← Тафсир

Тафсир · id 30623

الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة

الرافعي

Полный текст (469 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وسفيان: هو ابن عيينة بن أبي عمران أبو محمد الهلالي. سمع: الزهري، والأئمة. روى عنه: أبو نعيم، وأبو الوليد، والحميدي. مات سنة ثمان وتسعين ومائة ودفن بالحجون. ويروى عنه أنه قال بجمع في آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة: أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله تعالى من كثرة ما أدعو به فلم يدع به فتوفي قبل الموسم الآخر (١). وابن أبي عمر: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدني، سكن مكة. سمع: أباه، وابن عيينة، والدَّرَاوَرْدِيَّ. وروى عنه: مسلم بن الحجاج، وغيره. توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين (٢). وأبو عيسى: هو الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ من كبار العلماء المشهورين الذين تُقْرن مجاميعهم بكتابي البخاري ومسلم. وَقَد أَنَبَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَنَبَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعُتُ أَبَا إِسْمَاعِيلَ الْأنَصَارِيَّ يَقُولُ: كِتَابُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدِي أَفْيَدُ مِنْ كِتَابَي الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، يَعْنِي أَكَثَرَ فَائِدَةً؛ لِأَنَّ كِتَابَ البُخَارِيِّ وَكِتَابَ مُسْلِمٍ لَا يَصِلُ إِلَى الْفَائِدَةِ مِنْهُمَا إِلَّا مَنْ يَكُونُ خَبِيرًا بِالْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا

стр. 72

الْكِتَابِ شَرَحَ الْأَحَادِيثَ وَبَيَّنَهَا فَتَصِلُ الْفَائِدَةُ إِلَى الْفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ (١). ويروي عن أبي عيسى أنه قال: صَنَّفْتُ هَذَا الْكِتَابَ وَعَرَضْتُهُ عَلَى عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَان فَرَضِيَ بِهِ كُلُّهُمْ (٢). وتُوفِّي مَكْفُوفًا في آخر عمره سنة تسع وسبعين ومائتين (٣). وَالْمَحْبُوبِيُّ: هو أبو العباس (٤) محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المروزي. سمع: أحمد بن سَيَّارٍ، وأبا الْمُوَجِّهِ، وكان مُحَدِّثَ مرو في عصره ومزكيها. روى عنه: أبو العباس المَعْدَانِيُّ، وأبو عبد الله بن منده، والحاكم أبو عبد الله. ويقال: كان إذا دخل رجب تصدق بمائة ألف، وفي شعبان بمائتي ألف، وفي رمضان بثلاثمائة ألف (٥). وأبو محمد الْجَرَّاحِيُّ: هو عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن أبي الجراح بن الجنيد بن هشام بن المرزبان المروزي. قدم هراة وحدَّثَ بها بالجامع وهو من الثِّقَاتِ (٦).

стр. 73

ومحمود بن القاسم: أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن الأزدي من ولد المهلب بن أبي صفرة. وكان سلفه من رؤساء أصحاب الشافعي ﵁ بهراة وهو في نفسه موصوف بالعفة والعلم. توفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة (١). وعبد الملك: هو أبو الفتح عبد الملك بن عبد الله (أبي) (٢) القاسم بن أبي سهل بن أبي منصور بن ماحٍ الهروي الْكَرُّوخِيّ الصُّوفي. وَكَرُّوخُ: بُليدةٌ على فَرَاسِخَ من هراة (٣). كان قَنُوعًا حَسَنَ السِّيرةِ، ينسخ بعض كتب الحديث ويبيعه ويتعيش بثمنه، أقام ببغداد مدة، ثم انتقل إلى مكة مجاورًا، ومات بها سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ودفن في المعلى (٤). وَعَبْدُ اللهِ الْعِمْرَانِيُّ: هو أبو حامد عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران. كان من فقهاءِ البلدِ المعتبرين، ومن تفقه عليه وتخرج به جماعة، ومن شركاء والدي رحمها الله في التفقه وسماع الحديث ببغداد ونيسابور، وبقيت بينهما المصافاة والمودة سنين بعدما رجعا إلى قزوين، ثم حدثت بالأخرة منافسة بينهما كما يكون مثلها بين أهل العلم، ويقال: إن التحاسد بين أهل العلم من أسباب بقاء العلم فيهم.

стр. 74

وكان يَتَوَرَّعُ عن الفتوى احتياطًا ويسمع الحديث بعدما طعن في السِّنِّ حتى من أقرانه، ويسمع الأحداث. وكان حسنَ الْخُلُقِ، طيِّبَ النَّفسِ، مُحسنًا إلى الفقهاء والضعفاء، نَقيًّا عن المطامعِ الفاسدةِ، رقيقَ القلبِ، وربما بكي وصرخ في مجامع الناس لفكرٍ يعتريه. توفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة (١). الفصل الثاني "الرَّحْمَةُ" الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمَرْحَمَةُ والرُّحْمُ كذلك، يقال: رَحِمَهُ رَحْمَةً ورُحْمًا، وقد يحرك الرُّحْم كَعُسْرٍ وعُسُر، ويقال: تَرَحَّم عليه، وَتَراحَمَ القوم: رَحِمَ بعضُهم بعضًا، والرَّحَمُوتُ من الرَّحْمَةِ، ورجل مَرْحُومٌ ومُرَحَّمٌ، وفلان رَاحِمٌ، والرحيم أبلغ منه، والرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ، ويقال: هما بمعنى واحد كندمان ونديم، والرحمن اسم مخصوص بالله تعالى، وكان يقال لمسيلمة الكذاب: رَحْمَنُ اليمامة بالإضافة، وجمع الرَّحِيْمِ: الرُّحَمَاء والرَّحِيْمُون. قال أبو منصورٍ الْجَبَّانُ: ولا تعرض لجمع الرحمن؛ لأنه لا يوصف به إلا رب العالمين، ولو كان يجري مجرى العطشان لقيل في الجمع: رِحَامُ كعطاش، أو رَحامي كسكارى. وقد يجيء الرَّحِيمُ بمعنى المَرْحُوم، قال الشاعر: فَإِمَّا إِذَا عَضَّتْ بِكَ الحَرْبُ عَضَّةً … فَإِنَّكَ مَعْطُوْفٌ عَلَيْكَ رَحِيمُ (٢)

стр. 75

والرَّحِمُ: رَحِمُ الْأُنْثَى وهي مُؤَنَّثَةٌ، والرَّحِمُ أيضًا: الْقَرَابَةُ، وكذلك الرِّحْمُ، ورَحِمَتْ رَحَمًا: إِذَا اشْتَكَتْ رَحِمَهَا، ورَحُمَتْ رَحَامَةً أَيْضًا، وَالرَّحُومُ: النَّاقَةُ الَّتِي بِهَا هَذِهِ الشَّكَاةُ. ويقال: بيني وبين فلان شجنة رحم، وشجنه رحم، أي: قرابة مشتبكة. وَالشِّجْنَةُ: عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ، والشِّجْنَةُ بالكسر: اسْمُ رَجُلٍ، والشَّجْنُ: وَاحِدُ شُجُونِ الْأَوْدِيَةِ وَهِيَ طُرُقُهَا. الفصل الثالث ذكر أئمة التفسير تفريعًا على اختصاص اسم الرحمن بالله تعالى: إنَّ الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، وأرادوا بعموم معنى الرحمن أنه رحمن باعتبار النعم العاجلة وهي تَعُمُّ المؤمن والكافر، وبعموم لفظ الرحيم وقوعه على غير الله تعالى، وبخصوص معناه أنه رحيم باعتبار النعم الآجلة وهي تختصُّ بالمؤمنين؛ وكذلك قيل في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. قالوا: والذي روي أنَّ شاعرهم قال لمسيلمة: [بسيط] سَمَوْتَ فِي المَجْدِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمِينَ أَبَا … وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَي لَا زِلْتَ رحْمَانَا لا يقدح فيما ذكرنا من اختصاص الاسم، لأنه كان يقال له رحمان اليمامة كما مرّ، والشاعر يفعل ما لا يفعله غيره فحذف المضاف إليه (١).

