← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30631

الزبد المليح من كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح

عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر

Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إلا أنفسهم، وشهادتهم لأنفسهم لا تقبل، فصار هذا اتفاق أهل الأرض على تفضيل دين الإسلام (١).

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 38

أبرز أسباب ضلال النصارى ومما ينبغي أن يُعلم أن سبب ضلال النصارى، وأمثالهم من الغالية -كغالية العباد والشيعة وغيرهم- ثلاثة أشياء: أحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة ينسبونها إلى الأنبياء، وعدلوا بها عن الألفاظ الصريحة المحكمة. فما ينقلونه عن أنبياء بني إسرائيل وغيرهم ممن أرسل بغير اللغة العربية؛ لابد فيه من أن تثبت نبوة المنقول عنه، ويعلم اللفظ الذي قاله، ويعلم ترجمته، ويعلم مراده بذلك اللفظ، ثم يعلم أن ما ذكروه من كلام الأنبياء دليل على ما يحتجون به. والثاني: خوارق ظنوها آيات، وهي من أحوال الشياطين. والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقاً، وهي كذب. ولذلك اختلفوا حتى في الصلب، فمنهم من يقول: المصلوب لم يكن المسيح؛ بل الشبيه، كما يقوله المسلمون. ومنهم من يقر بعبوديته لله، وينكر الحلول، والاتحاد، كالأريوسية، ومنهم من ينكر الاتحاد، وإن أقر بالحلول، كالنسطورية. وابتدعوا (الأمانة) التي هي عقيدة إيمانهم، واستندوا في ذلك إلى ألفاظ متشابهة في الكتب، وفي الكتب ألفاظ محكمة تناقض ما ذكروه. ادعاء النصارى أن المسيح هو الله والنصارى يحتجون في قولهم أن المسيح: «هو الله» بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائراً، وذلك كله بأمر الله، وليجعله آية للناس. والله لم

стр. 39

يذكر عن المسيح أنه يخلق خلقاً مطلقاً، ولا خلقاً عامًا، كما ذكر عن نفسه ﵎. والمسيح لم يذكر إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله. وما يخلق من الطين كهيئة الطير؛ المراد به تصويره بصورة الطير، وهذا الخلق والتصوير محرم، بخلاف تصوير المسيح، فإن الله أذن له فيه، وجعل المعجزة بأنه: ينفخ فيه الروح فيصير طيراً بإذن الله، وليس المعجزة مجرد خلقه (تصويره) من الطين، فإن هذا مشترك يقدر عليه عامة الناس. والله أخبر أن المسيح إنما فعل التصوير والنفخ بإذنه تعالى، وهذا كله صريح في أنه ليس هو الله، وإنما هو عبد الله. والله أخبر في القرآن أن المسيح خَلَق من الطين كهيئة الطير بإذن الله، ففرّق بين المسيح وبين الله، وبيّن أن الله هو الآذن للمسيح. وما شاهدوه من معجزات المسيح ﵊، فقد شاهدوا من غيره ما هو مثلها، وأعظم منها، وقد أحيا غيرُه من الأنبياء الموتى بإذن الله، وأخبر بالغيوب أكثر منه، ومعجزات موسى ﵇ أعظم من معجزات المسيح ﵇؛ خشبة تصير حيواناً، ثم تعود خشبة مرة بعد مرة، وتبتلع الحبال والعصي، فهذا أعجب من حياة الميت، وأحيا الله من الموتى على يد موسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل أعظم ممّن أحياهم على يد المسيح، وبياض اليد من غير برص ثم عودها عند موسى؛ أعظم من إبراء أثر البرص الذي فعله المسيح ﵇. وموسى فلق الله له البحر، وكان الله يطعمهم على يده المن والسلوى، مع كثرة بني إسرائيل، ويفجر لهم بضربه للحجر كل يوم اثني عشر عيناً يكفيهم، وهذا أعظم من إنزال المسيح ﵇ للمائدة، ومن قلب الماء خمراً، ونحو ذلك مما يحكى عنه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وكان لموسى

стр. 40

في عدوه من القُمّل، والضفادع، والدم، وسائر الآيات ما لم يكن مثله للمسيح ¬وكون المسيح ﵇ تكلم في المهد؛ فقد شاركه غيره من بني إسرائيل في ذلك؛ كما ثبت في الصحيحين أنه تحدث في المهد الرضيع من بني إسرائيل حين مر رجل راكب ذو شارة فقالت أم الرضيع: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب، فقال: "اللهم لا تجعلني مثله"، ثم أقبل على ثديها يمصه. (صحيح البخاري برقم ٣٤٦٦). وكذلك الرضيع صاحب جُرَيج الذي نسبوه للعابد جريج من الزنا، وكان من بني إسرائيل فتوضأ وسأله: من أبوك؟ فقال الرضيع: "الراعي". (صحيح البخاري برقم ٢٤٨٢). . وكون المسيح لم يكن له أبٌ؛ فآدم لم يكن له أب ولا أم، وكذلك حواء، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح، فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم من تراب أعجب من هذا، ولم يكن آدم بما نفخ الله فيه من روحه إلهاً! معنى وصف المسيح بأنه (كلمة الله) ومعنى أن المسيح (كلمة الله) هو أنه مخلوق بكلمة من كلام الله؛ حيث قال له: كن؛ فكان. فكلمات الله كثيرة لا نهاية لها، وكلام الله الذي سمعه منه موسى ﵇ ليس هو المسيح، فعلم أن المسيح ليس هو كلام الله. لكن النصارى ظنوا أن المسيح هو كلام الله، وأنه خالق. وهذا باطل؛ فإن القرآن كلام الله، وليس بخالق، والتوراة كلام الله وليست بخالقة، وكلمات الله كثيرة، وليس منها شي خالق، فلو كان المسيح نفس الكلام لم يجز أن يكون خالقاً، فكيف وليس هو الكلام؟! وإنما خُلق بالكلمة،

стр. 41

وخُص باسم الكلمة؛ فإنه لم يُخلق على الوجه المعتاد الذي خُلق عليه غيره، بل خرج عن العادة، فخُلق بالكلمة من غير السُّنَّة المعروفة في البشر. معنى وصف المسيح بأنه (روح الله) والإنسان مركب من روح وبدن، والله ﵎ بإجماع المسلمين، واليهود، والنصارى ليس هو روحًا وبدناً كالإنسان، بل هو سبحانه أحد صمد، لا جوف له، ولا يدخل فيه شيء، ولا يخرج منه شيء. وأما لفظة (رُوح الله) فيراد بها: الروح التي خلقها واصطفاها فأحبها. ولم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله. وقد أخبر الله أنه أرسل إلى مريم روحه، فتمثل لها بشراً سوياً، وتبين أنه رسوله (جبريل)، فعلم أن المراد بالروح: مَلَك، وهو روح اصطفاها، فأضافها إليه، كما يضاف إليه الأعيان التي خصها بخصائص يحبها، كقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣]، وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]. فسمى المسيح روحه؛ لأنه خلقه من نفخ روح القدس في أمه، فحبلت به أمه بنفخ الروح الذي نُفخ فيها، لم تحبل به من ذَكَر كغيره من الآدميين، ولم يخلقه كما خَلق غيرَه من أب آدمي. فلمّا خُلق من نفخ الروح ومن مريم؛ سُمي روحاً، بخلاف سائر الآدميين؛ فإن أحدهم يخلق من ذكر وأنثى، ثم ينفخ فيه الروح بعد مضي أربعة أشهر (١).

