تخرج إلى جدة، ويسقط عنها الوداع، ولكن تكون في حكم الإحرام فلا يقربها زوجها إذا طهرت، ومن حين تطهر ترجع إلى مكة لتأتي بطواف الإفاضة، وينبغي أن تحرم من جدة في دخولها بعمرة، فإذا طافت وسعت لعمرتها وقصرت من شعرها حلت من العمرة، وحينئذ تطوف طواف الإفاضة (١). (٦/ ٦٢).
* هذه المرأة التي ذهبت إلى جدة قبل طواف الإفاضة إن جامعها زوجها حينئذ فلا يحل لبقاء الإفاضة عليها، وتخير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين، وعليها أن ترجع إلى مكة بعمرة … كما في المسألة السابقة. (٦/ ٦٤).
* الرجل الذي حج ورجع إلى أهله قبل أن يطوف طواف الإفاضة، يلزمه أن يرجع لمكة، فإذا وصل إلى الميقات أحرم بعمرة، فإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت لعمرته التي أحرم بها من الميقات، ثم سعى بين الصفا والمروة، ثم حلق رأسه لعمرته المذكورة وبعد ما يفرغ منها يطوف طواف حجه السابق، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ولا شيء عليه غير ذلك، ثم يعرف أنه في هذه المدة لا يقرب امرأته. (٩/ ٢ - ٦٣).
* الصواب الذي عليه الجمهور أن القارن يجزيه سعي واحد. (٦/ ٦٥).
* أما المتمتع فالاحتياط وهو الذي عليه الفتوى والعمل أنه يسعى سعيًا ثانيًا. (٦/ ٦٥).
* ثم بعد ذلك مندوب الطواف كل وقت، وكان بعض الناس يحاول أنه لا يستحب، ويقولون: إن النبي ﷺ ما جاء عنه ولا طواف، ولكن هذا قول ما يلتفت
стр. 212
إليه، فكون الطواف عبادة مستقلة يثاب عليها شيء معلوم معروف عن الأئمة الأربعة وعند الأصحاب، فهذا قول لا وجه له وباطل، فيستحب الإكثار من الطواف ولا سيما في حق الآفاقي، فإن تطوعه بالطواف أفضل من تطوعه بالصلاة. (٦/ ٦٦).
* المشروع أن يكون الحاج في منى نهاره، لا سيما قرب زوال الشمس إلى الغروب ونحو هذا، فإنه مندوب، لأجل رمي الجمرات، ولأجل إقامة ذكر الله وإن كان غير واجب. (٦/ ٦٦).
* من رمى الجمار أيام التشريق بعد الزوال، ولكنه بدأ بالكبرى، ثم الوسطى، ثم الصغرى، فرميه منكس، ولا يصح، لأن النبي ﷺ رمى رميًا مرتبًا، وقال: «خذوا عني مناسككم» والأمر يقتضي الوجوب. (٦/ ١٢٠).
* من نكس الرمي في يوم أو يومين، وترك الرمي في اليوم الثالث، فيجب عليه عند الجميع فدية واحدة، تذبح في الحرم، وتوزع على مساكينه، فإن لم يستطع فيصوم عشرة أيام. (٦/ ١٢٠).
* من ترك المبيت بمنى، فيجب عليه فدية ذبيحة، وليس حكم هذا الفدي حكم ذبائح النسك في الذبح بمنى، بل يذبح هذا الفدي بمكة، ويفرق على الفقراء، سواء من أهل مكة، أو من فقراء الحجاج، ولا يأكل الحاج الذي لحقه هذا الفدي منه شيئًا، فإن لم يجد الفدي فيصوم عشرة أيام. (٦/ ٢٠ - ١٢١).
* المرجح: هو أن غير السقاة والرعاة مثلهم، في جواز ترك المبيت بمنى، مثل من كان له في مكة مال يخشى عليه، أو حرم يخشى عليهم، أو غير ذلك،
стр. 213
فإن له ترك المبيت (١). (٦/ ١٢١).
* من طاف طواف الإفاضة قبل أن يخلص الرجم، ونوى في طوافه للإفاضة والوداع فإنه لا يجزئه عن الوداع، لأنه لم يكمل أعمال الحج بعد. (٦/ ١٢٢).
* من طاف للإفاضة بعد فراغه من الرمي ونواه للإفاضة، واكتفى به عن الوداع، ولم يقم بعده بل سافر في الحال كفاه عن الوداع. (٦/ ١٢٢).
* جميع من يسافر من الحجاج إلى جدة أو غيرها فعليه الوداع، فإنه أحد واجبات الحج. (٦/ ١٢٢).
* المتكرر دخوله لمكة وخروجه إلى جدة كثيرًا كالذي يدخل كل يوم، أو في اليوم مرتين، أو كل يومين مرة، أو ما يقرب من ذلك، فلم أقف على تصريح لعلمائنا بسقوط الوداع عنهم، ولعله أن يسهل في هذا من أجل مشقة التكرار ومن أجل أن السيارات قربت المسافة (٢). (٦/ ١٢٢).
* شراؤه بعد ما يودع ما هو من أهبة سفره ليس مثل التجارة، والحوائج الأخر التي ليست تجارة مثل ما يتحف به أقاربه وهي المسماة «الصوغة» (٣) فإن هذا لا يخل ولا يعد تجارة، هذا لا يسمى اتجارًا غير أن المستحب أن يبدأ بذلك. (٦/ ١٢٣).
стр. 214
* إذا لم يطف للوداع وكان حجه فريضة فالظاهر: أنه يستنيب (١) في طواف الوداع، بل إذا عجز طيف به راكبًا أو محمولًا، فإن لم يفعل فعليه دم. (٦/ ١٢٣).
* إذا كان الجندي لا طاقة له في مخالفة الأوامر الصادرة عليه بمغادرة مكة قبل الوداع، فنرجو أن يكون معذورًا بذلك، فيسقط عنه وجوب طواف الوداع. (٦/ ١٢٣).
* المنصوص: أن من خرج من مكة مسافة قصر فأكثر سواء سافر إلى وطنه أو إلى غير وطنه، وترك طواف الوداع فعليه دم، ولو رجع إلى مكة لأجل الوداع لم يسقط الدم عنه، وسواءً تركه خطئًا أو نسيانًا أو تعمدًا، ولا فرق، لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور (٢) وغيره. (٦/ ١٢٤).
* لا يفتى بسقوط الوداع عن الحائض إلا إذا كان ثم مشقة. (٦/ ١٢٤).
* لو أخر طواف الزيارة إلى وقت خروجه من مكة؟
فيظهر: أنه لو نواهما جميعًا لم يكف، بل لا بد من تمحيضها (٣) للإفاضة، ويصدق عليه أنه آخر عهده بكل حال. (٦/ ١٢٤).
* الأصحاب: ذكروا استحباب الوقوف بالملتزم عند وداع البيت، ولعل مرادهم أن أولى ما يكون عند المفارقة يفعل هذا، وإلا لو فعله قبل في حين من الأحيان كان له محل. (٦/ ١٢٥).
стр. 215
* جاء في فضل هذا الالتزام واستحباب الدعاء فيه أحاديث، حتى إنه مروي بذلك مسلسل من المسلسلات إلى عطاء، فيقول الراوي عن ابن عباس: إني دعوت ربي دعوة فأعطانيها. إلى الآن. (٦/ ١٢٥).
* وأنا (١) دعوت الله عند الملتزم دعوة هامة شاقة (٢) فاستجيب لي هذه السنة فأعطيتها، وليست أهميتها طلب دنيا. (٦/ ١٢٥).
* من آداب الدعاء: حمد الله والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم سؤال العبد ربه، وإن أخرها (٣) وختمها فكذلك.
* الحطيم من البيت، ومن يكون فيه فكأنه داخل البيت، لكن لا يدنو من عبادة الطواف (٤)، والعوام والجهال يزاحمون عليه، وعند العوام أنه أكبر شيء. (٦/ ١٢٥).