стр. 76

وعن الحسين بن الفضل (١) أنَّ سبب اختصاص اسم الرحمن بالله تعالى دون الرحيم: أنَّ الرحمن الذي يرحم صاحب الضُّرِّ ويملك كشفه وإدامته، والرحيم الذي يرقّ ويرحم لا غير، فالرحمن رحيم ولا ينعكس. وقيل: سببه أنهم أرادوا بالرحمن ذا الرحمة الدائمة أو الرحمة العامة وهو الذي تسع رحمته كل شيء وليس ذلك إلَّا لله تعالى. واختلفوا في أنَّ اسم الرحمن هل كانوا يعرفونه ويستعملونه في الجاهلية: فعن الكسائي وطائفة: نعم، ونقلوا في شعرٍ جاهليٍّ: [طويل] أَلَا قَطَعَ الرَّحْمَنُ مِنْهَا يَمِينَهَا وعن عبد الرحمن بن كيسان وأحمد بن يحيى ثعلب وغيرهما: أنَّ العرب ما كانت تعرفه في الجاهلية، وكان يختص به أهل الكتاب، وعلى ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٢) الآية، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٣). وفي الحديث بَيَانُ فَضِيلَةِ العطف والرحمة على الْخَلْقِ، وفي الْعَطْفِ على عامة الْخَلْقِ فَضْلٌ كَثِيرٌ. قَرَأْتُ على الْإِمَامِ أحمد بن إسماعيل، أَنْبَأَكُمْ عبد المُنْعِمِ بن عبد الْكَرِيمِ، ثنا

стр. 77

والدي، ثَنَا أبو عبد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنبا عبد الله بن محمد الرَّازِيُّ، ثنا محمد بن عبد الرحمن، ثَنَا خالد بن الْهَيَّاجِ، ثَنَا أبي، عن الْحَسَنِ بن دِينَارٍ، عن خَصِيبِ بن جَحْدَرٍ، عن النَّضْرِ، عن أبي أسماء، عن ثَوْبَانَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أَرْفَعَكُمْ دَرَجَةً فِي الجَنّةِ أَشَدُّكُمْ رَحْمَةً لِلْعَامَّةِ" (١). وقوله: "يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" مجزومٌ على جواب الأمر بمعني: ارحموا لترحموا، وقوله: "يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" يمكن حمله على الملائكة يعني: أنهم يرحمون العاطفين بالاستغفار لهم، ويدلُّ عليه ما روي في بعض الروايات: "ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" (٢). ويمكن أن يقال: المعنى يرحمكم الله تعالى الذي في السماء أمره وحكمه (٣) كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤). يُوَافِقُهُ حديث جَرِيرِ بن عبد الله أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا

стр. 78

يَرْحَمْهُ الله" (١). وحديث أبي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: "لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ" (٢). وحديث أُسَامَةَ بن زَيْدٍ أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله لَا يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ" (٣). وفي الحديث تَرْغِيبٌ ظَاهِرٌ في صلة الرَّحِمِ، وَتَرْهِيبٌ من الْقَطِيعَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ: بِالْهَدِيَّةِ إلى الأقارب وَالزِّيَارَةِ وَالاِسْتِزَارَةِ، والقيام بِالْأَشْغَالِ السَّانِحَةِ، وَبِقَضَاءِ الحاجات، وَبِالْإِعَانَةِ فيها، وَبِالمُكَاتَبَةِ عند الْغَيْبَةِ ونخوها، وَقَطْعُ الرَّحِمِ بِأَضدادِهَا. وقوله: "شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ" يجوز أن يقال: معناه أنَّ بين لفظتي الرحمن والرحم اشْتِبَاكًا وَتَقَارُبًا في الاِشْتِقَاقِ على ما اشْتُهِرَ في الْخَبَرِ عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى قال: "أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ" وَيُرْوَي: "اشْتقَقْتُ لها من اسمي فمن وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ ومن قَطَعَهَا بَتَتُّهُ" (٤) وَفَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بأن الرحمن وَالرَّحِمَ مُشْتَقَّانِ من الرَّحْمَةِ؛ فقال الله تعالى: "أَنَا الرَّحْمَنُ" لأن رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء "وَهِيَ الرَّحِمُ" لأن صِلَتَهَا تُوجِبُ الرَّحْمَةَ، فمن رَاعَي حَقَّ الرَّحِمِ أَكْثَرْتُ خَيْرَهُ، ومن أَغْفَلَهُ حَرَمْتُهُ الْخَيْرَ.

стр. 79

ويجوز أن يكون قوله: "شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ" على معنى أنَّ الرحم علقة ولحمة مشتبكة أثبتها الله تعالى وأمر بصلتها، وعلى هذا فقوله: "مِنَ الرَّحْمَنِ" أي: من أمره وحكمه، وقد يشعر به أنه روي في بعض الروايات: "الرَّحِمُ شِجْنَةً مِنِّي … " (١) وفي رواية عائشة ﵂: "الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الله فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ الله" (٢) فليس في الروايتين لفظ "الرَّحْمَن". وفي الأخبار والآثار في صلةِ الرَّحِمِ كَثْرَةٌ. وَقَرَأْتُ على محمد بن أحمد النَّيْسَابُوريِّ، أَنَبَا عبد الرَّحْمَنِ بن عبد الصَّمَدِ، أَنَبَا أبو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، أَنَبَا أبو الْحَسَنِ الطَّرَازِيُّ، أَنَبَا الْأَصَمُّ، ثَنَا محمد بن عَوْفٍ، ثَنَا صالح بن محمد، ثَنَا صالح بن نُوحٍ، ثَنَا ابن أَبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "صِلُوا أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَبْقَى لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (٣). وَأَنَبَا أبو بكر الضَّرِيرُ المُقْرِئُ بقراءة والدي رحمهما الله، أَنَبَا إسماعيل بن محمد، أَنَبَا سَعْدُ بن الْحَسَنِ، أَنَبَا عَلِيُّ بن إبراهيم، أَنَبَا مُحَمَّدُ بن يَحْيَى، ثَنَا أبو

стр. 80

خَلِيفَةَ، ثَنَا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثَنَا جُوَيْرِيَةُ بن أسماء، عن مَالِكٍ، عن الزُّهْرِيِّ. وأَنَبَا عاليًا أحمد بن الْحُسَيْنِ، أَنَبَا أحمد بن سَعْدٍ، أَنَبَا إبراهيم بن عَلِيٍّ، أَنَبَا الْحَسَنُ بن أحمد، أَنَبَا أحمد بن سُلَيْمَانَ، أَنَبَا عَلِيُّ بن حَرْبٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عن محمد بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ" (١). أَنْبَأَنَا رَجَبُ بن مَذْكُورِ بن أَرْنَبَ قال: أَنْشَدَنَا أبو عبد الله كثير بن سَعِيدِ بن الْحَسَنِ بن شَمَالِيقَ قال: أَنْشَدَنَا أبو الْفَضَائِلِ محمد بن أحمد بن عبد الْبَاقِي بن طَوْقٍ قال: أَنْشَدَنِي الْقَاضِي أبو عَلِيٍّ محمد الْمَعْرُوفُ بِزورَانَ لِنَفْسِهِ: [طويل] أَيَا ذَا الَّذِي يُرْجَي وُيُطْلَبُ فَضْلُهُ … وَيَا ذَا الَّذِي يُخْشَى وَيُرْهَبُ عَدْلُهُ تَطَوَّلْ بِإِحْسَانٍ إِلَيَّ وَرَحْمَةٍ … عَلَيَّ وَجُدْ ليِ بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ وفي الحكايات أن بعضهم قال في الْمُنَاجَاةِ ما مَعْنَاهُ: إلهي وَسِعَتْ كُلَّ شيء رحمتك، وَعَمَّتِ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ نِعْمَتُكَ، فإن كنت شيئا فَاجْزلْ لي من رَحْمَتِكَ النَّصِيبَ، وإلا فقد عَظُمَتْ مُصِيبَتِي ومن رَحِمَ الْمُصَابَ فهو مُصِيبُ. وَأُنْشِدُكُمْ في هذا الْمَعْنَى لِنَفْسِي: [كامل] إِنْ كُنْتُ شَيْئًا رَبِّ فَاسْمَحْ بِالْمُنَي … مِنْ رَحْمَةٍ قَدْ عَمَّتِ الْأَشْيَاءَ أَوْ لَمْ أَكُنْ شَيْئًا فَلَيْسَ بِضَائِرٍ … أَنْ تَشْمَلَ مُقْلَةً عَمْيَاءَ آخر المجلس الثالث من أماليه، والحمد لله رب العالمين * * * * *