стр. 42

معنى لفظة (روح القدس) و (روح القدس) الذي هو الوحي وهو روح الحكمة والفهم والعلم، ويسمى به أيضاً: المَلَك الذي ينزل بالوحي والتأييد لأنبياء الله وأوليائه، فسماه روح القدس، وسماه الروح الأمين، وسماه جبريل. لكن النصارى سموا روح القدس: حياة الله. واعتقدوا أنه إله يخلق ويرزق ويعبد!! مع أن لفظة (روح القدس) موجودة في مواضع كثيرة في كتبهم، وليس المراد بها حياة الله باتفاقهم، بل (روح القدس) عندهم تحل في إبراهيم، وموسى، وداود، وغيرهم من الأنبياء الصالحين. ولم يصبحوا بذلك آلهة! وأهل الكتاب يقرّون بذلك، وأن غير المسيح من الأنبياء كان مؤيداً بروح القدس، كداود وغيره، بل يقولون: إن الحواريين كانت فيهم روح القدس. وهذا التأييد بروح القدس لمن ينصر الرسل عام في كل من نصرهم على من خالفهم من المشركين. وهكذا خاتم الرسل ﷺ كان يقول لحسان بن ثابت: «إن روح القدس معك ما دمت تدافع عن نبيه»، ويقول: «اللهم أيده بروح القدس». فهذا حسان بن ثابت واحد من المؤمنين، والله أيده بروح القدس، فلا يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت، فعلم أن التأييد بروح القدس ليس من خصائص المسيح ﵇. إطلاق كلمة (الأب) و (الابن) في اللغة العبرية القديمة والنصارى سموا كلام الله الذي هو صفته: ابناً. والأنبياء لم يطلقوا لفظ (الابن) إلا على مخلوق. وأهل الكتاب يذكرون أن الله قال في التوراة ليعقوب «إسرائيل»: «أنت ابني بكري». والمراد في تلك اللغة أنه

стр. 43

مصطفى محبوب الله (١)، وقال لداود في الزبور: «أنت ابني وحبيبي» وفي الإنجيل في غير موضع يقول المسيح: «أبي وأبيكم» فسماه أباً للجميع كقوله: «إني أذهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم» فيسميه أباً لهم، كما يسميهم أبناء له، فإن كان هذا صحيحاً؛ فالمراد بذلك أنه الرب المربي الرحيم، فإن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والأب في لغتهم هو: (الرَّبُّ) الذي يربي عبده، أعظم مما يربي الأب ابنه. والابن هو: (المربَّىَ) المرحوم، فإن تربية الله لعبده أكمل من تربية الوالدة لولدها، فيكون المراد بالأب: الرب، والمراد بالابن عنده: المسيحَ الذي رباه. لغة الأناجيل واختلافها وعدم تواترها والمسيح كان لسانه عبرياً ولم يكن يتكلم إلا بالعبرية، كسائر أنبياء بني إسرائيل، وكذلك ألسنة الحواريين الذين اتبعوه أولاً، ثم إنه أرسلهم إلى الأمم يخاطبونهم، ويترجمون لهم ما قاله المسيح. ومن قال: إن لسانه كان سريانياً -كما يظنه بعض الناس- فهو غالط، فالكلام المنقول عنه في الأناجيل إنّما تكلم به عبرياً، ثم ترجم من تلك اللغة إلى غيرها (٢).

стр. 44

وادعى النصارى أربع دعاوى باطلة في أناجيلهم: أنها موجودة باثنين وسبعين لساناً، وأنها متفقة، وأنها كلها منقولة عن الحواريين، وأن الحواريين معصومون (١).

стр. 45

والتوراة التي عند السامرة تُخالف توراة اليهود والنصارى حتى في العشر الكلمات، فذَكر السامرة فيها من أمر استقبال الطور ما لا يوجد في نسخ اليهود والنصارى، وكذلك بين نسخ اليهود والنصارى اختلاف معروف، ونسخ الإنجيل مختلفة، ونسخ الزبور مختلفة اختلافاً أكثر من ذلك.

стр. 46

فإذا قالت النصارى: نسخنا هي الصحيحة. لم يكن هذا أولى من قول اليهود: نسخنا هي الصحيحة. بل معلوم أن اعتناء اليهود بالتوراة أعظم من اعتناء النصارى. وبين توراة اليهود والنصارى والسامرة: اختلاف، وبين نسخ الزبور اختلاف أكثر من ذلك، وكذلك بين الأناجيل، فكيف بنُسَخِ النبوات؟! (١) والأناجيل التي بأيدي أهل الكتاب فيها ذكر صلب المسيح، وعندهم أنها مأخوذة عن الأربعة: مرقس، ولوقا، ويوحنا، ومتى؛ مع أنه لم يكن في هؤلاء الأربعة من شهد صلب المسيح، ولا من الحواريين، بل ولا في أتباعه من شهد صلبه، بل كان الحواريون خائفين غائبين، فلم يشهد أحد منهم الصلب، وإنما شهده اليهود وهم الذين أخبروا الناس أنهم صلبوا المسيح، والذين نقلوا أن المسيح صُلب من النصارى وغيرهم إنما نقلوه عن أولئك اليهود، وهم شُرَط من أعوان الظلمة، لم يكونوا خلقاً كثيراً يمتنع تواطؤهم على الكذب. وكاتبوا الأناجيل عندهم أربعة، وهم يدعون أن كل واحد كتبها بلسان، كتبت باللسان العبري، والرومي، واليوناني، مع أن في بعض الأناجيل ما ليس في بعض، وإذا كان كل واحد من الأربعة كتب إنجيلاً بلسانه؛ لم يكن هناك إنجيل واحد أصلي ترجع إليه الأناجيل كلها. وليس مع النصارى نقل متواتر عن المسيح بألفاظ هذه الأناجيل. ولا نقلٌ لا متواترٌ ولا آحادٌ بأكثر ما هم عليه من الشرائع. ولا عندهم ولا عند اليهود نقلٌ متواترٌ بألفاظ التوراة ونبوات الأنبياء كما عند المسلمين

стр. 47

نقلٌ متواترٌ بالقرآن وبالشرائع الظاهرة المعروفة للعامة والخاصة، ومن الألفاظ التي بأيديهم ما لا تناقض ما أخبر به محمد ﷺ بل تدل على صدق محمد ﷺ . وأما الإنجيل الذي بأيديهم فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇ ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملوه بعد رفع المسيح: متى ويوحنّا، وكانا قد صحبا المسيح، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر، والحواريون كلهم اثنا عشر رجلًا. ومرقس ولوقا لم يريا المسيح ﵇، وقد ذكر هؤلاء أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح، وبعض أخباره، وأنّهم لم يستوعبوا ذكر أقواله وأفعاله. ونقل اثنين وثلاثة وأربعة يجوز عليه الغلط، لا سيما وقد غلطوا في المسيح نفسه حتى اشتبه عليهم بالمصلوب. والنصارى متفقون على أن هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل -وقد يسمون كل واحد منها إنجيلاً- إنما كتبها هؤلاء بعد أن رُفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح بلّغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله، ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث، والسير، والمغازي عن النبي ﷺ من أقواله، وأفعاله التي ليست قرآناً. ابتداع النصارى عقيدة حبس إبليس وعقيدة الصلب والفداء ويزعم النصارى أن آدم لما أكل من الشجرة غضب الرب عليه وعاقبه، وأن تلك العقوبة بقيت في ذريته إلى أن جاء المسيح، وصلب، وأنه كانت الذرية في حبس إبليس، فمن مات منهم ذهبت روحه إلى جهنم