стр. 216
زيارة مسجد النبي ﷺ (١)
* قول الأصحاب: وتستحب زيارة قبر النبي ﷺ … إلخ يحمل على أن المراد به المسجد، إحسانًا للظن بالعلماء، وإلا فالذي تشد الرحال إليه هو المسجد. (٦/ ١٢٦).
* وشاد الرحال: إما أن يريد المسجد فقط، أو القبر فقط، أو هما:
- فإن قصد المسجد فهو مشروع، لقوله: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام».
- وإن أراد القبر فليست مشروعة، فالقبور من حيث هي لا تشد لها الرحال، وأما زيارتها بدون شد رحل فيجوز، ومرغب فيه.
- وأما إذا قصدهما فيجوز، ويدخل القبر تبعًا، وليس هذا استهانة، بل إن الله سبحانه جعل الصلاة عليه من البعيد تبلغ من أمته، بل أبلغ من ذلك أن أعمال أمته تعرض عليه فيسر بالحسن ويستاء بالسيئ، ومن جملة ذلك الصلاة عليه بعد وفاته.
فلا يكون شيء من الغضاضة أنه لا يقصد القبر، ولا يفيد عدم اهتمام أو إعراضًا عمن في القبر، إنما تروج هذه على الخرافيين الغلاة الذين لم يعرفوا ما بَيَّنه الرسول ﷺ .
стр. 217
أما أهل التوحيد المحض فإن اعتقاداتهم وأعمالهم وأقوالهم يميزون بين ما هو حق وما هو زور وكذب وليس من سنته، أفلا يكون هذا الصنيع كله تبع لما جاء به رسوله ﷺ . (٦/ ١٢٦).
* الواصل إلى المسجد إذا صلى، وأراد السلام عليه ﷺ ، وقف عند الحجرة وسلم عليه كما يسلم عليه ﷺ في الحياة يعني يكون أمام وجهه مستقبلًا للنبي ﷺ حال السلام عليه فقط، يصير وجهه شمال المسجد النبوي. وكذلك «قبري صاحبيه». (٦/ ١٢٧).
* حال أهل المدينة مع القبر؟
حالهم كما فعل ابن عمر ﵁، لا يرى أنه كلما دخل المسجد بل لا يفعل ذلك إلا عند مبارحة المدينة أو القدوم من السفر، ومن المعلوم أن الصلاة عليه في الصلاة في المسجد يكفي، كما يكفي من البعيد، ثم فعل ذلك عند دخول المدينة أو مغادرتها شيء آخر. (٦/ ١٢٧).
* حديث: «من حج ولم يزرني فقد جفاني» ضعيف، ولا يصح الاحتجاج به، ولو يصح فإنه يحمل على حالة ليس فيها شد رحل، لصراحة وصحة أحاديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». (٦/ ١٢٧).
* مما يدل على أن النبي ﷺ يأبى لأمته (شد الرحال لزيارة قبره) ما جاء عنه واشتهر: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء»، «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام»، «لا تجعلوا قبري عيدًا» وأحاديث كثيرة ظاهرة أن الذي يحبه لا يأتي إلى قبره لأجل هذا الغرض- السلام-، بل هذا حاصل للأمة ولم يحوجوا إلى شد الرحال
стр. 218
ليقفوا عند قبره، فليست عبثًا، بل مراد معناها وأنه يكتفي بذلك. (٦/ ١٢٨).
* الزيارة بعدما يفرغ من الحج.
ولا يبدأ بها على الحج كما يفعله كثير، وهذا في الحقيقة من صنع الخرافيين ومن يلحق بهم ويشابههم، حتى إن بعض من يحج يرجع من المدينة ويقول: يكفيني عن حج البيت.
وهذا غلو في الحجرة لا يأتون للمسجد. (٦/ ١٢٨).
* استشكال وجوابه:
إن قيل: إذا كانت الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في المسجد النبوي بالأضعاف المذكورة، فكيف يقصد إلى المدينة ويزور المسجد النبوي؟
فيقال: هذا كسائر الأعمال الصالحة التي في بعضها من الفضيلة الشيء الكثير، ولا يقال: يكتفى بهذا، بل هذا نوع وهذا نوع، وكمال الاتباع أن يتبع ﷺ ويُرغب فيما رغب فيه على وجوهه المتنوعة. (٦/ ٨ - ١٢٩).
* حديث: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»
ليس فيه دليل على أنه يدفن فيه.
ومن معناه: أن هذه هي الروضة النبوية، وأن بها بدأ العلم، وبيان النبي ﷺ الشرع: بيان الكتاب والسنة، وأخذ الصحابة عنه ذلك … (٦/ ١٢٩).
* الصحيح منع النساء من زيارة قبره ﷺ . (٣/ ٢٣٩).
стр. 219
* زيارة قبر النبي ﷺ في رجب، ما لها أصل. (٦/ ١٣١).
* الطواف بالحجرة شرك، لا يطاف إلا ببيت الله، والطواف بحجرته ﷺ طواف به، فهو شرك أكبر. (٦/ ١٣٥).
* يحرم التمسح بالحجرة، وهو من روائح الشرك ووسائله. (٦/ ١٣٦).
* قد ابتلي كثير من الحجاج والأفاقين برفع أصواتهم عند قبر رسول الله ﷺ بل ابتلوا بالبدع. بل بالشرك الذي يصرخ به هناك، وهذا من غربة الدين، ومن وحشة الزمان وأهله … (٦/ ١٣٦).
* بعض الغلاة يضع يديه على صدره ويطأطئ رأسه، ويقع منهم ألفاظ الغلو، لكن الله حمى قبر نبيه ﷺ أن يوصل إليه بشيء من ذلك، إنما هو من وراء الجدران. (٦/ ١٣٦).
стр. 220
القدس والصخرة
* الصخرة لم يصح في فضلها شيء من الأحاديث. (٦/ ١٣٨).
* دعوى: أن في الصخرة أثر قدم النبي ﷺ غير صحيح. (٦/ ١٣٨).
* أرفع شيء في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود، وهي في المكان كيوم السبت في الأزمان، فأبدل الله بها الأمة المحمدية الكعبة البيت الحرام. (٦/ ١٣٨).
* ما ذكر أن الله يقول للصخرة: أنت عرشي الأدنى. كذب وافتراء على الله. (٦/ ١٣٩).
* الصحابة والتابعون لهم بإحسان ﵃ لم يكونوا يعظمون الصخرة ولا يصلون عندها. (٦/ ١٤١).
стр. 221
باب الفوات والإحصار
* الاشتراط لا ينفع إلا إذا خشي وجود حادث، ككون هناك عدو أو مرض يخشى أن يمنعه، أما إذا لم يلم به شيء فإنه لا ينفعه، فإن ضباعة إنما أرشدها إلى أن تشترط لما كانت وجعة. (٦/ ١٤٤).
* إذا أخطأ الناس فوقفوا في الثامن وعلموا فإن زمن الوقوف بقي بحاله (١). (٦/ ١٤٤).
* بخلاف إذا لم يعلموا بالخطأ إلا في العاشر وقد وقفوا بعرفة، أو أقبلوا عليها، فإنه لا يمكنهم إلا هذا. (٦/ ١٤٤).
* الذي معه هدي إذا صد عن البيت يذبحه ثم يتحلل، والذي ليس معه هدي لا يلزمه، بدليل أن النبي ﷺ لم يبين هناك (٢) الوجوب على من لا هدي معه. (٦/ ١٤٤).
стр. 222
باب الهدي والأضحية
* أصل التضحية في حق الحي يضحي عن نفسه. (٦/ ١٤٥)
* قوله ﷺ : «عن محمد وأمة محمد» هذا هو المعتمد في التضحية عن الأموات، وأيضًا هي قربة من القرب، ومتقرر عند الجماهير أن إهداء القرب مشروع. (٦/ ١٤٥).
