← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30631

الزبد المليح من كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح

عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر

Полный текст (75 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

(مختصر في الرد على النصارى) الزبد المليح من كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختصره ونسقه عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر ١٤٤٥ هـ

стр. 2

مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على جميع رسل الله وخاتمهم محمد ﷺ أما بعد: فإن الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك؛ هو دين الأنبياء جميعاً، وجاءت شريعة خاتم الأنبياء محمد ﷺ مؤكدة لتوحيد الله ومتممة وناسخة لشرائع من قبله من الأنبياء، وقد قال ﷺ : (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، في الأُولَى وَالآخِرَةِ) قالوا: كيفَ؟ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: (الأنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فليسَ بيْنَنَا نَبِيٌّ). [رواه مسلم ٢٣٦٥]. وقد أُنزل الإنجيلُ على المسيح عيسى ابن مريم ﵇ لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، مصدقاً ومتمماً لما في التوراة وناسخاً لبعض شرائعها، وجاء المسيح بالبشارة برسول الله محمد ﷺ كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. قال ابن عبَّاس ﵄: "ما بعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا أخَذَ عليه الميثاقَ: لَئِنْ بُعِثَ محمَّدٌ، وهو حَيٌّ؛ لَيُومِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ أنْ يأخُذَ على أُمَّتِهِ المِيثَاقَ: لَئِنْ بُعِثَ محمَّدٌ، وهم أحياءٌ؛ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ" (١)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ

стр. 3

النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. وجاء في الإنجيل صفة محمد ﷺ وأصحابه كما أخبر الله في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال ﷺ : (والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِنْ هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كانَ مِنْ أصْحابِ النَّارِ). [رواه مسلم ١٥٣]. فلا يقبل الله ديناً بعد بعثة محمد ﷺ إلا الإسلام. وما عليه النصارى اليوم هو دين منسوخ مبدل، اشتمل على معتقدات فاسدة، بعد أنْ بدّل كبراء النصارى شريعة المسيح ﵇ وحرفوا الإنجيل ووضعوا شرائع محدثة مبتدعة ليست من هدي المسيح ﵇، ولا غيره من الأنبياء، وليست من الإنجيل الذي أنزله الله، ولا نقلها الحواريون. مع أنه كان من النصارى طائفة باقية على شريعة المسيح كالآريوسيين متمسكين بالتوحيد وإنجيل المسيح دون غيره من الكتب المسماة بالأناجيل، حتى بعث الله محمداً بشريعة الإسلام الناسخة، وبالقرآن الناسخ لما قبله من الكتب، فآمن به من آمن من اليهود والنصارى ومن علمائهم وأحبارهم، واستكبر من استكبر منهم؛ فكفروا به فكانوا من الضالين الذين لا يقبل الله منهم ديناً غير الإسلام والتصديق بنبيه محمد ﷺ وبما جاء به من القرآن والسنة.

стр. 4

نبذة موجزة عن تاريخ النصرانية ومن المهم في هذه المقدمة معرفة أصل موقف اليهود النصارى (١) من المسيح وشريعته، وأوجز هنا كلاماً لبعض المؤرخين عن ذلك -وأغلبه من كلام الإمام ابن كثير ﵀ حيث ذكروا: أنَّ اليهود كذّبوا المسيح ﵇، ورفضوا أن ينسخ شيئاً من أحكام التوراة، وكانوا يزعمون أن المسيح ساحر كذاب، بل يقولون: إنه ولد غَيّة (زنا)، وقالوا على أمه بهتاناً عظيماً، وحرّضوا عليه وسعوا في قتله، وقالوا: إن النصارى ليسوا على شيء من الدين الصحيح. واستمر المسيح ﵇ في دعوته مراغماً لليهود الذين أرادوا قتله، جرياً على عادتهم في قتل الأنبياء. واستعانت اليهود -قبحهم الله -على معاداة عيسى ﵇، بملوك اليونان، ووَشَوا عندهم، وأوحَوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا، فبعثوا من يقبض عليه. ولَمَّا أراد اليهود قتل المسيح عِيسَى بن مريم ﵇ وأراد الله أن يرفعه إلى السماء، خرج المسيح إلى أصحابه - وهم اثنا عشر رجلاً - من عينٍ في البيت، ورأسه يقطُر ماءً، فقال لهم: أما إنّ منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرةً بعد أن آمن بي، ثم قال: أيّكم سيُلقَى عليه شَبَهي فيُقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟، فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال: أنا، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: نعم،

стр. 5

أنت ذاك. فأُلقي عليه شَبَهُ عيسى، ورفع عيسى ﵇ من رَوْزَنَةٍ (نافذة في السقف) كانت في البيت إلى السماء. وسيعود ﵇ وينزل من السماء قبيل قيام الساعة حاكماً بالإسلام. وبعد رفع عيسى ﵇ إلى السماء جاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبيه فقتلوه، ثم صلبوه، ثم زعم اليهود أنهم قتلوا عيسى وصلبوه وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وحقيقة الأمر أنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ١٥٧ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ١٥٨﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. ثم كان الخراب الثاني لبيت المقدس، فبعث الله إليهم ملكا من ملوك بابل يقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم، وقد قيل: هذا تأويل قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]. وبعد الخراب الثاني تفرقوا في الأرض، ومن حينئذ زال ملكهم وقطعهم الله في الأرض أمماً، وكانوا تحت حكم الروم والفرس ولم يبق لهم ملك. وجاء بولس (شاؤول اليهودي) (١) وهو أول من حرف الديانة النصرانية، ولم يكن من تلاميذ المسيح، ولم تثبت له رؤية المسيح عليه