стр. 48

في حبس إبليس، حتى قالوا ذلك في الأنبياء: نوح، وإبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وغيرهم. ومعلوم أن إبراهيم كان أبوه كافراً، ولم يؤاخذه الله بذنب أبيه، فكيف يؤاخذه بذنب آدم، وهو أبوه الأبعد؟ هذا لو قدر أن آدم لم يتب، فكيف وقد أخبر الله عنه بالتوبة؟! وقد تاب الله عليه، واجتباه وهداه، وسواء تاب آدم، أو لم يتب، فكيف يجوز أن يكون رسل الله الذين هم أفضل منه محبوسين في حبس الشيطان في جهنم بذنبه؟! وإبراهيم خليل الرحمن كان أبوه كافراً، ولم يؤاخذه الله بذنبه! فكيف يجعله في جهنم في حبس الشيطان بسبب ذنب أبيه الأقصى آدم، مع أنه كان نبياً؟! ثم يزعمون أن الصلب -الذي هو من أعظم الذنوب والخطايا- به خلص الله آدم وذريته من عذاب الجحيم، وبه عاقب إبليس، مع أن إبليس ما زال عاصياً لله مستحقاً للعقاب من حين امتنع من السجود لآدم، ووسوس لآدم إلى حين مبعث المسيح، والرب قادر على عقوبته. فأي مناسبة بين الصلب -الذي هو من أعظم الذنوب- وبين تخليص هؤلاء من الشيطان؟! إن قالوا: الرب جل وعلا ما كان يقدر على تخليصهم من الشيطان -مع علمه بأنه ظالم معتد عليهم بعد الموت- إلا بأن يحتال عليه بإخفاء نفسه ليتمكن الشيطان منه كما يزعمون؛ فهذا مع ما فيه من الكفر العظيم وجعل الرب سبحانه عاجزاً كما جعلوه أولاً ظالماً؛ فيه من التناقض ما يقتضي عظيم جهلهم الذي جعلوا به الرب جاهلاً؛ فإنّهم يقولون: إنه احتال على الشيطان؛ ليأخذه بعدل، كما احتال الشيطان على آدم بالحية؛ فاختفى منه. فلما أراد الشيطان أخذ روحه؛ ليحبسه في جهنم كسائر من مضى، وهو لم يعمل خطيئة استحق

стр. 49

الشيطان أن يأخذه الرب، ويخلص الذرية من حبسه، وهذا تجهيل منهم للرب -سبحانه وتعالى عما يقولون- مع تعجيزه وتظليمه. والنصارى يقولون: إن المسيح -الذي هو عندهم إله وبشر- إنما مكّن الكفار من صلبه ليحتال بذلك على عقوبة إبليس. قالوا: فأخفى نفسه عن إبليس لئلا يُعلم، ومكن أعداءه من أخذه، وضربه، والبصاق في وجهه، ووضع الشوك على رأسه، وصلبه، وأظهر الجزع من الموت، وصار يقول: "يا إلهي! لم سلّطت أعدائي عليّ"؛ ليختفي بذلك عن إبليس، فلا يعرف إبليس أنه الله، أو ابن الله، ويريد إبليس أن يأخذ روحه إلى الجحيم، كما أخذ أرواح نوح، وإبراهيم، وموسى، وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين، فيحتج عليه الرب حينئذ، ويقول: بماذا استحللت يا إبليس أن تأخذ روحي؟ فيقول له إبليس: بخطيئتك. فيقول ناسوتي: لا خطيئة له كنواسيت الأنبياء؛ فإنه كان لهم خطايا استحقوا بها أن تؤخذ أرواحهم إلى جهنم، وأنا لا خطيئة لي. وقالوا: فلما أقام الله الحجة على إبليس؛ جاز للرب حينئذ أن يأخذ إبليس ويعاقبه، ويخلص ذرية آدم من إذهابهم إلى الجحيم. فكيف جاز تمكين إبليس من عقوبة الأنبياء المتقدمين، ولم يمكّن من عقوبة الكفار والجبابرة الذين كانوا بعد المسيح؟! وأَخْذُ إبليس لذرية آدم وإدخالهم جهنم؛ إما أن يكون ظلماً من إبليس، وإما أن يكون عدلًا، فإن كان عدلاً فلا لوم على إبليس، ولا يجوز أن يحتال عليه ليمتنع من العدل الذي يستحقه، بل يجب تمكينه من المتأخرين والمتقدمين. وإن كان ظلماً؛ فلِمَ لا يمنعه الرب منه قبل مجيء المسيح؟!

стр. 50

فإن قيل: لم يقدر؛ فقد نسبوه إلى العجز. وإن قيل: قدر على دفع ظلم إبليس، ولم يفعله؛ فلا فرق بين دفعه في زمان دون زمان، إن جاز ذلك؛ جاز في كل زمان، وإن امتنع؛ امتنع في كل زمان. فهل يقول عاقل: إن إبليس له أن يغوي بني آدم بتزيينه لهم، ثم له أن يعاقبهم جميعاً بغير إذن من الله في ذلك؟! ثم يقال: إبليس عاقب بني آدم، وأدخلهم جهنم بإذن الله، أو بغير إذنه؟ إن قالوا: بإذنه؛ فلا ذنب له، ولا يستحق أن يحتال عليه؛ ليعاقب ويمتنع. وإن كان بغير إذنه؛ فهل جاز في عدل الله أن يمكنه من ذلك، أم لم يجز؟ فإن جاز ذلك في زمان؛ جاز في جميع الأزمنة، وإن لم يجز في زمان؛ لم يجز في جميع الأزمنة، فلا فرق بين ما قبل المسيح، وما بعده. ويقال لهم: هل كان الله قادراً على منع إبليس وعقوبته بدون هذه الحيلة، وكان ذلك عدلًا منه لو فعله، أم لا؟! فإن كان ذلك مقدوراً له، وهو عدل منه، لم يحتج أن يحتال على إبليس. وإن قيل: لم يكن قادراً على منع إبليس، فهو تعجيز للرب عن منع إبليس. وهل هذا القول إلا من قول المجوس الثنوية الذين يقولون: إن كل ما في العالم من الشر من الذنوب والعقاب وغير ذلك هو من فعل إبليس، لم يفعل الله شيئاً من ذلك، ولا عاقب الله أحداً على ذنب؟!. ولا ريب أن هذا القول سرى إلى النصارى من المجوس، لهذا لا ينقلون هذا القول في كتاب منزل، ولا عن أحد من الحواريين، ولهذا كان

стр. 51

المانوية دينهم مركباً من دين النصارى والمجوس، وكان رأسهم ماني نصرانياً مجوسياً، فالنسب بين النصارى والمجوس، بل وسائر المشركين نسب معروف (١). وما فعله به الكفار اليهود الذين صلبوه طاعة لله؟ أو معصية؟ فإن كان طاعة لله؛ استحق اليهود الذين صلبوه أن يثيبهم ويكرمهم على طاعته كما يثيب سائر المطيعين له. والنصارى متفقون على أن أولئك من أعظم الناس إثماً، وهم من شر الخلق. وإن كان أولئك اليهود عصاة لله، فهل كان قادراً على منعهم من هذه المعصية، أم لا؟! فإن لم يكن قادراً؛ لم يكن قادراً على منع إبليس من ظلم الذرية في الزمن المستقبل. وإن كان قادراً على منعهم من المعاصي ولم يمنعهم؛ كان قادراً على منع إبليس بدون هذه الحيلة. وإذا كان حسناً منه تمكينهم من هذه المعصية؛ كان حسنًا منه تمكين إبليس من ظلم الذرية في الماضي والمستقبل، فلا حاجة إلى الحيلة عليه. وزعمهم أن جميع بني آدم: من الأنبياء، والرسل، وغيرهم كانوا في الجحيم، في حبس الشيطان؛ لأجل أن أباهم آدم أكل من الشجرة، وأنهم إنما تخلصوا من ذلك لما صلب المسيح؛ فإن هذا الكلام لو نقله ناقل عن

стр. 52

بعض الأنبياء لقطعنا بكذبه عليهم، فكيف وهذا الكلام ليس منقولاً عندهم عن أحد من الأنبياء، وإنّما ينقلونه عمن ليس قوله حجة لازمة. عقيدة الأمانة الموضوعة في مجمع نيقية ٣٢٥ م والنصارى يبطنون خلاف ما يظهرون، ويفهم جمهور الناس من مقالاتهم خلاف ما يزعم بعضهم أنه مرادهم. وتضع لهم عقائدهم وشرائعهم أكابرهم بعد المسيح، كما وضع لهم الثلاث مائة وثمانية عشر -الذين كانوا في زمن قسطنطين الملك- (الأمانة) التي اتفقوا عليها، ولعنوا من خالفها من الأريوسية وغيرهم، وفيها أمور لم ينزل الله بها كتاباً، بل تخالف ما أنزله الله من الكتب، مع مخالفتها للعقل الصريح. قالوا فيها: «نؤمن بآله واحد، أب ضابط الكل، خالق السموات والأرض، كل ما يُرى وما لا يرى، وبربّ واحد: يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، ومن مريم العذراء وتأنس، وصلب على عهد بيلاطس البنطي، وتألم، وقُبر، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الأب، وأيضاً فسيأتي بمجده ليَدِين الأحياءَ والأموات، الذي لا فناء لملكه، وبروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب، مع الأب والابن مسجودٌ له، وبمجد الناطق في الأنبياء، وبكنيسة