* الذي يضحي عن غيره ولا يضحي عن نفسه عمله هذا مرجوح. (٦/ ١٤٥).
* الناس كادوا يخرجون عن أصل الشرعية، فإن هذه التضحية بهذه الكثرة ما كانت في السلف. (٦/ ١٤٥).
* الكبش الأقرن أفضل، وإن كان القرن غير مأكول، لكنه كمال في الخلقة، وربما يكون في الغالب قوة في بدنه وجزالة. (٦/ ١٤٥).
* «موجوئين» خصيين. (٦/ ١٤٦).
* «فحيلين» فحيل قوي في الخلقة، فإن فحيل كل شيء جيده، ليس المراد غير خصيين لئلا يتنافي مع ما تقدم. (٦/ ١٤٦).
* يصح التضحية بالشاة الحامل، كما يصح بالحائل، إذا كانت سليمة من العيوب المنصوصة في الأضاحي. (٦/ ١٤٦).
стр. 223
* إجزاء الشاة الرجل وأهل بيته ولو الأموات، حتى لو كانوا (١) ليسوا في بيته بل متفرقين إذا صار يشملهم هذا الاسم، يرشحه (٢) ما تقدم في الحديث: «محمد وأمة محمد» الناس مع أبيهم كأهل البيت مع راعيه، وهو ﷺ ضحى عن جميع المسلمين أحيائهم وأمواتهم، وبعضهم قد توفي. (٦/ ١٤٦).
* الشاة لا تجزئ عمن كانوا في بيت واحد مأكلهم ليس واحدًا. (٦/ ١٤٦).
*إذا كان مأكلهم واحدًا، هؤلاء بمنزلة الرفقة في السفر، فيكونون ملحقين بأهل البيت الواحد. (٦/ ١٤٧).
* من كان يسكن هو وزوجته، ورفيقه وزوجته في دار واحدة، ومصروفهم وأكلهم وشربهم واحد، فإنه يجوز أن يشتركوا في شاة واحدة، لأنهما في حكم أهل البيت الواحد. (٦/ ١٤٧).
* الأوقاف التي أوقف في أضاحي، وقد نقصت غلتها عن قيمة أضحية كاملة لا يظهر لنا وجه صحيح يسوغ جمع غلال هذه الأوقاف بعضها إلى بعض ليشتري بها أضحية تذبح كل سنة على نية الموقفين، كل على حسب ريع وقفه، والأولى بقاؤها على ما كانت لأن الموصي أوصى بدم كامل، والتشقيص يفوت عليه مقصوده. (٦/ ١٤٨).
* البدنة والبقرة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، فالسبع لا يجزئ عن الرجل وأهل بيته لأنه ليس دمًا كاملًا، وإنما هو جزء دم. (٦/ ١٤٩).
стр. 224
* سبع البدنة لا يجزئ إلا عن شخص واحد، والدليل إنما يطلب ممن أجازه، لأنه المدعي إجزاء السبع عن اثنين فصاعدًا، ولا فرق في ذلك بين الهدايا والضحايا، ولا يجد مدعي ذلك إلى تحصيل الدليل سبيلًا، والنسك عبادة محضة، والعبادات توقيفية. (٦/ ١٥٠).
* البدنة والبقرة عن سبعة أشخاص، لا عن سبع شياه. (٦/ ١٥٠).
* لا شك أن الأضحية بدم كامل أفضل من التشريك في سبع بدنة أو بقرة، لكن إذا كانت الوصية لا تكفي لقيمة دم كامل وأردت أن تشترك في سبع بدنة أو بقرة، فذلك جائز ومجزي، إذا كانت الأضحية لشخص واحد. (٦/ ١٥١).
* قوله: «لا مخ فيها» المخ هو ما يكون في العظم المجوف، كعظم الساق أو العضد والفخذ. و «المخ» هو الدهن، فإنها إذا قويت كان في عظامها دهن، وإذا هزلت لم تكمل استحالته دهنًا بعدُ، أو كان دمًا أحمر. وإذا لم يكن دمًا فيحتاط لأنها إذا كانت كذلك فهي رديئة اللحم. (٦/ ١٥١).
* إذا كان لا شحم فيها إلا قليلًا وفيها مخ فتجزئ، إلا أن ما كان أسمن فهو أفضل. (٦/ ١٥١).
* «العرجاء» التي لا تطيق مشيًا مع صحيحة، أما العرج اليسير الذي لا يردها عن ذلك، بل فيها غمز فتجزي مع نقص. (٦/ ١٥٢).
* «الجداء» ما عاب ونشف ضرعها، أما لو ولدت ولا در فيها فلا تجزي، لما فيها من النقص الظاهر.
стр. 225
أما التي عاب شق دون شق فتجزي، لكن مع الكراهة والنقص. (٦/ ١٥٢).
* «المريضة» كالتي بها وِعَالْ، أو أبو رمح، أو مهيومة، أو مجدورة، أو جرباء، أو نحو ذلك. (٦/ ١٥٢).
* المرض لا فرق بين أن يكون متلفًا أو لا. (٦/ ١٥٢).
* المريضة المرض الذي يفسد اللحم لا تجزي، إما إذا كان مرض مثله ما يفسد اللحم فهذه تجزي، لكن مع النقص. (٦/ ١٥٢).
* «العضباء» التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، أما لو ذهبت واحدة فإنها لا تجزي، أو أكثر قرنها فإنها لا تجزي، فالعضب هنا يكون في موضعين في الأذن والقرن. (٦/ ١٥٢).
* الخصي غير المجبوب هذا يجزي، وقد يكون فضيلة في الأضحية. (٦/ ١٥٣).
* المقابلة، والمدابرة، والشرقاء، والخرقاء، تكون في الإبل والبقر، ولكن هي في الغنم أكثر. (٦/ ١٥٣).
* قولهم في ذبح الهدايا: «بعد الإمام» هذا إن كان الإمام تهيأ، بأن كان له محل مهيء حول المصلى، أما إذا كان لا يعلم متى يذبح فالحكم حينئذ غير متصور. (٦/ ١٥٤).
* يجوز أن يتصدق على جازرها منها، إن كان أهلًا للصدقة. (٦/ ١٥٤).
* ولا يجوز أن ينقص أجرة الجزار من أجل أنه تصدق عليه. (٦/ ١٥٤).
стр. 226
* إذا اشتراها صحيحة ثم تعبت من غير تعدٍّ منه ولا تفريط، فإنه يذبحها في أيام الذبح وهي معيبة. (٦/ ١٥٤).
* إذا اشترى وصية عنده وضاعت، فإن كان متقدمًا بالشراء كمن يشتريها من رمضان أو من شوال - وهي وصية - فإنه يضمن. (٦/ ٤ - ١٥٥).
* لعل تقدمه بالشراء باليومين والثلاثة والأربعة قبل يوم الذبح ما فيه مشكل مخافة أنه لا يوجد شيء بعد، أو خاف من الغلا، فيتقدم بقدر ما جرت العادة به غالبًا. (٦/ ١٥٥).
* الوصي يلزمه لموصيه مثل ما يفعله لنفسه، فإن تعدى أو فرط ضمن، وإلا فلا يضمن. (٦/ ١٥٥).
* الأضحية التي هي غلة الموقوف: تكون أثلاثًا فيندب أن يتصدق بثلث، ويهدي ثلثًا، وأولياء هذا الواقف يأكلون ثلثًا.
* بعض أهل الكبر لا يأكل من الضحايا، بل يذبح له غيره، لأنه يمتاز عن غيره، فهذا من العنة والكبر. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا … ﴾ [الحج: ٢٨] هذا أمر، وإن كان مفاده الندب، ولو قال أحد بالوجوب لكان له وجه. (٦/ ١٥٥).
* الذي يريد أن يضحي لنفسه لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يذبح تلك الأضحية، إلا أن يكون حاجًّا فيقصر يوم النحر مع الحجاج. (٦/ ١٥٦).