стр. 6

السلام في حياته، وكان بولس عارفاً بالفلسفة الإغريقية ومدرسة الإسكندرية (١) متأثراً بالفلسفة الأفلاطونية والرواقية التي تنبذ المادة والجسم وتعتبرهما شرّاً وخبثاً، وبالطقوس الوثنية في التضحية الفدائية للتكفير عن خطايا الناس، حسب عقيدة بلاد اليونان التي تؤمن بالآلهة التي ماتت لتفتدي بموتها بني الإنسان. وكان بولس من أشدّ الناس اضطهاداً وتعذيباً لأتباع المسيح ﵇، ثم تظاهر بالنصرانية وادعى أنه التقى مع المسيح وأن المسيح ظهر له فجأة في الطريق، وتحول بولس من عدو لأتباع المسيح إلى مغيّر لرسالة المسيح، واختلق عقيدة التثليث للنصارى، ودعا إلى تأليه المسيح وأنه ابن الله، وزعم أن المسيح صلب تكفيراً عن خطيئة آدم وفداء عن البشرية وإثمها الذي تحملته بعد ذلك، لكي يجد مبرراً لصلب المسيح حسب ما

стр. 7

توهمه، وكتب كتاباً يحوي أربع عشرة رسالة ادعى أتباعه أنه كتبها بالإلهام، وهي التي تشكلت منها الديانة النصرانية المحرفة، ونَسَخَ الختان، واستبدل السبت بالأحد، إلى غير ذلك من تحريفاته، كما زعم بولس أن المسيح سيحاسب الناس يوم القيامة. وعقيدة التثليث التي ابتدعها بولس لم يأت بها نبي من الأنبياء، ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية، ولم ترد في التوراة، وعلماء اليهود من عهد موسى ﵇ إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث، ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم. وأدت انحرافات بولس إلى افتراق برنابا الحواري عنه في رحلاته، وكتابته لإنجيل برنابا (١) الذي صرح فيه بتوحيد الله تعالى وبالبشارة بالنبي محمد ﷺ وقال ببشرية عيسى ﵇ وأنكر صلبه، وذكر أنه ألقي الشبه على يهوذا الإسخريوطي؛ كما ذكر أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق.

стр. 8

وكان الإنجيل كتاباً موجوداً ومعروفاً لدى النصارى الأوائل (١) بأنه (إنجيل الله) أو (إنجيل المسيح)، وقد ذكره بولس في رسائله، لكن النصارى لا يعرفون شيئاً عن مصير ذلك الإنجيل، ولا أين ذهب، وقد صار عند النصارى -بدل ذلك الإنجيل الواحد- أناجيل كثيرة مختلفة ومتناقضة، أشهرها أربعة أناجيل من طريق مرقس ولوقا ومتى ويوحنا، وليس لها سند متصل، وهي أشد اختلافاً وتحريفاً وأكثر زيادةً ونقصاً وأفحش تفاوتاً من التوراة المحرفة. وأصبح لدى اليهود التوراة التي لم تسلم من التحريف والتبديل والتي يؤمن بها اليهود والنصارى وتتكون من الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى، وأضافوا معها الأسفار التاريخية المنسوبة لعدد من الأنبياء، وأسفار الشعر والحكمة وتنسب في غالبها إلى داود وسليمان، ومن المزامير ما ينسب إلى آخرين مجهولين، والأسفار النبوية وتتكون من سبع عشرة سفراً، وأسفار الأبوكريفا السبعة وبعض الكنائس المسيحية تزيد أسفاراً أخرى. ولدى النصارى مجموعة الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها، وتنسب إلى ثمانية من المحررين ينتمون إلى الجيل الأول والثاني من

стр. 9

النصرانية، وهم متى ومرقس ولوقا ويوحنا أصحاب الأناجيل، ثم بولس صاحب الأربع عشرة رسالة، ثم بطرس ويعقوب ويهوذا، تلاميذ المسيح الذين تنسب إليهم القليل من الرسائل. وقد أخبر الله جل وعلا عن تحريف اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل، وجاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٨﴾ [آل عمران: ٧٨]، وقوله جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ٧٩﴾ [البقرة: ٧٩]، وقال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، ودل على تحريف كتبهم التي بين أيديهم: انقطاع سندها، والتناقض الواضح بين نصوصها، واختلاف نُسخها وعدد أسفارها، وشهادة بعض علماء اليهود والنصارى على وقوع التحريف في كتبهم؛ وخاصة من رجع منهم إلى الحق واتبع شريعة محمد ﷺ . ثم إن النصارى -بعد فتنة بولس وتحريفه لدين المسيح ﵇ تفرقوا واختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان فينا الله ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي (الأرثدوكس)، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النَسطُورية أصحاب نَسْطُورَس (الكاثوليك)، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه،

стр. 10

وهؤلاء هم المسلمون المتبعون للمسيح ﵇، ومنهم الأريوسيّة أصحاب عبد الله بن أَرْيُوس. فأما النسطورية والعقوبية وما تفرع عنهم من فرق كافرة؛ فكل فرقة من هؤلاء تكفر الأخرى وتعتقد تخليدهم في نار جهنم ولا ترى مجامعتهم في المعابد والكنائس، وكلهم يقول بالتثليث، ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرعه؟ أو حل فيه؟ أو اتحد به؟، واختلافهم في ذلك شديد وكفرهم بسببه غليظ (١). وبعد رفع المسيح ﵇ بثلاثمائة سنة اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعددة لا تنحصر ولا تنضبط واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين -باني القسطنطينة- فلجؤوا للتصويت وقرروا عقيدة التثليث في مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م (٢)، وصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على

стр. 11

قول من تلك المقالات، فسُمّوا: الملائكة، وسموا أيضاً: الملكية نسبة إلى الملك، فنصرهم وبنى لهم آلاف الكنائس ذات التصاوير والتماثيل ودحض من عداهم. وخالف أغلب النصارى أحكام التوراة والإنجيل في أشياء كثيرة شرعوها لأنفسهم، فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق وليست منصوصاً عليها ولا مأموراً بها في شيء من الأناجيل الأربعة، وعمدوا في بناء كنائسهم إلى ما كان من بناء اليونان وحولوا محاريبها إلى الشرق لأنها مطلع الكواكب النيرة وقد كانت تلك الأبنية إلى الشمال إلى الجدي، وصلوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلى إلا إلى صخرة بيت المقدس، وهكذا تصويرهم الصور والأصنام في كنائسهم ولم تكن مصورة قبل ذلك، وتركهم الختان، ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع، وزيادته إلى خمسين يوماً، وأحلوا أشياء هي حرام بنص التوراة ومن ذلك أكل الخنزير، ووضعهم عقيدة التثليث المتناقضة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التي يسمّونها ب (الأمانة) (١)

