← Общие книги

Общие книги · id 30739

التنصير تعريفه أهدافه وسائله حسرات المنصرين

عبد الرحمن بن عبد الله الصالح

Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] التنصير تعريفه أهدافه وسائله حسرات المنصرين مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين: الحمد لله الذي كتب النصر والتمكين لدينه ولأوليائه فقال جل ثناؤه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] (١) وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] (٢) وكتب الذلة والصغار على أعدائه فقال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢] (٣) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما كثيرا، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، أرسله بالحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، عربهم وعجمهم

стр. 2

أميهم وكتابيهم، وأنزل عليه أحسن الحديث كتابا متشابها يهدي به الله من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد. [مراحل الصراع بين النصرانية والإسلام] أما بعد: فمنذ أن التقت جيوش التوحيد - تحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله- بجيوش التثليث - تحمل راية الصليب - على أرض الشام، منذ ذلك الوقت والصراع محتدم بين المسلمين والنصارى ولا يزال كذلك حتى ينزل المسيح ﵇ فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويحكم بالإسلام، مصداقا لقوله ﷺ «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ﷺ حكما مقسطا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» (١) . وقد مر هذا الصراع بأربع مراحل ذكرها الأديب الأريب محمود شاكر ﵀ وهي: المرحلة الأولى: صراع الغضب لهزيمة المسيحية في أرض الشام، ودخول أهلها في الإسلام، فبالغضب أملت اختراق دار الإسلام لتسترد ما ضاع. المرحلة الثانية: صراع الغضب المتفجر المتدفق من قلب أوربا مشحونا ببغضاء جاهلة عاتية مكتسحة مدمرة سفاحة للدماء جاءت

стр. 3

تريد - هي الأخرى - اختراق دار الإسلام، وذلك عهد الحروب الصليبية الذي بقي في الشام قرنين، ثم ارتد خائبا إلى موطنه في قلب أوربا. المرحلة الثالثة: صراع الغضب المكظوم الذي أورثه اندحار الكتائب الصليبية، من تحته بغضاء متوهجة عنيفة، ولكنها مترددة يكبحها اليأس من اختراق دار الإسلام مرة ثالثة بالسلاح والحرب، فارتدعت لكي تبدأ في إصلاح خلل الحياة المسيحية بالاتكاء الشديد الكامل على علوم الإسلام، ولكي تستعد لإخراج المسيحية من مأزق ضنك موئس. وهذه المراحل الثلاث كانت ترسف في أغلال القرون الوسطى أغلال الجهل والضياع ولم تصنع هذه المراحل شيئا ذا بال. المرحلة الرابعة: صراع الغضب المشتعل بعد فتح القسطنطينية، يزيده اشتعالا وتوهجا وقود من لهيب البغضاء والحقد الغائر في العظام على الترك (أي المسلمين) ، وهم شبح مخيف مندفع في قلب أوربا، يلقي ظله على كل شيء، ويفزع كل كائن، وإذا كانت المراحل الثلاث الأول لم تصنع للمسيحية شيئا ذا بال، فصراع الغضب المشتعل بلهيب البغضاء والحقد هو الذي صنع لأوربا كل شيء إلى يومنا هذا، صنع كل شيء لأنه هو الذي أدى بهم إلى يقظة شاملة قامت على الإصرار وعلى المجاهدة المثابرة على تحصيل العلم وعلى إصلاح

стр. 4

خلل الحياة المسيحية، ولكن لم يكن لها يومئذ من سبيل ولا مدد إلا المدد الكائن في دار الإسلام من العلم الحي عند علماء المسلمين، العلم المسطر في كتب أهل الإسلام، فلم يترددوا، وبالجهاد الخارجي وبالحماسة المتوقدة، وبالصبر الطويل؛ انفكت أغلال القرون الوسطى بغتة عن قلب أوربا وانبعثت نهضة العصور الحديثة مستمرة إلى هذا اليوم. من يؤمئذ، عند أول بدء اليقظة، تحددت أهداف المسيحية الشمالية، وتحددت وسائلها، لم يغب عن أحد منهم قط أنهم في سبيل إعداد أنفسهم لحرب صليبية رابعة (١) . وبما أن الأمة تمر بالمرحلة الرابعة من مراحل الصراع الذي يعتمد على العلم والدين والعقل واستخدام الأساليب المؤثرة على الأديان والعقول، فإن من أبرز أساليب هذه المرحلة " التنصير" الذي تدفقت جحافله الآيسة - من رحمة الله ومن نجاح أعمالها - على أقطار الأمة الإسلامية يبشرونها بالكفر، ويدعونها إلى الضلال والخبال، ويعدونها الغنى إن هي آمنت بالصليب، ومن صدق بهذه الوعود الكاذبة فاز بنسخة من الإنجيل المحرف، وأخذ منه المنصرون كل شيء حتى نفسه، يقول جاك مندلسون: (حينما تكون صحة

стр. 5

الشبان الأفريقين سعيدة، فإنهم لا يتعبون من ترديد القصة القديمة: إن المبشرين جاءوا إلينا وقالوا: إننا نريد أن نعلمكم العبادة. وقلنا: حسنا إننا نريد أن نتعلم العبادة. وطلب المبشرون منا أن نغلق أعيننا، وفعلنا ذلك وتعلمنا التعبد، وحينما فتحنا أعيننا وجدنا الإنجيل في أيدينا، ووجدنا أراضينا قد اغتصبت) (١) . [التنصير امتداد للحروب الصليبية] وهذا التنصير الذي يلبس لبوس الشفقة ويظهر الرحمة، ويقدم الدواء، ويعلم الصغار القراءة والكتابة لينهلوا من كفر النصارى ومجونهم وخلاعتهم. . ما هو إلا وجه من وجوه الحروب الصليبية ومظهر من مظاهرها يوضح ذلك ما وصف به الأب اليسوعي مييز سياسية فرنسا الدينية في الشرق حينما قال: (إن الحرب الصليبية التي بدأها مبشرونا في القرن السابع عشر لا تزال مستمرة إلى أيامنا. . ولقد احتفظت فرنسا طويلا بروح الحروب الصليبية وبالحنين إلى تلك الحروب حية في نفسها) (٢) . ويقول اليسوعيون في عرض نشاطهم التنصيري: (ألم نكن نحن ورثة الصليبين، أو لم نرجع تحت راية الصليب لنستأنف التسرب التبشيري والتمدين المسيحي) (٣) .

