← Общие книги

Общие книги · id 30739

التنصير تعريفه أهدافه وسائله حسرات المنصرين

عبد الرحمن بن عبد الله الصالح

Полный текст (98 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقف انتشار الإسلام، أيها الآباء والإخوة، إنني ألجأ بجدية إلى شعاري، إن اللبيب بالإشارة يفهم!) (١) . هذا بالإضافة إلى حرصهم الشديد الدؤوب على السيطرة على المواقع الاستراتيجية التي تحقق لهم الهيمنة السياسية في محاصرة الشعوب ومضايقة الدول كما جاء في التقرير الذي قدم إلى المؤتمر التنصيري المنعقد في القاهرة عام ١٩٠٦م حيث جاء فيه: (وينصح التقرير بتركيز الجهد المسيحي على مراكز استراتيجية معينة معروفة، وتوفير الرجال من أجل هذا الغرض، وهؤلاء العاملون يحتاجون إلى معرفة بكل من اللغة الصينية واللغة العربية، وهذه دلالة تؤكد الحاجة إلى أنه لا بد أن يكون لدينا معهد عربي في مركز ما مثل القاهرة) (٢) . [المطالبة بالحرية الدينية والسياسية والفكرية] المطالبة بالحرية الدينية والسياسية والفكرية الأصل في الخلق العبودية لله رب العالمين، وادعاء التحرر والتكبر على الله والخروج على أحكام الدين ارتكاس في هوة الجهالة، ومصادمة للفطرة، ومحادة لله رب العالمين. بل هذا الادعاء شذوذ ونشاز عن نظام هذا الكون الذي استسلم لملكوت الله وجبروته، ونفذ فيه أمر الله وحكمه القدري

стр. 37

دون أن يكون للخلق رأي أو اختيار. ولأجل ذلك خلق الله الخلق لعبادته فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) وجعل أشرف مقامات الخلق مرتبة العبودية فقال جل ثناؤه ممتنا على رسوله ﷺ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (٢) وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (٣) وسخر هذا الكون لأجل الإنسان فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] (٤) وقال أيضا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الجاثية: ١٣] (٥) بل جعل هذا الكون كله مسبحا بحمد الله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١] (٦) ساجدا لعظمته كما أخبر الله بقوله:

стр. 38

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] (١) ولكن لأن هؤلاء الكفار يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم في ضلال بعيد كما أخبر الله عنهم بقوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣] (٢) ويريدون أن نكون مثلهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] (٣) . ولذا فقد أشاعوا بين ظهراني المسلمين الدعوة إلى الحرية الدينية والسياسية والدعوة إلى الإباحية وإشاعة الرذيلة؛ لأنهم يعلمون أن لعبة المباحث النظرية لا تؤدي إلا إلى الضعف، وأن دعاوى الحرية والتقدم إنما هي شرك يكفل تردي البشرية لصالح فئة منها في مهاوي التخلف والتناحر (٤) . ويعلمون -علم اليقين - أنه لا قبول لأفكارهم ومبادئهم في أجواء تحوطها أحكام الشريعة، وتحفظها- بحفظ الله- قواعد الملة، وتسيطر عليها نواميس الديانة، ويعلمون- أيضا- أن هذه

стр. 39

الدعوة سيستجيب لها ضعاف الإيمان وأصحاب الأهواء ويزينونها للناس، ويهيئون البيئة المناسبة التي يستنبت فيها الإلحاد والزندقة، وتستعلن فيها رؤوس الكفر مطالبة بحرية الدين والفكر والكفر والعهر والفجور. . ومن ثم يتلصص المنصرون في هذه الأجواء مطالبين- باسم الحرية الدينية والفكرية- بالكفر الصراح وبفتح الكنائس والمدارس التي تدعو إلى النصرانية، والإذن لهم بدعوة الناس علانية إلى دينهم عبر وسائلهم المختلفة. ويؤكد المنصر جاير دنر - في بحثه الذي قدمه إلى مؤتمر القاهرة التنصيري عام ١٩١٠م- أهمية هذا الأمر في تأثيره على الدين، وتحقيقه لغاياتهم بقوله: (وإذا بدأنا بعدئذ بالإمبراطورية العثمانية نجد حركة يمكن وصفها بشكل عام بأنها تتجه إلى الحرية السياسية أولا ثم الفكرية، وفي النهاية فإن حركة مزدوجة بهذه الطبيعة لا بد أن تؤثر على الدين تأثيرا بطيئا ولكنه أكيد التأثير، إن الاتجاه الخفي للشباب الأتراك أنفسهم نحو التسامح الديني- هو في الغالب- اتجاه متقدم) (١) . [التركيز على المرأة المسلمة] التركيز على المرأة المسلمة يهتم المنصرون بالمرأة اهتماما شديدا، إذ نصف البشرية من النساء، ولأن المرأة تتعرض للفقر والفاقة والترمل أكثر من الرجل،

стр. 40

ولانتشار الجهل بينهن ولأنها هي المحضن الذي يترعرع فيها النشء فإن كانت صالحة أنتجت ذرية صالحة كالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، وإن كانت غير ذلك فالذي خبث لا يخرج إلا نكدا. فإذا تمكنت منها الجمعيات التنصيرية، أو وصلت إليها، فقد وصلت إلى الحصن الحصين والمكان الأمين، بل وصلت إلى قلب الأمة ولذا: (يصفق المنصرون باليدين لأن المرأة المسلمة قد تخطت عتبة دارها، لقد خرجت إلى الهواء، لقد نزعت عنها حجابها، ولكنهم لا يصفقون لأن المرأة المسلمة قد فعلت ذلك؛ بل لأن فعلها هذا يتيح للمنصرين أن يتغلغلوا عن طريق المرأة في الأسرة المسلمة بتعاليمهم التنصيرية) (١) . ولا يخفي المنصرون كيدهم بالمرأة المسلمة، واعتقادهم قوة تأثيرها على أبنائها، ورغبتهم في استغلال ذلك، إذ يقول قائلهم: (بما أن الأثر الذي تحدثه الأم في أطفالها- ذكورا وإناثا- حتى سن العاشرة من عمرهم بالغ الأهمية، وبما أن النساء هن العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة، فإننا نعتقد أن الهيئات التبشيرية يجب أن تؤكد جانب العمل بين النساء المسلمات على أنه وسيلة مهمة في التعجيل بتنصير البلاد الإسلامية) (٢) .