стр. 53

واحدة جامعة مقدسة رسولية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، ونترجى قيامة الموتى، وحياة الدهر الآتي، آمين» (١). فوضع لهم كبراؤهم ما لم يوجد في كتب الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. جملة من تناقضات عقيدة النصارى والنصارى يدّعون في كتابهم أن المسيح ﵇ إله تام، وإنسان تام، وهذا يمتنع شرعاً وعقلاً، ثم يصفونه بالصفات المتناقضة، ويصفونه بأن طائفة من أشرار اليهود وضعوا الشوك على رأسه، وبصقوا في وجهه، وأهانوه، وصلبوه، وفعلوا به ما لا يفعل بأخس الناس، ويقولون مع ذلك إنه رب السماوات والأرض وما بينهما. ومن تناقضهم أنهم يقولون أن المسيح خالق آدم وداود ومريم وأنه ابن لهم!! وقالوا: «إنه كلمته وروحه»، وهذا تناقض منهم؛ لأنه عندهم: (الكلمة) فقط، لا أقنوم الحياة؛ حيث إنهم يعتقدون أن روح القدس التي خلق المسيح منها ومن مريم هي حياة الله. ويلزم من ذلك أيضاً أن يكون المسيح فيه لاهوتان: الكلمة، وروح القدس. ويقولون: هو الله، وهو ابن الله -كما حكى الله عنهم- ولا يقولون: هو الأب والابن!! والأب عندهم هو الله، وهذا من تناقضهم!!

стр. 54

وقالوا: «وأما تجسيم كلمة الله الخالقة» ثم قالوا: «فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف». فتارة يجعلونها خالقة، وتارة يجعلونها مخلوقاً بها، ومعلوم أن الخالق ليس هو المخلوق به!! ومعنى ما ينقلوه من عبارات تفيد ظهور الرب في عيسى: هو نظير ما في التوراة من قوله: «جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران»، ومعلوم أنه ليس في هذا ما يدل على أن الله حال في موسى بن عمران، ومتحد به. وإنما يراد به حلول الإيمان به، ومعرفته، ومحبته، وذكره، وعبادته، ونوره، وهداه، كما ظهر في إبراهيم، وموسى، ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه، وكما يظهر في بيوته التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وذلك بظهور نوره ومعرفته، وذكر أسمائه وعبادته فيها. وكقوله تعالى في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وليس ذلك لأن الرسول هو الله، ولا لأن نفسه حال في الرسول، بل لأن الرسول يأمر بما أمر الله به، وينهى عما ينهى الله عنه، ويحب ما يحبه الله. وإذا قال القائل: أنت والله في قلبي، أو في سويداء قلبي. أو قال له: والله ما زلت في قلبي، وما زلت في عيني، ونحو ذلك؛ علم جميع الناس أنه لم يرد ذاته. وكما يقول أحدهم لمن مات والده: أنا والدك. أي: قائم مقامه. ويقولون للولد القائم مقام أبيه: من خلّف مثلك ما مات. ومن تصور هذه الأمور تبين له أن لفظ الحلول قد يعبر به عن معنى صحيح، وقد يعبر به عن معنى فاسد. ومن هذا الباب ما يذكر عن المسيح السلام أنه قال: «أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي». فينبغي أن يعرف هذا النوع من الكلام، فإنه تنحل به إشكالات كثيرة؛ فإن هذا موجود في كلام

стр. 55

الله ورسله، وكلام المخلوقين في عامة الطوائف، مع ظهور المعنى، ومعرفة المتكلم والمخاطب أنه ليس المراد أن ذات أحدهما اتحدت بذات الآخر. وقول الله جل وعلا: «إنا نحن» هو لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا شركاء ولا نظراء. وليس معناه أن معه آلهة أخرى. فلو كان الرب بذاته متحداً بناسوت بشري لكان الأنبياء يخبرون بذلك إخباراً صريحاً بيناً، لا يحتمل التأويلات. ولو جاز أن يتحد الرب سبحانه بحي من الأحياء، ويحل فيه، لكان حلوله في ملك من الملائكة واتحاده به؛ أولى من حلوله واتحاده بواحد من البشر. بل قد قام الدليل على أن غير عيسى ﵇ أفضل منه، مثل إبراهيم، ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وهذان اتخذهما الله خليلين، وليس فوق الخلة مرتبة، فلو كان يحلّ في أجل ما خلقه الله من الإنسان -لكونه أجلّ مخلوقاته- لحلّ في أجلّ هذا النوع، وهو الخليل ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وإذا قالوا: «إنه لم يعمل خطيئة» فيحيى بن زكريا لم يعمل خطيئة، ومن عمل خطيئة وتاب منها فقد يصير بالتوبة أفضل مما كان قبل الخطيئة، وأفضل ممّن لم يعمل تلك الخطيئة، والخليل وموسى أفضل من يحيى الذي يسمونه «يوحنا المعمداني». وقال المسيح لتلاميذه: «آمنوا بالله، وآمنوا بي» وقال أيضاً: «من يؤمن بي فليس يؤمن بي فقط، بل وبالذي أرسلني». وهم يذكرون أن المسيح ﵇ استصرخ الله قائلًا: «إلهي! إلهي! انظر لماذا تركتني، وتباعدت عن خلاصي؟».

стр. 56

والمسيح ﵇ لما سئل عن علم الساعة قال: «لا يعلمها إنسان، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الأب فقط». فنفى عن نفسه علم الساعة، وهذا يدل على شيئين: على أن اسم الابن إنما يقع على الناسوت دون اللاهوت، فإن اللاهوت لا يجوز أن ينفى عنه علم الساعة، ويدل على أن الابن لم يكن يعلم ما يعلمه الله، وهذا يبطل قولهم بالاتحاد. وهؤلاء الضلال لم يكفهم أن جعلوا إله السماوات والأرض متحداً ببشر في جوف امرأة، وجعلوه له سكناً، ثم جعلوا أخابث خلق الله أمسكوه، وبصقوا في وجهه، ووضعوا الشوك على رأسه، وصلبوه بين لصين، وهو في ذلك يستغيث بالله، ويقول: «إلهي إلهي! لم تركتني» وهم يقولون: «الذي كان يسمع الناس كلامه هو اللاهوت، كما سمع موسى كلام الله من الشجرة»، ويقولون: «هما شخص واحد». واللهُ باتفاق الأمم كلها لم يحل في باطن الوادي المقدس، أو البقعة المباركة، أو الجانب الأيمن، ولا اتحد بشيء من ذلك، ولا صار هو وشيء من ذلك جوهراً واحداً، ولا شخصاً واحداً، ولم يكن في باطن الشجرة، ولم يحل في الشجرة، ولم يتحد بها، مع أنه كلم موسى منها، وناداه منها. لكن النصارى يزعمون أنه حل بالمسيح واتحد به، فإنه عندهم حل بباطن المسيح، بل وبظاهره، واتحد به باطناً وظاهراً. وقولهم إنه: «لا يتبعض، ولا يتجزأ» مناقض لما ذكروه في أمانتهم، ولما يمثلونه به؛ فإنه يمثلونه بشعاع الشمس، والشعاع يتبعض، ويتجزأ!! والتبعيض والتجزئة لازمة لقولهم؛ فإن القول بالولادة الطبيعية مستلزم لأن يكون خرج منه جزء.