стр. 6

ولقد اجتهد النصارى في فرض نصرانيتهم بالقوة في العالم الإسلامي تحت مظلة الاستعمار حينا، وتحت مظلة الضغوط الاقتصادية والسياسية حينا آخر يقول القس بيرس بيفر: (في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت الحضارة الأوربية والسيطرة السياسية والقوة العسكرية تجتاح العالم، وكانت النصرانية تتسنم غارب هذا المد، وأصبحت الطريق ممهدة أمام المبشرين، فانتشرت النصرانية مع اتساع السيطرة الأوربية في العالم، ولقد قام الاستعمار والسيطرة العسكرية بدورهما في نشر النصرانية) (١) . يرجون من وراء ذلك وقف نمو المد الإسلامي في أرجاء المعمورة (٢) وأن يكفر المسلمون بربهم ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] (٣) وأن يلحق الموحدون بركب أهل الصليب: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] (٤) غايتهم من ذلك الصد عن سبيل الله، وأن تكون سبيل الله عوجا، كما ذكر الله ذلك عنهم في سورتي هود وإبراهيم (٥) .

стр. 7

لهذا ولغيره مما يتجدد في ساحة الأمة الإسلامية من حملات تنصيرية نصرانية غاشمة حاقدة أقلقها وأقض مضجعها صمود الإسلام وصمود المسلمين أمام جهودهم التنصيرية الهائلة التي لم تجن إلا أقل القليل مما كانت تطمح إليه - رأيت لزاما علي أن أدون تذكرة مختصرة توضح أهداف المنصرين وبعض وسائلهم التي ينفذون من خلالها إلى الأمة الإسلامية، ولا أزعم أنني أحطت بكل ذلك، ولا أنني قضيت ما في النفس، ولكن حاولت أن تكون موقظة موجزة تذكر الغافل، وتنبه الناسي، وتعين الداعي، وتفضح الدعي، وتحذر من كيد الفجار. وسأتناول في هذه الرسالة إن شاء الله ما يلي: - تعريف التنصير. - أهداف التنصير. - وسائل التنصير. - حسرات المنصرين. وأسأل المولى عز شأنه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفعني بها في الدنيا والآخرة، وأن يجعلها من العلم الذي ينتفع به، وأن يجزي خيرا من أعان على إخراجها وطبعها وتوزيعها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين. حرر في ١٣ / ٩ / ١٤١٩ هـ

стр. 8

[تعريف التنصير] تعريف التنصير هو: دعوة الناس للدخول في النصرانية، فإن لم يدخلوا فيها فليخرجوا من دينهم وبخاصة المسلمون (١) . وورد تعريفه في الموسوعة الميسرة بأنه حركة دينية سياسية (نصرانية) بدأت في الظهور إثر فشل الحروب الصليبية (٢) ؛ بغية نشر النصرانية بين الأمم المختلفة في دول العالم بعامة، وبين المسلمين بخاصة بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب (٣) .

стр. 9

[أهداف التنصير] أهداف التنصير أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم كفروا بآيات ربهم، ونقضوا ميثاقه، وقتلوا الأنبياء فطبع على قلوبهم قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] (١) فغاية أهل الكتاب تتلخص في الأمور التالية: ١ - الصد عن سبيل الله تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] (٢) . ٢ - أن تكون سبيل الله عوجا مائلة عائلة، وهي مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها ولا من خذلها (٣) قال جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣] (٤) . ٣ - أن يتبع المسلمون ملتهم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] (٥) .

стр. 10

٤ - أن ترتد الأمة الإسلامية وترجع على أدبارها قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] (١) . قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] (٢) . ٥ - الحرص على ما يعنت المسلمين ويشق عليهم ويضرهم ويفسد عليهم أمرهم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] (٣) ٦ - فتنة المسلمين والكيد لهم وخذلانهم وخذلان دينهم وإخماده مدة طويلة (٤) قال تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] (٥) . وحينما تستعرض ما كتبه المنصرون عن أهدافهم، أو ما كتبه من تناول هذا الموضوع من المسلمين- تجد أن الأهداف التي ذكرها هؤلاء وهؤلاء لا تخرج عن ذلك. فقد ذكروا من أهدافهم ما يلي: ١ - تفريق الوحدة الإسلامية.

стр. 11

٢ - إخضاع العالم الإسلامي للسيطرة الغربية النصرانية والتحكم في خيراته ومدخراته. ٣ - السيطرة السياسية والتوسع الاستعماري (١) . وهذه الأهداف كما ترى لا تخرج عن الأهداف التي أشارت إليها الآيات الكريمة السابقة. والتنصير في حقيقته هو الامتداد الحقيقي للحروب الصليبية، فلئن كانت الحروب الصليبية حروبا وحملات عسكرية، فإن التنصير حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض نفسه. يؤكد ذلك ما صرح به مخططو العمل التنصيري فقد أخبر المؤرخ جان دي جوانفيل - الذي رافق الملك لويس التاسع عشر ملك فرنسا في حملته الصليبية السابعة - عن ما انتهى إليه لويس التاسع عشر في خلوته في معتقله بالمنصورة التي أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بعمق في السياسة التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء المسلمين، وقد انتهى به التفكير إلى ما أفضى به إلى أعوانه المخلصين أثناء رحلته إلى عكا متوجها إليها من دمياط حيث قال: إنه لم يعد في وسع الكنيسة أو فرنسا مواجهة الإسلام، وإن هذا العبء لا بد أن تقوم به أوربا كلها لتضييق الخناق

стр. 12

على الإسلام ثم تقضي عليه، ويتم لها التخلص من الحائل الذي يحول دون تملكها لآسيا وأفريقيا (١) ويقدر رينيه جروسيه أحد المؤرخين النصارى هذا التوجه الاستراتيجي للملك لويس التاسع بقوله: (إن الملك لويس التاسع كان بذلك في مقدمة كبار ساسة الغرب الذين وضعوا للغرب الخطوط الرئيسة لسياسة شملت مستقبل أسيا وأفريقيا بأسرهما) (٢) . وكان من ضمن ما تضمنته خطة لويس التاسع ما يلي: (تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض نفسه، لا فرق بين النوعين إلا من حيث نوع السلاح المستخدم في المعركة، وتجنيد المبشرين الغربيين في هذه المعركة السلمية لمحاربة الإسلام، ووقف انتشاره ثم القضاء عليه معنويا، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعارك جنودا للغرب) (٣) . وتبنت الدول العظمى هذه السياسة فحملت رايات التنصير؛ لأنه يحقق لها الأهداف التي تتطلع إليها سواء كانت دينية أم سياسية أم اقتصادية، إذ في عام ١٩٢٠م أصدرت لجنة التبشير الأمريكي- التي تهتم بالاستفادة من مناسبات الحروب للتنصير- كتابا ذكرت في