стр. 227
* المضحي إذا عرض له في العشر عمرة فإنه يحلق للعمرة ولو أنه سيضحي، لأن «مسألة النسك» أهم من «مسألة الأضحية». (٦/ ١٥٦).
* الأخذ من الشعر في العشر لمن أراد أن يضحي حرام على قول، والأظهر أنها على الكراهة. (٦/ ١٥٦).
стр. 228
العقيقة
* العقيقة عن الذكر والأنثى مستحبة. (٦/ ١٥٦).
* وهذا الاستحباب في حق الأب فقط، لأن الخطاب في الحديث موجه إليه. (٦/ ١٥٧).
* شخص رزق مولودًا فاشترى عقيقة، وعند مجيئه بها إلى البيت وجد فيه ضيوفًا فذبحها على أنها تميمة ولده، وقدمها للضيوف وهم يعتقدون أنها ضيافتهم، وحياهم عليها دون أن يذكر أنها تميمة؟
ما دام قد اشتراها تميمة، وذبحها على أنها تميمة، ولم يؤجل ذبحها انتظار لضيوف يأتون إليه، فلا يظهر لنا مانع من إجزائها تميمة، وإذا لم يكن قد أخرج منها شيئًا صدقة فينبغي أن يضمن قدر أوقية لحم يتصدق بها. (٦/ ١٥٧).
* السنة أن يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، وإن اقتصر على واحدة فلا بأس. (٦/ ١٥٨).
* الزيادة على شاتين في العقيقة ليس مشروعًا، ليس خبرًا من الرسول ﷺ ، إنما هذا تبع للأشر والبطر والإسراف. (٦/ ١٥٨).
* لكن لو زاد عن شاتين لأنه يريد أن يدعو من يعزون عليه وفيهم كثرة فمن هذه الناحية لا بأس بالزيادة. (٦/ ١٥٨).
* إذا ذبح الأضحية عن أُضحية نواها وعن العقيقة كفى. (٦/ ١٥٩).
стр. 229
* «مسألة» لو رزق أولادًا واتفق اسمهم في يوم مثل التوأم، يجزي اثنين عنهما، وكذلك لو كانوا عشرة، أو بينهما تفاوت في الأيام، فيقصد عقيقة عن الجميع، نظير من دخل المسجد، ومن صلى الفريضة بعد الطواف تتداخل المشروعات، ونظير ذلك غسل الجنابة والجمعة. (٦/ ١٥٩).
* بعض الناس يرى أن المولود يلطخ رأسه بدم العقيقة، وسبب هذا أنه وهم في بعض ألفاظ الحديث. (٦/ ١٦١).
* على الأب أن يسمي ابنه باسم حسن. (٦/ ١٦٢).
* هناك أسماء يتسمى بها بعض الناس مما لم تكن معروفة، ولا مألوفة، وفيها إيهام وإساءة أدب مثل: شر الله، وأمر الله، سيد الرحمان، ونسيم إلاهي، وحياة محمد، ونحو ذلك.
لقد تأملنا ما ذكر، ووجدنا أغلب الأسماء التي ذكرتها توهم معاني غير صحيحة، ولا يجوز إطلاقها على الله ﵎، ولهذا فلا ينبغي التسمي بها. (٦/ ١٦٢).
* لا يظهر لنا مانع شرعًا من تغيير الجعفري اسمه إلى ما رغب أن يكون عليه، بعد اعتناقه مذهب أهل السنة. (٦/ ٢ - ١٦٣).
* لا مانع من بقاء ابنك على اسمه (شوعي) لأنه لا يترتب عليه محذور شرعي. (٦/ ١٦٤).
* من أخر العقيقة سنة لكونه معسرًا ثم وجدها، يتبعها تحري الأيام السبعة بعد ذلك، ولو شاب المولود، وهي قربة في حق الأب. (٦/ ١٦٥).
стр. 230
* إذا ولد ثم مات قبل أن يعق عنه، يعق عنه بعد موته. (٦/ ١٦٥).
* قوله ﷺ : «لا فرع ولا عتيرة» النفي يفيد البطلان ك «لا عدوى ولا طيرة» أفلا يكون «لا فرع ولا عتيرة» إبطال لذلك؟! … هذا مع دلالة: «من تشبه بقوم فهو منهم» مع دلالة أن الرسول ﷺ منع من مشابهة الجاهلية.
ثم هذا من باب العبادات، والعبادات توقيفية، فلو لم ينفها ﷺ كانت منفية، فإن أمور الجاهلية كلها منتفية لا يحتاج إلى أن ينصص على كل واحد منها. (٦/ ٥ - ١٦٦).
стр. 231
تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك (١)
الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور نفسي، ومن سيئات عملي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فإنه لما كان في منتصف ذي الحجة شهر الله الحرام أحد شهور عام خمس وسبعين وثلاثمائة وألف وأنا في بلد الله الحرام مكة المكرمة، وقع إلى يدي كتاب من الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود، وبرفقه رسالة ألفها، وسماها «يسر الإسلام» وبين أشياء من مناسك حج بيت الله الحرام، ابتدأها بمقدمة تشتمل «أولًا» على مضمون شطر عنوانها الأول، وهو: يسر هذا الإسلام وتشتمل «ثانيًا» على مضمون شطر عنوانها الآخر وهو: بيان أشياء من مناسك حج بيت الله الحرام.
وقد ذكر في كتابه إليَّ المرفق به هذه الرسالة تأليفه إياها، وأنه أرسلها إليَّ لأنظر، هذا بعد أن طبع منها الألوف الكثيرة، وفرقها في نجد والحجاز وكثير من البلاد المجاورة. وهذا من العجيب، كيف ينشرها هذا النشر الشهير، ويوزعها هذا التوزيع العميم، ويكتب إليَّ لأخذ رأيي فيها. وكل من اطلع على رسالته من العلماء والطلاب لا يشك ولا يرتاب، أنه وقع بتأليفها في هوة مردية، واكتسب
стр. 232
بكتابتها سمعة مزرية، وفاه بجهالة جهلا، وضلالة في هذا الباب عميا وكنت قد عزمت بعد التوكل على الله أن أكتب ما يبين غلط فمه (١)، وزلقات قلمه، ثم بعد التروي ما شاء الله عدلت إلى أن أذكر زلاته لولي أمر المسلمين، رجاء أن يقوم بما أعطيه من السلطان مقام الرادع لهذا الإنسان، عما زينته له نفسه من الإقدام على هذا الشأن، الذي لم يسبقه إليه أحد بما يحمله إلى أن يتوب إلى الله سبحانه ويرجع عما كتبه في هذا الشأن.
ثم لم ألبث إلا قليلًا حتى أرسل إلي ولي أمر المسلمين الملك سعود. أيده الله بالحق. كتاب هذا الرجل إليه مرفقًا به هذه الرسالة، ويلتمس الملك سعود حفظه الله بيان ما لدي في ذلك، فبينت له أن رسالته قد اشتملت من الأغلاط على ما لم يسبقه إليه أحد، وتضمنت من مخالفة صريح السنة ومعاكسة ما درج عليه السلف الصالح وسائر علماء الأئمة ما لا يوافق عليه، وأنها أول أساس يتخذ لنقض أحكام الحج، ويسلط أرباب الزيغ والإلحاد أن يسلكوا من طرق نبذ الشريعة ما شاءوا أن يسلكوه، وأن يصلوا من هد بنائها القوي المحكم ما قصدوه ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وإعلاء كلمة دينه وظهوره.