стр. 41

ومن أجل ذلك اهتم المنصرون بالمرأة اهتماما شديدا فقلما عقد مؤتمر تنصيري دون أن يكون موضوع تنصير المرأة المسلمة هو أحد الموضوعات الرئيسة لهذا المؤتمر، وكشاهد على ذلك فقد كان موضوع (المداخل النصرانية للمرأة المسلمة وأسرتها) أحد الأبحاث المقدمة إلى مؤتمر التنصير المنعقد في ولاية كولورادو في أمريكا عام ١٩٧٨م (١) أما مؤتمر القاهرة التنصيري المنعقد عام ١٩٠٦م فقد وجهت المنصرات المشاركات فيه النداء التالي (لا سبيل إلا بجلب النساء المسلمات إلى المسيح، إن عدد النساء المسلمات عظيم جدا لا يقل عن مائة مليون، فكل نشاط مجد للوصول إليهن يجب أن يكون أوسع مما بذل إلى الآن) (٢) . وتختلف أساليبهم ووسائلهم نحو تحقيق هذا الهدف، ولكن لا تختلف غايتهم، فغايتهم أن تتنصر المرأة المسلمة فإن لم يتيسر ذلك فلا أقل من أن تهجر دينها، وتعلن إفلاسها وكفرها، وترضى بأن تكون تابعة ذليلة للقافلة التي تولت استعبادها، وسلب دينها، ونهب خيراتها والاستحواذ عليها. . ولأجل ذلك تتعالى صيحاتهم نحو تحرير المرأة المسلمة فحينا تعلن المنابر الغربية الكافرة أن المرأة المسلمة

стр. 42

مسلوبة الحقوق، وحينا تعلن أن دينها ظلمها (١) وحينا تمارس تلك المنابر ضغوطا على الدول المسلمة لإجبارها على تغريب المرأة المسلمة، ونزع لباسها (٢) في موقف مماثل لموقف إبليس من أبوينا آدم وحواء كما أخبر الله عن ذلك بقوله جل ثناؤه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] (٣) إلى آخر الافتراءات التي

стр. 43

لا تتوقف؛ رغبة في أن تفتح المرأة المسلمة لهذه الصيحات آذانها، فتكون بداية لتلقي المبادئ التنصيرية. والمرأة المسلمة العاقلة تدرك أن هذه النداءات والمزاعم والدعوات المطالبة بتحرير المرأة دعوات هادمة (١) لأنها ترى أختها المسلمة يستباح عرضها ويسفك دمها في بلاد كثيرة كالبوسنة والهرسك وكوسوفو وبورما والفلبين والهند وأفريقيا- على أيدي هؤلاء النصارى، فأين هذه الرحمة التي استبطنت الكفر وأطلقت تلك الدعوات من هذه المذابح والانتهاكات للأعراض والأنفس. وتدرك- أيضا- أن إخوانها المسلمين يتعرضون للإبادة على أيدي النصارى، وتنزل بهم البأساء والضراء والمجاعات في كل صقع ولا تتحرك قوافل الإغاثة النصرانية ما لم تكن الكوارث قد حلت في ديار النصارى، أما إن حلت تلك الكوارث في ديار المسلمين فلا تقدم لهم الإعانات إلا

стр. 44

على طبق من المبادئ التنصيرية، ولا تسلم لهم إلا إذا كفروا بربهم وآمنوا بالمسيح ﵇ إلها مخلصا. فأين تلك القلوب التي تتمظهر بالشفقة والرحمة وهي تنادي بحقوق الإنسان أو حقوق المرأة؟؟! إنها قلوب خبيثة لا تظهر بهذا المظهر إلا إذا أرادت الطعن في دين الله وإقصائه عن توجيه البشرية، أما إذا تمكنت هذه القلوب من رقاب المسلمين وأعراضهم وأموالهم فهي قلوب لا تعرف رحمة، ولا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم. [تحريف القرآن الكريم والإساءة إليه] تحريف القرآن الكريم والإساءة إليه لدى المنصرين والمنظرين للعمل التنصيري قناعة تامة بأنه لا يمكن القضاء على الإسلام إلا إذا تم القضاء على القرآن ولذلك تتجدد المحاولات بين آونة وأخرى من قبل هؤلاء المنصرين وأعوانهم على الإساءة للقرآن الكريم أو تحريف سور منه يقول جون تاكلي: (يجب أن نستخدم كتابهم (القرآن) وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه لنقضي عليه تماما) (١) وقد افترت ونشرت إحدى الهيئات عبر شبكة الإنترنت نصوصا مضبوطة بالشكل، مختومة كل

стр. 45

فقرة منها برقم، مكتوبة بخط متميز، محاكية بذلك سور القرآن الكريم وسميت إحدى تلك المفتريات "سورة الوصايا". وفي اليمن حدث في عام ١٤١٩هـ في أحد المواقع تمزيق للمصاحف ووضعت أوراقها في أماكن نجسة وذكرت مجلة المجتمع حينما أوردت الخبر أن هذه المحاولات بدأت عام ١٩٩٢م وذكرت أنه يعتقد أن خلف هذه الحوادث "مستشفى جبلة المعمداني " حيث ينتشر التنصير في اليمن تحت غطاء الخدمات الطبية، كما ذكرت أن الغرض من هذه الجرائم تجريب المرتدين ومدى ولائهم لدينهم الجديد (١) . [بناء أكبر عدد من الكنائس والاهتمام بمظهرها] بناء أكبر عدد من الكنائس والاهتمام بمظهرها يحرص المنصرون على بناء الكنائس في البلاد الإسلامية حتى في الأماكن التي لا يعيش فيها أي نصراني؛ لتكون منطلقا للعمل التنصيري في المنطقة، ولتحقق بعض ما أنشئت من أجله ولذلك يحرص المنصرون أن تكون مباني الكنائس والإرساليات والمدارس شاهقة غريبة المظهر حتى تؤثر في عقول الزائرين وفي عواطفهم

стр. 46

وخيالاتهم، إن ذلك في اعتقاد المنصرين يقرب غير النصارى إلى النصرانية (١) . [التعليم] التعليم إن شرف هذه الوسيلة لم يمنع المنصرين من أن يجعلوها سبيلا إلى الكفر، وميدانا للصد عن سبيل الله، ودعوة إلى الضلالة، يقول المنصر هنري جسب: (إن التعليم في مدارس الإرساليات المسيحية إنما هو واسطة إلى غاية فقط، هذه الغاية هي قيادة الناس إلى المسيح وتعليمهم حتى يصبحوا أفرادا مسيحيين وشعوبا مسيحية) (٢) . وقد تعددت أساليبهم في استغلال هذه الوسيلة، فتارة يكون من خلال مدارس الإرساليات التنصيرية التي تتخذ التدريس وسيلة للدعوة إلى النصرانية وبث سمومها في عقول الأطفال فقد جاء في كتاب أصول التنصير في الخليج: (كان تعليم العلوم الحديثة وتدريسها باللغة الإنجليزية الذي قدمته البعثة كان مطلوبا جدا وبخاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولذلك كانت مدارس البعثة تجد قبولا