стр. 13

مطلع مقدمته ما يلي: (من أبرز الأمور المتعلقة بدخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى أن الآراء والمبادئ التي كانت تهدف إليها الإرساليات التبشيرية قد تبنتها الأمة الأمريكية، ثم أعلنت أنها هي أهدافها الأخلاقية وغايتها من خوض تلك الحرب. . إن هذه المبادئ قد سميت الآن أسماء سياسية فقط) (١) . إذا فالحملات التنصيرية- التي تجوب العالم الإسلامي اليوم- حملات صليبية تحمل الغذاء والدواء والكساء لتطعم وتعالج وتواسي وتؤوي من شردتهم الحروب التي افتعلها رسل هذه الحملات قبل وصولها تمهيدا لمباشرتها لمهامها التنصيرية ولتحقيق أطماع الدول التي أرسلتها.

стр. 14

[وسائل التنصير] وسائل التنصير استغل المنصرون كل وسيلة ممكنة لنشر دينهم، وإشاعة باطلهم؛ صدا عن سبيل الله، وإرصادا لمن حارب الله، وإضلالا لعباد الله، واستعبادا لعباد الله. . استغلوا لأجل ذلك كل مرفق من مرافق الحياة، وكل حاجة من حاجات البشر، بل ربما أشعلوا نار الحرب، وأوقدوا، الفتنة لتفتح لهم الأبواب. فلم يمنعهم عقل عن استغلال آلام مريض، ولم يؤنبهم ضمير عن مساومة جائع على لقمته وما يسد رمقه، ولم تدفعهم رحمة لإنقاذ بائس أو شيخ فان أو عجوز حسيرة كسيرة، فمن لم يعلن كفره بربه وإيمانه بآلهتهم التي يعبدونها من دون الله. . فلن يلقى عنايتهم، ولن ينال أعطيتهم. لقد منحوهم كسرة الخبز، ليسلبوهم عقيدتهم، وناولوهم الكساء؛ ليهتكوا أعراضهم ويشيعوا فيهم الزنا والخنا، وعلموهم القراءة؛ ليتعلموا الكفر والإلحاد والزندقة، وبنوا لهم المعبد؛ ليقدسوا فيه الصليب ويعبدوا فيه الشيطان، ودعوهم إلى الحرية الزائفة؛ ليخرجوهم من عبودية الله فيقعوا في عبودية الهوى والشيطان، وصوروا لهم استحالة أن يغفر الله لهم وسولوا لهم أن القسيس يغفر الذنوب. . وستجد في الوسائل التالية ما يؤكد ما ذكرت لك وهذه الوسائل هي:

стр. 15

[فرض النصرانية بالقوة] فرض النصرانية بالقوة إن العقول النصرانية - التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة - تريد أن تفرض النصرانية بالقوة: بقوة الحديد والنار والانقلابات العسكرية مع الشعوب التي لا تستجيب إلا لذلك، ولكن بأيد خفية، لا تفقد النصرانية بريقها المتدثر بلباس الشفقة والرحمة على الإنسانية، وقد تفرضها بقوة تفوق الغني على الفقير، وحاجة الفقير إلى الغني- على الشعوب التي لا تملك لقمة عيشها أو ستر عورتها، فتساومها على حياتها، وتخيرها بين الموت جوعا على دينها، وبين الحياة على دين النصرانية. وقد تفرضها بقوة المدارس والمعاهد على الشعوب الأمية، فتعلمها القراءة والكتابة، لتتنصر ولتقرأ الإنجيل. .، فإن رفضت هذه الشعوب النصرانية فلتبق على أميتها، فليست الغاية عند ورثة الصليبيين تعليم الشعوب وتثقيفها وتطويرها إنما الغاية تنصيرها فحسب. وهي تبذل جهدها لتحول بين الشعوب الوثنية والإسلام، وقد أنكر الله على أهل الكتاب هذا المسلك فقال جل ثناؤه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] (١) وقال عز من قائل:

стр. 16

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] (١) . أما شاهد فرضها بقوة الحديد والنار فكثير فمن ذلك ما جاء في خطاب المنصر جاير دنر من قوله: (وفي جزر الهند الشرقية ذكرنا وشيكا النشاط الجديد الناجم عن التسهيلات المتزايدة للسفر والاتصال المتبادل. إن إخواننا الهولنديين والألمان يقومون بعمل رائع هنا في كسب المسلمين ومنع إسلام غير المسلمين على حد سواء، وكل ما يستطيع هذا المؤتمر العظيم أن يفعله أن نشجعهم على بذل جهود أكبر باسم الرب، حتى نتمكن نحن وهم من تقوية قبضتنا على بورينو، هذه الجزيرة الكبيرة، التي لم يبذل فيها سوى القليل، وقد أخبرت من المحترم ج. ألن مبشر جمعية نشر الإنجيل هناك بأنها مليئة بالماليزيين المسلمين المتعصبين ذوي النفوذ الكبير) (٢) . وقال أيضا: (أن تحتل- أي بريطانيا- بقوة كل قاعدة أو مركز استراتيجيي من الجزء الإسلامي من شرق أفريقيا؛ لكي تخضعه للمراقبة) .

стр. 17

أما شاهد فرضها من خلال الانقلابات العسكرية فقول جاير دنر أيضا: (إن زعماء بختياري الذين أنجزوا الانقلاب الحالي وأصبحوا حكام الأمر الواقع، كانوا قبل أن يصلوا إلى هذه الشهرة المروعة الأصدقاء الأوفياء لإرساليات جمعية التبشير الكنسية) (١) . أما شاهد فرضها بقوة المدارس والمعاهد. فقد قال المبشر جسب: (إن التعليم في مدارس الإرساليات المسيحية إنما هو واسطة إلى غاية فقط، هذه الغاية هي قيادة الناس إلى المسيح وتعليمهم حتى يصبحوا أفرادا مسيحيين وشعوبا مسيحية) (٢) . أما شاهد فرضها بقوة تفوق الغني على الفقير فقد كان المنصرون يعرضون على أسر المعتقلين في إندونيسيا استعدادهم لإعالة ذويهم وإعاشة أسرهم شريطة أن يوقعوا على صك الاعتراف بانضمامهم إلى الكنيسة (٣) . أما شاهد منع إسلام غير المسلمين من الإسلام فقد تقدم في أول هذا المبحث حينما قال المنصر جاير دنر: (إن إخواننا الهولنديين والألمان يقومون بعمل رائع هنا في كسب المسلمين ومنع إسلام غير المسلمين) .

