدينة وهو ابن عشر، وقيل: ابن تسع، وقيل: ابن ثمان، فأهدته أمُّهُ إليه فخدمه عشرًا، وقيل: تسعًا.
تُوفي بالبصرة وهو ابن مائة وسنتين سنة تسعين، وقيل: سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث، وكان آخر الصحابة موتًا بالبصرة، ودعا له رسول الله ﷺ بكثرة المال والولد واستجيب دعاؤه فيه.
وفي الصحابة آخر يقال له: أنس بن مالك وهو الكعبي القشيري، يروي عنه: أبو قلابة، وفي غير الصحابة من الرواة جماعة يشاركونهما في الاسم واسم الأب.
وثابت: هو أبو محمد بن أسلم البُنَاني البصري، ثابتٌ في الزهد والعبادة.
سمع: أنسًا، وابن عمر، وابن الزبير، وأبا رافع، ومن التابعين أبا عثمان النَّهْدِيَّ، ومعاوية بن قُرَّةَ، وغيرهما.
стр. 59
روى عنه: حُميد الطويل، وشعبة، وسليمان التيمي، وعبيد الله بن عمر.
مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل: سنة سبع وعشرين وهو ابن ست وثمانين، وكان يسمع من قبره قراءة القرآن (١).
وهَمَّامٌ: هو ابن يحيي بن دينار أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر الْعَوْذِيُّ البصري مولى عوذ بن سود بن الحجر بن عمران.
سمع: الحسن، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، ونافعًا، وثابتًا.
روى عنه: ابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون.
تُوفي سنة ثلاث وستين ومائة، وقيل: سنة أربع (٢).
وعَفَّانُ: هو ابن مسلم الصَّفَّارُ البصريُّ الأنصاريُّ مولى عزرة. سمع: صخر بن جُويرية، والحمادين، وشعبة، وهمام بن يحيي.
روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن المديني، وأبو كريب، والبخاري.
سكن بغداد ومات بها سنة عشرين ومائتين (٣).
ثم نذكر رجال الطريق العالي:
فأبو شُعيب: هو عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب عبد الله بن مسلم المؤدب المعروف بالحراني.
стр. 60
سمع: أباه، وجده أحمد، وعفان بن مسلم، وغيرهم.
روى عنه: أبو عبد الله المحاملي، وأبو بكر الشافعي.
سكن بغداد ومات بها سنة خمس وتسعين ومائتين، وقيل: سنة سِتٍّ (١).
وأبو بكر الْآجُرِّيُّ: هو محمد بن الحسين بن عبد الله.
من أهل الحديث المشهورين، صاحب تصانيف.
سمع: أبا مسلم الْكَجِّيَّ، وأحمد بن يحيى الْحُلْوَانِيُّ، وأبا شُعيب.
مات بمكة سنة ستين وثلاثمائة (٢).
وعبد الملك: هو ابن محمد بن عبد الله بن بِشْرانَ بن محمد بن بشر بن مهران أبو القاسم.
من أهل بغداد، وَاعِظٌ مُحَدِّثٌ.
سمع: أحمد بن سلمان، وحمزة بن محمد الدِّهقان، وَالْآجُرِّي.
مات سنة ثلاثين وأربعمائة (٣).
وحمزة بن مكي: يكنى بأبي طاهر. سمع: ابن بِشْرَانَ، وأقرانه (٤).
وَسَعْدُ الْخَيْرِ (٥): هو ابن محمد بن سهل أبو الحسن الأنصاري المَغْرِبِيُّ الأندلسي، سافر من الأندلس إلى بلاد الصين، ثم قدم بغداد وتفقه على الإمام أبي حامد الغزالي.
стр. 61
وسمع الحديث من طِرَادِ بن محمد الزَّيْنَبِيِّ، وابن الْبَطِرِ، وغيرهما، وحَصَّل الأدب على أبي زكريا التبريزي.
تُوفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وسمع والدي منه الكثير، وكان ﵀ غلب عليه في آخر عمره ما يغلب على (المشتاقين) (١) وكنت أتولى خدمته في مرض وفاته، ودعا لي بالسعادة غير مرَّةٍ فيه، وأرجو أن يستجيب الله دعاءه، وكان كثيرًا ما ينشد في تلك المرضة ﵀: [خفيف]
أَنَا إِنْ مِتُّ فَالْهَوَى حَشْوُ قَلْبِي … وَبِدَاءِ الْهَوَى تَمُوتُ الْكِرَامُ
ويروى هذا البيت في مثل تلك الحالة عن أبي الحسين التَّوزِيِّ أو غيره.