стр. 81

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس الرابع من أماليه ﵀ يوم الجمعة بعد الصلاة الثالث والعشرين من شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً من لفظه قال: أَنَبَا الْخَطِيبُ الْإِمَامُ حَامِدُ بن مَحْمُودٍ كِتَابَةً، وَقَرَأْتُ على والدي رحمهما الله بِسَمَاعِهِ منه قَالَ: أَنَبَا (عَبْدُ الْغَافِرِ) (١) بن إسماعيل قَالَ: أَنَبَا أحمد بن الْحَسَنِ قال: أَنَبَا الْحَسَنُ بن أَحْمَدَ قال: أَنَبَا أبو الْعَبَّاسِ قال: أَنَبَا أبو هَمَّامٍ وعبد الله بن عُمَرَ قالا: أَنَبَا عبد الرَّحِيمِ بن سُلَيْمَانَ، عن الْمُخْتَارِ بن فُلْفُلٍ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ قال: بَيْنَا رسول الله ﷺ (مَعَنَا) (٢) إذ أَغْفَى إِغْفَاءَةً فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فإما قَالُوا له وَإِمَّا قال لَهُمُ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ"؟ فَقَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمْ. فَقَرَأَ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى خَتَمَ السورة، فلما قَرَأَهَا قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ إنه نَهْرٌ في الجنة وَعَدَنِيهِ ربي فيه خَيْرٌ كَثِيرٌ، لذلك النَّهْرُ حَوْضٌ تَرِدُ عليه أُمَّتِي يوم الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عدد الْكَوَاكِبِ، فَيُخْتَلَجُ منهم الْعَبْدُ فَأَقُولُ رب إنه من أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إنك لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ". في الشرح فصول: الفصل الأول

стр. 82

هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن حُجر، عن علي بن مُسْهرٍ، عن المختار. وروى حديث الحوض عن أنس غير المختار كقتادة والحسن، وغير أنسٍ من الصحابة كحذيفة ﵃. وأنس ﵁ مذكور في المجلس الثاني، ويقال: إنه رأي من صلبه أكثر من مائة وعشرين نفسًا، وأن نخيله كانت تحمل في السنة مرتين، وإنما لما طال عمره كان يشد أسنانه بالذهب، وأنه كان يجيد الرمي على كبر سنه، وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سليم يعني أنسًا (٢). والمختار: مولى عمرو بن حريث يعد في أهل الكوفة. سمع: أنسًا. روى عنه: زائدة، وسفيان الثوري، ومحمد بن فضيل، وعلي بن مسهر، وجرير بن عبد الحميد، وهو من أفراد مسلم (٣). وعبد الرحيم بن سليمان: أبو علي الأشلّ الطائي، ويقال: الكناني، كوفي أيضًا. روي عن: زكريا بن أبي زائدة، وعبد الملك بن (أبي) (٤) سليمان، وهشام بن حسان، وهشام بن عروة، وأشعث بن سوار.

стр. 83

روى عنه: محمد بن سعيد الأصبهاني، وعلي بن عبد الحميد الشيباني، وأبو بكر بن أبي شيبة (١). وأبو همام: هو الوليد بن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، سكن بغداد. سمع: أباه، وابن وهب، وحجاج بن محمد، وإسماعيل بن عياش، وعلي بن مسهر، وابن المبارك. روى عنه: مسلم. مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين (٢). وعبد الله بن عمر: أبو عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح بن عمير القرشي الكوفي مولى عثمان بن عفان، ويقال له: الجعفي؛ لأن جده محمدًا تزوج فيهم فنسب إليهم، ولم يكن منهم، وكان يلقب مشكدانة، لقبه به أبو نعيم الفضل بن دكين. سمع: عبدة بن سليمان، وابن المبارك، وأبا الأحوص، والحسين بن علي الجعفي. روى عنه: مسلم. وهو وأبو همام من أفراده. مات سنة ثمان أو سبع وثلاثين ومائتين (٣). وأبو العباس: هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران بن عبد الله الثقفي السراج.

стр. 84

إمامٌ من أئمةِ الحديثِ. سمع بخراسان والعراق والحجاز. وروي عنه: البخاري، ومسلم، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو العباس بن عقدة. وصنف "المسند" و "التاريخ" وعظم انتفاع أهل العلم بتاريخه. ويذكر عنه أنه ختم عن رسول الله ﷺ أكثر من عشرة آلاف ختمة، وضحى عنه مثل ذلك. وولد له ولد بعد ثلاث وثمانين سنة ابنه أبو عمرو محمد، ويقال: كان إذا دخل عليه وهو في مسجده قال ممازحًا: عملت هذا بعد ثمانين سنة في ليلة. توفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة (١). والحسن: هو أبو محمد بن أحمد بن الحسن بن علي بن مخلد بن شيبان المَخْلَدِيُّ العدل. قال الحاكم أبو عبد الله: هو شيخ العدالة، وبقية أهل البيوتات، صحيح الكتب والسماع. سمع: أبا العباس الثقفي، وأبا الوفاء الماسرجسي. توفي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة (٢). وأحمد: هو أبو حامد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد الأزهريُّ الشُّرُوطِيُّ.

стр. 85

كان من العدولِ، وكُتَّابِ الوثائقِ، وأولادِ المحدِّثين. سمع: المَخْلَدِىَّ، وأقرانه. وتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة (١). وعبد الغافر: هو أبو الحسن بن إسماعيل بن (عبد الغافر) (٢) بن محمد الفارسي الفسوي ثم النيسابوري. من بيتِ العلمِ والحديثِ أبًا وأمًّا، وله في نفسه الفضل الغزير والشعر الحسن. وَفِيمَا قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بنُ زَاهرٍ قال: أَنْشدَنِي أَبُو الْحَسَنِ لِنْفسِهِ: [خفيف] اغْتَنِمْ مَوْسِمَ الرَّغَائِبِ وَاعْمَلْ … غَيْرَ وَانٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ بَاقِ إِنَّمَا النَّاسُ فِي السِّبَاقِ فَبَادِرْ … وَاجْتَهِدْ أَنْ تَنَالَ فَضْلَ السِّبَاقِ وكان خطيب نيسابور مُدَّةً، وصنَّفَ كتبًا مفيدةً كـ "مجمع الغرائب ومنبع الرغائب"، و "المفهم لصحيح مسلم". سمع: أباه، وأبا بكر البيهقي، وأبا بكر الْمَغْرِبيّ (٣). والخطيب (٤): هو أبو نصر حامد بن محمود بن علي الماوراء النهري ثم الرازي. فقيهٌ، مفتٍ، مناظرٌ، محدثٌ، متقنٌ، متفننٌ. درس بالرَّي مُدَّةً، وتفقه عليه طائفةٌ كثيرةٌ.