وبعد أن كتبت للملك وفقه الله بالحق بمضمون ذلك مضى عليَّ زمن غير طويل، ثم لم أشعر إلا وقد قدم هذا الرجل إلى بلد الرياض وتحققت بعد أنه بإيعاز من الملك أيده الله بالحق إليه للاتصال بنا وبعلماء الرياض للبحث معه فيما يتعلق بهذا الصدد، وجلس معنا ومع جماعة العلماء مجلسين أو أكثر، بينا له فيها شفاهًا غلطاته، ووضحنا له أنه أبعد النجعة في اختياراته، وبعد تكرار
стр. 233
البيان ومزيد الإيضاح ظهر أنه غلط في رسالته عدة غلطات: ما بين غلطة كبرى فاحشة، وما بين أخرى دونها، وما هو دون ذلك، فأظهر الندم على ما كتب، وصرح بالتوبة عما إليه حول هذا الصدد قد ذهب، فقبلنا توبته، وعرفنا له رجوعه إلى الحق وأوبته، ودعونا له بالتوفيق وشكرنا الله ﵎ على هدايته إلى سواء الطريق، وقررنا معه أن المقام يفتقر إلى أكبر من ذلك، وأكثر مما هنالك، من تأليفه رسالة تتضمن رجوعه مدعمة بالأدلة، ومركزة على أصول تلحقها بفروع الملة، فأجابنا إلى ذلك، ووعد بأنه إذا وصل إلى وطنه «قطر» ونال الراحة بالأوبة من السفر: كتب تلك الرسالة، وضمنها جميع ما يحتاج إلى البيان من غلطاته وأسبابها، والتصريح بالرجوع عنها عن بسط بما يكفي ويشفي، وأنه يكفي حالًا كتابة رجوعه وظهور الحق له اختصارًا، وكتب كتابًا هذا نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بما أنه تقرر لدى فضيلة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز وسائر المشائخ الحاضرين بأنه حصل الغلط مني في شأن الرسالة المؤلفة في الحج، وذلك في موضعين منها: القول بتوسعة الوقت للرمي. ورأوا أنه مقدر بما بين الزوال إلى الغروب. ومنها: سقوط الرمي عمن لا يستطيعه حيث قلت به في الرسالة بدون أن يستنيب. ورأوا أن القول به خطأ مني، وأنه يجب مع العجز الاستنابة، فعليه فإني أتوب إلى الله من الخطأ فيما قلت، وأن القول قولهم، وأنا تابع وراجع عما قلت، فيتعين على من لا يستطيع
стр. 234
أن يستنيب من يرمي مكانه، وإني أستغفر الله مما جرى به القلم، أو زل به القدم.
قاله معترفًا به على نفسه
عبد الله بن زيد آل محمود.
وقد ذيلت على كتابه بما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أشرفت على ما كتبه الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، وقد سرني ذلك حيث رجع عما في رسالته المتعلقة بالحج من الأخطاء. ولكن لا بد من التصريح برجوعه عن القول بجواز الرمي قبل الزوال وكذلك عن القول بجوازه ليلًا. بعبارة واضحة، كما أنه لا بد أن يزيد بقوله: (أنا راجع عن جميع ما في رسالتي المطبوعة المتعلقة بالحج من الخطأ) وأن يصرح في هذا الكتاب بأنه سيكتب رسالة في ذلك، ويوضح أدلة الصواب في المسائل التي رجع عنها، ولا بد من تأليفه الرسالة فعلًا، وطبعها بعد أن تعرض علينا، ثم تفريقه إياها على من فرقت عليهم الرسالة السابقة. والقصد من ذلك. والله المطلع. نجاته وخلاصه هو ومن اتصلت إليه هذه الرسالة من الزلل والوقوع فيما يخالف الأدلة وجماعة العلماء، وقد التزم بما اشترطناه عليه أعلاه، وكتب تحته بقلمه ما نصه:
الحمد لله. نعم إنني قد التزمت لفضيلة الأستاذ المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم بأن أصنف رسالة تقتضي التصريح بالرجوع عما قلت في الرسالة المؤلفة في شأن الحج من خاصة القول بتوسعة الوقت للرمي، وأني أُصرح تصريحًا ليس بالتلويح في خاصة الرجوع عن القول بذلك، وأنه لا يجوز لأية
стр. 235
شخص في أن يقلدني في القول بذلك مع تصريحي بالرجوع عنه. وكذلك القول بالاستنابة في الرمي، فقد ترجح لدي قول فضيلة المفتي من القول بوجوبه، وبين الأدلة المقتضية لذلك، فمن أجله رجعت عن قولي إلى القول بوجوبه، لأن رأي جماعة العلماء أقرب إلى العدل والخير والصواب من رأيي وحدي، وسيحصل تأليف رسالة تقتضي التصريح بكل ذلك. إن شاء الله تعالى.
قاله عبد الله بن زيد آل محمود.
وبعد أن سافر إلى وطنه، ومضى ما يزيد على شهر بقينا منتظرين إرساله ما وعد به من تأليفه في الرجوع، ولم نزل عدة أشهر في الانتظار، حتى أسفر ليل تلك المواعيد عن خيبة الأمل، وأن الرجل لم يصدق في الموعود ولا عدل، وأنه بقي في ظلماء جهله، وفتنته بما به استدل مما هو أشبه شيء بالسراب بقيعة، ولما لم ينجح فيه الدليل والبيان، ولم يقبل مشورة أولئك الإخوان، وكانت المواعيد منه عرقوبية، ومساعيه حول هذا الصدد وخيمة وبية، وكانت فتنة الجهال وأرباب الكسل برسالته عظيمة، ومفضية إلى أن تبقى البراهين الشرعية ليس لها بين الأمة قيمة، ومؤدية إلى تضليل الأمة، وفتح باب غث الرخص، وانتهاز الملاحدة واللادينيين في إفساد الدين الفرص، ومفضية ولا بد بالجهال إلى التوثب بجهالتهم على الشريعة، وإبداء ما لديهم من توهمات فظيعة، رجعت إلى ما كنت قد عزمت عليه أولًا: من كشف شبهاته، والبرهنة على غلطاته، ليستقيم السبيل، ويؤخذ بواضح الدليل، ويكون المسلمون إخوة متعاونين على التمسك بالدين، والسير على وفق ما شرعه لهم سيد المرسلين ﷺ .
стр. 236
فأقول: أما ما قرره هذا الرجل في مقدمته من «يسر هذه الشريعة المحمدية» وبعدها كل البعد عن الآصار والأغلال. فأمر لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، ولا يشك فيه سواهم من علماء الملل الأخرى المنصفين، ولكن لم يرد به هذا الرجل حقًّا، بل أراد به باطلًا من حيث لا يشعر، وذلك أنه لا دليل فيها بوجه على ما ذهب إليه، كما أنه لا دليل فيها بوجه على صحة الصلاة بل ولا صحة ابتدائها قبل دخول الوقت بلحظة لا في حق المريض ولا في حق غيره، فلو أن قائلًا قال بصحة هذه الصلاة مستدلًّا بهذه القاعدة العظيمة - وهي يسر الشريعة المحمدية وبعدها عن الآصار والأغلال - لكان أقل أحواله أن يعد من أجهل الجاهلين. ونظير ذلك لو استدل بها الصائم الذي آلمه الجوع والعطش على جواز الإفطار لعد من الجاهلين الخاطئين، ومن أعظم الجناة على شريعة رب العالمين، وكم نزع أرباب الشهوات بهذا الأصل على ارتكابهم ما ارتكبوه من المعاصي. أفيكونون بذلك معذورين؟ كلا!
ويسر الشريعة المحمدية: مثل إفطار المسافر في رمضان، وإفطار المريض الذي يضره الصوم، ونحو ذلك، وكقصر المسافر الرباعية إلى ركعتين، وتيمم المريض بشرطه، وتيمم عادم الماء، ونحو ذلك مما هو منصوص عليه أو ملحق بالمنصوص عليه لتحقق اجتماعه معه في العلة، وأمثلة ذلك معروفة.
وما علم حكمه من نص الكتاب أو السنة وما يلحق بذلك كإجماع الأمة ونحو ذلك فلا يجوز مخالفته استدلالًا بنصوص يسر الإسلام وبعده عن الحرج.