الفصل الثاني
"الْغَارُ" الْكَهْفُ في الْجَبَلِ، وإن شئت قلت: النَّقْبُ العظيم فيه، والجمع: الغِيْرَان، وتصغيره "غُوَيْرٌ" ويقال للغار: مُغَارٌ ومَغَارَةٌ أيضًا، ويقال: إنَّ أصلَ الكلمة: الاِطمئنانُ في الأرض والبعدُ فيها، والغَوْرُ: الأرضُ المطمئنةُ، وَقَعْرُ كُلِّ شَيْءٍ: غَوْرُهُ، ويقال للفم والفرج: الغَارَان، والغَارُ في غير هذا الجيش، وأيضًا ضربٌ من الشَّجَرِ، وأيضًا الغيرة.
وقوله: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ" اثنان من عدد المذكر، واثنتان للمؤنث والألف فيها ألف وصل، وقد يقطعهما الشاعر كما قال:
أَلَا لَا أَرَى إِثْنَيْنِ أَحْسَنَ شِيمَةً … عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ (٢)
стр. 62
وقوله: "اللهُ ثَالِثُهُمَا" اللهُ أَشْهَرُ أَسْمَاءِ الرَّبِّ تعالى، وَاخْتَلَفُوا فِيِه من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: في أَصْلِهِ. وفيه ثلاثة مذاهب:
أَظْهَرُهَا: إِنَّ أصله "إله" على وزن إمامٍ وكتابٍ، ثم أدخلوا عليه الألف واللَّامِ فقالوا: "الإله" ثم حذفت الهمزة طلبًا لِلْخِفَّةِ لكثرة وقوع الكلمة في الكلام واحتياج الهمزة في خلال الكلمة إلى ضغطة شديدة، ونقلت حركتها بعد حذفها إلى لام التعريف فبقي "اللاه" بلامين متحركتين ثم سكنت الأولى وأدغمت في الثانية ليسهل التفوه بالاسم فقيل "الله".
وَالثَّانِي: عن المبرد، وجوز سيبويه أنَّ أصله "لَاهٌ" كجارٍ ودارٍ، أو "لَوْهٌ" كجورٍ ودورٍ، فقلبت واوه ألفًا ثم ألحق به الألف واللام للتعريف فقيل "الله" فعلى هذا فاللام الأولى لام التعريف والثانية فاء الكلمة، ومن القائلين بهذا القول من قال: أصله "لاها" بالسُّرْيانية فطرحت العرب المدة من آخره.
وَالثَّالِثُ: عن بعضهم أنَّ أصل الكلمة "ها" الكناية، وذلك لأنَّ الخلق بالفطرة شاهدون بأنَّ لهم خالقًا ومُدَبِّرًا مفطورون على الالتجاء إليه عند الشدائد، فأشاروا إليه ب "هو" إذ لم يعلموا له اسمًا موضوعًا، ثم أدخلوا عليه لام الملك فصار "له" أي: له الخلق والأمر، ثم مدّوا الصوت بالكلمة تبجيلًا وتعظيمًا فصار "لاه" ثم أدخلوا عليه الألف واللام للتعريف.
ثُمَّ إِنَّهُمْ على الاختلاف في أصله قالوا: أشبعت حركة اللام وفُخِّمَتْ حتى طبق اللسان الحنك تَفخيمًا، وليفرق بينه وبين اللات عند الوقف على قول من يقف عليه بالهاء.
وَالثَّانِيَةُ: هَذَا الاِسْمُ مَوْضُوعٌ أَوْ مُشْتَقٌّ؟
стр. 63
فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا وهو أشهر الروايتين عن الخليل: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلمًا وَدَلِيلًا عَلَى القَدِيمِ الَّذِي تَمَّتْ قُدْرَتُهُ وَعَمَّتْ عَظَمَتُهُ لَا يُطْلَبُ لَهُ اشْتِقَاقٌ وَسَبَبٌ.