стр. 18

وقد تفرض بقوة المستعمر وسطوته كما ذكر ذلك المنصر تشارلس كرافت حيث قال: (إن استراتيجية التنصير الأوروبية الأمريكية كانت عموما مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعقلية الاستعمارية ولهذا السبب كانت ناجحة كلما تعرضت الشعوب إلى التأثير القوي وحتى إلى التخويف بواسطة الإنجازات الثقافية الأوربية الأمريكية، لقد كنا تماما مثل المهودين) (١) . [إشاعة الإلحاد بين المسلمين] إشاعة الإلحاد بين المسلمين علم النصارى- أخزاهم الله- أن النصرانية لا قبول لها في المجتمعات المسلمة الملتزمة، فعلى قدر التزام المسلم بدينه، يكون نفوره من الكفر والضلال، ولما استيأس النصارى من خروج المسلمين إلى النصرانية رضوا بأن يخرجوا المسلم من دينه وإن لم يعلن اعتناقه للنصرانية يقول المنصر زويمر: (مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، ولذلك تكونون أنتم- بعملكم هذا- طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية. . إلى أن قال: إنكم أعددتم نشئا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي فقد جاء النشء

стр. 19

الإسلامي- طبقا لما أراده الاستعمار- لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات) (١) . فغايتهم إفساد في الأرض وصد عن سبيل الله، وإشاعة للفاحشة في الذين آمنوا، وصدق الله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣] (٢) . [مواجهة الدعوات الإسلامية والحركات الإصلاحية التجديدية] مواجهة الدعوات الإسلامية والحركات الإصلاحية التجديدية أخبر النبي ﷺ : «أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها في دينها» (٣) وأعداء الله وأعداء رسوله ﷺ أعداء المسلمين يدركون عظم خطر هذه الدعوات الإصلاحية في تاريخ المسلمين، إذ يجعل الله على يديها تجديد هذا الدين، وقمع المفسدين ومواجهة الكافرين، وحماية بيضة المسلمين، فلذلك ترصد عيونهم- المبثوثة بين ظهراني المسلمين- كل مصلح وداعية، وكل مظهر من مظاهر تجديد هذا الدين، وتحدد السبل التي تمد المصلحين والدعاة، وتناصر الدين، وتقترح أنجح الوسائل التي

стр. 20

تجتث تلك السبل من جذورها يقول المنصر جاير دنر في مؤتمر التنصير المنعقد في القاهرة عام ١٩١٠م: (فإننا نجد أنفسنا وجها لوجه أمام نهضة إسلامية تعليمية ودينية تحتم علينا هذا التقدم التبشيري، إذا كان علينا أن نحافظ على الاعتبار الذي اكتسبناه في الماضي (١) ولهذا السبب فإنه من المؤكد أن الوقت قد حان لتحريك العمل إلى الأمام بتخطيط حكيم وتنفيذ واع وجدية مكثفة بين المسلمين في سوريا وفلسطين، وتوجيه انتباه كل الجمعيات (التنصيرية) التي تعمل حاليا في هذا المجال نحو الإنجاز السريع لذلك التحرك المتقدم) (٢) إنه حث وتوجيه لكل الجمعيات التنصيرية لمواجهة الصحوة الإسلامية. ويقول أيضا: (وهؤلاء الطلاب الذين يتم إعدادهم للقيام بالتنصير بين المسلمين يجب أن يضيفوا إلى برامجهم مهمة مراقبة ودراسة ومواجهة هذا الإسلام الجديد بكل مظاهره، ولا يمكن أن تجرى هذه الدراسة إلا في الدول العربية، وذلك المكان بدون جدال هو القاهرة) (٣) . إن الصحوة الإسلامية اضطرتهم أن يضيفوا إلى برامج المنصرين مهمة مراقبة ودراسة ومواجهة هذا الإسلام.

стр. 21

وقد بين الأستاذ محمود محمد شاكر ﵀ في رسالته القيمة الموسومة بـ " رسالة في الطريق إلى ثقافتنا " كيف خطط المستشرقون وأذنابهم لوأد الدعوة الإصلاحية في نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لئلا تهدد النصرانية فقال: (وثبت هذا الطاغية " محمد علي " قواعد ملكه، وازداد إطباق القناصل والمستشرقين على عقله وقلبه، وخاصة الفرنسيون منهم، وكانت إنجلترا ومستشرقوها ما فتئت تخوف الدولة التركية وتؤلبها على مهد اليقظة في جزيرة العرب والتي قام بها محمد بن عبد الوهاب ١١١٥ -١٢٠٦هـ ١٧٠٣-١٧٩٢م، واستجابت دار الخلافة بغفلتها إلى هذا التأليب، حتى جردت حملات متتابعة لقمع "اليقظة" الوهابية، وآبت في جميعها بالإخفاق. ثم منذ ولي " محمد على سرششمة " جعلت تركية تدعوه إلى تجريد جيوشه لقتال الوهابيين، وتتابع هذا الطلب من سنة ١٨٠٧م إلى سنة ١٨١٠ م ١٢٢٢-١٢٢٥هـ، فلم يستجب لنداء تركية، ولكن "الاستشراق " بقناصله زين أخيرا لمحمد على سرششمة أن يستجيب، ليحقق مآربه في وأد "اليقظة" التي كادت تعم جزيرة العرب، وأمدوه بالسلاح الذي يعينه على خوض الحرب، وذلك في سنة ١٢٢٦هـ / ١٨١١ م، (أي بعد ولايته مصر بست سنوات) ، وسارت الجيوش قاصدة جزيرة العرب، ودارت الحرب التي لم تنته إلا بعد ثمان سنوات، في سنة ١٢٣٥هـ / ١٨١٩ م،

стр. 22

وفقدت الجيوش المصرية آلافا من أبنائها، ولقيت هزائم كادت تودي بها وأخيرا تم النصر لمحمد على شرششمة، بعد أن ارتكب من الفظائع ما لا يستحله مسلم، واستباح الديار والأموال والنساء، وهدم المدن، فكان هو وابنه إبراهيم وسائر أولاده طغاة من شر الطغاة. وكانت حربا طاحنة لا معنى لها، ولا ينتفع بها إلا مؤرثها من دهاة المسيحية الشمالية. وكذلك أدرك " الاستشراق "، وأدركت المسيحية الشمالية، مأربا من أكبر مآربها في وأد " اليقظة " التي كانت تهددهم بها دار الإسلام في جزيرة العرب) (١) . فانظر كيف رصدت هذه الدعوة الإصلاحية من قبل المستشرقين، وكيف تآزر البريطانيون والفرنسيون للقضاء عليها. إنها صورة تتكرر في كل عصر ومصر، تتكرر حيثما ظهرت بوادر دعوة إصلاحية، أو برز عالم رباني تخشى منه النصرانية أن يجدد للمسلمين دينهم.