стр. 237
وأرباب هذا المسلك لا مناص لهم عن أن ينصبوا راية الخلاف بين النصوص، ويضربوا بعضها ببعض، ويسلطوا الجهلة على سلوك هذا السبيل الوبي المهلك، ويبقوا في أعظم حيرة، ويستعملوا أنواعًا وألوانًا من طرق الدرء في نحور النصوص، وأن تكون لهم الخيرة من أمرهم، وإليهم النظر فيما يلم بهم من حادثة، وأن يفزع كل إلى ما يشتهي عند الكارثة.
ونظير ذلك ما قرره في هذه المقدمة من (أن الشريعة بنيت على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها) فإنه حق، وأصل أصيل، والشأن كل الشأن في التطبيق، وصدق ذلك عند التحقيق، فليس كل من استدل بها على رأي رآه يكون مصيبًا، فلا دليل فيه على ما ذهب إليه، ولا مستأنس له فيه، فإن كثيرًا من المنحرفين عن الصواب لا يزالون يعولون في زعمهم في الانحراف على هذا الشأن، وهم ليسوا من فرسان هذا الميدان، وقد أخطأ هذا الرجل في تفريعه على هذه القاعدة بما يعرفه أهل العلم، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وهكذا تقريره علة شرعية الحج، وأنه إقامة ذكر الله. فإن هذا صحيح ومعلوم بالنصوص، لكن أخطأ هذا الرجل في هذا المقام، وذلك أنه جعل ذكر الله المعني ها هنا هو الذكر القولي فقط دون الفعلي، ولم يعرج على ذكر الله الفعلي في أول بحثه أصلًا، بل لم يكتف بذلك، حتى صرح بما يقتضي خروج الذكر الفعلي عن ذلك.
ولم يدر المسكين أن الأذكار الفعلية أعظم شأنًا وأهم من الأذكار القولية،
стр. 238
ولهذا كانت أركان الحج وواجباته كلها فعلية ولم يكن منها واحد قوليًّا، ورمي الجمار من الأذكار التي هي من واجبات الحج. وأما الأذكار القولية التي يؤتى بها حال رمي الجمار وبعده فليس منها ذكر واجب إجماعًا، أفلا يستحي رجل هذه بضاعته في أحكام الحج من أن يتكلم فيه، فضلًا عن أن يكتب، فضلًا عن أن ينشر، فضلًا عن المبالغة العظيمة في النشر والتعميم؟!!
ويظهر والله أعلم أنه مع جهله حاول الاستهانة بشأن رمي الجمار، وهذا هو الذي حمله، والله أعلم، على سلوك هذا المسلك، وعلى ذكر ما نسبه عن الحافظ ابن جرير ﵀ فيما حكاه عن عائشة من أنه إذا ترك الرمي وكبر أجزأه. وأبلغ من ذلك ما حكاه قبل ذلك عن بعض أهل العلم أنه قال: إنما أمر الله بالذكر في أيام التشريق ولم يأمر برمي الجمار لأن الذكر هو روح الدين، وهو الأمر المهم منه، وقد شرع الرمي لأجله، وأنه إنما شرع حفظًا للتكبير. انتهى.
ولهذا قال هذا الرجل بعد أن ذكر أنه حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر ذي الحجة إلى آخره ما نصه: وذكر الله في هذه الأيام هو التكبير في أدبار الصلاة، والدعاء عند رمي الجمار. فأتى هذا الرجل من الفرية على الله ورسوله ما لا يخفى على أهل العلم، وذلك أنه حصر أمر الله تعالى بذكره في الأيام المعدودات في الذكر القولي، المفيد أن الله لم يأمر بالرمي في هذه الأيام. ويا ليت شعري من إمام هذا الرجل في ذلك، وجعل هذا الرجل عمل الرسول ﷺ الذي هو امتثال أوامر ربه والتشريع لأمته وتفسيره لهذه الآية الكريمة ما زعمه من أنه الأذكار القولية فقط،
стр. 239
مستشهدًا عليه بما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عمر ﵄: «أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يُكبِّرُ على إثرِ كل حصاة ثم يتقدم ثم يسهل» إلى آخر الحديث، وبحديث أبي داود، وفيه «أن ابن عمر كان يدعو هنا بالدعاء الذي كان يدعو به في عرفة» والحديثان لا يدلان على أن رمي الجمار لا يدخل في مسمى الذكر بحال.
ولعمري إن أعلم الخلق بمعاني القرآن الكريم وبأحكام الحج هو من أُنزلت عليه سورة البقرة ﷺ : قد فسر هذه الآية الكريمة بما فعله وأمر به من واجب كرمي الجمرات، وما يتبع ذلك من الأذكار القولية المندوبات، وفسرها بذلك علماء الإسلام متبعين بذلك تفسير سيد الأنام، ﷺ برميه الجمار تلك الأيام، وأمره أمته بذلك. وقد غر هذا الرجل في اقتصاره على الذكر القولي اقتصار كثير من المفسرين عليه في تفسير هذه الآية، فظن عدم دخول رمي الجمار في ذلك، وهم إنما تركوه لوضوحه.
قوله: فهذا المنسك الذي شرع للذكر والدعاء والتكبير قد انقلب إلى لغو وصخب وتزاحم وتلاكم وفساد كبير.
أقول: ليس الأمر كما زعمه، ولا الشأن ما توهمه، بل ذلك المنسك الشرعي هو هو لم ينقلب هذا الانقلاب، وإنما انقلب تصور هذا الرجل، وغاية ما هنالك أنه يوجد من بعض جهلة الأعراب، ونحوهم شيء من ذلك، وبعضه غير مقصود، وما كان منه على وجه لا يؤذي به المزاحم أحدًا من الحجاج لأجل الوصول إلى أداء ما أوجب الله عليه من هذا النسك على وجهه الشرعي
стр. 240
فهذا غير مذموم، لا في رمي الجمرات، ولا في المواضع الأخر مما يتصور فيه الزحام كالطواف والسعي، بل هو من المأمور به شرعًا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قوله: وصار الناس لا يذهبون إليه إلا وهم متذمرون للمحاربة وقصد المغالبة، يمد بعضهم بعضًا، ويؤيد بعضهم بعضًا.
يقال: هذا من المجازفة الظاهرة. ولو قال: وصار بعض الناس لكان أقرب إلى الصدق.
قوله: وصار من الصعب الوصول إليها وتحقق وقوع الجمار فيها. يقال: هذا إن أراد به الصعوبة التي تسقط هذا الفرض فباطل، وإن أراد الصعوب التي تحتمل. فهو نظير ما في الجهاد في سبيل الله من الصعوبة، وما في صيام رمضان في شدة الصيف من الجوع والعطش الذي جنسه يحتمل ولا يرخص بسبب حصوله في الإفطار والمصير إلى القضاء، وفي مزاولة هذه الصعوبة والصبر على ما يناله من المكاره من الأجر ما لا يعلمه إلا الله. وفي ضمن هذا الكلام من التمهيد لما سيصرح به بعد من سقوط وجوب الرمي مطلقًا من أجل الزحام ما لا يخفى.
قوله: وكان لهذا الأمر الذي حقق الخطر، ووسع دائرة الضرر، عوامل عديدة ساعدت عليه: منها فتح مشارق الأرض ومغاربها بالآلات الحديثة من كل ما سهل السفر وقصر المسافة، حتى صارت الدنيا كلها كمدينة واحدة، وكأن بلدانها على بعدها بيوت متقاربة. إلى آخر كلامه الطويل، حوالي هذا التدليل والتعليل.
стр. 241
يقال: الحمد لله. لا ينكر أحد حدوث حصول أسباب جديدة مما سهلت الوصول إلى الحج، ولكن اشتمل كلامه في ذلك على مجازفات لا تخفى، وعلى القطع والجزم بأشياء لا يجوز الجزم بها بل هذه أشياء أمرها إلى الله، وربما يظهر من الواقع ما يكذبها.