وهذا ما اختاره أكابر العلماء منهم: الحسين بن الفضل البجلي، ومحمد بن إسماعيل القَفَّالُ الشَّاشِيُّ، والحسين بن الحسن الْحَلِيمِيُّ، وأبو القاسم بن حبيب، وأحمد بن الحسين الْبَيْهَقِيُّ، ومن هؤلاء من يجعل الألف واللام من نفس الكلمة ولا يجعلهما للتعريف، ويحتجُّ عليه بأنَّهما يجتمعان مع حرف النداء حتى يقال يا الله، ومنهم من يقول: قد يدخلان في الأعلام عباس والعباس وحسين والحسين.
وَالثَّانِي: إِنَّه مُشْتَقٌّ والألف واللَّام داخلتان للتعريف واجتمعتا مع حرف النداء بخلاف ما في سائر الأسماء؛ لأنَّهم قصدوا تفخيم هذا الاسم فوقفوا على حرف النِّداء، ثم ابتدءوا بالاسم.
ثم أكثر هؤلاء فيما منه اشتقاق الكلمة؟
فقيل: هي من الإلاهة وهي العبادة، وفي قراءة ابن عباس ﵁ "ويذرك وإلاهتك".
"والتَّأَلُّةُ" التَّعَبُّدُ سُمِّيَ به لأنه المستحقُّ للعبادة، ويحكي هذا عن النضر بن شميل.
وَقِيلَ: هِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ: "أَلِهْتُ إلى فُلَانٍ" أي: فَزِعْتُ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ، سُمِّىَ بِهِ لَأنَّ الْخَلْقَ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ النَّوَازِلِ، ويروى هذا عن ابن عباس ومقاتل.
وَقِيلَ: من "أَلِهِ الشَّيْءَ يَأْلَهُ أَلَهًا" إذا تَحَيَّر، وأصله "وَلِهَ يَوْلَهُ" سُمِّيَ به لأنَّ
стр. 64
الْقُلُوبَ تَتَحَيَّرُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ فِي عَظَمَتِهِ وَتَعْجَزُ عَنْ بُلُوغِ كُنْهِ جَلَالِهِ.
وقِيلَ: من "الوَلَه" وَهُوَ الْحَيْرَةُ وَذَهَابُ الْعَقْلِ مِنْ شَدَّةِ الْوَجْدِ، يُقَالُ: "وَلَه ولَهَا ووَلَهَانًا"، "وَامْرَأَةٌ وَالِهٌ وَوَالِهَةٌ"، "وَنَاقَةٌ وَالِه": إِذَا اشْتَدَّ وُجْدُهَا على وَلَدِهَا، "وَالْمِيلَاهُ": الَّتِي اعْتَادَتْ شِدَّةَ الْوَجْدِ.
ومن قال بهذا قال: أصل "إلَهٍ" "وِلَاةٌ" فقلبت الواو همزة كوِشَاح وإِشَاح ووقتت وأقتت، سُمِّيَ به لَأَنَّ الخلق يَوْلَهُون عند ذكره لمحبتهم له.
"وإِلَهٌ" على هذه الأقوال فِعَالٌ بمعني مَفْعُول، كقولهم: "إِمَامٌ" للَّذِي يؤتمُّ به. ومنهم من قال: إنَّ الكلمة من "لَاهَ يَلُوهُ لَوْهًا"، ويقال أيضًا: "يَلِيهُ لَيْهًا". وَفُسِّرَ "لَاهَ" بِمَعْنَيَيْنِ:
أحدهما: ارْتَفَعَ، ومنه قيل للشمس: "إِلْهَةٌ" بلا ألف ولام، وَالْإِلَاهَةٌ بالألف واللام، سُمِّيَ بِهِ لِعَظَمَتِهِ وَعُلُوِّهِ.
والثاني: احْتَجَبَ وَتَسَتَّرَ، سُمِّيَ به لأنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ.
والاشتقاق من "لَاهَ" يتفرَّع على قول من قال: أصل الكلمة لَاهٌ أَو لَوْهٌ، كأنه يقول: لَاهٌ أَوْ لَوْهٌ معناه: ذُو لَوْهٍ كما يقال: رَجُلٌ مَالٌ أي: ذُو مَالٍ.