стр. 47

حسنا في العراق والبحرين والكويت، فقد واصل الآلاف من خريجي مدرسة البصرة ليدخلوا مجالات عملية بنجاح في الأعمال والسياسة، وتزعم تقارير البعثة أن الألفي طفل الذين تخرجوا في مدرسة البعثة حتى عام ١٩٣٨م قد أصبح بعضهم أطباء، وأطباء أسنان ومدراء ورؤساء وكتاب ومترجمين ومعلمين إنهم يحصلون على مرتبات جيدة، وباستثناءات قليلة جدا، فإنهم جميعا قد ارتقوا في السلم الاقتصادي، وكثير منهم قد أصبحوا قادة في دولهم) (١) . وقد وصف أبو الأعلى المودودي أثر هذه المدارس التنصيرية فقال: (فالمؤسسات التعليمية للمبشرين تخرج طبقة جديدة من الناس، طبقة لا تتمسك بالنصرانية ولا تظل على دين الإسلام، وإنما تفصل نفسها عن تراثها ولا تطبق أي تراث أخلاقي آخر، والنتيجة هي أن تصبح نموذجا غريبا من الجنس البشري في مواقفها الأخلاقية ومعاييرها الثقافية وكذلك في أخلاقها وتصرفاتها وفي لغتها وعاداتها الاجتماعية) (٢) . وتارة يكون بالتداخل المباشر في المدارس الحكومية- كما كان يحدث إبان الاحتلال- وذلك من خلال تفريغ المناهج العلمية من

стр. 48

مضامينها وصرفها عن وجهتها، أو من خلال تعيين المعلمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فقد جاء في جريدة الأهرام الصادرة في ١٧ / ٣ / ١٨٩٧ م (قضي الأمر، وصدر الأمر العالي بتعيين المستر دنلوب سكرتيرا عاما لنظارة التعليم، وقد شرع المستر دنلوب بعد الاتفاق مع اللورد كرومر في هدم الدراسة الثانوية التي هي أعظم أركان المعارف) (١) وقال الأستاذ محمود شاكر: (ونقول نحن أيضا " قضي الأمر" وجاء الاستشراق الإنجليزي ليحدث في ثقافة الأمة المصرية صدعا متفاقما أخبث وأعتى من الصدع الذي أحدثه الاستشراق الفرنسي، ووضع دنلوب أسس التفريغ الكامل لطلبة المدارس المصرية، أي تفريغ الطلبة من ماضيها المتدفق في دمائها مرتبطا بالعربية والإسلام، ومهد إلى ملئه بماض آخر بائد في القدم والغموض، لم يبق من ثقافته شيء البتة، ليزاحم هذا الماضي الفارغ بقايا الماضي المتدفق الحي الذي يوشك أن يتمزق ويختنق بالتفريغ المتواصل، ويجعل أجيال طلبة المدارس في حيرة مدمرة بين انتماءين، بين الانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية الواضحة في كتب أسلافهم، وبين الانتماء إلى الفرعونية التي بادت وبادت ثقافتها ولم يبق منها إلا أطلال من الحجارة مهما بلغت في العظمة والجلال فهي فارغة من ثقافة حية تتدفق في القلوب والعقول والألسنة، إنما هي آثار لا تغني

стр. 49

شيئا ولا تؤتي ثمرة، وأيضا فإن هذا التفريغ سوف ينشئ أجيالا من تلاميذ المدارس تتهتك علائقها التي تربطها بثقافتها العربية الإسلامية اجتماعيا وثقافيا ولغويا، حتى يتم تفريغها تفريغا كاملا من ماضيهم كله، ثم يملأ هذا الفراغ علوم وآداب وفنون لا علاقة لها بماضيهم، وإنما هي علوم الغزاة، وفنون الغزاة وآداب الغزاة وتاريخ الغزاة ولغات الغزاة) (١) . وقال شاتليه - أحد منظري التنصير: (ومن هذا يتبين لنا أن إرساليات التبشير الدينية- التي لديها أموال جسيمة، وتدار أعمالها بتدبير وحكمة- تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية من حيث إنها تبث الأفكار الأوروبية) (٢) . وإليك هذه الحقيقة التي تؤكد ذلك ففي عام ١٨٦٣م طرح المنصر هاملين على صديقه اليهودي الفرنسي روبرت - فكرة إنشاء مدرسة ثانوية قرب قلعة الروملي، وقال هاملين مشيرا بيده إلى قلعة الروملي: (لقد أنشأ الأتراك هنا حصنا لفتح استنبول، وأنا سأنشئ هنا مدرسة لهدمهم) (٣) .

стр. 50

وقد تحقق شيء من حلم هذا اليهودي فقد ترأس العصيان والتمرد على الدولة العثمانية في بلغاريا أول الخريجين في هذه المدرسة، وقال بعد ذلك لقد كان د. هاملين يريد فتح مدرسة فوق أعلى برج من أبراج قلعة الروملي وذلك كي تدخل النصرانية من نفس الباب الذي دخل منه الإسلام إلى إستنبول (١) . وتارة يكون - استغلال هذه الوسيلة - من خلال إيجاد فرص الابتعاث لأبناء المسلمين الذين تعذرت عليهم مواصلة دراستهم في بلدانهم، ومن ثم محاولة تنصيرهم في البلاد التي يتم ابتعاثهم إليها، فإن لم يتحقق ذلك فليتحقق ما دون ذلك وهو إخراجهم من دينهم وإغراقهم بالشهوات المحرمة في تلك البلاد. وتارة يكون من خلال تعليم اللغة الإنجليزية إذ تستخدم كطعم يقدم للفريسة ممزوج معه الدعوة إلى الإباحية والدعوة إلى النصرانية، فقد جاء في بحث " الإرسال الإذاعي الحالي الموجه إلى المسلمين " المقدم من فريد د. أكورود إلى مؤتمر التنصير المنعقد في كلورادو ما يلي: (إن اللغة الإنجليزية مهمة لكل عربي يرغب في متابعة دراسته، أو يود الهجرة، ولقد كتبنا إلى هيئة الإذاعة البريطانية- التي لديها سلسلة ممتازة من برامج تعليم الإنجليزية للناطقين بالعربية- ولقد منحتنا السلسلة وأذنت لنا بتقديمها عبر إذاعتنا، وقد أجرينا بالفعل تعديلات