ولا يفوت على الواقف على ما قررته هاهنا ما عم وطم ودهم وادلهم من ليل الإدبار عن التسمي باسم الدين، وتهاون الأكثر من المتسمين به بأركانه الأصولية والفروعية. وبتقدير حصول الحجاج إلى كثرة تبلغ ما تصوره هذا الرجل، فإن الله يحدث من أنواع التيسير والتسهيل كونًا وقدرًا على يد من يشاء من عباده ما يقابل تلك الكثرة، بحيث لا توجد الصعوبة التي أشار إليها هذا الرجل (١)، كما أن ربنا قد شرع ويسر مخرجًا من تلك الصعوبة سهلًا مناسبًا جاريًا على أصول ما بعث به تعالى خير بريته محمد ﷺ من هذا الدين السهل السمح الذي هو أبعد شيء عن الصعوبة والآصار والأغلال، كما سيأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: وذلك أن الفقهاء قالوا: إن رمي كل يوم من أيام التشريق يدخل بزوال الشمس ويخرج بغروبها، وأنه لو رمى قبل الزوال أو بالليل لم يجزئه، ودليلهم في ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن جابر قال: «رمى النبي ﷺ يوم النحر ضحى وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس».
стр. 242
يقال: نعم: قالوه لهذا الدليل الصحيح الصريح الذي لا معارض له، وهو ما ساقه هذا الرجل.
قوله: فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان.
يقال: هؤلاء الذين ذهبوا إلى ذلك متيقنين متحققين أنها سنة نبيهم ﷺ هم الصحابة والتابعون والأئمة أجمعون عملًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فإن هذا الأمر في الآية الكريمة يشمل ما ثبت بقوله ﷺ أو بفعله أو تقريره، وعملًا بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣] والأيام المعدودات هاهنا هي أيام التشريق. وهذه الآية الكريمة دليل واضح في وجوب رمي الجمار، لما فيها من الأمر به.
قوله: ولم يفرقوا بين إمكان الفعل وتعذره، فكان هذا الفهم هو العامل الأكبر في حصول الضرر، وتوسيع دائرة الخطر؛ لأن التقدير بهذا الزمن القصير قد أفضى بالناس إلى الحرج والضيق.
يقال: الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام عندما تقوم الأعذار الشرعية في ترك المأمورات العينية، يخرجون من ذلك المأزق إلى ما وسعه الله من الرخص الشرعية. إما بالعدول إلى الاستنابة فيما يمكن الاستنابة، وإما إلى الاكتفاء بالفدية فيما فيه فدية، كما عرف ذلك في أقوال العلماء المستندة إلى الدليل، ولا حرج ولا ضيق إلا في حق من لم يعرف الطريق، ولم يشم رائحة الفهم والتحقيق.
стр. 243
قوله: حتى إن هذا ليعد من التكاليف الآصارية، التي تبطله النصوص الدينية، وما اشتملت عليه من الرحمة والمصلحة والإحسان والحنان.
يقال: لا يعد هذا من الآصار إلا من انغمس في الإلحاد، وصرح بما يدل أنه عن الدين قد حاد، أو منافق قد عاث في الأرض والفساد وتستر بالدين وكان في الحقيقة للدين قد كاد، أو جاهل قد تزيا بزي أهل العلم وهو منهم في غاية الابتعاد، فعد ذلك من الحرج، وتصور أن لا مخرج منه إلا بما أدركه فهمه الذي مرج، وفارق أفهام السلف الصالح الذين أقاموا من الدين العوج، وعرفوا الخروج من المضايق بما يسر الله وشرعه من فرج، وذلك أن الناس إذا عملوا بغث رخصته، حشدوا جميعًا أو أكثرهم أول النهار خشية حر الشمس أو قبل الفجر فحصل ما فر منه من الزحام، وفات عليه غرضه الذي حوله قد حام، لتوسيع هذا الرجل لهم المجال، وتصريحه بما لم يسبق إليه في الاستدلال، فإنه صرح- كما يأتيك في رسالته- بما يقتضي أن حديث «فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج» أن التحديد في أمثال هذا من باب الاستحباب، وليس له أي حظ من حكم الإيجاب، أو يفضي ما قرره إلى تأخيره عن يومه إلى الليل، فيلقون من مكابدة ظلامه كل ويل، أو إلى أن يستولي عليهم الكسل، فيفضي بهم إلى ترك العبادة مطلقًا أو تأخيرها التأخير الموقع في الإثم، وحينئذ يكون هذا الرجل قد فوتهم المأمور، وأوقعهم في نظير ما فر منه من المحذور، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولعمري لا شيء أحسن من الاعتصام بالكتاب والسنة، والدرج على ما
стр. 244
درج عليه صدر هذه الأمة، الذين هم القدوة والأئمة، الذين عرفوا من مراد الله ورسوله تأصيلًا وتفصيلًا ما حرمه أرباب الدعاوي الكاذبة، الذين صرحوا فيما كتبوه بأقلامهم بما يقتضي أنهم من أزجى الناس بضاعة في الشريعة المحمدية، وحظهم اللخبطة الشقاشق، والمخرفة والتحامق، وقد قدمنا أنه معلوم بالضرورة أن هذا الدين الإسلامي هو دين الرحمة والمصلحة رخصه وعزائمه.
قوله: «والنبي ﷺ رمى جمرة العقبة يوم العيد في أول النهار، ثم رمى الجمار بقية الأيام فيما بعد الزوال» والكل سنة، وإنما فعل هذا وهذا توسعة منه على أمته، وبيانًا لامتداد وقته، كما وسع عليهم في الوقوف بعرفة في المكان والزمان، فإنه وقف بها بعد الزوال إلى الغروب عند الصخرات، وقال: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» (١) وقال فيما رواه عروة بن مضرس المزني، أنه جاء النبي ﷺ وهو واقف بمزدلفة، قال: قلت: يا رسول الله، جئتك من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، ولا والله ما تركت من جبل تحب أن يوقف عليه إلا وقفت عليه فهل يجزيني ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه. يعني بالمزدلفة. ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه» (٢) وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث على أن وقت الوقوف يدخل فجر يوم عرفة، وجعل الأصحاب الوقوف إلى الغروب من الواجبات التي تجبر بالدم، والحديث لا يقتضيه. والله أعلم.
стр. 245
يقال: مراد هذا الرجل بالسنة هاهنا السنة الاصطلاحية المعرفة عند الفقهاء بتعريف المستحب وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. كما يعرف مما سبق من كلامه وما سيأتي منه. ومراده أيضًا أنه كما أن رمي جمرة العقبة يوم النحر أول النهار سنة، فالرمي في أيام التشريق بعد الزوال سنة، وأنه يجوز في أيام منى الثلاثة رمي الجمار قبل الزوال، كما رمى ﷺ جمرة العقبة في يوم النحر ضحى، فقاس رمي الجمار أيام التشريق على رمي جمرة العقبة يوم النحر في توسيع وقته، فيلزمه حينئذ أن يقيس أيام التشريق على يوم النحر في الاقتصار على رمي جمرة العقبة ولا فرق، وهذا قياس باطل، لمخالفته فعله ﷺ وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم جميعًا، عن عيسى بن يونس، قال ابن خشرم: أخبرنا عيسى عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: «رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه».
ورميه ﷺ في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة ثلاث الجمرات بعد الزوال كما في حديث جابر الصحيح، وحديث ابن عباس، وحديث ابن عمر: يبطل هذا القياس من جهة الوقت، ومن جهة عدم اقتصاره ﷺ فيهن على رمي جمرة العقبة.
ورميه ﷺ الجمرات أيام التشريق بعد الزوال يدل على الوجوب؛ لأنه فعله ﷺ مشرعًا لأمته على وجه الامتثال والتفسير، فكان حكمه حكم الأمر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «شرح العمدة»: والفعل إذا خرج
стр. 246
مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر، وهو داخل في عموم قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم» (١) انتهى.