وقوله ﷺ : "ثَالِثُهُمَا" يقال: ثَلَثْتُ الْقَوْمَ أَثْلِثُهُمْ بالكسر إذا كُنْتَ ثَالِثَهُمْ أَوْ كَمَّلْتَهُمْ بِنَفْسِكَ ثَلَاثَةً، وكذلك تقول إلى العشرة، لكن تقول: أربَعُهم وأسبَعُهم وأتسَعُهم، ولا تكسر لحرف الحلق، وكذلك يقوله: كانوا تسعة وعشرين فَثَلَثْتُهُمْ أي: كملتهم ثلاثين، ويقال: هو ثاني اثنين، وثالث ثلاثة على الإضافة ولا يُنَوَّن، فإن اختلف اللَّفظان فلك أن تضيف فتقول: ثالث اثنين ورابع ثلاثة، وأن تنوِّن فتقول: ثالثٌ اثنين ورابعٌ ثلاثة.
стр. 65
وَيُقَالُ: ثَلَثْتُ الْقَوْمَ أثْلُثُهُمْ بالضَّمِّ أي: أَخَذْتُ ثُلُثَ مَالِهِمْ.
الفصل الثالث
الْغَارُ المذكور في الخبر هو الذي اسْتَخْفَى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرِ ﵁ فِي مَسِيرِهِمَا إِلَى المدينة مهاجرين، ويقال له: غار ثور، وثور من جبال مكة، وقد ينسبُ فيقال: ثور أطحل (١)، ويذكر أنَّ اسم الجبل أطحل، وثور هو ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة رهط سفيان الثوري نسب إلى ذلك الجبل لأنه نزله، ويقال: ثور أطحل غيره.
وكان ذلك الْغَارُ في منحدرٍ من الجبل أو كالنفق في الأرض والطريق فوقه، ألا ترى إلى قول أبي بكر ﵁: "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ" وفي بعض الروايات: "نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ على رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ".
وكان مُكْثُ النَّبِيِّ ﷺ وصاحبه فيه ثلاث ليالٍ، وكان يأتيهما ليلًا ابنٌ لأبي بكر ﵄، ويأتي بخبر ما يُكَادان به، ويأتيهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصِّدِّيقِ ﵁ كلَّ ليلةٍ بعد ساعة من العشاء بِرِسْلٍ، وارتحلا بعد ثلاث من الغار ومعهما عامر ودليلٌ استأجراه ليهديهما الطريق، وصرف الله المشركين بعد انتهائهم إلى الغار، وعصمهما بنسج العنكبوت على باب الغار، وبحمامتين باضتا في فمه.
وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بِالْحَدِيثِ عَلَى أُمُورٍ:
منها فَضْلُ الصِّدِّيقِ حيث قَرَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بنفسه حيث قال: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا" ومعناه أنَّهُ ثالثهما بالحفظ والعصمة، قالوا: وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ
стр. 66
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١).
ومنها عِظَمُ قَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ وارتفاع شأنه عن التَّأثُّرِ بنوائب الدنيا؛ حيث اهتمَّ أبو بكر بوصولهم إلى باب الغَارِ مُتبعين لأثرهما وخاف من اطلاعهم عليهم ولم يهتم ولم يخف رسول الله ﷺ وَثبَّتَ أبا بكر ﵁.
قَالَ المُفَسِّرُونَ: وكان كِبْرُ خَوْفِهِ لرسول الله ﷺ لَا لِنَفْسِهِ، ويُروى أنَّهُ قال لَمَّا خَافَ الطَّلَبَ: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ قُتِلْتُ فَأَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ أُصِبْتَ هَلَكَتِ الْأُمَّةُ".
ومنها كراهة المُكْثِ بين الذين لا يتدينون بالحقِّ ولا يمكن حملهم عليه، ومنها جواز التَّحَصُّنِ بالقلاع عند الخوف من العدو، ومنها أنَّ تمهيد الأسباب في الحاجات لا يقدح في التوكل والاعتماد على الله، ومنها أنه يجوز الأخذ بالحزم، وإظهار ظنِّ الشرِّ المتوقع من العدو، وليس ذلك من الظَّنِّ المنهي عنه؛ لأنَّ أبا بكر ﵁ قال: "لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ" ولم ينكر عليه النبي ﷺ .