стр. 23

[دراسة أحوال العالم الإسلامي وأوضاعه الداخلية] دراسة أحوال العالم الإسلامي وأوضاعه الداخلية يبذل المنصرون جهودا دؤوبة في التعرف على أحوال العالم الإسلامي واستقصاء أخباره ومعرفة ثغراته، والتقرب إلى العناصر المشبوهة فيه. . حتى يتيسر لهم التغلغل في أوساط المسلمين ونشر ضلالاتهم، واجتثاث بذور الخير والصلاح، وقطع ينابيع الخير مهما ضعفت أو توارت في الأدغال أو في جزر المحيطات. . ولقد رصدت دوائر التنصير بعض المناشط اليسيرة التي تخشى منها أن تسهم في نشر الإسلام والدعوة إليه كإنشاء طريق قطار يربط بين جمهورية مسلمة في روسيا ببقية الجمهوريات الأخرى، وكمجلة فصلية إسلامية في اليابان وكباخرة تنقل الحجيج من أقصى الشرق حيث يقول المنصر جاير دنر: (ولا شك أن حوادث كهذه سوف تحفز المسلمين في روسيا الأوربية ومناطق الفولجا واسيا الوسطى الروسية وربما سيبريا نفسها، لأن الأفكار كالكهرباء تنتقل بسرعة لا سيما إذا ما نقلتها خطوط السكك الحديدية، لذا فإن خط السكة الحديدية الذي على وشك أن يمر من التركستان الروسية إلى التركستان الصينية سينقل معه الأفكار، وعلى هذا فإن الطرق التجارية التاريخية التي تعبر قلب القارة الآسيوية ستصبح في الحال أعصابا تربط وسط آسيا المسلم في نظام محكم لم يكن من قبل.

стр. 24

ونتحول إلى الصين، لو أن هناك قطرا في العالم من المفروض يقينا أن المسلمين فيه غير مستجيبين للتأثيرات من العالم الخارجي فإن ذلك القطر هو الصين، فهم المثل القائم لأكثر الصيغ الإسلامية تمسكا بدينهم. ومع ذلك نسمع عن إرسال مبعوث تركي ليكون أول مبشر مسلم مقيم في الصين، والأكثر لفتا للنظر، عن ثلاثين طالبا صينيا مسلما يتشربون الأفكار الغربية في جامعة يابانية، ويحررون مجلة فصلية لتوزيعها على إخوانهم المتدينين في كل أنحاء الصين بعنوان ذي مغزى "أيها المسلمون استيقظوا". ولنتجه إلى الملايو، إن التأثير المعدل (المحور) هنا هو الباخرة التي تمكن عددا هائلا من اليابانيين والسومطريين ومسلمي الهند الشرقية من أداء الحج في مكة وينتج عن ذلك التحام الإسلام في وحدة كاملة متضامنة صلبة في كل أنحاء ماليزيا) (١) . ومن اطلع على الموضوعات المقدمة إلى مؤتمر القاهرة التنصيري عام ١٩٠٦م ومؤتمر كولورادو عام ١٩٧٨م يرى هذا الأمر جليا لا لبس فيه، إذ من ضمن الموضوعات المناقشة ما يلي:

стр. 25

الإسلام في أفريقيا. الإسلام في الصين. الإسلام في الملايو. النشرات التي ينبغي إذاعتها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام، الإرسال الإذاعي الحالي الموجه إلى المسلمين. مقارنة بين وضع النصرانية والإسلام في جنوب شرق آسيا. مقارنة بين وضع النصرانية والإسلام في الصين. مقارنة بين وضع النصرانية والإسلام في شبه القارة الهندية. مقارنة بين وضع النصرانية والإسلام في إيران. مقارنة بين وضع النصرانية والإسلام في تركيا. مقارنة بين وضع النصرانية والإسلام في الشرق الأوسط. تحليل المقاومة والاستجابة لدى الشعوب المسلمة (١) . ويشخص ماكري عجز المنصرين عن التغلغل في أوساط بعض المجتمعات الإسلامية بسبب أن الجمعيات التنصيرية لم تعر الفوارق الطبقية أي اهتمام حيث يقول: (إن العمل التنصيري لم يكن فعالا بين المسلمين، لأنه لم يعر تلك الفوارق للطبقية أي اهتمام) (٢) . ثم يمضي متحدثا عن جهود مراكز الدراسات التنصيرية في استقصاء أحوال العالم الإسلامي حيث يقول: (إن موظفي مركز الدراسات

стр. 26

والاتصالات المتقدمة لإرساليات التنصير قد قاموا بإعداد دراسات سريعة عن ٢٥٣ مجموعة عرقية بين المسلمين) (١) . بل ربما لجأت المنظمات التنصيرية إلى افتعال حروب وفتن أو مجاعات أو مشكلات سياسية أو اجتماعية. . لتستطيع ممارسة التنصير في ظل هذه الأجواء (٢) . إن هذا التغلغل في صفوف الأمة الإسلامية وسبر أغوارها، واستقصاء أخبارها من قبل المنصرين يوجب على الأمة- كل الأمة- الحذر الشديد من هؤلاء مهما تبدلت أقنعتهم، وتنوعت وسائلهم، كما يوجب عليها أن تواجه هذا الكيد بكل الوسائل المتاحة المشروعة. [رعاية ومؤازرة طلائع الفساد ورؤوس الشر في البلاد الإسلامية] رعاية ومؤازرة طلائع الفساد ورؤوس الشر في البلاد الإسلامية لقيت الأمة الإسلامية- على مر العصور- عنتا شديدا من المنافقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، وقد حذر الله منهم وأوجب جهادهم، والغلظة عليهم، إذ هم العدو، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