стр. 12

ويختلفون في تفسيرها وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة، وابتدعوا (الرهبانية) وهي ترك التزويج لمن أراد التعبد وتحريمه عليه، وكتبوا القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر، فكل هذه الأشياء ابتدعوها ووضعوها في أيام قسطنطين بن قُسطن باني القسطنطينية باتفاق معه، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ يحرمون لهم ما أحل الله، ويحلون لهم ما حرم الله؛ فيتبعونهم. ثم تظاهرت الفرق الكافرة (الملكية والنسطورية واليعقوبية) على المسلمة (الأريوسية)، فقاتلوها وحرضوا عليها الملك. وكان في الأريوسيين النصارى مؤمنون موحدون يقرءون التوراة، فقيل للملك قسطنطين: ما نجد شتماً أشد من شتم هؤلاء، إنهم يقرءون: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ وهؤلاء الآيات يعيبون بها أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟، دعونا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا، فلا نرد عليكم. وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض ونهيم، ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: منهم ابنوا لنا دوراً في الفَيافي ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، فلا نرد عليكم ولا نمرّ بكم، -وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم- ففعلوا ذلك، وتفرق أصحابها فسكنوا البراري والبوادي وبنوا الصوامع والديارات والقلايات وقنعوا بالعيش الزهيد، وقد قال الله فيهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] والآخِرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح

стр. 13

فلان، ونتخذ دورا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم، لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا به. فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله النبي محمد ﷺ ولم يبق منهم إلا قليل؛ انحط رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فأنزل الله عليه: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعني: الطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني: الطائفة التي كفرت في زمن عيسى، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم الموحدون من النصارى ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ بإظهار محمد ﷺ بدين التوحيد على دين المشركين من أهل الكتاب وغيرهم ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]. نبذة عن كتاب (الجواب الصحيح) وقد ألّفَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابه: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" وهو من أنفس الكتب التي وضحت فساد معتقد النصارى وتحريفاتهم، وكان كتاباً واسعاً مليئاً بالبيان والردود والأدلة والحجج والبراهين والمناقشات والفرائد والفوائد؛ إلا أنه تشعب في أمور كثيرة لغزارة علم مؤلفه، وكثر فيه التكرار مع الزيادات في مواضيع عديدة؛ وذلك أن سبب تأليف كتابه هو الرد على كتاب راهب نصراني حوى دعاوى باطلة حول الإسلام والنصرانية؛ فكتب شيخ الإسلام ابن تيمية رده الواسع المفصل على كل دعوى من هذه الدعاوى في ذلك الكتاب، وهو ما استدعى الكثير من التكرار لتعلق البيان في كل دعوى بتوضيح أمور متعلقة بغيرها، ويكون في التكرار غالباً زيادة مفيدة، لكنها ضخمت الكتاب، وكثرت فيه الاستطرادات في مواضيع كثيرة توسعت عن صلب الموضوع، مما يدلل على غزارة علم شيخ

стр. 14

الإسلام ابن تيمية حتى كأنه يغرف من بحر، وقد لا يمنعه من الاستطراد والتوسع والبيان والتفصيل إلا نفاد المداد والورق. فرحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في سبب تأليف كتابه: "وكان من أسباب نصر الدين وظهوره؛ أن كتاباً ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى بما يحتج به علماء دينهم، وفضلاء ملتهم قديماً وحديثاً، من الحجج السمعية والعقلية، فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب، وبيان الخطأ من الصواب؛ لينتفع بذلك أولو الألباب، ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان والكتاب … وما ذكروه في هذا الكتاب هو عمدتهم التي يعتمد عليها علماؤهم في مثل هذا الزمان، وقبل هذا الزمان، وإن كان قد يزيد بعضهم على بعض بحسب الأحوال. فإن هذه الرسالة وجدناهم يعتمدون عليها قبل ذلك، ويتناقلها علماؤهم بينهم والنسخ بها موجودة قديمة، وهي مضافة إلى بولس الراهب أسقف صيدا الأنطاكي، كتبها إلى بعض أصدقائه، وله مصنفات في نصر النصرانية. وذكر أنه سافر إلى بلاد الروم والقسطنطينية، وبلاد الملافطة، وبعض أعمال الإفرنج ورومية، واجتمع بأجلاء أهل تلك الناحية، وفاوض أفاضلهم وعلماءهم، وقد عظم هذه الرسالة وسماها (الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح والرأي المستقيم) "، انتهى كلامه. فأصل الكتاب كان مصنفاً للرد المتسلسل على ما ورد في كتاب الراهب النصراني، وكانت الموضوعات تتبع ذلك الأسلوب بذكر الشبهة أو الدعوى وردها والاستطراد فيها، ثم يتكرر ذلك مع تكرر ما له علاقة بها حسبما يرِد في

стр. 15

كتاب النصراني، حيث قال شيخ الإسلام في مقدمة كتابه: "وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلاً فصلاً، وأتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعاً وأصلًا، وعقداً وحلًا". سبب اختصار كتاب (الجواب الصحيح) ولما استصعب على كثير من الناس بل وطلاب العلم قراءة هذا الكتاب لطوله وتشعبه مع رغبتهم الاستفادة مما فيه من نفيس العلم والحجة؛ كان إعداد هذا المختصر المليح الذي يسهل على القارئ إدراك خلاصة هذا الكتاب، وذلك بالتركيز على أهم ما يتعلق بالنصرانية وانحرافها عن الدين الحق وما يستدعي ذكره لبيان حالها دون بقية الاستطرادات، مع جمع كلام المؤلف من المواضع المختلفة بزياداته في مكان واحد، ثم اختصاره وتركيزه، والتصرف اليسير الذي تستدعيه الحاجة من الاختصار وجمع المتفرق والزوائد، مع الحرص على إبقاء عبارات المؤلف وأسلوبه بقدر ما يمكن، ثم إعادة ترتيب الموضوعات بصورة متناسقة توجز بصورة ميسرة للقارئ فهم دين النصارى الذي بدّلوه وأسباب ضلالهم وانحرافهم والرد عليهم. وقد ذكر شيخ الإسلام في آخر كتابه رسالة نفيسة للحسن بن أيوب -وهو أحد من أسلم من علماء النصارى- كان قد كتبها لأخيه علي بن أيوب يبين فيها سبب إسلامه، وكتب فيها رده على النصارى، وبيّن بطلان مقالتهم، وقد أثنى شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الرسالة وزكاها. وأتبعها بذكر رسالة لسعيد بن البطريق النصراني في بيان تاريخ النصارى، فتم الإشارة لأهم ما فيها مما يتعلق ببيان انحراف النصارى. فهذا المختصر الموجز لا يغني عن الكتاب الأصل الواسع لشيخ الإسلام ابن تيمية المطبوع في مجلدات، والذي يعد من أفضل ما صنف في مجاله، وإنما هذا التلخيص زبدة مليحة تيسر للقارئ فهماً مجملاً لأبرز موضوعات هذا