وَلَكَ أَنْ تَزِيدَ وَتَحْتَجَّ بِهِ عَلَى أُمُورٍ:
مِنْهَا أنه يجوز المسافرة بالرَّفيقِ الواحدِ عند الحاجة بلا كراهة، وإن ورد: "خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ" (٢) فإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يستصحبَّ إلَّا أبا بكر.
وَمِنْهَا أنه يجوز لأحد الرفيقين أن يظهر لصاحبه خوفه مما يخاف منه؛ ليخفف عن نفسه ببثِّ الشكوى وليكون صاحبه واقفًا على الحال مستعدًّا لدفع ما عَساهُ
стр. 67
يَعْرِضُ
وَمِنْهَا أنه ينبغي للمشكو إليه أن يُسَكِّنَ جأش الشَّاكي، ويَعِده الجميلَ من الله تعالى ويحثّه على حسن الظَّنِّ به.
وَمِنْهَا أنه يجوز إطلاق اللَّفظ على المجاورة والقرب؛ فإنه قال: "لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ" وأراد: لأبصرنا من تحت قدميه أو قريبين مما تحت قدميه.
وَمِنْهَا استعمالُ الأدبِ في المخاطبة بالكنية، حيث قال: "يَا أَبَا بَكْرٍ".
وَمِنْهَا أنه يجوز التكنية بأبي فلان وإن لم يكن للمكنى ابن مُسمّي بذلك الاسم؛ إذ لم يكن لأبي بكر ابنٌ يُسمى بكرًا.
أَنَبَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَبَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَبَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَبَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْوَرَّاقُ، أَنَبَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَمْرُو بَنُ زِيَادٍ، حدثَنَا غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: "قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ".
قال: قلت: [بسيط]
وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمُنِيفِ وَقَدْ … طَافَ العَدُوُّ بِهِ إِذْ صَاعَدَ الْجَبَلَا
وَكَانَ حِبَّ رَسُولِ اللهِ قَدْ عَلِمُوا … مِنَ الْخَلَائِقِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ بَدَلَا
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله ﷺ (١).
стр. 68
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:
[طويل]
فَخُصَّ بذِكْرِ اللهِ خَيْرَ مَغَارِ … وَلَا تَتَغَافَلْ عَن هُجُومِ مُغَارِ
وَكُنْ حَذِرًا مِنْ غَيْرَةِ اللهِ وَاسْتَقِمْ … لَدْيهِ لَئِلَّا تُبْتَلَى بِصَغِارِ
آخر المجلس الثاني والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد خير خلقه
* * * * *
стр. 69
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المجلس الثالث من أماليه رحمة الله عليه: أملاه ﵀ يوم الجمعة بعد الصلاة السادس عشر من شعبان سنة إحدى عشر وستمائة
حَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً مِنْ نَفْسِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ الْعِمْرَانِيِّ قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ قَالَ: أَنَبَا مَحْمُودُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: أَنَبَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ قَالَ: أَنَبَا الْمَحْبُوبِيُّ قَالَ: أَنَبَا أَبُو عِيسَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي قَابُوسَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللهُ".
في الشرح فصول: الفصل الأول
قال الإمام أبو عيسى الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (١).
والأشهر رواية جملتي الحديث وهما ذكر الرحمة وذكر الرحم مفصولتين بإسنادين مختلفين، والجملة الثانية أشهر من الأولى، وتروي عن النبي ﷺ برواية جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة (٢)، وعبد الرحمن بن عوف برواية أَبِي الرَّدَّادِ
стр. 70
اللَّيْثِيِّ عنه (١)، وغيرهما.
وعبد الله بن عمرو: هو أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن (هاشم) (٢) السهمي القرشي، من مشاهير أصحاب النبي ﷺ وفقهائهم وعُبَّادِهِم، كان يسكن مكة ثم خرج إلى الشام، وانتقل إلى مصر.
روى عنه: مسروق، وأبو الخير مرثد، وأبو العباس الشاعر.
وكان بينه وبين أبيه في السن عشرون سنة في رواية بعضهم، وثلاث عشرة في رواية آخرين، واثنتا عشرة في رواية آخرين.
مات سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة خمس، وهو ابن اثنتين وسبعين (٣).
وأبو قابوس مولى لعبد الله هذا، لا يُشْتَهَرُ بأكثر من ذلك (٤).