стр. 57

ويقولون أيضاً: «إنه اتحد بالمسيح، وأنه صعد إلى السماء، وجلس عن يمين الأب»، وعندهم أن اللاهوت منذ اتحد بالناسوت لم يفارقه، بل لما صعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، كان الصاعد عندهم هو المسيح الذي هو ناسوت ولاهوت، إله تام، وإنسان تام، فهم لا يقولون: إن الجالس عن يمين الأب هو الناسوت فقط، بل اللاهوت المتحد بالناسوت جلس عن يمين اللاهوت، فأي تبعيض وتجزئة أبلغ من هذا؟! ومن أنكر الحلول والاتحاد منهم كالأريوسية يقول: إن المسيح عبد مرسل كسائر الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، فوافقهم على لفظ الأب، والابن، وروح القدس، ولا يفسر ذلك بما يقوله منازعوه من الحلول والاتحاد (١). رسالة الحسن بن أيوب عن سبب إسلامه والحسن بن أيوب - وهو من علماء النصارى- كتب رسالة بديعة لأخيه علي بن أيوب يبيّن فيها سبب إسلامه، ومما قال فيها: وجدت أن «الأريوسية» من النصارى يجردون توحيد الله، ويعترفون بعبودية المسيح ﵇، ولا يقولون فيه شيئاً مما يقوله النصارى من ربوبية، ولا بنوة خاصة، ولا غيرهما، وهم متمسكون بإنجيل المسيح، مقرّون بما جاء به تلاميذه، والحاملون عنه، فكانت هذه الطبقة

стр. 58

قريبة من الحق، مخالفة لبعضه في جحود نبوة محمد ﷺ ، ودفع ما جاء به من الكتاب والسنة. وأن اليعقوبية يقولون: وهو إله كله، وإنسان كله، وهو شخص واحد، وطبيعة واحدة من طبيعتين. وقالوا: إن مريم ولدت الله تعالى الله عما يقولون وإن الله مات، وتألم، وصلب متجسداً، ودفن، وقام من بين الأموات، وصعد إلى السماء. و «الملكانية» وهم الروم -وهم أكثر النصارى- يقولون: هو شخص واحد لم يزد عدده وطبيعتان، ولكل واحدة من الطبيعتين مشيئة كاملة، فله بلاهوته مشيئة؛ مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئة؛ مثل مشيئة إبراهيم وداود. وقالوا: إن مريم ولدت إلهاً، وأن المسيح -وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت- مات. وقالوا: إن الله لم يمت، والذي ولدت مريم قد مات بجوهر ناسوته، فهو إله تام بجوهر لاهوته، وإنسان تام بجوهر ناسوته، وله مشيئة اللاهوت، ومشيئة الناسوت، وهو شخص واحد، لا نقول شخصان، لئلا يلزمنا القول بأربعة أقانيم. فكيف يكون ميتاً لم يمت؟!! و «النسطورية» وجدتهم قالوا: إن المسيح شخصان وطبيعتان، لهما مشيئة واحدة. وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وأن اللاهوت لم يفارقه قط منذ اتحد بناسوته.

стр. 59

وقال: فوجدنا اليعقوبية قد صرحوا بأن مريم ولدت الله تعالى عما يصفه المبطلون. وأنه تألم، وصلب، ومات، وقام بعد ثلاثة أيام من بين الموتى. وهذا الكفر الذي تشهد به عليهم سائر ملل النصارى وغيرهم. ووجدنا الملكانية قد حادوا عن هذا التصريح إلى ما هو دونه في الظاهر! فهل وقعت الولادة والموت وسائر الأفعال التي تحكي النصارى أنها فعلت بالمسيح إلا عليهما؟! فكيف يصح -لذي عقل- عبادة مولود من امرأة بشرية قد مات ونالته العلل والآفات؟! وأما قولهم: إن مريم ولدت المسيح بناسوته. فهذه أغلوطة، وإلا فكيف يولد ولد متحد بشيء آخر مجامع له دون ذلك الشيء؟ وكيف يكون ذاك وهم يقولون: إنه لم يفارقه قط؟ وهل يصح هذا عند أهل النظر؟!! أوليس الحكم عند كل ناظر، ومن كل ذي عقل يوجب أن تكون الولادة واقعة على اللاهوت والناسوت معا؟! بمعنى الاتحاد وبمعنى الاسم الجامع للاهوت والناسوت وهو المسيح. وكذلك الحمل بهما جميعاً! وأن يكون البطن قد حواهما!! وشريعة إيمانهم (الأمانة) -التي ألفها لهم رؤساؤهم من البطاركة، والمطارنة، والأساقفة، والأحبار ويصفون أنهم نطقوا بها بروح القدس، وأنه لا يتم لهم قربان إلا بها- قد اعترفوا فيها جميعاً بأن الرب المسيح الإله الحق من الإله الحق نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنساناً، وحُبِل به، وَوُلد من مريم البتول، وتألم، وصُلب!! فإنكم إن قلتم: إن المقتول المصلوب هو الله، فمريم على قولكم ولدت الله، سبحانه وتعالى عما يقولون!!

стр. 60

وإن قلتم: إنه إنسان؛ فمريم ولدت إنسانًا. وفي ذلك أجمع بطلان شريعة إيمانكم، فاختاروا أي القولين شئتم، فإن فيه نقض الدين. وإن كان المسيح من روح القدس، كما قال جبريل الملك لأمه مريم، فلم سميتموه كلمة الله وابنه، ولم تسموه روحه؟ ووجدناكم تذكرون في التسبيحة التي تقرأ بعقب كل قربان وفي الأخرى التي تقال في يوم الجمعة الثانية من «الفصح»: أن المسيح نزل من السماء، فأبطل بنزوله الموت والآثام. فأي خطيئة بطلت؟ وأي فتنة للشيطان انطفأت؟ فإن قلتم: إنكم استدللتم على ربوبيته بأنه أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء، وصعد إلى السماء، وصير الماء خمراً، وكثر القليل؛ فيجب الآن أن ينظر إلى كل من فعل من هذه الأمور فعلاً؛ فنجعله رباً وإلهاً، وإلا فما الفرق؟! فمن ذلك أن كتاب «سفر الملوك» يخبر أن إلياس أحيا ابن الأرملة، وأن اليسع أحيا ابن الإسرائيلية، وأن حزقيال أحيا بشراً كثيراً، ولم يكن أحد ممن ذكرنا بإحيائه الموتى إلهاً. وأما إبراء الأكمه فهذه التوراة تخبر أن يوسف أبرأ عين أبيه يعقوب بعد أن ذهبت، وهذا موسى طرح العصا فصارت حية لها عينان تبصر بهما، وضرب بها الرمل فصار قملًا، لكل واحدة منها عينان تبصر بهما، ولم يكن واحد منهم بذلك إلهاً.

стр. 61

وأما إبراء الأبرص فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن اليسع قد أبرأ أبرصاً، وأبرصَ صحيحاً (١)، وهو أعظم مما فعل المسيح ﵇، فلم يكن في فعله ذلك إلهاً. وأما قولكم: إنه مشى على الماء؛ فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن إلياس؛ صار إلى الأردن ومعه اليسع تلميذه، فأخذ عمامته فضرب بها الأردن، فاستيبس له الماء حتى مشى عليه هو واليسع، ثم صعد إلى السماء على فرس من نور، واليسع يراه، ودفع عمامته إلى اليسع، فلما رجع اليسع إلى الأردن ضرب بها الماء فاستيبس له حتى مشى عليه راجعاً. ولم يكن واحد منهما بمشيه على الماء إلهاً، ولا كان إلياس بصعوده إلى السماء إلهاً. وأما قولكم أنه صير الماء خمراً. فهذا كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن اليسع نزل بامرأة إسرائيلية، فأضافته، وأحسنت إليه، فلما أراد الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ فقالت المرأة: يا نبي الله! إن على زوجي ديناً قد فدحه، فإن رأيت أن تدعو الله لنا بقضاء ديننا فافعل. فقال لها اليسع: اجمعي كل ما عندك من الآنية، واستعيري من جيرانك جميع ما قدرت عليه من آنيتهم، ففعلت، ثم أمرها فملأت الآنية كلها ماء، فقال: اتركيه ليلتك هذه، ومضى من عندها، فأصبحت المرأة وقد صار ذلك الماء كله زيتاً، فباعوه، فقضوا دينهم. وتحويل الماء زيتاً أبدع من تحويله خمراً، ولم يكن اليسع بذلك إلهاً. وأما قولكم: أن المسيح ﵇ كثر القليل حتى أكل خلق كثير من أرغفة يسيرة. فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن إلياس نزل