стр. 51

على السلسلة استخدمناها " كطعم " وفي الختام كنا نتوجه بالسؤال: عما إذا كان المستمع يرغب في نسخة مجانية من كتاب يحتوي على العربية والإنجليزية جنبا إلى جنب، وعندئذ نرسل له نسخة من الإنجيل بالعربية والإنجليزية) (١) . وتارة يكون من خلال التحيز ضد أبناء المسلمين، وقصر التعليم على أبناء الأقلية النصرانية- في البلاد التي يوجد فيها مسلمون ونصارى- ليتحقق لهم التفوق في المجال العلمي والإداري في المناطق التي تعيش فيها الأقليات النصرانية بين المسلمين، فقد شكا أبو الأعلى المودودي من ذلك بقوله: (فأسلوب العمل الذي يتبعه مبشرو الإنجيل هؤلاء شنيع للغاية، ويعتبر مصدرا من مصادر الشقاق والخلاف، وتتمثل شكوانا في أنهم لا يقصرون نشاطاتهم على نشر الدين فحسب، ولكنهم بدلا من ذلك يلجئون إلى أساليب وسبل لا مناص من اعتبارها وسائل للضغط السياسي والاستغلال الاقتصادي، والتخريب للأخلاق والدين، ويشهد على ذلك ما رأينا بأم أعيننا، وما يشاهد في بقية أنحاء العالم الإسلامي، فلا يمكن لأي عقل مهما كان محدودا، ولا يليق بأي إنسان كريم أن يعتبر تلك الأساليب وسائل مناسبة ومباحة لنشر أي دين من الأديان، فقد قام هؤلاء المبشرون في مناطق شاسعة من أفريقيا بحرمان المسلمين من كافة

стр. 52

الخدمات التعليمية وذلك بالتواطؤ مع الدول الاستعمارية وتغافلها عن جرائمهم في الوقت الذي كانوا يسيطرون فيه على تلك المناطق، فقد أوصدوا أبواب المعاهد التعليمية أمام كل شخص لا يدين بالنصرانية أو على الأقل ليس لديه استعداد لتغيير اسمه الإسلامي واستبداله باسم نصراني، وبهذه الكيفية قويت شوكة الأقلية النصرانية وأصبحت هي الطبقة الحاكمة، وهذه الفئة المنبتة القوية النفوذ هي التي تولت السلطات السياسية والعسكرية والاقتصادية بعد الاستقلال في كثير من الدول الأفريقية التي تعيش فيها أغلبية ساحقة من المسلمين، وهذا ظلم صارخ نزل بالمناطق الأفريقية التي تقطنها أغلبية من المسلمين) (١) . وتارة يكون من خلال إضعاف المؤسسات التعليمية الشرعية بمصادرة أوقافها ومحاربة طلابها، وإضعاف تأثيرها وقد تحدث الفصل الرابع من كتاب: " وسائل التبشير بالنصرانية بين المسلمين " الذي نشره المبشر الأمريكي " فلمنج " عن الأزهر ودوره وما اقترحه المبشرون من ضرورة إنشاء مدرسة جامعة نصرانية تقوم الكنيسة بنفقاتها وتكون مشتركة بين كل الكنائس المسيحية في الدنيا على اختلاف مذاهبها، لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة. وتتكفل هذه المدرسة الجامعة بإتقان تعليم اللغة العربية. ثم قال: إن في الإمكان مباشرة هذا العمل في دائرة صغيرة وهي أن تختص أولا بتعليم

стр. 53

المسلمين المتنصرين وتربيتهم ليتمكن هؤلاء من القيام بخدم جليلة في تنصير المسلمين الآخرين. وختم فلمنج كلامه قائلا: (ربما كانت العزة الإلهية قد دعتنا إلى اختيار مصر مركز عمل لنا لنسرع بإنشاء هذا المعهد المسيحي لتنصير الممالك الإسلامية) (١) . وقال جاير دنر: (إن من سداد الرأي منع جامعة الأزهر أن تنشر الطلبة المتخرجين فيها في جنوب أفريقيا؛ اتباعا لقرار مؤتمر التبشير العام؛ لأن الإسلام ينمو بلا انقطاع في كل أفريقيا) (٢) [الإعلام] الإعلام يعتبر الإعلام بوسائله المتعددة- من مقروءة ومسموعة ومرئية - الوسيلة الهامة في نظر المنصرين - إذ يتمكنون من خلاله من بث الأفكار والمعتقدات الباطلة والترويج لها، والدعوة إليها، كما يتمكنون من خلاله من اجتياز الحواجز وتخطي الحدود والوصول إلى المسلمين في بلدانهم المغلقة أمام الحملات التنصيرية المباشرة إذ يقول فريد أكورود: (يبدو أن الإذاعة اليوم هي إحدى الوسائل الرئيسة التي يمكن بواسطتها الوصول إلى المسلمين في بلدان الشرق الأوسط وشمال

стр. 54

أفريقيا المغلقة، حيث إن الإذاعة يمكنها - كما نعلم - أن تخترق الحواجز الحدودية وأن تعبر البحار وتقفز الصحاري وأن تنفذ إلى مجتمعات المسلمين المغلقة) (١) . وهذا الأمر- أعنى الإعلام (٢) - أشهر من أن يذكر أو تسرد الأدلة والشواهد على استغلاله فها هي قنواتهم الفضائية تغزو العالم الإسلامي، وهذه إذاعاتهم تنشر زيفها في أوساط المسلمين، وهذه كتبهم ومراسلاتهم تجوب العالم، وهذه صفحاتهم المتعددة ومواقعهم المتنوعة على شبكة الإنترنت تدعو إلى الباطل وتنشر الضلال. . ولا أدل من عنايتهم بذلك من هذا التدافع المحموم نحو استخدام هذه الوسائل الإعلامية، ومن مناقشة خمسة أبحاث ضمن المؤتمر التنصيري المنعقد في أمريكا ولاية كولورادو عام ١٩٧٨ م وهذه الأبحاث هي: ١ - الوضع الحالي للمطبوعات ووسائل الإعلام الموجهة للمسلمين. ٢ - الوضع الراهن لترجمات الإنجيل إلى لغات المسلمين. ٣ - الإرسال الإذاعي الحالي الموجه إلى المسلمين. ٤ - مراجع مختارة للمنصرين العاملين بين المسلمين.