стр. 16

الكتاب، والتي تبين انحراف النصارى عن الدين الحق، وتعرف القارئ بهذا الكتاب النفيس، ليدرك نخبة فوائده ودرره بصورة ميسرة إن شاء الله تعالى. وقد أضفت في الحاشية بعض التوضيحات والنقولات المتممة للفائدة، فما كان من الصواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي القاصرة، وأسأل الله أن يجعل فيه النفع والبركة وأن يكتب له القبول، أنه جواد كريم. عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر ٧ شعبان ١٤٤٥ هـ

стр. 17

مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٢ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ٤﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً. محمد ﷺ خاتم النبيين جعل الله ﵎ محمداً ﷺ خاتم النبيين، وأكمل له ولأمته الدين، وبعثه على حين فترة من الرسل، وظهور الكفر، وانطماس السبل، فأحيا به ما درس من معالم الإيمان، وقمع به أهل الشرك: من عباد الأوثان والنيران والصلبان، وأذل به كفار أهل الكتاب؛ أهل الشك والارتياب. وأقام به منار دينه الذي ارتضاه، وشاد به ذكر من اجتباه من عباده واصطفاه، وأظهر به ما كان مخفياً عند أهل الكتاب، وأبان به ما عدلوا فيه عن منهج الصواب، وحقق به صدق التوراة والزبور والإنجيل، وأماط به عنها ما ليس بحقها من باطل التحريف والتبديل؛ فلا يكون مؤمناً به إلا من عبده بطاعة رسله، ولا يكون مؤمناً به ولا عابداً له إلا من آمن بجميع رسله. وقد خص الله ﵎ محمداً ﷺ بخصائص ميزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجاً؛ أفضل شرعة، وأكمل منهاج (١).

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 19

مزايا أمة محمد ﷺ - كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون ¬أي: يكملون. سبعين أمة، هم خيرها وأكرمها على الله من جميع الأجناس، هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطاً عدولاً خياراً، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه وشرائع دينه: من الأمر والنهي، والحلال والحرام. فأَمَرَهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأحل لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث.

стр. 20

وسطية شريعة الإسلام بين اليهود والنصارى ولم يحرم الله على أمة محمد ﷺ شيئاً من الطيبات، كما حرم على اليهود. ولم يحل لهم شيئاً من الخبائث، كما استحلتها النصارى. ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة، كما ضيق على اليهود الذين يبالغون في اجتناب النجاسات. ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث، كما رفعته النصارى؛ فلا يوجبون الطهارة من الجنابة، ولا الوضوء للصلاة، ولا اجتناب النجاسة في الصلاة؛ بل يَعُدُّ كثيرٌ من عُبَّادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات!! حتى يقال في فضائل الراهب: له أربعين سنة ما مس الماء!! ولهذا تركوا الختان مع أنه شرع إبراهيم الخليل وأتباعه. واليهود إذا حاضت عندهم المرأة لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى لا يحرمون وطء الحائض. وكان اليهود لا يرون إزالة النجاسة؛ بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض ويستخرجون الدم من العروق (١)، إلى غير ذلك من الآصار والأغلال التي كانت عليهم. والنصارى ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله، أو تحرم الصلاة معه؛ إلا ما كرهه الإنسان بطبعه، فيصلون مع الجنابة والحدث وحمل النجاسات، ويأكلون الخبائث كالدم والميتة ولحم الخنزير، إلا من كره منهم شيئاً فتركه.

стр. 21

واليهود يبالغون في طهارة أبدانهم، مع خبث قلوبهم. والنصارى يدّعون أنهم يطهرون قلوبهم، مع نجاسة أبدانهم. والمسلمون يطهرون أبدانهم وقلوبهم جميعاً. والنصارى لهم عبادات وأخلاق بلا علم ومعرفة ولا ذكاء. واليهود لهم ذكاء وعلم ومعرفة بلا عبادات ولا أخلاق حسنة. والمسلمون جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح، بين الزكاء والذكاء. واليهود شبهوا الخالق بالمخلوق فيما يختص بالمخلوق، وهو صفات النقص المختصة بالمخلوق التي يجب تنزيه الرب سبحانه عنها؛ كقول من قال منهم: إنه فقير، وإنه بخيل، وإنه تعب لما خلق السماوات والأرض. فقال من قال من اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقالوا: إنه خلق العالم فتعب فاستراح، وحكي عن بعضهم أنه قال: بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، وأنه ناح على بعض من أهلكه من عباده كما ينوح المصاب على ميته، وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه ويتقدس ، وأيضاً فهم يستكبرون عن عبادة الله وطاعة رسله، ويعصون أمره ويتعدون حدوده، ولا يجوّزون له أن ينسخ ما شرعه، بل يحجرون عليه. والنصارى يشبهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال المختصة بالخالق التي لا يستحقها إلا الله تبارك تعالى مثل كقولهم: إن المسيح هو الله، وابن الله. وكل من القولين يستلزم الآخر؛ فيجعلونه رب العالمين، خالق كل شيء ومليكه، الذي هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير. والنصارى أيضاً يصفون اللاهوت بصفات النقص التي يجب تنزيه الرب