стр. 86

وكان أصيلًا نبيلًا بَهِيًّا حَييًّا حسنَ السَّمتِ والأخلاقِ، ولَخَّصَ "صحيح البخاري" في كتابين أَتْعَبَ فيهما نفسه. وُلِدَ سنة ثلاث وخمسمائة، وتوفي سنة ست وستين وخمسمائة في ربيعها الأول. الفصل الثاني قوله: "بَيْنَا رسول الله ﷺ مَعَنَا إِذْ أَغْفَى" أي: أَغْفَى بين أَوْقَاتِ كَوْنِهِ مَعَنَا وَاجْتِمَاعِنَا في حَضْرَتِهِ، يُقَالُ: بَيْنَا أنا أَرْقبُهُ أَتَانِي أي: أَتَانِي بين أَوْقَاتِ رُقُوبِي إِيَّاه، وَيُقَالُ: جَلَسْتُ بين القوم أي: وَسَطُهُمْ. و"بَيْنَا" هو "بَيْنَ" أُشْبِعَتْ فتحةَ النُّونِ فتولَّدَ من إشباعها الألف، وقد تزاد "مَا" على "بَيْنَ" فيقال: "بَيْنَمَا" والمعنى واحد، ويرفع ما بعد "بَيْنَ" و "بَيْنَمَا" على الابتداء والخبر. و "أَغْفَى إِغْفَاءَةً": أي نام، وقيل: بدأ به النوم ولم يستحكم، ولا يقال: غفًا. ويقال: تَبَسَّمَ وبَسَمَ يَبْسِمُ بَسْمًا، ورجلٌ مِبْسَامٌ وبَسَّامٌ، ويُفَسَّرُ التَّبَسُّمُ بما دون الضحك، لكن نظم الحديث يدلُّ على وقوع الضحك على التَّبَسُّمِ. وقوله: "فَإِمَّا قَالُوا له وإما قَالَ لَهُمْ: هل تَدْرُونَ" فيه إضمار؛ المعنى: فإما قالوا له: مِمَّ ضحكت وإما قال لهم: هل تدرون مِمَّ ضحكت؟ وقد مرَّ بعض ما قال أهل اللغة في الأسماء الثلاثة التي تشتمل عليها آية (التسمية) (١). و "الْكَوْثَرُ": نهر في الجنة سمي به؛ لما فيه من الخير الكثير على ما نطق به الخبر،

стр. 87

وهو فَوْعَلُ من الكثرة. و "الْكَوْثَرُ" من الرجال: السيد الكثير الخير والعطاء، و "الْكَوْثَرُ" من الغبار: الكثير، يقال تَكَوْثَرَ. واخْتَلَجَهُ وخَلَجَهُ يَخْلِجُهُ ويَخْلُجُهُ خَلْجًا: إِذَا جَذَبَهُ وَانْتَزَعَهُ، وخَلَجَ بِحَاجِبِهِ: أَشَارَ، واخْتَلَجَتْ عَيْنُهُ وخَلَجَتْ تَخْلِجُ خُلُوجًا وخَلَجَانًا. الفصل الثالث الحديثُ أصلٌ في إثبات الحوض، والخوض في أحاديث الحوض وشرحها يحوج إلى بسطٍ وتطويل لا يليق بالسياق الذي نسوقه، وبالجملة فالأحاديث صحيحةٌ، والإيمان بالحوض واجبٌ. يُرْوَى عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ ﵁ قال: دَخَلْنَا عَلَى عُبَيْدِ الله بن زِيَادٍ وهم يَتَذَاكَرُونَ الْحَوْضَ فقال: يا أبا حَمْزَةَ ما تَقُولُ في الْحَوْضِ؟ فقال: ما كنت أَرَى أن أَعِيشَ حَتَّي أَرَي أَمْثَالَكُمْ يَتَمَارَوْنَ في الْحَوْضِ، لَقَدْ تَرَكْتُ خَلْفِي عَجَائِزَ ما تُصَلِّي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إلا سَأَلَتِ الله أن يَسْقِيَهَا من حَوْضِ محمد ﷺ (١). وفيه يقول الشاعر: [بسيط] يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ مَنْ يُدَانِيكَا … وَأَنْتَ حَقًّا حَبِيبُ بَارِيكَا وَفَهِمَ فاهمون أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة، ويقويه ما في بعض الروايات أنه قال بعد قولهم: "الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمْ": "إِنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورُةٌ، فَقَرَأَ

стр. 88

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". قالوا: ومن الوحي ما كان يأتيه في النوم، وقد ذكر أن رؤيا الأنبياء وحي، وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل في اليقظة، وكان خطر له في النوم سورة الكوثر الْمُنَزَّلَة في اليقظة، أو عُرِضَ عليه الكوثر الذي وردت فيه السورة فقرأها عليهم وفسَّرها لهم، وورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه، وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، ويقال لها برحاء الوحي، وكان تبسمه لفرحه واستبشاره بما أعطي من الكوثر. وفيه دليلٌ على جواز التَّبَسُّمِ عند الفرح، وعلى أنه لا بأس لجلساء المبتسم بالفحص عما عرض له، وعلى أن المراد من الكوثر في السورة الحوض، وقد فسره بعضهم بالقرآن والنبوة والأمة الكثيرة، وعلى أنَّ هناك نهرًا يجري فيه الماء وحوضًا يجتمع فيه، وعلى أن النهر والحوض في الجنة، وإذا كانا في الجنة فقوله: "تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي" و "يُخْتَلَجُ مِنْهُمْ الْعَبْدُ" يحمل على أنهم يقصدون وروده فيزاد بعضهم ويحال بينه وبين مقصده، وإلا فمن دخل الجنة لا يخرج منها. وقوله: "آنِيَتُهُ عَدَدُ الْكَوَاكِبِ" أشار بكثرة الأواني إلى كثرة الواردين، وفي بعض الروايات: "لَهُ قِدْحَانِ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ". وقوله: "فَيُخْتَلَجُ مِنْهُمْ الْعَبْدُ" أي: يُنْتَزَعَ وَيُمْنَعَ من وروده. وقوله: "لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" كأن المراد رِدّة من ارتد عن الدِّينِ بعد رسول الله ﷺ ، وفي بعض روايات "الصحيح": "إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؛ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى". وحمل بعضهم قوله: "مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" على ما أُحْدِثَ من البدع وغُيِّرَ من

стр. 89

السنن وفي الحديث إخبارٌ عمَّا وقع بعد انقراض زمان النبي ﷺ بمدة فيدخل في دلائل نبوته. فَصْلٌ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" آيةٌ من أوائل السُّور على الصَّحيحِ من مذهبنا، فلما أراد قراءة السورة عليهم افتتح بآية التسمية لأنها من السورة، ومن لم يجعلها من السورة قال: افتتح بها للتيمن العام، ثم لمناسبتها معنى السورة؛ فإنه بإلهيته أبدع النعمة والمنعَم عليه، وبرحمته مَتَّعَ المنعَم عليه بالنِّعمةِ. ورحمة الله تعالى المشتق منها الرحمن والرحيم تُفَسَّرُ بمعنيين: أحدهما: إرادة الإنعام. والثاني: نفس الإنعام. وهي على المعنى الثاني صفة فعل، وقد قدمنا أن منهم من جعل الاسمين: "الرحمن الرحيم" بمعنى واحد، ومنهم من جعل "الرحمن" أبلغ؛ لأنه رحمن باعتبار الرزق والنعم الدنيوية التي تعم البرَّ والفاجر. وعكس بعضهم فجعل الرحيم أبلغ؛ لأنه رحيم باعتبار النعم الأخروية وهي أعظم؛ لأنها دائمة لا انقطاع لها، وصافية لا تبعة ولا مؤاخذة بها. وعن عكرمة أنَّ الرحمن برحمة واحدة، والرحيم بمائة رحمة؛ فالرحيم أبلغ. وقد يُسأل فيُقال: إن كان معنى الاسمين واحدًا فَلِمَ جمع بينهما في آية التسمية؟ وإن كان أحدهما أبلغ فهلَّا اقتصر عليه وهو مؤدٍّ لمعنى الآخر؟