стр. 55

٥ - الحاجة إلى مجلة جديدة خاصة بالإرساليات التنصيرية الموجهة للمسلمين (١) . كما جاء ضمن الموضوعات التي نوقشت في مؤتمر القاهرة التنصيري المنعقد عام ١٩٠٦ م الموضوعات التالية: ١ - النشرات التي ينبغي إذاعتها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام. ٢ - وسائل إسعاف المتنصرين المضطهدين. ٣ - تربية المبشرين والعلاقات بينهم. ٤ - كيفية التعليم في الإسلام (٢) . [التطبيب] التطبيب استغل أدعياء الرحمة جراح الشعوب وأمراضها وأزماتها ومآسيها؛ لتكون الفرصة السانحة لإرغامهم على النصرانية، فما تحل بشعب كارثة أو تنزل به مصيبة من حرب أو زلازل أو فيضانات إلا ورأيت الجمعيات التنصيرية تنتقل إلى الموقع المنكوب لتقدم للمحتاجين النصرانية مع قرص الدواء، ولقمة العيش، وقطعة الكساء. . ولا تظن أن هذا التدافع النصراني على مواقع الأحداث

стр. 56

رحمة بالشعوب، بل يعتبرون الجراح والمآسي البوابة الذهبية للنصرانية (حيث تجد بشرا تجد آلاما، وحيث تكون الآلام تكون الحاجة إلى الطبيب وحيث تكون الحاجة إلى الطبيب فهناك فرصة مناسبة للتبشير) (١) . وقد واجهت المنصرين- من أطباء ومعلمين- في منطقة الخليج العربي مشكلة: هل جاءوا هنا للتطبيب والتعليم بمعزل عن التنصير؟ فكانت إجابة الجميع بالنفي. وقد حدد جون فإن إس الباحث المعروف في الشؤون العربية هذه المشكلة للبعثة العربية في الجزيرة في رسالة كتبها عام ١٩١٣م قال فيها: لماذا نحن هنا؟ لأي شيء نحن هنا؟ لنعيد المليك إلى عرشه (٢) وكل ما عدا ذلك فأمر مساعد وثانوي، إنما هو وسيلة للهدف، إذا كان هدف الطبيب والمستشفى في مجال كمجالنا هو لتخفيف آلام الجسد، فهذا الهدف عائق وليس مساعد؛ لأن الأعمال المجيدة هي الأساس في محاربة الإسلام، ولا نتحمل ثمن هذه الفكرة. فالمدرسة مهما كانت مجهزة في بلد مثل هذا فهي أسوء من أن تكون غير ذات قيمة إذا كانت تثقف العقل، لأنها

стр. 57

تنتج متعلمين أوغادا يأخذون عيوبنا ويشوهون فضائلنا، لدينا مستشفيات ممتازة، ونحن فخورون بأطبائنا) (١) . إذا الهدف الأهم من هذا هو محاربة الإسلام. وقال الطبيب بول هاريسون: (إن المبشر لا يرضى عن إنشاء مستشفى ولو بلغت منافع ذلك المستشفى منطقة (عمان) بأسرها، لقد وجدنا نحن في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى) (٢) وهم يعلمون أن المريض المسلم لا يتقبل كلامهم، ويكره ما معهم من الكفر والضلال يقول رشتر: (في هذه المناسبات من التطبيب مستوصف أو مستشفى يمكن للطبيب أن يخاطب المسلمين بكلام كثير لو سمعوا بعضه في مكان غير المستشفى ومن شخص غير الطيب لامتلأوا غيظا وغضبا) (٣) . وفي النص التالي تدرك كيف تمتزج الصفاقة بالتدجيل، ويمتزج الجهل بموت الضمير لدى أدعياء الرحمة، قالت إيرا هاريس تنصح الطبيب المنصر: (يجب أن تنتهز الفرصة لتصل إلى آذان المسلمين وقلوبهم فتبشر بالإنجيل، إياك أن تضيع التطبيب في المستوصفات والمستشفيات، فإنه أثمن من ذلك) (٤) . أرأيت كيف يرون الآلام والجراح الفرصة المواتية لفرض النصرانية.

стр. 58

[أصحاب الخيام] أصحاب الخيام (١) يعمل أصحاب الخيام على نشر النصرانية والدعوة إليها، أثناء تواجدهم في البلاد الإسلامية، من خلال أعمالهم التي يمارسونها كالتطبيب والتعليم، وتولي الهيئات التنصيرية هذه الفئة أهمية بالغة- حيث عبر عن ذلك ويلدرون أسكوت الأمين العام للرابطة التنصيرية العالمية بقوله: (أشعر في نفسي بأن هذه ربما تكون الحركة الخلاقة العظيمة التالية التي سوف يوجدها روح الرب في جهود العمل التنصيري. . إننا نتحدث عن مشروع هو على الأقل في حجم مجمل الحركة التنصيرية اليوم وربما أكبر بكثير) (٢) . وهذه الفئة تنقسم إلى مجموعتين: الأولى: تتكون من النصارى الذين وجدوا أنفسهم في الخارج مرسلين للعمل من قبل شركات عالمية ووكالات حكومية أو مؤسسات خاصة أو معاهد تعليمية من غير أن يكونوا- بالضرورة- قد سعوا للذهاب إلى الخارج بهدف التنصير. الثانية: أعداد قليلة من أصحاب الخيام الذين يذهبون إلى

стр. 59

مناطق مختلفة من العالم الإسلامي تحت مسميات مهنية لإنجاز مهمة تنصيرية. وترى المؤسسات التنصيرية ضرورة التنسيق والتعاون بين أصحاب الخيام وبين وكالات التنصير؛ ليكون عملهم فعالا كما هو الحال في المدرسين العاملين في المدارس الحكومية في إندونيسيا تحت وصاية رابطة التنصير لما وراء البحار، وفي نيجريا تحت توجيه إرسالية السودان الداخلية (١) . وتشكل هذه الفئة- أصحاب الخيام- خطورة بالغة على الأمة الإسلامية لما يلي: ١ - أنهم يدخلون مناطق مغلقة في وجوه العمل التنصيري المباشر ويقومون بنفس المهام التي يقوم بها المنصر، تقول ميلدرد كابل التي عملت عدة سنوات في وسط المسلمين: (إذا نظرنا حولنا فإننا سوف نجد أنه حتى ولو كان الباب الأمامي مغلقا فإن بابا خلفيا قد يكون مفتوحا، كل ما نحتاجه إنارة جديدة لروح الحكمة لنرى أين توجد الثغرة وكيف نغتنمها) (٢) . ٢ - الغفلة عن أدوارهم المشبوهة التي يقومون بها بين المسلمين تحت مظلة رسمية لا تتوافر للمنصرين المباشرين ولذا يقول

стр. 60

ج. كريستي ويلسون: (ولهذا فعندما سمح لأصحاب الخيام هؤلاء بدخول الباكستان كان يشار إليهم على أنهم أطباء وممرضين وعمال نصارى، وليس على أنهم منصرون، وحيث إن معظم. المسؤولين في الدول الإسلامية لا يعرفون الفرق بين النصراني والمنصر، فإن هؤلاء الذين يحملون المؤهلات لمناصب في هذه البلاد تم الترحيب بهم) (١) [الحوار] الحوار وسيلة استغلها المنصرون لتحقيق آمالهم وما تصبو إليه أنفسهم من زعزعة عقائد المسلمين، وصرفهم عن دينهم، وإثارة الشكوك وبعث الشبه من خلال اجتماعات سبق الإعداد والترتيب لها بين نفر من المنصرين من ذوي الخبرة في هذا الباب، وبين نفر من المسلمين أو من المنتسبين إلى الإسلام- غايتها مناقشات علنية لا تمت بظاهرها إلى التبشير، وإن كانت تهدف في الحقيقة إلى زعزعة العقائد، من خلال النقاش وعرض الأقوال والردود ثم النفوذ من خلال الأخطاء والجمل المتشابهة إلى التأثير على ذوي النفوس الضعيفة (٢)