стр. 22

عنها، ويسبّون الله سباً ما سبّه إياه أحد من البشر. واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، واتخذوا المسيحَ ابن مريم رباً، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون، واتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، وصوروا تماثيل المخلوقات، واتخذوهم شفعاء يشفعون لهم عند الله؛ كما فعل عباد الأوثان، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]. واليهود تزعم أن الله يمتنع منه أن ينسخ ما شرعه، كما يمتنع ما لا يدخل في القدرة، أو ينافي العلم والحكمة. والنصارى يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله الذي بعث به رسله، فيحللوا ما حرم، كما حلّلوا الخنزير، وغيره من الخبائث، بل لم يحرموا شيئاً، ويحرمون ما حلّل، كما في رهبانيتهم التي ابتدعوها وحرموا فيها من الطيبات ما أحله الله، ويسقطون ما أوجب؛ كما أسقطوا الختان وغيره، وأسقطوا أنواع الطهارة من الغسل، وإزالة النجاسة، وغير ذلك، ويوجبون ما أسقط؛ كما أوجبوا من القوانين ما لم يوجبه الله وأنبياؤه. والمسلمون وصفوا الرب بما يستحقه من صفات الكمال، ونزهوه عن النقص، وأن يكون له مثل، فوصفوه بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، مع علمهم أنه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقالوا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فكما لا يخلق غيره؛ لا يأمر غيره، بل الدين كله له، هو المعبود المطاع الذي لا يستحق العبادة إلا هو، ولا طاعة لأحد إلا طاعته، وهو ينسخ ما ينسخه من شرعه، وليس لغيره أن ينسخ شرعه.

стр. 23

وكذلك اختلف اليهود والنصارى في المسيح؛ فالنصارى يقولون: هو الله، ويقولون أيضاً: هو ابن الله، وهو إله تام، وإنسان تام. واليهود يقولون: هو ولد زنا، وهو ابن يوسف النجار، ويقولون عن مريم: إنها بغي بعيسى، كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ١٥٦﴾ [النساء: ١٥٦]. ويقولون: هو ساحر كذاب. وأما المسلمون فيقولون: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه، وهو وجيه في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، ويصفونه بما وصفه الله به في كتابه، لا يغلون فيه غلو النصارى، ولا يقصرون في حقه تقصير اليهود. وكذلك اختلف اليهود والنصارى في قولهم في سائر الأنبياء والمرسلين، وفي أولياء الله؛ فاليهود قتلوا النبيين والذين يأمرون بالقسط من الناس، والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا لعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون، ومع هذا فقد شارك النصارى اليهود في نقص حق كثير من الأنبياء، فيقولون: إن سليمان لم يكن نبياً (١)، ويقولون: إن الحواريين مثل موسى وإبراهيم (في النبوة والرسالة)، ويقولون: إن من عمل بوصايا الله من غير الأنبياء صار مثل الأنبياء، وكان له أن يشرع شريعة!! وبعض اليهود غلوا في العُزَيْرِ حتى قالوا: إنه ابن الله! ولهذا قال نبينا في

стр. 24

الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله» (١). والمسلمون اعتدلوا، فآمنوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولم يفرقوا بين أحد من رسله، وآمنوا بجميع النبيين، وبكل كتاب أنزله الله، فلم يكذّبوا الأنبياء، ولا سبّوهم، ولا غلوا فيهم، ولا عبدوهم. وكذلك أهل العلم والدين؛ لا يبخسونهم حقهم، ولا غلوا فيهم. وقد وصف الله اليهود بأعمال، والنصارى بأعمال؛ فوصف اليهود بالكبْر والبخل والجبن والقسوة وكتمان العلم وسلوك سبيل الغي -وهو سبيل الشهوات والعدوان-؛ فإن اليهود فيهم من البغض والحسد والعداوة ما ليس في النصارى، وفي النصارى من الرحمة والمودة ما ليس في اليهود. والعداوة أصلها البغض؛ فاليهود كانوا يبغضون أنبياءهم؛ فكيف ببغضهم للمؤمنين!! وأما النصارى فليس في الدين الذي يدينون به عداوة ولا بغض لأعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فساداً!! فكيف بعداوتهم وبغضهم للمؤمنين المعتدلين -أهل ملة إبراهيم- المؤمنين بجميع الكتب والرسل؟! واليهود يغضبون لأنفسهم وينتقمون، والنصارى لا يغضبون لربهم ولا ينتقمون. والمسلمون المعتدلون -المتبعون لنبيهم- يغضبون لربهم، ويعفون عن حظوظهم، كما في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ أنها قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادماً له، ولا امرأة ولا

стр. 25

شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه، إلا أن تنتهك محارم الله؛ فينتقم لله» (١). وبدّل النصارى شرائع دينهم فزادوا في الصيام وجعلوه خمسين يوماً، ونقلوه إلى الربيع، وتركوا حج بيت المقدس، وحجوا لكنيسة القمامة، وبيت لحم، وكنيسة صيدنايا، وليس شيء من ذلك منقولًا عن المسيح. وابتدعوا عيد القلندس، وعيد الميلاد، وعيد الغطاس وهو القداس، وعيد الخميس والجمعة والسبت التي في آخر صومهم، وغيرها من الأعياد جعلوها بأسماء كبرائهم، وعيد الصليب الذي جعلوه في وقت ظهور الصليب لما أظهرته هيلانة الحرانية الفندقانية أم قسطنطين بعد المسيح بمائتين من السنين، وعظموا الصليب لأن الملك قسطنطين رأى صورة صليب كواكب (٢)، ومعلوم أن هذا لا يصلح أن ينبني عليه شريعة، وبنوا على أسماء كبرائهم أو قبورهم الكنائس، وجعلوا فيها أصناماً على صورهم، يدعونهم من دون الله، وتركوا قبلة بيت المقدس، وصلوا إلى الشرق. والنصارى لا يقرّبون القرابين بالسميد، كما كان بنو إسرائيل من قبل، ولا يحجّون في كل شهر، ومن سنة إلى سنة إلى بيت المقدس -بيت الله- ويقرّبون لله ربهم فيه قرابين نقية زكية.