стр. 90

وأجيب عنه: بأنَّ الكلام قد يؤكد بالاسمين المختلفين وإن كانا راجعين إلى معني واحد كقولهم: جادٌّ مجدٌّ، وبأن نِعَمَمه عاجله وآجلة، والرحمن يشير إلى العاجلة ومنها البشارة بما أعدّ من الكوثر، وتمهيد السبيل التي تؤدي إليه التوفيق لسلوكها، والرحيم يشير إلى الآجلة ومنها التي تخصص بها رسول الله ﷺ من حوضه الذي يسقى منه أمته، وهذا مثل ما يروى عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: الرحمن بنعيم الدنيا من الأهل والأولاد ونحوها، والرحيم بنعيم الدين من الإيمان والأعمال الصالحة وثمراتها. وعن يحيى بن معاذ أنَّ الرحمن بمصالح معاشهم، والرحيم بمصالح معادهم. وقد عَمَّت رحمة الرحيم المؤمنين عمومًا على ما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١) ثم خصص هذه الأمة بأن جعلها مرحومة، ونبيها نبي الرحمة والله الذي بيده الإعادة والإنشاء يختص برحمته من يشاء. قَرَأْتُ على والدي ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَنصُورٍ الشَّحَّامِيُّ، حَدَّثَنَا أحمد بن سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَنِ بن حَمْدَانَ، أَنَبَا أبو بكر الْمُفِيدُ، أَنَبَا أحمد بن عبد الرَّحْمَنِ، ثَنَا يَزِيدُ بن هَارُونَ، أَنَبَا أبو جَنَابٍ، عن خَيْثَمَةَ بن عبد الرَّحْمَنِ، عن سَعْدِ بن مَالِكٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، إِنَّ الله يَدْفَعُ عَنْهُمْ بِضَعْفِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَدُعَائِهِمْ" (٢). وَحَدَّثَ الْقَاضِي أبو بكر مُحَمَّدُ بن الْقَاسِمِ الشَّهْرُزُورِيُّ قَالَ: أَنشَدَنَا الشَّرِيفُ

стр. 91

أبو عَدْنَانَ الْقَاسِمُ بن عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ بِبَلْخٍ لِبَعْضِهِمْ: [كامل] لَمَّا عُدِمْتُ وَسِيْلَةً أَلْقَي بِهَا … رَبِّي تَقِي نَفْسِي شَدِيدَ عِقَابِهَا صَيَّرْتُ رَحْمَتَهُ لَدَيْهِ وَسِيلَتِي … وَكَفَى بِهَا وَكَفَي بِهَا وَكَفَي بِهَا وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [خفيف] يَا خَلِيلَيَّ (١) إِنَّ قَلْبَكُمَا … ظَلَّ مِمَّا أَضَلَّ مَهْمُومَا لَا تَخَافَا وَلَا يَكُنْ بِكَمُا … مَا يَرُدُّ الرَّجَاءَ مَرْمُومُا وَاقْصِدَا حَضْرَةَ الرَّحِيْمِ فَتُو … بَا إِلَيْهِ وَحَوْلَهُ حُومَا فَيَمِينَاهُ سَحَّتَا كَرَمًا … وَلَمَنْ دُونَهُ اليَدُ شُومَا خَابَ مَنْ مَاتَ مِنْ شَقَاوَتِهِ … مِنْ حَرِيمِ الرَّحِيمِ مَحْرُومَا آخر المجلس الرابع، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين * * * * *

стр. 92

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت المجلس الخامس من أماليه ﵀ يوم الجمعة سلخ شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا ﵀ إمْلَاءً قال: قَرَأْتُ على والدي ﵀ سنة تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةَ قال: قَرَأْتُ على سَعِيدِ بن مُحَمَّدٍ ببغداد سنة سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةَ قال: ثنا أبو الْفَضْلِ الْمَقْدِسِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وثمانين وأربعمائة قال: حدثَنَا أبو (مُضَر) (١) الْعِجْليُّ سنة اثْنَتيْنِ (وَثَلَاثِين) (٢) قال: ثَنَا عَلِيُّ بن أحمد قال: ثَنَا محمد بن عَبْدٍ قال: ثَنَا عِصَامُ بن يُوسُفَ قال: ثَنَا سُفْيَانُ، عن أبي إِسْحَاقَ، عن أبي الْأَحْوَصِ، عن عبد الله ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا رسول الله ﷺ خُطْبَةَ الصلاة وخُطْبَةَ الْحَاجَةِ وَالنِّكَاحِ: الحمد لله نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بالله من شُرُورِ أَنْفُسِنَا من يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له وَأَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له وَأَشْهَدُ أن محمدا عبده ورسوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. فِي الشرح فصول

стр. 93

الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ: أخرجه أبو داود الطيالسي (١) عن شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله، والسجستاني (٢) عن محمد بن سليمان، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله، واللَّفْظُ: "عَلَّمَنَا رسول الله ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: الْحَمْدُ لله … ". وفي رواية الطيالسيِّ بعد الْآيَاتِ: "ثُمَّ تَتَكَلَّمْ بِحَاجَتِكَ". قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لأبي إِسْحَاقَ: هذه في خُطْبَةِ النِّكَاحِ أو في غَيْرِهَا؟ قَالَ: فِي كُلِّ حَاجَةٍ. ورواه الترمذيُّ عن قتيبة، عن عبثر بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص (٣). وابن ماجه عن هشام بن عمار، عن عيسي بن يونس، عن أبيه، عن جده أبي إسحاق، عن أبي الأحوص (٤)، وفي روايتهما ذكر التشهد قبل خطبة الحاجة. وعبد الله ﵁: هو ابن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل أبو عبد الرحمن الهذلي. شهد بدرًا وغيره من المشاهد وهو من أكابر الصحابة والمفتين منهم، ومن السابقين إلى الإسلام، يقال: إنه سادس ستة، وهو أخو عتبة بن مسعود، وأمهما أم عبد بنت عبد ودّ.

стр. 94

سكن الكوفة بإشارة عمر ﵁، وانتشر بها حديثه وفقهه، ورجع بالأخرة إلى المدينة، وبها مات سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع (١). وأبو الأحوص: هو عوف بن مالك بن نضلة الجشمي. سمع: ابن مسعود، وأبا مسعود البدري، وأبا موسى الأشعري، وأباه مالكًا وهو صحابي. روى عنه: أبو إسحاق السَّبيعي، وعبد الملك بن عمير، وعبد الله بن مرة. قتلته الخوارج شهيدًا، وكان حسن الكلام معروفًا بالصدق، حدث مسلم في صدر "كتابه" (٢) عن أبي كامل، عن حماد بن زيد، عن عاصم قال: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي ونحن غلمة أيفاع فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص (٣). وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبِيعِيُّ الهمداني، وسبيع بطن من همدان، تابعي مشهور. سمع: البراء بن عازب، وحارثة بن وهب، والنعمان بن بشير، وغيرهم من الصحابة. روى عنه: شعبة، والثوري، وزهير. وكان يقال: من جالس أبا إسحاق فقد جالس عليًّا وعبد الله، وذلك لانتهاء علمهما إليه.

стр. 95

وكان أولاده وأولادهم من أهل العلم والحديث. توفي سنة ست أو سبع أو تسع وعشرين ومائة (١). وسفيان: هو ابن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله، أبو عبد الله الثوري. من مشهوري علماء الأمة وعبادهم، وكان يقال له: أمير المؤمنين في الحديث. سمع: أبوي إسحاق السَّبِيعِيَّ والشَّيْبَانِيَّ، والأعمش. روى عنه: وكيع، ويحيى القطان. وهو أشهر من أن يُعَرَّف، توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة (٢). أَنْبَأَنَا غير واحد، عن أبي عَلِيٍّ الْحَدَّادِ، عن أبي نُعَيْمٍ، ثَنَا محمد بن إبراهيم، ثَنَا أحمد بن الْحَسَنِ الْمَيْمُونِيُّ، ثَنَا مُوسَي بن هَارُونَ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بن أحمد بن مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ قَبِيصَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ في النَّوْمِ فَقُلْتُ: ما فَعَلَ بك رَبُّكَ؟ فَقَالَ: نَظَرْتُ إلى ربي كفاحًا وقال لي: هَنِيئًا رِضَائِي عنك يا ابن سَعِيدٍ فَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إذا أَقْبَلَ الدُّجَي بِعبْرَة مُشْتَاقٍ وَقَلْبٍ عَمِيدٍ، فدونك فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ أَرَدْتَهُ وَزُرْنِي فإني منك غير بَعِيدٍ (٣). ورواة الحديث إلى سفيان كُوفِيُّون. وعصام بن يوسف: هو القاضي أبو محمد بن يوسف بن ميمون بن قدامة