стр. 61

وقد لجأت إلى الحوار الهيئات التنصيرية منذ عام ١٩٦٠م، وأصدر مجلس الكنائس العالمي مطبوعات كثيرة توثق هذا الحوار (١) . وتتضمن شرحا لمعنى الحوار وأهدافه وغاياته التي يطمح أن يصل إليها المنصرون، ومن أبرزها وأهمها ما ورد في الكتاب الموسوم بـ " توجيهات من أجل حوار بين المسيحيين والمسلمين " الصادر عن الفاتيكان عام ١٩٦٩م، ومما جاء فيه: - هناك موقفان لا بد منهما أثناء الحوار: أن نكون صرحاء، وأن نؤكد مسيحيتنا وفقا لمطلب الكنيسة. - أخطر ما يمكن أن يوقف الحوار: أن يكتشف من نحاوره نيتنا في تنصيره، وإذا ما قد تم استبعاد هذا الموقف بين الكاثوليكي وغير الكاثوليكي، فإنه لم يستبعد بعد بين المسيحي والمسلم، وإذا ما تشكك من نحاوره في هذه النية علينا بوقف الحوار فورا، وهذا التوقف المؤقت لا يعفينا من تأكيد مواقفنا بوضوح. - سيفقد الحوار كل معناه إذا قام المسيحي بإخفاء أو بتقليل قيمة معتقداته التي تختلف مع القرآن. - يجب تفادي الدخول في مناقشات حول ما يرد في القرآن بشأن المسيح والمسيحية، ولنترك المسلم يتساءل عنها كيف ما شاء وعلينا أن نتذكر أن قبولنا لسر المسيح يمثل سر إيماننا.

стр. 62

- على جميع المسيحيين المهتمين بالحوار تفادي الحديث عن محمد بأي استخفاف وألا يبدو عليهم أبدا ازدراء ذلك الحماس الذي يحيطه به الإسلام وعدم إنكار دوره الديني كمبشر وشجاع للتوحيد الذي نشره المسلمون فيما بعد. - من أهم عقبات الحوار ما قمنا به في الماضي ضد الإسلام والمسلمين وهذه المرارات عادت للصحوة حاليا، وقد أضيفت الآن قضية إسرائيل وموقف العرب منها، ونحن كمسيحيين نعرف ما هي مسئوليتنا حيال هذه القضية وعلينا أن نبحث دائما عن توجه إنساني خاصة أن حل هذه المشكلة ليس في أيدينا. - لا يكفي أن نتقرب من المسلمين، بل يجب أن نصل إلى درجة احترام الإسلام (١) على أنه يمثل قيمة إنسانية عالية وتقدما في التطور الديني بالنسبة للوثنية. - مراعاة سوء فهم المسلم للعقيدة المسيحية، لأن العبارات الواردة في القرآن عن المسيحية تشوهها، فهم ينفون التثليث وتجسد الله في المسيح، وأي حوار في هذا المجال سيواجه بالفشل ما لم يغير المسلم من موقفه.

стр. 63

- في أي حوار يجب على المسيحي أن يقنع المسلم بأن المسيحية قائمة على التوحيد وألا يناقش أية تفاصيل، فأي كلام سيقوله المسيحي تبريرا للعقيدة لن يمكنه أن يقنع به المسلم الذي لا يرى في الثالوث إلا المساس بالتوحيد ويستند في ذلك إلى سورة التوحيد. - ضرورة القيام بفصل المسيحية في حد ذاتها عن العالم الغربي ومواقفه المادية ومواقفه الاستعمارية فالمسلم لم ينس ذلك بعد. - على من يقوم بالحوار من المسيحيين فصل ما هو دنيوي عما هو ديني في المواقف السابقة للكنيسة والغرب من الإسلام والبحث عن نقاط مشتركة. - ما زال المسلم يشك إلى الآن في نوايا المسيحي، وهي أصعب نقطة في الحوار، لذلك لا يجب على المسيحي أن يعرب عن عدم اكتراثه بذلك فحسب، وإنما عليه أن يستمع إلى نقاط الاعتراض مع تمسكه في قرارة نفسه بكل عقائده الكنسية. - يجب الاعتماد على الغرس الثقافي ولا يجب إغفال الدور الذي يقوم به الغرب في العالم الثالث من تغيير حضاري. - لقد سبق لمثل هذا الحوار بين العرب المسيحيين والمسلمين أن بدأ في الماضي، في دمشق (القرن الثامن) وقرطبة (القرن الثاني عشر) وأقرب منا في الشرق الأوسط (القرن التاسع عشر) وهو مازال

стр. 64

يتواصل ونأمل أن يزداد في كل مكان تتواجد فيه المسيحية والإسلام ولن نكف أبدا عن تأكيد أهمية الحوار الثقافي. - إن الحوار بالنسبة لكنيسة هو عبارة عن أداة، وبالتحديد، عبارة عن طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم (١) كما اشتمل بحث " الدعوة إلى التجدد الروحي " على دروس من الماضي وتوقعات المستقبل وكان من بينها: ٣ - يجب استبدال تشويه سمعة الإسلام بالتعايش والحوار دون إضعاف التنصير على الرغم من زيف الإسلام وعجزه. ٤ - يجب الاهتمام بدراسة اللاهوت الإسلامي، كما يجب بذل الجهود لتدعيم الأرضية المشتركة، بالإضافة إلى الإشارة الملائمة والمناسبة إلى المسيح (٢) والنصارى يؤملون من وراء هذه الحوارات والمناقشات أن يتم اعتراف المسلمين بصحة دينهم، وأنهم على شيء من الحق، وأن هناك نقاطا ومسائل مشتركة بينهم يمكن استثمارها للاتفاق بين الطرفين.