стр. 26

وابتدعوا الكفر في صلاتهم؛ حتى قالوا في صلاتهم السَحَرية: «تعالوا بنا نسجد للمسيح إلهنا». وفي الصلاة الثانية والثالثة: «يا والدة الإله مريم العذراء! افتحي لنا أبواب الرحمة». وابتدعوا أن لله ثلاثة أقانيم، ولفظ الأقانيم لم ينطق به أحد من الأنبياء، ولا أحد من الحواريين باتفاقهم، بل هو مما ابتدعوه، قيل: إنه لفظ رومي، معناه: الأصل. ولهذا يضطربون في تفسير الأقانيم، تارة يقولون: أشخاص، وتارة خواص، وتارة صفات، وتارة جواهر، وتارة يجعلون الأقنوم اسماً للذات والصفة معاً. فكثير من شرائعهم لم يأخذوها عن المسيح ﵇ ولا الحواريين، ولم يتبعوا خاتم الرسل محمد ﷺ الذي بشر به المسيح. والنصارى بعد النسخ (١) والتبديل (٢) هم من الضالين الذين يعملون ويعبدون ويزهدون بلا علم، لا من المنعم عليهم. وعُبّاد الأصنام أيضاً من الضالين المغضوب عليهم. وقد قال النّبي ﷺ : «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» رواه الإمام أحمد والترمذي (٣)؛ وسبب ذلك أن اليهود يعرفون الحق ولا يعملون به، والنصارى يعبدون بلا علم.

стр. 27

ومن تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين، وجد اليهود والنصارى متقابلين على طرفي نقيض، هؤلاء ينحرفون إلى جهة وهؤلاء إلى الجهة التي تقابلها، هؤلاء في طرف ضلال، وهؤلاء في طرف يقابله. والمسلمون هم الوسط، وذلك في التوحيد، والأنبياء، والشرائع، والحلال والحرام، والأخلاق، وغير ذلك؛ فلم يجحدوا شرع الله الناسخ لأجل شرعه المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيروا شيئاً من شرعه المحكم، ولا ابتدعوا شرعاً لم يأذن به الله كما فعلت النصارى. ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى، ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود. ولا جعلوا الخالق سبحانه متصفاً بخصائص المخلوق ونقائصه ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود. ولا المخلوق متصفاً بخصائص الخالق سبحانه -التي ليس كمثله فيها شيء- كفعل النصارى. ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود، ولا أشركوا بعبادته أحداً كفعل النصارى (١). وأحل الله للمسلمين الطيبات خلافاً لليهود، وحرم عليهم الخبائث خلافاً للنصارى. والله أرسل رسوله محمد ﷺ بالهدى ودين الحق، فالهدى يتضمن العلم النافع، ودين الحق يتضمن العمل الصالح؛ ليظهره على الدين كله، والظهور يكون بالعلم واللسان؛ ليبين أنه حق وهدى، ويكون باليد

стр. 28

والسلاح؛ ليكون منصوراً مؤيداً، والله أظهره هذا الظهور، فهم أهل الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. تواتر الأخبار ببعثة محمد ﷺ إلى جميع الإنس والجن ثم إنه من المعلوم بالضرورة لكل من عَلِم أحواله ﷺ بالنقل المتواتر الذي هو أعظم تواتراً مما يُنقل عن موسى وعيسى وغيرهما، وبالقرآن المتواتر عنه، وسنته المتواترة عنه، وسنة خلفائه الراشدين من بعده: أنه ﷺ ذكر أنه أُرسِل إلى أهل الكتاب: اليهود والنصارى، كما ذكر أنه أرسل إلى الأميين، بل ذكر أنه أرسل إلى جميع بني آدم، عربهم وعجمهم، من الروم والفرس والترك والهند والبربر والحبشة وسائر الأمم، بل أنه أرسل إلى الثقلين الجن والإنس جميعاً. وهذا كله من الأمور الظاهرة المتواترة عنه التي اتفق على نقلها عنه أصحابه مع كثرتهم وتفرق ديارهم وأحوالهم، وقد صحبه عشرات ألوف، لا يحصي عددهم على الحقيقة إلا الله تعالى، ونقل ذلك عنهم التابعون وهم أضعاف الصحابة عدداً، ثم ذلك منقول قرناً بعد قرن إلى زمننا، مع كثرة المسلمين وانتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها. والمقصود أن محمداً ﷺ هو نفسه دعا أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى الإيمان به وبما جاء به، كما دعا من لا كتاب له من العرب وسائر الأمم. وهو الذي أخبر عن الله ﵎ بكفر من لم يؤمن به من أهل الكتاب وغيرهم.

стр. 29

البشارة بمحمد ﷺ في الكتب المتقدمة والبشارات بمحمد ﷺ في الكتب المتقدمة أعظم من البشارة بالمسيح (١).

стр. 30

مع أنه ليس من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه، كما أن موسى كان رسولاً إلى فرعون، ولم يتقدم لفرعون به بشارة، وكذلك الخليل أرسل إلى نمرود، ولم يتقدم به بشارة نبي إليه، وكذلك نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، لم يتقدم هؤلاء بشارة إلى قومهم بهم مع كونهم أنبياء صادقين.