وعمرو بن دينار: هو أبو محمد الأثرم المكي من علماء التابعين (٥).
سمع: ابن عباس، وابن عمر، وجابرًا.
روى عنه: ابن جريج، والثوري، وابن عيينة، وشعبة.
مات سنة ست وعشرين ومائة (٦).
стр. 71
وسفيان: هو ابن عيينة بن أبي عمران أبو محمد الهلالي.
سمع: الزهري، والأئمة.
روى عنه: أبو نعيم، وأبو الوليد، والحميدي.
مات سنة ثمان وتسعين ومائة ودفن بالحجون.
ويروى عنه أنه قال بجمع في آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة: أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله تعالى من كثرة ما أدعو به فلم يدع به فتوفي قبل الموسم الآخر (١).
وابن أبي عمر: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدني، سكن مكة.
سمع: أباه، وابن عيينة، والدَّرَاوَرْدِيَّ. وروى عنه: مسلم بن الحجاج، وغيره.
توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين (٢).
وأبو عيسى: هو الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ من كبار العلماء المشهورين الذين تُقْرن مجاميعهم بكتابي البخاري ومسلم.
وَقَد أَنَبَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَنَبَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعُتُ أَبَا إِسْمَاعِيلَ الْأنَصَارِيَّ يَقُولُ: كِتَابُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدِي أَفْيَدُ مِنْ كِتَابَي الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، يَعْنِي أَكَثَرَ فَائِدَةً؛ لِأَنَّ كِتَابَ البُخَارِيِّ وَكِتَابَ مُسْلِمٍ لَا يَصِلُ إِلَى الْفَائِدَةِ مِنْهُمَا إِلَّا مَنْ يَكُونُ خَبِيرًا بِالْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا
стр. 72
الْكِتَابِ شَرَحَ الْأَحَادِيثَ وَبَيَّنَهَا فَتَصِلُ الْفَائِدَةُ إِلَى الْفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ (١).
ويروي عن أبي عيسى أنه قال: صَنَّفْتُ هَذَا الْكِتَابَ وَعَرَضْتُهُ عَلَى عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَان فَرَضِيَ بِهِ كُلُّهُمْ (٢).
وتُوفِّي مَكْفُوفًا في آخر عمره سنة تسع وسبعين ومائتين (٣).
وَالْمَحْبُوبِيُّ: هو أبو العباس (٤) محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المروزي.
سمع: أحمد بن سَيَّارٍ، وأبا الْمُوَجِّهِ، وكان مُحَدِّثَ مرو في عصره ومزكيها. روى عنه: أبو العباس المَعْدَانِيُّ، وأبو عبد الله بن منده، والحاكم أبو عبد الله. ويقال: كان إذا دخل رجب تصدق بمائة ألف، وفي شعبان بمائتي ألف، وفي رمضان بثلاثمائة ألف (٥).
وأبو محمد الْجَرَّاحِيُّ: هو عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن أبي الجراح بن الجنيد بن هشام بن المرزبان المروزي.
قدم هراة وحدَّثَ بها بالجامع وهو من الثِّقَاتِ (٦).
стр. 73
ومحمود بن القاسم: أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن الأزدي من ولد المهلب بن أبي صفرة.
وكان سلفه من رؤساء أصحاب الشافعي ﵁ بهراة وهو في نفسه موصوف بالعفة والعلم.
توفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة (١).
وعبد الملك: هو أبو الفتح عبد الملك بن عبد الله (أبي) (٢) القاسم بن أبي سهل بن أبي منصور بن ماحٍ الهروي الْكَرُّوخِيّ الصُّوفي.
وَكَرُّوخُ: بُليدةٌ على فَرَاسِخَ من هراة (٣).
كان قَنُوعًا حَسَنَ السِّيرةِ، ينسخ بعض كتب الحديث ويبيعه ويتعيش بثمنه، أقام ببغداد مدة، ثم انتقل إلى مكة مجاورًا، ومات بها سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ودفن في المعلى (٤).
وَعَبْدُ اللهِ الْعِمْرَانِيُّ: هو أبو حامد عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران.