стр. 27

فكم كانوا طلائع فساد في الأمة، وكم دعوا إلى إشاعة الفواحش، وكم أعانوا من أعداء، وكم فتحوا أمام الأعداء من أبواب موصدة وكم وكم. . ولذا استغلت الجماعات التنصيرية هذا الطابور الخامس في تحقيق مآربها، وبلوغ غاياتها، يؤكد ذلك المنصر جاير دنر حيث يقول عن مؤازرتهم لهذا الطابور الخامس في بلاد فارس: (إن زعماء بختياري الذين أنجزوا الانقلاب الحالي وأصبحوا حكام الأمر الواقع، كانوا قبل أن يصلوا إلى هذه الشهرة المروعة- الأصدقاء الأوفياء لإرساليات جمعية التبشير الكنسية، أو ليست هذه الحقيقة تجعل من الأهمية الحاسمة أن ندعم ونعزز أولئك العاملين من أجل البشارة (١) في تلك البلاد ذات الأهمية الكبيرة في انشقاق الإسلام السني، وكانت الفرصة أكبر من سنين قليلة مضت عما هي عليه اليوم) (٢) . كما يوصي جاير دنر الجمعيات التنصيرية بدعم ومساندة طلائع الفساد في تركيا بقوله: (إن الاتجاه الخفي للشبان الأتراك (٣) أنفسهم نحو التسامح الديني هو في الغالب اتجاه متقدم، والحقيقة الفعلية بأن المسيحية والمسيحيين في أعماق حركتهم إلى حد كبير ينبغي أن يؤدي

стр. 28

نتائج هامة وبعيدة المدى. . . أو ليست هذه الحقائق دعوة للجميعات العاملة في الإمبراطورية العثمانية لتؤازر وتدعم عملها لكي تكون مستعدة لانتهاز فرصة الإفادة من الموقف المتسع) (١) . إن هذه الجمعيات التنصيرية تدعم وتساند هؤلاء المنافقين رغبة في انتهاز الفرص المناسبة في الوقت المناسب لإشاعة الفاحشة والتبشير بالنصرانية. [إثارة الفتن والحروب] إثارة الفتن والحروب إذ هما الوسيلة التي تشغل الأمة عن أعدائها، وتنسى فيها حراسة تغورها، وتنهب فيها خيراتها، وتستهلك فيها طاقاتها، وتتعدد احتياجاتها ما بين جريح ويتيم وأرملة، وتتضاعف عليها الديون، وتملى عليها الشروط، وتكبل فيها بالقيود. . فإذا الأمة ميدان فسيح لكل منصر لكي يساوم على اللقمة، ويستحوذ على الأيتام والأرامل، ويفوز بالاتفاقيات التي تخوله الوصول إلى مواقع ما كان يحلم بها قبل ذلك (٢) .

стр. 29

وانظر كيف دخلت الجمعيات التنصيرية إلى داخل أفغانستان والعراق والبوسنة والهرسك وألبانيا أثناء الحروب التي سفكت فيها دماء المسلمين. ولقد تنبه المؤتمرون في مؤتمر كولورادو التنصيري إلى ضرورة وجود ظروف خاصة تدعو إلى التحول الجماعي نحو النصرانية إذ يقول ديفيد أ. فريزر (ولكي يكون تحول فلا بد من وجود أزمات معينة ومشكلات وعوامل تدفع الناس أفرادا وجماعات خارج حالة التوازن التي اعتادوها وقد تأتي هذه الأمور على شكل عوامل طبيعية كالفقر والمرض والكوارث والحروب، وقد تكون معنوية مثل التفرقة العنصرية أو الحساسية بسبب تسامح المجتمع تجاه النفاق أو الوضع الاجتماعي المتدني) (١) . [الانقلابات العسكرية] الانقلابات العسكرية تلجأ المنظمات التنصيرية إلى تدبير الانقلابات العسكرية والتواطؤ مع منفذيها لتحقيق أغراضها في مكان تراه منطلقا للعمل الإسلامي، أو تعذر عليها فيه التنصير. فيبدأ التخطيط لقلب نظام الحكم في ذلك الموقع، وإحلال نظام بديل يأذن لهم. بممارسة التنصير، أو التضييق على المناشط الإسلامية المتواجدة في ذلك الموقع، أو محاربة

стр. 30

الجمعيات الإسلامية التي تنطلق من ذلك المكان إلى أماكن أخرى. فقد جاء في إحدى النشرات التنصيرية بأن الأمير النيجري (أحمد بلو) ﵀ يعتبر أكبر عقبة في شمال نيجيريا ضد التنصير، بل هو الذي يفتح الباب للإسلام في نيجيريا. وبعد ذلك كان انقلاب " أورنس " الذي تربى على أيدي المنصرين، وتولى خلال الانقلاب تلامذة المدارس التنصيرية المراكز القيادية هناك، كما جاء في نشرة أخرى في زمن سابق بأن السودان يتولى الحركات الإسلامية في أواسط أفريقيا، وعلينا أن نشد الحزام لئلا تضيع أواسط أفريقيا فدبرت لذلك ثورة جنوب السودان (١) وجاء في خطاب جاير دنر الذي ألقاه في مؤتمر القاهرة التنصيري عام ١٩١٠ م: (إن زعماء بختياري. . الذين أنجزوا الانقلاب الحالي، وأصبحوا حكام الأمر الواقع، كانوا قبل أن يصلوا إلى هذه الشهرة المروعة الأصدقاء الأوفياء لإرساليات جمعية التبشير الكنسية) (٢) .