стр. 31

وقد أخبر محمد ﷺ أنه رسول الله إلى النصارى وغيرهم من أهل الكتاب، وأنه دعاهم وجاهدهم، وأُمر بدعوتهم وجهادهم، وليس هذا مما فعلته أمته بعده بدعة ابتدعوها، كما فعلت النصارى بعد المسيح (١). إيمان المهاجرين والأنصار بمحمد ﷺ من غير سيف وكذلك من اليهود والنصارى ولما بعث الله محمداً أمره أن ينذر عشيرته الأقربين أولاً، ثم ينذر العرب الأميين، ثم أهل الكتاب والمجوس وغيرهم. وقد آمن به المهاجرون والأنصار كلهم من غير سيف ولا قتال، بل لما ظهر لهم من براهين نبوته ودلائل صدقه آمنوا به. وقد حصل من الأذى في الله لمن آمن بالله ورسوله محمد ﷺ ما هو معروف في السيرة، وقد آمن به في حياته ﷺ كثير من اليهود والنصارى، بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وكثير منهم كانوا بغير مكة والمدينة. وكان أول ما أنزل الله تعالى عليه الوحي عرضت خديجة -امرأته- أمره على عالم كبير من علماء النصارى يقال له: ورقة بن نوفل، وكان من العرب المتنصرة، فقال: «هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى بن عمران، يا ليتني أكون فيها جذعاً حين يخرجك قومك». وقدم إليه بمكة طائفة من

стр. 32

أهل الكتاب من النصارى، فآمنوا به، فآذاهم المشركون، فصبروا واحتملوا أذاهم، فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ٥٣ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ٥٤ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ٥٥﴾. والقرآن فيه التصريح بدعوة أهل الكتاب في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤﴾ [آل عمران: ٦٤]. وقد كتب النّبي ﷺ بهذه الآية إلى قيصر ملك النصارى بالشام الذي اسمه هرقل. وأهل نجران التي باليمن كانوا نصارى، فقدم عليه وفدهم ستون راكباً، وناظرهم في مسجده، وأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران. ولما ظهرت حجته عليهم، وتبين لهم أنه رسول الله إليهم، أمره الله إن لم يجيبوه أن يدعوهم إلى المباهلة، فاستعفوا من المباهلة، فصالحوه وأقروا له بالجزية عن يد وهم صاغرون، لما خافوا من دعائه عليهم؛ لعلمهم أنه نبي، فدخلوا تحت حكمه. ولم يلبث السيد والعاقب إلا يسيراً حتى رجعا إلى النبي ﷺ فأسلما، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري. وكان قبل قصة نجران قد آمن به كثير من اليهود والنصارى، رؤساؤهم وغير رؤسائهم، لما تبين لهم أنه رسول الله إليهم، كما آمن به

стр. 33

النجاشي ملك الحبشة، وكان نصرانياً هو وقومه. والنجاشي لما سمع القرآن قال: «إنّ هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». وبعث ابنه وطائفة من أصحابه إلى النبي ﷺ مع جعفر بن أبي طالب، وقدم جعفر على النبي ﷺ عام خيبر. عقلاء اليهود والنصارى يعظمون محمداً ﷺ وإن لم يؤمنوا برسالته وكثيرٌ من عقلاء أهل الكتاب يعظمون محمداً ﷺ ؛ لما دعا إليه من توحيد الله تعالى، ولما نهى عنه من عبادة الأوثان، ولما صدّق التوراة والإنجيل والمرسلين قبله، ولما ظهر من عظمة القرآن الذي جاء به، ومحاسن الشريعة التي جاء بها، وفضائل أمته التي آمنت به، ولما ظهر عنه وعنهم من الآيات والبراهين والمعجزات والكرامات. لكنهم يقولون مع ذلك: إنه بعث لغيرنا، وإنه ملك عادل له سياسة عادلة، وإنه مع ذلك حَصّل علوماً من علوم أهل الكتاب وغيرهم، وأنه وضع لهم ناموساً بعلمه، ورتّبه؛ كما وضع أكابرهم لهم القوانين والنواميس التي بأيديهم. ومهما قالوه من هذا؛ فإنهم لا يصيرون به مؤمنين به. ومن جهلاء أهل الكتاب - الذين يقولون: إنه كان ملكاً مسلّطاً عليهم، وأنه رسول غضب، أرسله الله إرسالاً كونياً؛ لينتقم به منهم، كما أرسل بختنصر وسنحاريب على بني إسرائيل، وكما أرسل جنکس خان (١) وغيره من الملوك الكافرين والظالمين -مما ينتقم به ممن عصاه -. فهؤلاء

стр. 34

أعظم تكذيباً له وكفراً به من أولئك؛ فإن هؤلاء الملوك لم يقل أحد منهم إن الله أنزل عليه كتاباً، ولا أن الله أمركم أن تصدقوني فيما أخبرتكم به. المسلمون أعظم الناس إيماناً بالمسيح ﵇ والمسلمون -مع شهادتهم للمسيح ﵇ بأنه عبد الله ورسوله- يقولون: إنه مؤيد منصور، عصمه الله من أعدائه، وطهره منهم، ولم يسلطهم عليه. والمسلمون أشد تعظيماً للمسيح ﵇ واتباعاً له بالحق ممن بدل دينه وخالفه من النصارى؛ فإن المسلمين يصدقونه في كل ما أخبر به عن نفسه، ولا يحرفون ما قاله عن مواضعه، ولا يفسرون كلامه بغير مراده وكلام غيره من الأنبياء -كما فعلت النصارى-. والمسلمون وأهل الكتاب متفقون على إثبات مسيحين: مسيح هدى من ولد داود، ومسيح ضلال، يقول أهل الكتاب: إنه من ولد يوسف. ومتفقون على أن مسيح الهدى سوف يأتي كما يأتي مسيح الضلالة (الدجّال)؛ لكن المسلمون والنصارى يقولون: إن مسيح الهدى هو عيسى ابن مريم، وإن الله أرسله، ثم يأتي مرة ثانية، لكن المسلمون يقولون: إنه ينزل قبل يوم القيامة، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يبقى دين إلا دين الإسلام، ويؤمن به أهل الكتاب: اليهود والنصارى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]. واليهود تعترف بمجيء مسيح هدى يأتي؛ لكن يزعمون أن عيسى ﵇ لم يكن مسيح هدى؛ لظنهم أنه جاء بدين النصارى المبدل،

стр. 35

ومن جاء به فهو كاذب، وهم ينتظرون المسيحين، وإنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال (١). ويشهد النصارى والمسلمون على اليهود بتحريف كثير من معاني التوراة وتبديل أحكامها (٢)، كما بدلوا شريعة الرجم بغيرها، وهي مكتوبة في التوراة. وأنّ اليهود كفروا بالمسيح ﵇؛ إذ كانوا يزعمون أن المسيح ساحر كذاب، بل يقولون: إنه ولد غية (زنية)، وأنهم حرّضوا عليه، وادّعوا أنهم قتلوه وصلبوه. والنصارى متفقون على أن المسلمين خير من اليهود، وكذلك اليهود متفقون على أن المسلمين خير من النصارى، بل جميع الأمم المخالفين للمسلمين يشهدون أن المسلمين خير من سائر الأمم والطوائف

стр. 36

إلا أنفسهم، وشهادتهم لأنفسهم لا تقبل، فصار هذا اتفاق أهل الأرض على تفضيل دين الإسلام (١).