стр. 62

بامرأة أرملة، وكان القحط قد عم الناس، وأجدبت البلاد، ومات الخلق ضراً وهُزلاً، وكان الناس في ضيق، فقال للأرملة: هل عندك طعام؟ فقالت: والله ما عندي إلا كف من دقيق في قلة أردت أن أخبزه لطفل لي، وقد أيقنا بالهلاك لما الناس فيه من القحط. فقال لها: أحضريه، فلا عليك. فأتته به، فبارك عليه، فمكث عندها ثلاث سنين وستة أشهر تأكل هي وأهلها وجيرانها منه حتى فرج الله عن الناس. فقد فعل إلياس في ذلك أكثر مما فعل المسيح ﵇ لأن إلياس كثر القليل وأدامه، والمسيح كثر القليل في وقت واحد، ولم يكن إلياس بفعله هذا إلهاً. فإن قلتم: إن هؤلاء الأنبياء ليس لهم صنع في هذه الأفعال، وإن الصنع فيها والقدرة لله جل وعلا؛ إذ كان هو الذي أجراها على أيديهم. فقد صدقتم، ونقول لكم أيضاً: كذلك المسيح ليس له صنع فيما ظهر على يديه من هذه الأعاجيب؛ إذ كان الله هو الذي أظهرها على يديه، فما الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء؟! وما الحجة في ذلك؟! وإن قلتم: إن الأنبياء كانت إذا أرادت أن يظهر الله على أيديهم آية تضرعت إلى الله، ودعته، وأقرت له بالربوبية، وشهدت على أنفسها بالعبودية. قيل لكم: وكذلك سبيل المسيح سبيل سائر الأنبياء، قد كان يدعو، ويتضرع، ويعترف بربوبية الله، ويقر له بالعبودية، فمن ذلك أن الإنجيل يخبر بأن المسيح أراد أن يحيي رجلاً يقال له العازر، فقال: «يا أبي! أدعوك كما كنت أدعوك من قبل فتجيبني، وتستجيب لي، وأنا أدعوك من أجل هؤلاء القيام ليعلموا».

стр. 63

وقال بزعمكم وهو على الخشبة: «إلهي إلهي! لم تركتني». وقال: «يا أبي! اغفر لليهود ما يعملون، فإنهم لا يدرون ما يصنعون». وقال في إنجيل «متى»: «يا أبي! أحمدك». وقال: «يا أبي! إن كان بد أن يتعداني هذا الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، فلتكن مشيئتك». وقال أيضاً: «أنا أذهب إلى إلهي الذي هو أعظم مني». وقال: «لا أستطيع أن أصنع شيئًا، ولا أتفكر فيه إلا باسم إلهي». وقال يعني نفسه: «لا ينبغي للعبد أن يكون أعظم من سيده، ولا للرسول أن يكون أعظم ممن أرسله». وقال: «إن الله لم يلد ولم يولد، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينم، ولم يره أحد من خلقه، ولا يراه أحد إلا مات». والمسيح قد أكل وشرب، وولد، ورآه الناس، فما ماتوا من رؤيته، ولا مات أحد منهم، وقد لبث فيهم ثلاثاً وثلاثين سنة. وقال في إنجيل «يوحنا»: «إنكم متى رفعتم ابن البشر، فحينئذ تعلمون أني أنا هو، وشيء من قبل نفسي لا أفعل، ولكن كل شيء كالذي علمني أبي». وقال في موضع آخر: «من عند الله أرسلت معلماً». وقال لأصحابه: «اخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يبجل في مدينته». وأخبر الإنجيل: «أن امرأة رأت المسيح فقالت: إنك لذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه. فقال لها المسيح: صدقت، طوبى لك».

стр. 64

وقال لتلامذته: «كما بعثني أبي، كذلك أبعث بكم». فاعترف بأنه نبي، وأنه مألوه، ومربوب، ومبعوث. وقال لتلامذته: «إنّ مَنْ قَبِلكم وآواكم فقد قبلني، ومن قبلني فإنما يقبل من أرسلني، ومن قبل نبياً باسم نبي، فإنما يفوز بأجر من قَبِل النبي». فبين ها هنا في غير موضع أنه نبي مرسل، وأن سبيله مع الله سبيلهم معه. وقال «متّى» التلميذ في إنجيله -يستشهد على المسيح بنبوة أشعيا عن الله-: «هذا عبدي الذي اصطفيته، وحبيبي الذي ارتاحت إليه نفسي، أنا واضع روحي عليه، ويدعو الأمم إلى الحق». فلن يحتاج إلى حجة أوضح من هذا القول الذي جعلتموه حجة لكم، فقد أوضح الله أمره، وسماه عبداً، وأَعلَمَ أنه يضع عليه روحه، ويؤيده بها، كما أيد سائر الأنبياء بالروح، فأظهروا الآيات المذكورة عنهم، وهذا القول يوافق ما بشر به جبريل -المَلَك- مريم حين ظهر لها، وقال القول الذي سقناه في صدر كتابنا. وقال «يوحنا» التلميذ في الإنجيل عن المسيح ﵇: «إن كلامي الذي تسمعون هو كلام من أرسلني». وقال في موضع آخر: «إن أبي أجلُّ، وأعظم مني». و «يشهد لي أبي الذي أرسلني». وقال المسيح لبني إسرائيل: «تريدون قتلي وأنا رجل قلتُ لكم الحق الذي سمعت الله يقوله». وقال في الرجل الذي أقامه من الموتى: «يا أبي أشكرك على استجابتك دعائي، وأعترف لك بذلك، وأعلم أنك كل وقت تجيب دعوتي، لكن أسألك من أجل هذه الجماعة؛ ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني».

стр. 65

وقال شمعون الصفا رئيس الحواريين في الفصل الثاني من قصصهم: «يا رجال بني إسرائيل! اسمعوا مقالتي، إن يسوع الناصري رجل ظهير لكم من عند الله بالقوة، والأيدي، والعجائب التي أجراها على يديه». قال أبو نصر: وإنما سمى «ناصري»؛ لأن أمه كانت من قرية يقال لها: «ناصرة» في الأردن، وبها سميت النصرانية. فإذا كانت الشهادات منه على نفسه، ومن الأنبياء عليه، ومن تلاميذه بمثل ما قد بيناه؛ فإن اللغة قد أجازت أن يسمى الولي ابناً، وقد سماكم الله جميعاً بنيه، وأنتم لستم في مثل حاله. وقد أقر بأن له إلهاً هو الله، ومن كان له إله فليس بإله، كما تقولون. فإن قلتم: إن إسرائيل وداود ونظراءهم إنما سُمّوا أبناء الله على جهة الرحمة من الله لهم، والمسيح ابن الله على الحقيقة. -تعالى الله عن ذلك-. قلنا: يجوز لمعارض أن يعارضكم، فيقول لكم ما تنكرون أن يكون إسرائيل وداود ابني الله على الحقيقة، والمسيح ابن رحمة، وما الفرق؟ هذا «إلياس» أمر السماء أن تمطر فأمطرت، ولم يدع الله في ذلك الوقت، وقد قال الله في السفر الخامس من التوراة لموسى: «أخرج أنت وشعبك الذي أخرجت من مصر، وأنا أجعل معكم ملكاً يغفر ذنوبكم». فإن زعمتم أن المسيح إله؛ لأنه غفر ذنوب المقعد، فالملك إذاً إله؛ لأنه يغفر ذنوب بني إسرائيل، وإلا فما الفرق؟