стр. 65

وهذا من أهداف جمعيات الحوار وهو ما أشار إليه بعض الباحثين بقوله: (وجوهرها وهدفها في الحقيقة هو أن يكسب اليهود والنصارى في هذا العصر اعترافا من المسلمين بصحة دينهم، وهذا له دور كبير في صد النصارى واليهود عن الدخول في الإسلام، وذلك لأن كثيرا من النصارى وبعض اليهود متعطشون إلى دين شامل كامل كالإسلام، وقد سئموا مما يسمى عندهم بالمسيحية أو اليهودية التي هي من صنع الأحبار والرهبان وليست الدين الصحيح الذي أنزله الله على موسى وعيسى ﵉، فإذا سمع هؤلاء تلك الشنشنة- التي تصدر من أشخاص يطلق عليهم ألقاب علمية ودينية كبيرة- المتضمنة لاعترافهم بالدين النصراني والدين اليهودي المحرفين، وسمعوا حرص أولئك العلماء الأكابر إلى مد أيديهم إلى دين النصارى واليهود والبحث عن مزاملته بأي ثمن ومحاولة تقريبه من الإسلام خاب ظنهم وقالوا لماذا ننتقل إلى الإسلام وهو كديننا الذي نشعر فيه بالتعاسة، بل إن ديننا أفضل منه بدلالة حرص أصحابه على تقريبنا إليهم ليكسبوا بذلك عزا وشرفا) (١) . ذكر كل من د. مصطفى خالدي ود. عمر فروخ غاية هذا الحوار في العصر الحاضر حيث قالا: والحوار بين المبشرين وبين أتباع

стр. 66

الأديان غير المسيحيين أمر قديم، فإن عددا كبيرا من المؤسسات الغربية كالمدارس والنوادي وجمعيات الشبان والشابات وسائل لحوار مستتر كثيرا أو قليلا- وغاية هذا الحوار زعزعة العقائد على ألسنة أشخاص معروفين في قومهم. والحوار كالمعاهدات يظفر بالغنائم فيها من كان أقوى يدا وأرفع صوتا. ومما يؤسف له أن نفرا قد حملهم تيار هذا الحوار إلى حيث لا يريدون. وعلى كل فإن النتائج العملية لذلك الحوار لم تكن بعيدة الأثر في تحقيق الهدف الذي نصب لها، ذلك لأن المخلصين أدركوا أن هذا الحوار هو وسيلة جديدة من وسائل التبشير الديني والسياسي معا. ثم إن كثيرا من المخلصين كانوا يتتبعون الحركات العامة في العالم فعلموا بأهداف هذا الحوار. أما الذين ليس لهم تتبع لما يجري في العالم فقد ظنوا أن هذا الحوار فرصة لتبيين آرائهم، وكانوا في ذلك مخطئين) (١) . وقد خفي على هؤلاء المتحمسين هذا الباب من المسلمين أن كل المسائل التي يزعمون أنه يمكنهم الالتقاء فيها مع النصارى لا وجود لها بل لا حقيقة لها في واقع الأمة النصرانية؛ ذلك لأن الإله الذي يدين له النصارى بالإيمان يختلف عن الله الذي يعبده المسلمون،

стр. 67

بل الإله في النصرانية جزء من الوثنية النصرانية المثلثة، والمسيح الذي يؤلهه النصارى يختلف عن المسيح الذي يؤمن بنبوته المسلمون؛ إذ مسيح الهدى غير مسيح الضلال، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] (١) . وكذلك الإنجيل الذي تنزل على المسيح ﵇ ويؤمن به المسلمون يختلف عن هذه الأساطير التي يتداولوها النصارى ويؤمنون بها. وهذا الحوار الذي دلف من خلاله المنصرون إلى ساحات الأمة الإسلامية (٢) يشككون تارة ويتمسكنون تارة، ويهاجمون تارة ويسالمون أخرى. . نراهم يعيدون النظر في جدوى هذه الوسيلة ومدى تحقيقها للغايات التي قدرت لها، ففي المؤتمر التنصيري المنعقد في كلورادو عام ١٩٧٨ م قدم دانيل آر بروستر بحثا بعنوان: " الحوار بين النصارى والمسلمين وصلته الوثيقة بالتنصير" وبين فيه تاريخ الحوار ومستوياته والأدوار المتغيرة للحوار في كل فترة، كما قدم فيه

стр. 68

قلق المنصرين من أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإسلام المحاورين من النصارى حيث قال: (والأمر الذي يقلق المنصرين- كما أقلقتهم الموضوعات السابقة- وربما كان أكثر الأمور التي تبعث على القلق- هو مفهوم المحاورة الذي أتقنه مجلس الكنائس العالمي والذي يقول: إن المحاورة التي تتم بأمانة وصراحة وبدون عداوة أو حلول مسبقة، قد تقود إلى كسب النصراني إلى جانب المسلم) (١) . ورغم هذه المراوحة من جانب النصارى تجاه هذا الأمر، إلا أن الكثير من الباحثين المسلمين فرحوا بهذا الأمر، وتهافتوا عليه، وظنوه بابا من أبواب الدعوة إلى الإسلام- فهلا كان هذا قبل أن يدعو إليه النصارى- ولأن نكون أئمة هدى خيرا من أن نكون تابعين للنصارى في طروحاتهم فنحقق لهم ما يريدون دون أن نشعر. وهذا الأمر- على أهميته البالغة- لم يأخذ حقه من الدراسة والتمحيص والتحقيق، وإيضاح الحكم الشرعي فيه- حسب علمي- وإن كانت أفردت لذلك دراسات لكنها وقعت في خطأ- فيما أعتقد- حيث نزلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وسير السلف والعلماء المتعلقة بمجادلة أهل الكتاب على الحوار الذي دعا إليه مجلس الكنائس العالمي لغرض معين وهو تنصير المسلمين، وإن لم يتحقق ذلك، فليتحقق ما دون ذلك وهو أن يظفروا باعتراف، أو يخرجوا من

стр. 69

هذا الحوار أو ذاك بتوصيات ونتائج تكون حجة لمشكك، ودليلا لمنصر، ومستندا لضغط سياسي كما وقع في مؤتمر لبنان المنعقد عام ١٩٧٢م بتحريض من أمانة سر الفاتيكان الذي حضره خمسة وعشرون منصرا وعشرون مسلما من عشرين دولة، وكان موضوعه " من أجل التفاهم والتعامل الإنساني " وناقش الموضوعات التالية: (١) الأديان والأمم. (٢) عبادة وصلاة. (٣) العلاقات النصرانية الإسلامية. (٤) العلاقات الإسلامية النصرانية. (٥) الوحي الحقيقة والخضوع. وخرج بنتيجة: أن على الإنسان أن يعيش مع أخيه الإنسان وحتى في نفس العائلات بإيمان قوي بالله ولو اختلف التعبير اللاهوتي، وتضاربت الآراء في العقائد. وانتهى إلى التوصيات التالية: - ١ - شهادة صريحة بتجنب الخوف والشك. ٢ - الاحترام المتبادل. ٣ - رفض جميع المقارنات بين ما في الديانتين من ركائز قوية هنا ومسائل ضعف في الجانب الآخر. وكما وقع في الحوار الذي أعقب زيارة السادات إلى الفاتيكان ومقابلته للبابا وتباحثا حول موضوع السلام في الشرق، ورأيا أن