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 38

أبرز أسباب ضلال النصارى ومما ينبغي أن يُعلم أن سبب ضلال النصارى، وأمثالهم من الغالية -كغالية العباد والشيعة وغيرهم- ثلاثة أشياء: أحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة ينسبونها إلى الأنبياء، وعدلوا بها عن الألفاظ الصريحة المحكمة. فما ينقلونه عن أنبياء بني إسرائيل وغيرهم ممن أرسل بغير اللغة العربية؛ لابد فيه من أن تثبت نبوة المنقول عنه، ويعلم اللفظ الذي قاله، ويعلم ترجمته، ويعلم مراده بذلك اللفظ، ثم يعلم أن ما ذكروه من كلام الأنبياء دليل على ما يحتجون به. والثاني: خوارق ظنوها آيات، وهي من أحوال الشياطين. والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقاً، وهي كذب. ولذلك اختلفوا حتى في الصلب، فمنهم من يقول: المصلوب لم يكن المسيح؛ بل الشبيه، كما يقوله المسلمون. ومنهم من يقر بعبوديته لله، وينكر الحلول، والاتحاد، كالأريوسية، ومنهم من ينكر الاتحاد، وإن أقر بالحلول، كالنسطورية. وابتدعوا (الأمانة) التي هي عقيدة إيمانهم، واستندوا في ذلك إلى ألفاظ متشابهة في الكتب، وفي الكتب ألفاظ محكمة تناقض ما ذكروه. ادعاء النصارى أن المسيح هو الله والنصارى يحتجون في قولهم أن المسيح: «هو الله» بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائراً، وذلك كله بأمر الله، وليجعله آية للناس. والله لم

стр. 39

يذكر عن المسيح أنه يخلق خلقاً مطلقاً، ولا خلقاً عامًا، كما ذكر عن نفسه ﵎. والمسيح لم يذكر إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله. وما يخلق من الطين كهيئة الطير؛ المراد به تصويره بصورة الطير، وهذا الخلق والتصوير محرم، بخلاف تصوير المسيح، فإن الله أذن له فيه، وجعل المعجزة بأنه: ينفخ فيه الروح فيصير طيراً بإذن الله، وليس المعجزة مجرد خلقه (تصويره) من الطين، فإن هذا مشترك يقدر عليه عامة الناس. والله أخبر أن المسيح إنما فعل التصوير والنفخ بإذنه تعالى، وهذا كله صريح في أنه ليس هو الله، وإنما هو عبد الله. والله أخبر في القرآن أن المسيح خَلَق من الطين كهيئة الطير بإذن الله، ففرّق بين المسيح وبين الله، وبيّن أن الله هو الآذن للمسيح. وما شاهدوه من معجزات المسيح ﵊، فقد شاهدوا من غيره ما هو مثلها، وأعظم منها، وقد أحيا غيرُه من الأنبياء الموتى بإذن الله، وأخبر بالغيوب أكثر منه، ومعجزات موسى ﵇ أعظم من معجزات المسيح ﵇؛ خشبة تصير حيواناً، ثم تعود خشبة مرة بعد مرة، وتبتلع الحبال والعصي، فهذا أعجب من حياة الميت، وأحيا الله من الموتى على يد موسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل أعظم ممّن أحياهم على يد المسيح، وبياض اليد من غير برص ثم عودها عند موسى؛ أعظم من إبراء أثر البرص الذي فعله المسيح ﵇. وموسى فلق الله له البحر، وكان الله يطعمهم على يده المن والسلوى، مع كثرة بني إسرائيل، ويفجر لهم بضربه للحجر كل يوم اثني عشر عيناً يكفيهم، وهذا أعظم من إنزال المسيح ﵇ للمائدة، ومن قلب الماء خمراً، ونحو ذلك مما يحكى عنه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وكان لموسى

стр. 40

في عدوه من القُمّل، والضفادع، والدم، وسائر الآيات ما لم يكن مثله للمسيح ¬وكون المسيح ﵇ تكلم في المهد؛ فقد شاركه غيره من بني إسرائيل في ذلك؛ كما ثبت في الصحيحين أنه تحدث في المهد الرضيع من بني إسرائيل حين مر رجل راكب ذو شارة فقالت أم الرضيع: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب، فقال: "اللهم لا تجعلني مثله"، ثم أقبل على ثديها يمصه. (صحيح البخاري برقم ٣٤٦٦). وكذلك الرضيع صاحب جُرَيج الذي نسبوه للعابد جريج من الزنا، وكان من بني إسرائيل فتوضأ وسأله: من أبوك؟ فقال الرضيع: "الراعي". (صحيح البخاري برقم ٢٤٨٢). . وكون المسيح لم يكن له أبٌ؛ فآدم لم يكن له أب ولا أم، وكذلك حواء، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح، فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم من تراب أعجب من هذا، ولم يكن آدم بما نفخ الله فيه من روحه إلهاً! معنى وصف المسيح بأنه (كلمة الله) ومعنى أن المسيح (كلمة الله) هو أنه مخلوق بكلمة من كلام الله؛ حيث قال له: كن؛ فكان. فكلمات الله كثيرة لا نهاية لها، وكلام الله الذي سمعه منه موسى ﵇ ليس هو المسيح، فعلم أن المسيح ليس هو كلام الله. لكن النصارى ظنوا أن المسيح هو كلام الله، وأنه خالق. وهذا باطل؛ فإن القرآن كلام الله، وليس بخالق، والتوراة كلام الله وليست بخالقة، وكلمات الله كثيرة، وليس منها شي خالق، فلو كان المسيح نفس الكلام لم يجز أن يكون خالقاً، فكيف وليس هو الكلام؟! وإنما خُلق بالكلمة،
следующие страницы →