وما احتج به هذا الرجل من قول النبي ﷺ يوم عرفة: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» على توسيع زمن رمي الجمار أيام التشريق بحيث يجوز ويجزي قبل الزوال فهو باطل، إذ من المعلوم عند كل أحد أن مراد النبي ﷺ عدم تعيين الموضع الذي وقف فيه عند الصخرات لوقفة الحج، ولهذا قال: «عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة» ونظيره قوله ﷺ بمنى: «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر» (٢) قال ذاك بعرفة خشية أن يظن أن لا موقف في عرفة إلا الموضع الذي وقف فيه عند الصخرات، وقال هذا في منى خشية أن يظن أن لا منحر إلا في المكان الذي نحر فيه ﷺ ، ولم يقل ﷺ حين رمى الجمرات أيام التشريق بعد الزوال: «رميت هذا الوقت وكل اليوم وقت رمي» فلما قال في الموقف بعرفة والمنحر بمنى ما قال ولم يقل نظيره في وقت رمي الجمار أيام التشريق تبين الفرق بينهما، وأن الرمي أيام التشريق يختص بالوقت الذي رمى فيه، وأن الموقف بعرفة والمنحر بمنى لا يختص بالمكان الذي وقف فيه والمكان الذي نحر فيه، وهذا من أوضح الواضحات.
وتوسيع النبي ﷺ زمن الوقوف المستفاد من حديث عروة بن مضرس ليس توسيعًا إطلاقيًّا، وإنما هو توسيع محدود الأول والآخر. فمن وقف في غير عرفة
стр. 247
فلا حج له، ومن وقف في غير الزمن المحدود في حديث عروة فلا حج له، فمكان الوقوف وزمانه محدودان بالسنة النبوية، وزمن الرمي وعدده ومكانه محدودة بالسنة النبوية كما تقدم في حديث جابر وغيره، فمن لم يكتف في أي عبادة من عبادات الحج بمقدار التوسيع الذي وسعه رسول الله ﷺ فيها وقاسها على توسيع زمن أو مكان عبادة أخرى فقد أخطأ، وقدم بين يدي الله ورسوله، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فإن العبادات نوعًا وقدرًا ووقتًا وكيفية إنما تتلقى من مشكاة النبوة، والآراء مطرحة والقياس لا قيمة له إذا أشرقت شمس سنة المصطفى ﷺ .
قوله: وجعل الأصحاب الوقوف إلى الغروب من الواجبات التي تجبر بدم، والحديث لا يقتضيه.
يقال له: ليس هذا قول الأصحاب فقط، بل هو قول سائر أئمة الدين وعلماء المسلمين إلا من شذ، بل ذهب الإمام مالك ﵀ إلى أن ذلك من أركان الحج.
ودليل وجوب بقاء الواقف بعرفة إلى غروب الشمس فعله ﷺ ، مع قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم» (١).
وتقدم قول شيخ الإسلام في شرح العمدة: إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر.
ولا يظن أن بين ما قررناه ها هنا وبين حديث عروة بن مضرس شيئًا من
стр. 248
التنافي، بل ما قررناه يوافق حديث عروة ويفسره؛ وذلك أنه ليس في حديث عروة ما يدل على جواز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس أصلًا؛ فإن قوله ﷺ : «وقد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا» يفسره فعله ﷺ ؛ فإنه وقف بالمسلمين نهارًا إلى غروب الشمس؛ فدل على أنه واجب، وعروة لم يصل إلى عرفة إلا ليلًا فقط؛ لأنه لو كان قد وقف بها نهارًا مع الجمع العظيم ما قال للنبي ﷺ فهل لي من حج، وأكثر ما في حديث عروة صحة حج من وقف بعرفة نهارًا ودفع قبل الغروب، وقد أخذ الفقهاء بذلك فصححوا وقفته وأوجبوا عليه دمًا، كما صححوا وقفة من لم يصل إلى عرفة إلا ليلًا ولم يوجبوا عليه دمًا، وكما صححوا هم وغيرهم وقفة من وقف بعرفة نهارًا وبقي إلى غروب الشمس واعتقدوا أنه هو هدي النبي ﷺ ، ورأوا وجوبه عملًا بفعل النبي ﷺ مع قوله: «خذوا عني مناسككم» وجمعوا بذلك بين سنن رسول الله ﷺ .
ومما يدل على عدم جواز الدفع من عرفة قبل الغروب عدم إذن النبي ﷺ للضعفة في ذلك مع ما يلقونه في طريقهم من الزحمة وحطمة الناس، كما رخص لهم في الدفع من مزدلفة آخر ليلة جمع لذلك. ومعنى قول النبي ﷺ في حديث عروة: «فقد تم حجة» أي صح؛ فإن عروة لم يسأل إلا عن صحة حجه كما تفيده كلمة: فهل لي من حج يا رسول الله ووجوب الدم لا يمنع صحة الحج؛ فإن من ترك واجبًا من واجبات الحج عامدًا أو ناسيًا فعليه دم وحجه صحيح، ويشهد لاستعمال النبي ﷺ التمام بمعنى الصحة ما في النسائي وأبي داود مرفوعًا: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ثم يكبر الله» الحديث.
стр. 249
قوله: ولو كان الأمر كما زعموا أن ما قبل الزوال وقت نهي غير قابل للرمي لبينه النبي ﷺ بيانًا واضحًا بنص قطعي الرواية والدلالة وارد مورد التكليف العام؛ إذ لا يجوز في الشرع تأخير بيان مثل هذا عن وقت حاجته، كما نهى النبي ﷺ عن الصلاة في أوقات معلومة (١).
يقال: أولًا عجبًا لهذا الرجل: كيف يكون عدم النهي عن فعل العبادة المقيدة بوقتها المأمور بها فيه دليلًا على جواز فعل تلك العبادة قبل وقتها، وهل هذا إلا شرع دين لم يأذن به الله؟! أما يدر هذا الرجل أن العبادات مبناها على الأمر؟! أيخفى عليه حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢).
فإنه يشمل بعمومه إحداث عبادة لم تعلم من الشرع.
ويشمل بعمومه أيضًا فعل عبادة مأمور بها لكن فعلها الفاعل في غير وقتها
стр. 250
الذي أمر بها فيه كمسألتنا.
ويشمل بعمومه فعل عبادة قد أمر بها فيه لكن عملها في مكان غير المكان الذي عين أن تفعل فيه. ونظير ذلك لو فعلها في وقتها الذي أمر أن تفعل فيه وفي المكان الذي أمر أن تفعل فيه لكن زاد فيه أو نقص. وزعم هذا الرجل أن النبي ﷺ لم يبين المنع من رمي الجمرات أيام منى قبل الزوال منعًا واضحًا بنص قطعي الرواية والدلالة وارد مورد التكليف العام. زعم باطل؛ فإن فعل النبي ﷺ هذه العبادة في أيام منى الثلاث بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير منزل منزلة الأمر العام عند جميع أئمة الإسلام.
ويقال ثانيًا: قد ثبت النهي عن رمي هذه الجمرات قبل الزوال، فروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يقول: لا ترمى الجمرة حتى تزول الشمس (١). وهذا له حكم الرفع؛ لا مسرح للرأي فيه.
ويقال ثالثًا: لا تفتقر الأحكام الشرعية الفرعية في ثبوتها إلى اشتراط قطعية السند؛ بل تثبت بالأدلة الظنية، إنما الذي يحتاج في ثبوته إلى كون دليله قطعيًّا هي الأصول والعقائد؛ فإنه لا يثبت أصل شرعي بدون دليل قطعي من تواتر أو ما يقوم مقامه، كما لا تثبت العقائد بدون دليل قطعي من تواتر أو ما يقوم مقامه. فجمع هذا الرجل هاهنا بين عدة أنواع من الجهل:
أحدها: إقدامه على أن الجمرات ترمى في كل وقت لم يرد عن النبي ﷺ فيه نهي صريح.