стр. 96

الباهلي البلخي. سمع: شعبة، والحمَّادين، وسفيان، وإسرائيل بن يونس. وهو مشهور لكنَّ البخاري لم يذكره في "التاريخ" وكان يرى رأي الكوفيين، وله أخوان إبراهيم ومحمد ابنا يوسف. سمع إبراهيم: حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة. وكان عظيم المحلِّ عند أصحاب أبي حنيفة ﵏ (١). ومحمد بن عبد: هو أبو بكر محمد بن عبد بن عامر بن مرداس بن هارون التميمي السعدي ويشهر بالسَّمرقندي. روي عن: يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعصام البلخي، وقتيبة بن سعيد، وحدث ببغداد وهمدان، وذكره أبو بكر الخطيب في "التاريخ" (٢) وورد قزوين سنة ثلاثمائة وحدث بها الكثير. روى عنه: أحمد بن عثمان الْآدَمِيُّ، وأبو بكر الشَّافِعِيُّ، وأبو الحسن القطان. وتوفي سنة ثلاث وثلاثمائة. وتكلَّمُوا فيه وفي إدراكه عصامًا وغيره من الذين حدَّث عنهم (٣). وعلي: هو أبو الحسن علي بن أحمد بن صالح بن حماد المقرئ القزويني المعروف ببيَّاع الحديد. مُكْثِرٌ مَشْهُورٌ. سمع: يوسف بن عاصم، ومحمد بن مسعود، وإبراهيم

стр. 97

الشَّهْرُزُورِيَّ، وجعفر بن أبي الليث. وأخذ القراءة عن أبي عبد الله الأزرق، والعباس بن الفضل بن شاذان، وقرأ عليه أبو الفضل الخزاعي والمعتبرون من القراء، ورضيه ابن مجاهد. توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة (١). وأبو مُضر: هو عبد الواحد بن هبيرة بن عبد الملك العجلي القزويني. حدث عنه: أبو الفضل الْقُومَسَانِيُّ، وأحمد بن عمر الصُّندُوقِيُّ، وعلي بن محمد الْمَيْدَانِيُّ. روي عن: (ابن) (٢) صالح، وأبي الحسن الصقبلي، ومحمد بن إسحاق القزوينيين، وأبي عمر بن مهدي. قال الكياشيرويه الديلمي: وكان صدوقًا، مات بهمدان سنة ست وأربعين وأربعمائة (٣). وأبو الفضل: هو عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد المقدسي الفرضي الزاهد ويعرف بالهمداني. سمع بتُسْتُرَ: الحسن بن علي السقطي، وبآمل: الحسن بن أحمد الصفاري، وبهمدان: الفقيه أبا الفضل بن عبدان، وأبا مضر العجلي (٤). وسعيد: هو أبو منصور سعيد بن محمد بن عمر بن الحسين الرزاز البغدادي. فقيهٌ مرجوعٌ إليه ببغداد، درس بالنظامية مدة، وهو ممن تفقه عليه والدي

стр. 98

﵀. توفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة في ذي القعدة (١). ووالدي (٢) ﵀ كان جيِّدَ الحفظِ، سمعته صبيحة بعض الأيام يقول: سهرت البارحة فَأَجَّلْتُ الفكر فيما أحفظه من الأبيات المفردة والمقطعات فبلغ آلافًا ذكر عددًا كثيرًا. ورأيت بِخَطِّهِ على ظهر بعض تعاليقه: سمعت أبا منصور بن الرزاز يقول: سئل بعضهم: ألك مال؟ قال: لا، فِيَّ قناعة أستر بها خلتي، وتدبير أُكَثِّرُ به القليل، وصبر أُزَجِّي به الأيام. الفصل الثاني "الْخُطْبَةُ" اسْمٌ وَمَصْدَرٌ، يُقَالُ: خَطَبَ على الْمِنْبَرِ خُطْبَةً واخْتَطَبَ مثله، وخَطَبَ خَطَابَةً صَارَ خَطِيبًا. و "الْحَمْدُ" نَقِيضُ الذَّمِّ، يُقَالُ: حَمِدْتُ الرَّجُلَ أَحْمَدُهُ فَهُوَ حَمِيْدٌ ومَحْمُودٌ، وَرَجُلٌ حُمَدَةٌ إِذَا كان يُكْثِرُ حَمْدَ الْأَشْيَاءِ وَيَصِفُهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا، وأَحْمَدْتُهُ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا، وَالتَّحِمْيدُ تَفْعِيلٌ من الْحَمْدِ، والْمُحَمَّدُ: من اجْتَمَعَتْ فيه الْخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ وَاسْتَحَقَّ الحمد بها، وَصَارَ ذلك اسْمُ رسول الله ﷺ لِتَنَاهِيهِ فيها، وَالْجَمْعُ: المُحَمَّدُونَ والمَحَامِدُ وَالمَحَامِيدُ، وقولهم: حَمَادِ لفلان أي: حَمْدًا له، بُنِيَ لأنه مَعْدُولٌ عن الْمَصْدَرِ، وَحُمَادَاكَ أن تَفْعَلَ كذا أي: قُصَارَاكَ وَغَايَتُكَ الْمَحْمُودَةُ. وَيُقَال: اسْتَعَانَهُ وَاسْتَعَانَ بِهِ، وَوَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ

стр. 99

نَسْتَعِينُ﴾، وَقَالَ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (١). وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: تَتَسَاءَلُونَ، أدغمت التاء في السين، ومنهم من استبقى خفة السين فحذف التاء ولم يدغم، والمعنى: الذي تتساءلون به فيما بينكم حقوقكم وحوائجكم فيقول بعضكم لبعض أسألك كذا بالله. وقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: اتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا؛ فلفظ الأرحام معطوف على اسم الله، ولم يستحسن النحاة قراءة من قرأ: "وَالْأَرْحَامِ" (٢) فقالوا: يقبح عطف الظاهر على المكنّى إلا بإظهار العامل كقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (٣). الفصل الثالث قوله: "عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ﷺ خُطْبَةَ الصَّلَاةِ" قد يسبق إلى الفهم منه الخطبة المضمومة إلى الصلاة إما فرضًا في الجمعة أو استحبابًا كما في العيدين، لكن في سائر الروايات ما يدل على أنه لم يُرِدْ ذلك وإنما أراد التشهد، ففي رواية ابن ماجه (٤) بالإسناد السابق: "عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الصَّلَاةِ وَخُطْبَةَ الْحَاجَةِ، خُطْبَةُ الصَّلَاةِ: التَّحِيَّاتُ لله … إلى آخر التشهد، وَخُطْبَةُ الْحَاجَةِ: الْحَمْدُ لله نَحْمَدُهُ .... ". وفي الحديث بيان أنَّ الأدبَ والمستحبَّ تقديم الخطبة أمام الحاجات من النكاح وغيره؛ لما فيه من التَّبَرُّكِ بذكر اسم الله تعالى وذكر رسوله، والتَّفاؤلِ

стр. 100

بالافتتاح بالحمد لتكون عاقبة الأمر محمودة، وكان رسول الله ﷺ إذا أراد إعلام القوم حدوث حادثٍ كقدوم وفدٍ أو بشارتهم بخبر سار أو تنشيطهم لغزوٍ خَطَبَ. وفيه بيان ما عليه مدار الخطب في الشريعة وهو حمد الله تعالى، وكلمتا الشهادة، والموعظة والوصية بالتقوى، ففي الآيات الثلاث أمر بالتقوى والسداد في القول وتنبيه على ما نِيطَ بهما من إصلاح العمل وغفران الذنب. وفيه بيان أنه يجوز استعمال آيات القرآن في المخاطبات والمحاورات من غير أن يضاف إلى القرآن أو يحكي عن قول الله تعالى. والخطبة في الحديث على قصر ألفاظها كاملة المعاني، وجملها مرتبة أحسن ترتيب، فالوصية مؤخرة عن الحمد والتشهد؛ لأن ذكر الله تعالى وذكر رسوله أحق بالتقديم؛ ولأنهم إذا أصغوا إلى الثناء على الله وتذكروا ما أنعم به عليهم وأعانهم عليه مما فيه إصلاح معاشهم ومعادهم وما قصروا به في أداء حقوقه ودعتهم شرور نفوسهم إليه على خلاف أمره، وتفرده بالهداية والإضلال، وما وفقهم له من التوحيد، ومَنَّ عليهم ببعثة الرسول؛ كانت الوصية أشد تأثيرًا فيهم، والوعظ أنفع لهم. والحمد لله تعالي مقدم على ما سواه؛ لأنه الأول فالثناء عليه والشكر له أولى بأن يجعل أولًا، ثم نعم الله تعالى دارَّة على العبد قبل أن يحمده العبد بل قبل أن يتأهل للحمد، فحق عليه أن يفتتح الكلام بالحمد شكرًا لتلك النعم، ثم إذا أتمّ النعمة عليه في الآخرة استأنف حمدًا آخر، فيقع الحمد تارةً أولًا، ولذلك افتتح النطق به أبو الناس عند إصابة العطاس وتارةً أخرى ولذلك يقول الله تعالى:

стр. 101

﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). ومن نِعَمِ الله تَعَالَى أن سَهَّلَ على عِبَادِهِ الشُّكْرَ بأن جَعَلَ هذه الْكَلِمَةَ شُكْرُ كل نِعَمِهِ على ما ورد في الْخَبَرِ، وَصَيَّرَهَا من عِظَمِ الشَّأْنِ ملء الْمِيزَانِ. قَرَأْتُ على والدي ﵀ قال: أَنَبَا أحمد بن الْحُسَيْنِ، أَنَبَا عبد المَلِكِ بن عبد الله، أَنَبَا محمد بن إبراهيم المُزَكِّي، أَنَبَا أبو عَمْرِو بن مَطَرٍ، أَنَبَا أحمد بن داود السِّمْنَانِيُّ، ثَنَا هُدْبَةُ، ثَنَا أَبَانُ بن يَزِيدَ، عن يَحْيَى بن أبي كثير، أن زَيْدًا حَدَّثَهُ، أن أبا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ، عن أبي مالك الأَشْعَرِيِّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمان والحمد لله تَمْلَأُ الْمِيزَانَ" (٢). ولما كانت النِّعَمُ كُلُّهَا مِنَ الله تعالى قيل: الحمد لله بالألف واللام على النظم المشير إلى الاستغراق كما يقال: القضاء في البلد لفلان. وَأُنْبِئْنَا عن محمد بن الفضل، عن أبي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ قال: أَنْشَدَنَا أبو الْعَلَاء بِمَعَرَّةِ النُّعْمَانِ لِنَفْسِهِ: [بسيط] مَحْمُودٌ (٣) الله وَالمَسْعُودُ خَائِفُهُ … فَعَدِّ عَنْ ذِكْرِ مَحْمُودٍ وَمَسْعُودِ مَلْكَانِ لَوْ أَنَّنِي خُيِّرتُ مُلْكَهُمَا … وَعُوْدَ صُلْبٍ أَشَارَ الْعَقْلُ بِالعْودِ ومن مَشْهُورِ الكلام أن الإنسان إِمَّا أن يَكُونَ في رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ أو بَلَاءٍ وَشِدَّةٍ؛ فَإِنْ كان في نِعْمَةٍ فَحَقُّهُ أن يَحْمَدَ الله تعالى عليها، أو شِدَّةٍ فَأَنْ يَحْمَدَهُ بأن صَرَفَ

стр. 102

وَزَوَى ما هو أَشَدّ منها. وَأُنْشِدُكُمْ لنفسي مَنْظُومَ هذا الْمَعْنَى: [بسيط] إِنْ كُنْتَ فِي الْيُسْرِ فَاحْمَدْ مَنْ حَبَاكَ بِهِ … فَلَيْسَ حَقًّا قَضَى لَكِنَّهُ الْجُودُ أَوْ كُنْتَ فِي الْعُسْرِ فَاحْمَدْهُ كَذَلِكَ إِذْ … مَا فَوْقَ ذَلِكَ مَصْرُوْفٌ وَمَرْدُودُ وَكَيْفَمَا دَارَتِ الْأَيَّامُ مُقْبِلَةٌ … وَغَيْرَ مُقْبِلَةٍ فَالْحَمْدُ مَحْمُودُ (١) آخر المجلس الخامس والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمد وآله * * * * *

стр. 103

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت المجلس السادس من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة السابع من شهر رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً من لفظه قال: أَنَبَا الإمام أحمد بن إسماعيل فيما قَرَأْتُ عليه قال: أَنَبَا محمد بن الفضل قال: أنبا (عبد الْغَافِرِ) (١) قال: أَنَبَا محمد بن عيسى قال: أَنَبَا أبو إِسْحَاقَ قال: أَنَبَا أبو الحُسَيْنِ (٢) قال: حَدَّثَنِي أحمد بن جَعْفَرٍ قال: أَنَبَا النَّضْرُ بن محمد قال: ثَنَا عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ قال: ثَنَا شَدَّادٌ ويحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي أُمَامَةَ قال: قال عَمْرُو بن (عَبَسَةَ) (٣) ﵁: كُنْتُ وأنا في الجاهلية أَظُنُّ أن الناس على ضَلَالَةٍ وأنهم ليسوا على شيء وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأوثان قال: فَسَمِعْتُ برجل بمكة يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ على رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عليه فإذا رسول الله ﷺ مُسْتَخْفِيًا جُرَآءُ عليه قومه فَتَلَطَّفْتُ حتى دَخَلْتُ عليه بمكة فَقُلْتُ له: ما أنت؟ قال: "أنا نَبِيٌّ". فَقُلْتُ: وما نَبِيٌّ؟ قال: "أَرْسَلَنِي الله". فَقُلْتُ: وبأي شيء أَرْسَلَكَ؟ قال: "أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأرحام، وَكَسْرِ الأوثان، وأن نُوَحِّدَ الله لا نُشْرِكَ به شَيئًا" (٤).

стр. 104

قُلْتُ له: فَمَنْ مَعَكَ على هذا؟ قال:"حُرٌّ وَعَبْدٌ". قال: وَمَعَهُ يومئذ أبو بكر وَبِلَالٌ ﵄ مِمَّنْ آمَنَ به. فَقُلْتُ: إني مُتَّبِعُكَ. قال: "إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلك يَوْمَكَ هذا ألا تَرَى حَاليِ وحال الناس؟ ولكن ارْجِعْ إلى أَهْلِكَ إذا سَمِعْتَ بي قد ظَهَرْتُ فَأْتِنِي". قال: فَذَهَبْتُ إلى أَهْلِي وَقَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة وكنت في أَهْلِى فَجَعَلْتُ (أَتَحَيَّنُ) (١) الأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ الناس حتى قَدِمَ الْمَدِينَةَ وقَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ من أَهْلِ يَثْرِبَ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقُلْتُ: ما فَعَلَ هذا الرجل الذي قَدِمَ الْمَدِينَة؟ فقالوا: الناس إليه سِرَاعٌ، وقد أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فلم يَسْتَطِيعُوا ذلك. فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عليه فقلت: يا رسول اله أَتَعْرِفُنِي؟ قال: "نَعَمْ، أنت الذي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ". فَقُلْتُ: بلى يا نبي الله أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عن الصَّلَاةِ؟ قال: "صَلِّ صلاة الصبح، ثم أَقْصِرْ عن الصَّلَاةِ حين تَطْلُعُ الشمس حتي تَرْتَفِعَ فإنها تَطْلُعُ حين تَطْلُعُ بين قَرْنَيْ شيطان وحينئذ يَسْجُدُ لها الكفار، ثم صَلِّ فإن الصلاة مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتى يَسْتَقِلَّ الظل بالرمح، ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصلاة فإن حينئذ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ، فإذا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فإن الصلاة مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتي تُصَلِّىَ العصر، ثم أَقْصِرْ عن الصلاة حتى تَغْرُبَ الشمس فإنها تَغْرُبُ بين قَرْنَيْ شيطان وحينئذ يَسْجُدُ لها الكفار".