стр. 66

وقوله: «أنا وأبي واحد» إنما يريد به أن قبولكم لأمري هو قبولكم لأمر الله، كما يقول رسول الرجل: «أنا ومن أرسلني واحد». ويقول الوكيل: «أنا ومن وكلني واحد»؛ لأنه يقوم فيما يؤديه مقامه، ويؤدي عنه ما أرسله به، ويتكلم بحجته، ويطالب له بحقوقه. وكذلك قول المسيح: «أنا قبل الدنيا» متأول؛ لأنه من ولد إبراهيم، ولا يجوز أن يكون قبل إبراهيم! وهذا سليمان بن داود يقول في حكمته: «أنا قبل الدنيا، وكنت مع الله حيث بدأ الأرض». فما الفرق بينهما؟ وقد قال داود أيضاً في الزبور: «ذكرتك يا رب من البدء، وهديت بكل أعمالك». فإن تأولتم تأولنا، وإن تعلقتم بظاهر الخبر في المسيح؛ تعلقنا بظاهر الخبر في سليمان وداود، وإلا فما الفرق؟ ومعناه أنه أخبر عن نفسه بأن إلهنا معنا، يعني: أن الله معه، ومع شعبه معيناً وناصرًا. فإن قلتم: إن الخشبة التي صلب عليها المسيح على زعمكم ألصقت بميت فعاش؛ فإن هذا دليل على أنه إله؛ قلنا لكم: فما الفرق بينكم وبين من قال: «إن اليسع إله» واحتج في ذلك بأن کتاب «سفر الملوك» يخبر بأن رجلاً مات، فحمله أهله إلى المقبرة، فلما كانوا بين القبور رأوا عدواً لهم يريد أنفسهم، فطرحوا الميت عن رقابهم، وبادروا إلى المدينة، وكان الموضع الذي ألقوا عليه الميت قبر اليسع، فلما أصاب ذلك الميت تراب قبر اليسع عاش، وأقبل يمشي إلى المدينة. فإن زعمتم أن المسيح إله؛ لأن الخشبة التي ذكروا أنه صلب عليها ألصقت بميت فعاش؛ فاليسع إله؛ لأن تراب قبره لصق بميت فعاش. وقد قال السيد المسيح في الإنجيل لتلاميذه لما سألوه عن الساعة والقيامة: «إن ذلك اليوم، وتلك الساعة لا يعرفه أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن أيضاً، ولكن الأب وحده يعرفه». فهذا إقرار منه بأنه

стр. 67

منقوص العلم، وأن الله ﵎ أعز وأعلم منه، وأنه خلافه وأعلا منه، وقد بين بقوله: «أحد» عمومه بذلك الخلق جميعاً، ثم قال: «ولا الملائكة» وعندهم من علم الله ما ليس عند أهل الأرض!! وهل بنيتم أمركم في ذلك إلا على قول «متّى» التلميذ على المسيح ﵇ أنه قال لتلاميذه حيث أراد أن يفارقهم: «اذهبوا، فعمدوا الناس باسم الأب، والابن، وروح القدس»؟ وهذا كلام يحتمل معناه - إن كان صحيحاً - أن يكون ذهب فيه بأن يجمع هذه الألفاظ إلى أن تجتمع لهم بركات الله، وبركة نبيه المسيح، وروح القدس التي يؤيد بها الأنبياء والرسل. فَلِم حكمتم بأنه ذهب إلى أن هذه الأسماء لما أضافها إلى الله جل وعلا صارت آلهة، وجعلتم لها أقانيم، لكل اسم أقنوم يخصه بعينه، وهو شخص واحد؟! وكيف استجزتم ما أشركتموه مع الله جل وعلا بالتأويل الذي لا يصح؟! وهذا كلام له مذهب في اللغة القديمة التي جاءت بها الكتب، وليست بموجبة الإلهية؛ إذ كان قد شاركه في هذا الاسم غيره، فلم لا جعلتموه كما جعل نفسه؟! ثم إن المسيح قال للرجل الذي أتاه فقال له: أيها العالم الصالح، أي الأعمال خير لي، الذي تكون لي حياة إلى يوم الدين؟ فقال له: لم تقول لي: صالحاً. ليس الصالح إلا الله وحده». فاعترف لله بأنه واحد لا شريك له، ونفى عن نفسه فلم يجعلها ولا أحد من الخلق أهلًا لذلك. وقوله للمرأة التي جاءته فقالت: أنت ذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه؟ فقال لها المسيح: «صدقت، طوبى لك».

стр. 68

ثم قال للشيطان حين اختبره، فسامه أن يلقي نفسه من رأس الهيكل فقال: «أمرنا أن لا نجرب الرب». ثم سامه أن يسجد له فقال: «أمرنا أن لا نسجد إلا الله وحده، ولا نعبد سواه». ثم صلاته في غير وقت لله، وآخرها الليلة التي أخذته اليهود فيها. فإذا كان إلهاً -كما زعمتم - فلمن كان يصلي ويسجد؟!! ثم قول الجموع الذين كانوا معه حين دخل أورشليم (١) وهي مدينة بيت المقدس على الأتان لمن كان يسأله عن أمره، لما راجت المدينة به: «هذا هو يسوع الناصري النبي الذي من الناصرة». ثم قوله في بعض الإنجيل: «اخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يبجل في مدينته». وفي موضع آخر أنه قال: «لا يهان نبي إلا في مدينته، وفي بيته وأقاربه». ما رضيتم بقوله في نفسه، ولا بقول تلامذته فيه، ولا بقول من تنبأ عليه من الأنبياء، ولا قول جموعه الذين تولوه لمن سألهم من مخالفيهم عنه، وتركتم ذلك كله، وأخذتم بآراء قوم تأولوا لكم؟!! ونجدكم تقولون في المسيح ﵇: «إنه مولود من أبيه، أزلي»!! إن كان هذا الابن أزلياً على ما في شريعة إيمانكم، فليس هذا بمولود. وإن كان مولوداً، فليس بأزلي.

стр. 69

وإن كان وجب للأب اسم الأبوة لقدم، فالابن أيضاً يستحق هذا الاسم بعينه؛ إذ كان قديماً مثله، وإن كان الأب عالماً عزيزاً، فهو أيضاً عالم عزيز، تشهد شريعة الإيمان له بذلك. وإن كان الأب والابن متكافئين في القدم والقدرة، فبأي فضل وسلطان للأب عليه أمره ونهاه؟! و «متّى» التلميذ حين بنى كتابه الإنجيل أول ما ابتدأ به أن قال: «كتاب مولد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم». فنسبه إلى من كان منه على الصحة، ولم يقل: إنه ابن الله، ولا إنه إله من إله، كما يقولون. وقول جبريل -الملك- لمريم عند مخاطبته إياها: «إنه ابن داود» على ما ثبت من ذلك في الإنجيل. ووجدناكم قد ذكرتم في شريعة الإيمان: «أن يسوع المسيح بِكر الخلائق». وبِكر الخلائق لا يكون إلا من الخلائق! وقد قال الله تعالى في التوراة: «يا ابني بكري» أي: إسرائيل. وقال في موضع آخر: «إنه نظر بنو الله إلى بنات الناس، فشغفوا بهن». فهل يوجب لآل إسرائيل إلهية بهذا القول؟! ومما يبين قولنا في خلق المسيح أن هذا الاسم إنما وقع له، لأنه مسح للنبوة والخير، وماسحه الله ﵎. وقد قال داود في زبوره قولاً يشهد على ذلك بعينه: «من أجل هذا البِر مسحك الله إلهك أكثر مما مسح به نظراءك». فأبان داود بهذه الآية معنى المسح بإنجيله، وأن ماسحه الله إلهه، وأنه مصطفى مكرم بزيادة على نظرائه (١).