стр. 31

[التركيز على جزيرة العرب] التركيز على جزيرة العرب إن المكانة التي تتمتع بها جزيرة العرب دينيا وسياسيا لا تحتاج إلى بيان، فهي مهد الإسلام، ومهبط الوحي، وفيها بيت الله، وفيها الحرمان الشريفان، وإليهما يأرز الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها كما أخبر بذلك الرسول ﷺ (١) . لذا لا غرو إن تعددت محاولات النصارى اليائسة لاختراق هذه البقاع الطيبة المباركة، وهم منذ أمد بعيد يحاولون أن يكون لهم موطئ قدم فيها، فهذا أحد المنصرين يقول في بحث قدمه إلى مؤتمر القاهرة التنصيري المنعقد عام ١٩١٠م: (وبالانتقال من مصر شرقا نأتي إلى الجزيرة العربية، مهد الإسلام، وهي محاصرة بالأقطار الإسلامية حيث تتفاعل الأفعال وردود الأفعال، أولا ينبغي أن نحاصرها نحن بفاعلية أكثر، وأود أن أسترعي انتباهكم أولا: إلى توصيات اللجنة رقم (١) بأن عشر نقاط هامة على طول الساحل يجب أن تحتلها الإرساليات الطبية مثل كثير من مراكز الإشعاع المحيطة، ثانيا: إلى رسالة التذكير التي أعدها السيد جارلند، المبشر اليهودي بأن الإسلام، مع ذلك، يمكن استمالته بواسطة يهود الجزيرة العربية الكبرى، وثالثا: إلى الكلمات التالية للدكتور يونج من عدن:

стр. 32

"أعتقد أن الكنيسة ينبغي أن تمسك بالفرصة الحالية لدخول الباب المفتوح للجزيرة العربية، وبصفة خاصة يجب أن تحاول إنشاء إرسالية متحدة كبيرة في مكة أو المدينة. ولقد يبدو خياليا مجرد الحلم بإنشاء إرسالية في مكة أو المدينة ولكن، ما لم يبذل جهد فلا أحد يمكنه القول إن كان ذلك ناجحا أم لا. وعلى أي حال فإنها محاولة يجب القيام بها لبدء العمل في جدة (ميناء مكة) ، وإن مستشفى مجهزا على لائق هناك سيؤدي الكثير لتعليم الحجاج معنى الحب المسيحي، وأخبرني الدكتور زويمر أنه يعتبر جدة أكثر أهمية، إنها بالتأكيد أكثر عمليا من مكة) (١) . وتتواصل هذه المحاولات فيجتمع لأجل ذلك نفر من المنصرين الأمريكان في نيوجرسي في المعهد اللاهوتي ويؤسسون البعثة العربية وكان هدفها: (إن هدف البعثة - بناء على خطتها الأصلية- الدعوة إلى النصرانية في البلاد العربية، ويجب أن نبذل جهودنا مباشرة بين المسلمين ومن أجلهم ومن ضمنهم الأرقاء. ستكون طريقتنا الرئيسة الدعوة، وتوزيع الأناجيل، والقيام بالجولات التنصيرية، والعمل

стр. 33

التعليمي، إن هدفنا هو احتلال وسط الجزيرة متخذين من الساحل قاعدة) (١) . وأيضا جاء في كتاب أصول التنصير في الخليج: (وبنهاية القرن التاسع عشر ظل الشرق الأوسط بأكمله وبخاصة الجزيرة العربية الميدان المتبقي الأخير في خريطة العالم للجهود التنصيرية) (٢) . ولكن هذه المحاولات النصرانية- ولله الحمد- ترتد خاسئة حسيرة. بما حفظ الله هذه البلاد، ثم. بما حباها من قادة وشعب وقفوا سدا منيعا أمام هذه الأطماع النصرانية، والموقف التالي يبين ذلك: في الأعوام التي تلت ١٩١٤م تنقل مجموعة، من الأطباء داخل الجزيرة العربية لغرض العلاج، والتعرف على مواطئ أقدامهم في هذه البلاد، واعتبروا هذه الجولات مصدرا عظيما لتشجيعهم على (تحقيق هدفهم الأصل وهو التنصير في الجزيرة بواسطة احتلال الداخل انطلاقا من الساحل الذي اتخذوه قاعدة لهم) (٣) ولقد حاول القائمون على هذه البعثات لقاء الملك عبد العزيز ﵀ ليأذن لهم في التنصير في الجزيرة العربية فرفض ذلك رفضا شديدا (٤) وقال: (إن رجال وسط

стр. 34

الجزيرة ليسوا فقط من دين واحد، بل إنهم من مذهب واحد من هذا الدين، وأنا أعرف جيدا بأن المنصرين إذا دخلوا أرضي واستقروا فيها فإنكم ستأتون برسالتكم الخاصة وكتبكم. . . لا لن أقدم حتى ذبابة لأي دين آخر) (١) . فجزى الله الملك عبد العزيز خير الجزاء على هذه الوقفة الرائعة التي لا يزال يذكرها له التاريخ، ولا يزال أبناؤه من بعده يقفون هذا الموقف المشرف- فجزاهم الله خير الجزاء- ولا تزال- أيضا- المحاولات النصرانية تحاول أن تكسر هذا الحاجز، وأن تدخل إلى هذا الحصن الحصين، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون. [مسابقة الإسلام ومنافسته على المواقع والأقوام] مسابقة الإسلام ومنافسته على المواقع والأقوام يبذل المنصرون جهودا متواصلة؛ لتسيطر النصرانية وتهيمن على المواقع الاستراتيجية والأماكن المهمة، ولتنتشر بين الجموع البشرية، كما يولون الشعوب الوثنية عناية خاصة، لا لإنقاذهم من النار، فهم يعلمون أنهم وإياهم من أهل النار، ولكن لتحقيق هدفين هما: الأول: مسابقة الإسلام ومنافسته على المواقع التي لم يدخلها، وتخشى النصرانية أن تسلم تلك الشعوب، فهي تواصل الخطى

стр. 35

للحيلولة دون إسلامهم، يشهد لذلك نداء أحد المنصرين لإخوانه. بمسارعة الخطى لتنصير غينيا الجديدة لئلا تسلم حيث يقول: (. . . وحتى غينيا الجديدة التي لم تتأثر بالإسلام- حتى الآن- على حد علمي، فإننا نناشد بشدة بتعجيل تنصيرها، وإلا لو تلكأنا فإنها ستصبح أيضا مثل جاوه وسومطره) (١) . وجاء في المصدر نفسه: (بالإضافة إلى هذا كله لدينا التفهم الجاد لبعض الملايين من المنبوذين في البنغال أو البنجاب الذين قبل أن يمضي وقت طويل لا بد أن يطالبوا إما بالإسلام أو الهندوسية، إذا لم تستقطبهم الكنيسة المسيحية إليها) (٢) الثاني: بناء حاجز نصراني يحول دون انتشار الإسلام في مناطق الوثنيين حيث يقول جاير دنر: (حتى الحين تبدو شمال نيجيريا النقطة الأكثر أهمية، يجب أن نقوم بعمل عظيم وقائي ومباشر على حد سواء، إن هذا العمل ضروري الآن خاصة بعد الربط المتقارب السريع للنيجر الأدنى وهوسلاند وكالابار بخطوط السكك الحديدية. وهل لي أن أذكركم أيضا بمناشدة الدكتور ميلر لأربعين عالما تربويا أو مبشرا لهوسلاند؛ لأن شعب الهوسا قد يكون هو الحاجز المنيع في