стр. 105

قُلْتُ: يا نبي الله فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عنه؟ قال: "ما مْنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وضوءه فَيُمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إلا خَرَّتْ خَطَايَا وجهه وفيه وَخَيَاشِيمِهِ (مع الْمَاءِ) (١)، ثُمَّ إذا غَسَلَ وجهه كَمَا أمره الله خَرَّتْ خَطَايَا وجهه من أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مع الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يديه إلى الْمِرْفَقَيْنِ إلا خَرَّتْ خطَايا يَدَيْهِ من أَنَامِلِهِ مع الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رأسه إلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ من أَطْرَافِ شَعْرِهِ مع الماء، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الْكَعْبَيْنِ إلا خَرَّتْ خطايا رِجْلَيْهِ من أَنَامِلِهِ مع الماء، فإن هو قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عليه وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ أَهْلٌ له وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لله انْصَرَفَ من خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أمه". وَحَدَّثَ عمرو بن عَبَسَةَ بهذا الْحدِيثِ أبا أُمَامَةَ صاحب رسول الله ﷺ فقال له أبو أُمَامَةَ: يا عَمْرَو انْظُرْ ما تَقُولُ؟ فقال عَمْرٌو: لقد كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي واقْتَرَبَ أَجَلِي وما بي حَاجَةٌ أن أَكْذِبَ على الله ولا على رسوله لو لم أَسْمَعُهُ إلا مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا- حتي عَدَّ سَبْعًا- ما حَدَّثْتُ به (أَحدًا) (٢) ولكني سَمِعْتُهُ أكثر من ذلك. في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ وعزيزٌ من رواية الصحابي عن الصحابي أخرجه مسلم (٣) هكذا وانفرد به، وليس لعمرو بن عبسة في كتاب مسلم إلا هذا الحديث،

стр. 106

ولم يُخَرِّجِ البخاري من روايته شيئًا، وروى الحديث أو بعضه عن أبي أمامة: لقمان بن عامر، وعن عكرمة: أبو الوليد الطيالسي، وروي عن شداد عن عمرو من غير توسيط أبي أمامة. وعمرو: هو ابن عَبَسَة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب أبو نجيح السلمي، من السابقين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ كان يقال له: ربع الإسلام، لأنه رابع من أسلم، نزل الشام. روى عنه: أبو أمامة الباهلي، ومعدان بن أبي طلحة، وعدي بن أرطاة. وفي الحديث بيان بعض حاله (١). وأبو أمامة: هو صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ بن وهب بن عمرو بن عامر الباهلي، من الصحابة المشهورين. روى عنه: خالد بن معدان، وأبو سلام مَمْطُورٌ، وشداد. سكن مصر ومات بالشام سنة ست وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين (٢). وشداد بن عبد الله: أبو عمار القرشي الأموي الدمشقي مولى معاوية بن أبي سفيان. سمع: وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ، وعبد الله بن فَرُّوخَ. روى عنه: الأوزاعي، وعكرمة بن عمار (٣). يحيى بن أبي كثير: أبو نصر اليماني الطائي من أهل البصرة، سكن اليمامة،

стр. 107

ويقال: إن اسم أبي كثير صالح بن المتوكل. رأى أنسًا، وسمع: أبا قِلابة، وأبا سلمة بن عبد الرحمن. روى عنه: حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، وهشام الدَّسْتُوَائِيُّ، وأيوب. مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين (١). وعكرمة بن عمار أبو عمار العجلي اليامي. سمع: أبا زُمَيْلٍ سِماكًا، وإياس بن سلمة، وسالم بن عبد الله، ويحيى بن أبي كثير. روى عنه: مصعب بن المقدام، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك، وزيد بن الحباب، ونصر بن محمد (٢). والنَّضْرُ: هو أبو محمد بن محمد بن موسي الجرشي اليمامي. سمع: صخر بن جويرية. وروى عنه: شجاع بن الوليد، وعباس العنبري، وأحمد بن يوسف السلمي (٣). وأحمد بن جعفر: هو المَعْقِري ويقال: الْمعقَري. سمع: نضر بن محمد. وروي عنه: مسلم وهو من أفراده، وكذلك عكرمة، وشداد (٤). وأبو الحسين: هو الإمام المشهور مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري

стр. 108

النيسابوري صاحب "الصحيح". سمع: أحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وغير واحدٍ. وله سوى "المسند الصحيح": "المسند الكبير" على الرجال، و "الجامع الكبير" على الأبواب، وكتاب "الأسماء والكني" ومصنفات كثيرة، وكان يقول العلماء في عصره من أقرانه وممن هو أكبر منه: لن نعدم الخير ما أبقى الله أبا الحسين للمسلمين. توفي سنة إحدى وستين ومائتين (١). وأبو إسحاق: هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوري. كان من العُبَّادِ المجتهدين، يقال: كان مجاب الدعوة. لازم مُسْلِمًا، وسمع أيضًا: محمد بن رافع، ومحمد بن مقاتل، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ. توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (٢). ومحمد بن عيسي: هو أبو أحمد بن عيسي بن محمد بن عبد الرحمن، الصوفي الزاهد ويشتهر بِالْجُلُودِيِّ بضمِّ الجيم، ومنهم من فتح الجيم ولا اعتماد عليه. صحب أبا حفص والمشايخ وكان يورق ويأكل من كسب يده، وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري. سمع: عبد الله بن شيرويه، وابن خزيمة، وغيرهما.

стр. 109

روى عنه: الحاكم أبو عبد الله. توفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة (١). وعبد الغافر: هو أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي. من أهلِ الحديثِ والعلمِ، وكانَ قليلَ السَّماعِ، لكنَّ اللَّه تعالى بارك في سماعه وروايته، وصار راوية "صحيح مسلم" و "غريب الخطابي". سمع: بِشْرَ بن أحمد الإسفراييني، وأبا العباس الْمِيكَالِيَّ، وأبا عمرو بن حَمْدَانَ. توفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة في شوالها (٢). ومحمد بن الفضل: هو أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الْفُرَاوِيُّ. فقيهٌ مناظرٌ محدثٌ واعظٌ، رُزِقَ السماعات والإجازات العالية، وأدرك الأئمة الكبار كَالصَّابُونِيِّ والبيهقي والأستاذ أبي القاسم، ولازم درس إمام الحرمين أبي المعالي ما عاش، ويقال: إن الإمام لما حضر الموت سئل عمن يراجَع من أصحابه في المشكلات فأشار إلى الْفُرَاوِيِّ. ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وتوفي سنة ثلاثين وخمسمائة في شوالها (٣). وشيخي ﵀: هو أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس الطَّالْقَانِيُّ ثُمَّ الْقَزْوِينِيُّ أبو الخير.

стр. 110

إمامٌ كثيرٌ الخيرِ، موفر الحظ من علوم الشرع حفظًا وجمعًا ونشرًا بالتعليم والتذكير والتصنيف، وكان لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله تعالى ومن تلاوة القرآن، وربما قرئ عليه الحديث وهو يصلي ويصغي إلى القارئ وينبهه إذا زَلَّ، واجتمع له مع ذلك القبول التام عند الخواص والعوام، والصيت المنتشر، والجاه والرفعة، وتولى تدريس النظامية ببغداد مدة، محترمًا في حريم الخلافة مرجوعًا إليه، ثم آثر العود إلى الوطن واغتنم الناس رجوعه إليهم واستفادتهم من علمه، وتبركوا بأيامه. وسمع الكثير من الْفُرَاوِيِّ، وزاهر، وفهرست مسموعاته متداول، ومما سمع من الْفُرَاوِيِّ بقراءة تاج الإسلام أبي سعد السمعاني، ومن خطة نقلت سماعه: "دلائل النبوة" وكتاب "البعث والنشور" وكتاب "الأسماء والصفات" وكتاب "الاعتقاد" للبيهقي، وبقراءة الحافظ عبد الرزاق الطَّبَسِيِّ: "التفسير الوجيز" للواحِدِيِّ، وبقراءة الحافظ أبي القاسم الدمشقي "جزء من حديث يحيي بن يحيى" وغيره، وذلك في سنتي تسع وعشرين وثلاثين وخمسمائة. وكان يعقد المجلس للعامة في الأسبوع ثلاث مرات: إحداها: صبيحة يوم الجمعة فتكلم على عادته يوم الجمعة الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ (١) وذكر أنَّها من أواخر ما نزل من القرآن، وعدَّ الآيات المنزلة أجزاء منها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، ومنها سورة النصر، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى
следующие страницы →