стр. 70

الحوار ممكن أن يساعد على مشروع السلام. . . فدعا الأزهر أمانة سر الفاتيكان إلى حوار بينهما وكانت موضوعاته: (١) الإيمان بالرسل دون تفرقة (٢) السلام من الإسلام (٣) التعامل والتعاون وانعدام التعصب في الإسلام (٤) الجديد في حوار الكنيسة مع الإسلام (١) . وفي ختام هذه الفقرة أقول: إن أي جدل ديني مع النصارى ينبغي أن يكون منطلقا من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢) ووفق سنة رسول الله ﷺ ، وعلى ضوء جدال السلف الصالح لأهل الكتاب. [إيقاظ اللغات واللهجات المحلية] إيقاظ اللغات واللهجات المحلية لما كانت اللغة العربية وعاء للقرآن الكريم وسنة سيد المرسلين ﷺ ، وحاوية لعلم علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من بخارى إلى قرطبة، وكان شيوعها في العالم الإسلامي سبيلا ميسرا ليتلقى المسلمون الإسلام غضا طريا من مصادره الأولى. . لهذا ولغيره

стр. 71

جهد أعداء الله في إحياء اللغات القومية وفصل الشعوب الإسلامية عن اللغة العربية لغة القرآن فكانت المهمة الأولى لكل مستعمر غاشم، ولكل طاغية ظالم استبدال اللغة العربية بغيرها، واستبدال الحرف العربي بغيره كما في أفريقيا والجمهوريات الإسلامية وتركيا وغيرها. ولا تزال هذه الحلقات متواصلة ولا تزال الشعوب الإسلامية ولله الحمد تعود أدراجها إلى دينها ولغتها. وقد تضمن مؤتمر التنصير المنعقد في كلورادو بحثا بعنوان: " الوضع الراهن لترجمات الإنجيل إلى لغات المسلمين " وجاء فيه: (ونظرا لتعدد اللهجات في اللغة العربية يجري العمل على ترجمة الأناجيل الأربعة إلى اللهجة العربية اللبنانية، وقد نشرت الكتب المقدسة أيضا باللغات الجزائرية والتشادية والمصرية والفلسطينية والسودانية إلا أن تلك الترجمات لم تجد قبولا يذكر، وعلى الرغم من أن هناك دائما اهتماما ثقافيا أو قوميا باللهجات المحلية إلا أن سيطرة اللغة الفصحى لم تتأثر بأية محاولة في هذا الصدد) (١) [تطبيق المقاييس العلمية] تطبيق المقاييس العلمية إن الدعوة إلى النصرانية دعوة تعتمد على الوسائل البشرية، لأنها تفتقر إلى التأييد الإلهي، وتبذل المساعي، وتنفق الأموال، وتجدد

стр. 72

في الأساليب والوسائل، وتخضع كل ما تعلمه علماؤها في معاهدهم التطبيقية لخدمة هذا الدين الوضعي (١) . ومن ذلك استخدام المقاييس العلمية والتجارب المعملية في ميدان الدعوة إلى النصرانية، فقد قدم بحث إلى مؤتمر كلورادو التنصيري المنعقد عام ١٩٧٨م قارن فيه المنصر بين تجربة الأرض المزروعة وكيفية اختبار التربة وتهيئتها ومتابعة الزرع حتى الحصاد وبين طريقة المنصر في بث دعوته وتعهدها ومتابعتها (٢) . كما قدم في هذا المؤتمر بحث بعنوان تطبيق: " مقياس إينكل " في عملية تنصير المسلمين (٣) . وبعد هذا العرض الموجز لأهداف النصارى ووسائلهم في نشر دينهم وترويج باطلهم نتذكر قول الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ - فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١] (٤) ونحن على يقين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] (٥) وأن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] (٦) .

стр. 73

وندرك أن غايتهم وهي إطفاء نور الله والصد عن سبيله لن تتحقق. وقد ظن أولياء الشيطان من النصارى أن القضاء على الإسلام وتنحيته عن وجه الأرض أمر ممكن. . وقد جهل هؤلاء أن الله تكفل بحفظ هذا الدين، ولم يكل ذلك إلى البشر، وقد كتب البقاء والنصر لهذا الدين إلى قيام الساعة، وأن شمس الإسلام وإن غربت عن قطر أو قارة فإنها لا تغرب إلا لتشرق على قطر آخر أو قارة أخرى، وانظر كيف تواطأ الغرب النصراني على إزاحة المعسكر الشيوعي ليخرج من تحت أركانه الإسلام مرة أخرى في تلك المناطق، فإذا ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي أصبح الجمهوريات الإسلامية، وعرف العالم الإسلامي واتصل بمسلمي تلك الجمهوريات وبجمهوريات أوربا الشرقية.

стр. 74

[حسرات المنصرين] حسرات المنصرين يخبر المولى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه أن الكافرين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وأنهم سيغلبون ثم تكون نفقاتهم عليهم حسرة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] (١) قال ابن كثير ﵀: (أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع الحق فسيفعلون ذلك ثم تذهب أموالهم، ثم تكون عليهم حسرة أي ندامة؛ حيث لم تجد شيئا، لأنهم أرادوا إطفاء نور الله، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه ومعلي كلمته، ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوؤه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي) (٢) . وقول الله حق، وخبره صدق، آمنا به وصدقناه، ورأينا شواهده أمامنا، وأثناء قراءتي في وثائق المنصرين عن التنصير عثرت

стр. 75

على أقوال كثيرة لهم تبين حسراتهم على جهودهم التي ضاعت هباء، وعلى أموالهم التي ذهبت أدراج الرياح، وعلى أعمارهم التي انقضت في عمل لا ينتج، ودعوة لا تثمر إلا الحسرة في قلوب أربابها. . . فأحببت أن أجمع هذه الحسرات وأوثقها من مصادرها وأعرضها أمام القارئ المسلم؛ لتشفى صدور المؤمنين وليزداد الذين آمنوا إيمانا كما قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [المدثر: ٣١] (١) . وقد رأيت أن أجعل هذه الحسرات في عناوين جانبية وأن أدون تحت كل عنوان ما يناسبه من أقوالهم فإلى أولى هذه الحسرات: [الحسرة الأولى هوان النصرانية] الحسرة الأولى: هوان النصرانية ارتبطت النصرانية في ذهن المسلم بالكفر قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] (٢) وارتبطت النصرانية- أيضا- في وجدان المؤمن بالتطاول على الله تطاولا كادت السماوات أن تتفطر منه وأن تنشق الأرض وتخر الجبال هدا قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا - وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] (٣)
следующие страницы →