стр. 36

وقف انتشار الإسلام، أيها الآباء والإخوة، إنني ألجأ بجدية إلى شعاري، إن اللبيب بالإشارة يفهم!) (١) . هذا بالإضافة إلى حرصهم الشديد الدؤوب على السيطرة على المواقع الاستراتيجية التي تحقق لهم الهيمنة السياسية في محاصرة الشعوب ومضايقة الدول كما جاء في التقرير الذي قدم إلى المؤتمر التنصيري المنعقد في القاهرة عام ١٩٠٦م حيث جاء فيه: (وينصح التقرير بتركيز الجهد المسيحي على مراكز استراتيجية معينة معروفة، وتوفير الرجال من أجل هذا الغرض، وهؤلاء العاملون يحتاجون إلى معرفة بكل من اللغة الصينية واللغة العربية، وهذه دلالة تؤكد الحاجة إلى أنه لا بد أن يكون لدينا معهد عربي في مركز ما مثل القاهرة) (٢) . [المطالبة بالحرية الدينية والسياسية والفكرية] المطالبة بالحرية الدينية والسياسية والفكرية الأصل في الخلق العبودية لله رب العالمين، وادعاء التحرر والتكبر على الله والخروج على أحكام الدين ارتكاس في هوة الجهالة، ومصادمة للفطرة، ومحادة لله رب العالمين. بل هذا الادعاء شذوذ ونشاز عن نظام هذا الكون الذي استسلم لملكوت الله وجبروته، ونفذ فيه أمر الله وحكمه القدري

стр. 37

دون أن يكون للخلق رأي أو اختيار. ولأجل ذلك خلق الله الخلق لعبادته فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) وجعل أشرف مقامات الخلق مرتبة العبودية فقال جل ثناؤه ممتنا على رسوله ﷺ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (٢) وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (٣) وسخر هذا الكون لأجل الإنسان فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] (٤) وقال أيضا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الجاثية: ١٣] (٥) بل جعل هذا الكون كله مسبحا بحمد الله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١] (٦) ساجدا لعظمته كما أخبر الله بقوله:

стр. 38

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] (١) ولكن لأن هؤلاء الكفار يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم في ضلال بعيد كما أخبر الله عنهم بقوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣] (٢) ويريدون أن نكون مثلهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] (٣) . ولذا فقد أشاعوا بين ظهراني المسلمين الدعوة إلى الحرية الدينية والسياسية والدعوة إلى الإباحية وإشاعة الرذيلة؛ لأنهم يعلمون أن لعبة المباحث النظرية لا تؤدي إلا إلى الضعف، وأن دعاوى الحرية والتقدم إنما هي شرك يكفل تردي البشرية لصالح فئة منها في مهاوي التخلف والتناحر (٤) . ويعلمون -علم اليقين - أنه لا قبول لأفكارهم ومبادئهم في أجواء تحوطها أحكام الشريعة، وتحفظها- بحفظ الله- قواعد الملة، وتسيطر عليها نواميس الديانة، ويعلمون- أيضا- أن هذه

стр. 39

الدعوة سيستجيب لها ضعاف الإيمان وأصحاب الأهواء ويزينونها للناس، ويهيئون البيئة المناسبة التي يستنبت فيها الإلحاد والزندقة، وتستعلن فيها رؤوس الكفر مطالبة بحرية الدين والفكر والكفر والعهر والفجور. . ومن ثم يتلصص المنصرون في هذه الأجواء مطالبين- باسم الحرية الدينية والفكرية- بالكفر الصراح وبفتح الكنائس والمدارس التي تدعو إلى النصرانية، والإذن لهم بدعوة الناس علانية إلى دينهم عبر وسائلهم المختلفة. ويؤكد المنصر جاير دنر - في بحثه الذي قدمه إلى مؤتمر القاهرة التنصيري عام ١٩١٠م- أهمية هذا الأمر في تأثيره على الدين، وتحقيقه لغاياتهم بقوله: (وإذا بدأنا بعدئذ بالإمبراطورية العثمانية نجد حركة يمكن وصفها بشكل عام بأنها تتجه إلى الحرية السياسية أولا ثم الفكرية، وفي النهاية فإن حركة مزدوجة بهذه الطبيعة لا بد أن تؤثر على الدين تأثيرا بطيئا ولكنه أكيد التأثير، إن الاتجاه الخفي للشباب الأتراك أنفسهم نحو التسامح الديني- هو في الغالب- اتجاه متقدم) (١) . [التركيز على المرأة المسلمة] التركيز على المرأة المسلمة يهتم المنصرون بالمرأة اهتماما شديدا، إذ نصف البشرية من النساء، ولأن المرأة تتعرض للفقر والفاقة والترمل أكثر من الرجل،

стр. 40

ولانتشار الجهل بينهن ولأنها هي المحضن الذي يترعرع فيها النشء فإن كانت صالحة أنتجت ذرية صالحة كالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، وإن كانت غير ذلك فالذي خبث لا يخرج إلا نكدا. فإذا تمكنت منها الجمعيات التنصيرية، أو وصلت إليها، فقد وصلت إلى الحصن الحصين والمكان الأمين، بل وصلت إلى قلب الأمة ولذا: (يصفق المنصرون باليدين لأن المرأة المسلمة قد تخطت عتبة دارها، لقد خرجت إلى الهواء، لقد نزعت عنها حجابها، ولكنهم لا يصفقون لأن المرأة المسلمة قد فعلت ذلك؛ بل لأن فعلها هذا يتيح للمنصرين أن يتغلغلوا عن طريق المرأة في الأسرة المسلمة بتعاليمهم التنصيرية) (١) . ولا يخفي المنصرون كيدهم بالمرأة المسلمة، واعتقادهم قوة تأثيرها على أبنائها، ورغبتهم في استغلال ذلك، إذ يقول قائلهم: (بما أن الأثر الذي تحدثه الأم في أطفالها- ذكورا وإناثا- حتى سن العاشرة من عمرهم بالغ الأهمية، وبما أن النساء هن العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة، فإننا نعتقد أن الهيئات التبشيرية يجب أن تؤكد جانب العمل بين النساء المسلمات على أنه وسيلة مهمة في التعجيل بتنصير البلاد الإسلامية) (٢) .
следующие страницы →