стр. 70

وإذا نظر في الإنجيل، وكتب بولس، وغيره ممن يحتج به النصارى، وجد نحواً من عشرين ألف آية مما فيه اسم المسيح، وكلها تنطق بعبودية المسيح، وأنه مبعوث مربوب، وأن الله اختصه بالكرامات، ما خلا آيات يسيرة مشكلات، قد تأولها كل فريق من أولئك الذين وضعوا الشريعة باختيارهم على هواهم، فأخذوا بذلك التأويل الفاسد، وتركوا المعظم الذي ينطق بعبوديته. فلو كانوا قصدوا الحق لردوا تلك المشكلات الشاذة اليسيرة -التي يوجد لها من التأويل خلاف ما يتأولونه- على الواضحات الكثيرة التي قد بانت بغير تأويل. ومن أعجب العجب أن تكون أمة كتابها، ودعوتها، ومعبودها واحداً يتمسكون بأمر المسيح ﵇، وتلامذته، وإنجيله، وسنته، وشرائعه، وهم مع ذلك مختلفون فيه أشد الاختلاف: فمنهم من يقول: إنه عبد. ومنهم من يقول: إنه إله. ومنهم من يقول: إنه ولد. ومنهم من يقول: إنه أقنوم وطبيعة. ومنهم من يقول: إنه أقنومان وطبيعتان. وكل منهم يكفر صاحبه، ويقول: إن الحق في يده. ووجدنا قوماً منكم إذا نوظروا في ذلك قالوا: قد وجدنا أكثر الأديان يختلف أهلها فيها، ويتفرقون على مقالات شتّى هم عليها، وكل منهم يدعي أن الصواب في يده.

стр. 71

فَلَم يختلف أهل دين من الأديان في عقد معبودهم، ولا شكّوا فيه، ولا تفرقوا القول فيما اختاروه إلا أهل ملل النصرانية فقط. وسائر من سواهم إنما اختلفوا في فروع من فروع الدين وشرائعه، مثل اختلاف اليهود في أعيادهم، وسنن لهم، ومثل اختلاف المسلمين في القدَر، فمنهم من قال به ومنهم من دفعه، وفي تفضيل قوم من أصحاب محمد ﷺ على نظرائهم، بعد اتفاق جماعتهم على إلههم، ومعبودهم، وخالقهم، وأن الله إله الخلق كلهم، واحد لا شريك له، ولا ولد. ثم اتفاقهم بعد ذلك على نبيهم محمد ﷺ لا يشكون فيه، وعلى القرآن، وأنه کتاب الله المنزل على محمد المرسل، لا يختلفون فيه. فإذا صح اتفاقهم على هذه الأصول كان ما سواها خللاً لا يقع معه كفر، ولا يبطل به دين. مما ذكره سعيد بن البطريق النصراني في تاريخه ومن أهم ما ذكره ابن البطريق النصراني-وهو من أكابر علماء النصارى- في تاريخه «نظم الجوهر» عن النصارى: أن المسيح صلوات الله عليه ولد في عهد ملك الروم قيصر المسمى «أغسطس» لثنتين وأربعين سنة من ملكه (١). وذكر أيضاً عدد من حضر مجمع نيقية من البطارقة والأساقفة مع اختلافهم في الآراء والأديان، وأن «قسطنطين» الملك بعث إلى جميع

стр. 72

البلدان، فجمع البطاركة والأساقفة، فاجتمع في مدينة «نيقية» بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفاً. فمنهم من يقول: المسيح ومريم إلهان من دون الله. وهم «المريمانية»، ويسمون «المريميين». ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار تعلقت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها. وهي مقالة «سبارينون» وأشياعه. ومنهم من كان يقول: لم تحبل مريم لتسعة أشهر، وإنما مر نور في بطن مريم، كما يمر الماء في الميزاب؛ لأن كلمة الله دخلت من أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها. وهي مقالة «ألبان» وأشياعه. ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن ابتداء الابن من مريم، وأنه اصطفي ليكون مخلصاً للجوهر الإنسي، صحبته النعمة الإلهية، فحلت فيه المحبة والمشيئة، فلذلك سمي «ابن الله»، ويقولون: إن الله جوهر واحد، وأقنوم واحد، يسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة، ولا بروح القدس. وقال سعيد بن البطريق: فمن ميلاد سيدنا المسيح إلى أن وجد الصليب ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة. وقال عن مخالفيه من أئمة فرق النصارى: نسطوريوس، وأرطيوس، وديسقورس، وسورس، ويعقوب البرادعي، وأشياعهم؛ أنهم أئمة الضلالة.

стр. 73

قصة استحلال النصارى أكل لحم الخنزير وذكر ابن البطريق في تاريخه قصة استحلال النصارى أكل لحم الخنزير، وفيها قول الملك قسطنطين ل «بولس» البترك: إذا كان الخنزير في التوراة حراماً، فكيف يجوز لنا أن نأكل لحم الخنزير، ونطعمه للناس؟! فقال له «بولس» البترك: إن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة، وجاء بناموس آخر، وبتوراة جديدة، وهو الإنجيل، وفي إنجيله المقدس: «إن كل ما يدخل البطن ليس بحرام، ولا ينجس، وإنما ينجس الإنسان الذي يخرج من فيه». وقال «بولس الرسول» في رسالته إلى أهل مدينة «فورينيوس» الأولى: «الطعام للبطن آلته لها، والبطن للطعام، وله يلعن». ومكتوب في «الإبركسس» يعني أخبار الحواريين: أن «بطرس» رئيس الحواريين كان في مدينة «يافا» في منزل رجل دباغ يقال له: «سيمون»، وأنه صعد إلى المنزل ليصلي وقت ست ساعات من النهار، فوقع عليه سبات، فنظر إلى السماء قد تفتحت، وإذا إزار قد نزل من السماء حتى بلغ الأرض، وفيه: «كل ذي أربع قوائم على الأرض من السباع، والذئاب، وغير ذلك من طير السماء» وسمع صوتا يقول له: يا بطرس، قم فاذبح وكل. فقال بطرس: يا رب، ما أكلت شيئاً نجساً قط، ولا وسخاً قط، فجاء صوتُ ثان: كل ما طهره الله فليس بنجس وفي نسخة أخرى: ما طهره الله فلا تنجسه أنت ثم جاء الصوت بهذا ثلاث مرات، ثم إن الإزار ارتفع إلى السماء، فعجب بطرس وتحير فيما بينه وبين نفسه. فبهذا المنظر،

стр. 74

وبما قال سيدنا المسيح في إنجيله المقدس أمر بطرس وبولس أن نأكل كل ذي أربع قوائم من الخنزير وغيره من جميع الحيوان حلالاً لنا (١). فأمر الملك أن تذبح الخنازير، وتطبخ لحومها، وتقطع صغاراً صغاراً، وتصير على أبواب الكنائس في كل مملكته يوم أحد الفصح، وكل من خرج من الكنيسة يلقم لقمة من لحم الخنزير، فمن لم يأكل منه يقتل، فقتل لأجل ذلك خلق كثير. وأطلق بطرك الإسكندرية للبطاركة، والأساقفة، والرهبان أكل اللحم من أجل المنانية؛ ليعرف المناني منهم؛ لأن المنانية لا يرون أكل اللحم، ولا شيئاً من الحيوان البتة، ولا يرون الغسل بالماء. والمنانية صنفان: السماعون، والصديقون: فالسماعون: يصومون في كل شهر أياماً معلومة. والصديقون: يصومون الدهر كله، ولا يأكلون إلا ما نبت من الأرض.

стр. 75

خاتمة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكلما تدبر العاقل كلامهم في (الأمانة) (١) وغيرها وجد فيه من التناقض والفساد ما لا يخفى إلا على أجهل العباد، ووجد فيه من مناقضته التوراة، والإنجيل، وسائر كتب الله ما لا يخفى. ولهذا قال طائفة من العقلاء: إن عامة مقالات الناس يمكن تصورها إلا مقالة النصارى، وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا، بل تكلموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بين النقيضين، ولهذا قال بعضهم: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحد عشر قولًا، وقال آخر: لو سألت بعض النصارى، وامرأته، وابنه عن توحيدهم، لقال الرجل قولاً، وامرأته قولاً آخر، وابنه قولاً ثالثاً. انتهى. والله الهادي إلى سواء السبيل.