كان من فقهاءِ البلدِ المعتبرين، ومن تفقه عليه وتخرج به جماعة، ومن شركاء والدي رحمها الله في التفقه وسماع الحديث ببغداد ونيسابور، وبقيت بينهما المصافاة والمودة سنين بعدما رجعا إلى قزوين، ثم حدثت بالأخرة منافسة بينهما كما يكون مثلها بين أهل العلم، ويقال: إن التحاسد بين أهل العلم من أسباب بقاء العلم فيهم.
стр. 74
وكان يَتَوَرَّعُ عن الفتوى احتياطًا ويسمع الحديث بعدما طعن في السِّنِّ حتى من أقرانه، ويسمع الأحداث.
وكان حسنَ الْخُلُقِ، طيِّبَ النَّفسِ، مُحسنًا إلى الفقهاء والضعفاء، نَقيًّا عن المطامعِ الفاسدةِ، رقيقَ القلبِ، وربما بكي وصرخ في مجامع الناس لفكرٍ يعتريه.
توفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة (١).
الفصل الثاني
"الرَّحْمَةُ" الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمَرْحَمَةُ والرُّحْمُ كذلك، يقال: رَحِمَهُ رَحْمَةً ورُحْمًا، وقد يحرك الرُّحْم كَعُسْرٍ وعُسُر، ويقال: تَرَحَّم عليه، وَتَراحَمَ القوم: رَحِمَ بعضُهم بعضًا، والرَّحَمُوتُ من الرَّحْمَةِ، ورجل مَرْحُومٌ ومُرَحَّمٌ، وفلان رَاحِمٌ، والرحيم أبلغ منه، والرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ، ويقال: هما بمعنى واحد كندمان ونديم، والرحمن اسم مخصوص بالله تعالى، وكان يقال لمسيلمة الكذاب: رَحْمَنُ اليمامة بالإضافة، وجمع الرَّحِيْمِ: الرُّحَمَاء والرَّحِيْمُون.
قال أبو منصورٍ الْجَبَّانُ: ولا تعرض لجمع الرحمن؛ لأنه لا يوصف به إلا رب العالمين، ولو كان يجري مجرى العطشان لقيل في الجمع: رِحَامُ كعطاش، أو رَحامي كسكارى.
وقد يجيء الرَّحِيمُ بمعنى المَرْحُوم، قال الشاعر:
فَإِمَّا إِذَا عَضَّتْ بِكَ الحَرْبُ عَضَّةً … فَإِنَّكَ مَعْطُوْفٌ عَلَيْكَ رَحِيمُ (٢)
стр. 75
والرَّحِمُ: رَحِمُ الْأُنْثَى وهي مُؤَنَّثَةٌ، والرَّحِمُ أيضًا: الْقَرَابَةُ، وكذلك الرِّحْمُ، ورَحِمَتْ رَحَمًا: إِذَا اشْتَكَتْ رَحِمَهَا، ورَحُمَتْ رَحَامَةً أَيْضًا، وَالرَّحُومُ: النَّاقَةُ الَّتِي بِهَا هَذِهِ الشَّكَاةُ.
ويقال: بيني وبين فلان شجنة رحم، وشجنه رحم، أي: قرابة مشتبكة.
وَالشِّجْنَةُ: عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ، والشِّجْنَةُ بالكسر: اسْمُ رَجُلٍ، والشَّجْنُ: وَاحِدُ شُجُونِ الْأَوْدِيَةِ وَهِيَ طُرُقُهَا.
الفصل الثالث
ذكر أئمة التفسير تفريعًا على اختصاص اسم الرحمن بالله تعالى:
إنَّ الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، وأرادوا بعموم معنى الرحمن أنه رحمن باعتبار النعم العاجلة وهي تَعُمُّ المؤمن والكافر، وبعموم لفظ الرحيم وقوعه على غير الله تعالى، وبخصوص معناه أنه رحيم باعتبار النعم الآجلة وهي تختصُّ بالمؤمنين؛ وكذلك قيل في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
قالوا: والذي روي أنَّ شاعرهم قال لمسيلمة: [بسيط]
سَمَوْتَ فِي المَجْدِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمِينَ أَبَا … وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَي لَا زِلْتَ رحْمَانَا
لا يقدح فيما ذكرنا من اختصاص الاسم، لأنه كان يقال له رحمان اليمامة كما مرّ، والشاعر يفعل ما لا يفعله غيره فحذف المضاف إليه (١).