← История

История · id 30797

المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية

أبو البقاء الحلي

Полный текст (499 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم....... للأزدهاق، والأزدهاق فيما روي: هو بيرواسب، وهو الذي كان يقال له الضحّاك، وكان جبّاراً عاتياً ساحراً، وهو الذي إنه كان على كتفه لحمتاك زائدتان كالحيتين

стр. 2

تؤلمانه فلا تسكنان حتى يطليهما بمخ أبن آدم، وكان يقتل في كل يوم رجلين ويطليهما بمخهما، وهو الذي قتل جمَّ الشيّذ الملك، وملك بعده فيما روي الف سنة. ملوك الفرس عهد يوسف ﵇ وجمَّ الشيذ هو جم بن يونجان بن أنجهد بن أوشهنج بن واوك بن سامك بن مرشي بن جيومرت بن يافث بن نوح ﵇. وقيل إنه سمي جَمّ الشيذ لجماله، وإن الشيذ الشعاع، والضحاك منسوب إلى الفرس.

стр. 3

وبعض نزار فيما روي تقول هو الضحاك بن عدنان أخو معد بن عدنان، واليمن تدّعي وتزعم أنه قحطاني من ولد الهبوب بن الأزد، قال أبو نؤاس في أفتخاره: وكأن منا الضحاك تعبده ال ... جامل والوحش في مساربها والتقدير في درجات النسب لا يقتضي ما ذكرته نزار واليمن في ذلك، ولا يدل على صحته الا أننا ذكرناه على ما روي. ووثب أفريدون بن أثفيان بن جم الشيذ على الضحاك فقتله بجدّة، فأستراح أهل عصره منه، قال أبو تمام يمدح الأفشين ويذكر أيقاعه ببابك الخرمي:

стр. 4

أبن كان كالضحاك في سطوته ... بالعالمين وأنت أفريدون يوسف ﵇ وروي أن عزيز مصر الذي يوسف ﵇، لم يكن ملكاً برأسه. وأن ملك مصر وفرعون كان في ذلك الوقت الرّيان بن الوليد بن مروان بن راشية بن قاران بن عمرو بن عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇. وكان عزيز على خزائنه بمصر، فأسم العزيز فيهما روي قطفير وقيل أطفير بن روجيب، وكان فيهما روي لا يأتي النساء. وكان الذي باع يوسف ﵇ بمصر مالك بن ذعر فروي في نسبه وجهان، فقيل هو مالك بن ذعر بن تويب بن عقفان بن مديان ٠٠٠٠٠ ﵇. نسب آخرون فقالوا: هو مالك بن ذعر حجر بن جزيلة

стр. 5

بن لخم. وقيل إنه أشتراه ثم باعه في مصر، وقيل بل هو أحد السيّارة، وقيل هو: واردهم الذي أخرجهم من الجب، وإن يوسف ﵇ دعا له فولد له فولد له أربعة وعشرون ذكراً فسبحان العليم الخبير فالحقائق ذلك وغيره. فلما أشتراه أطفير أتى به منزله وقال لامرأته وأسمها راعيل " أكرمي سنواه عسى أن ينفعنا " ويكفينا ذا فهم الأمور ونتخذه ولدا فجرى له منها ما قصه الله تعالى في كتابه. وسجن، ثم إن الملك الريان أتهم حبازة إنه يريد أن يسمه، وأتهم صاحب شرابه أنه مالأه على ذلك فحبسهما. فقال أحدهما لصاحبه همّ فلنجرب هذا العبد العبراني، نسألاه من غير أن يكون رأيا شيئاً، فأجابهما بما قصه الله سبحانه، وقال الذي ضنّ إنه نوح منهما وهو الساقي " اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ". فمكث يوسف ﵇ في السجن بضع سنين، إلى أن رأى

стр. 6

الملك الرؤيا في البقر والسنابل، فجمع السحرة والكهنة والحزارة والقافة ليعبروا رؤياه فقالوا: أضغاث أحلام. فقال الناجي من الفتيين وهو الساقي، وقيل والله أعلم أنه كان أسمه نبووا، أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني، وقيل إن السجن لم يكن بالمدينة، فانطلق إلى يوسف ﵇ فاستفتاه فأخبره بالتأويل فرجع إلى الملك وأخبره فعلم أن الذي قاله يوسف ﵇ حق فقال: " ائتوني به " فلما أتاه الرسول يدعوه إلى الخروج، قال: " ارجع إلى ربّك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطّعن أيديهن "، فلما رجع إليه، جمع الملك النسوة فقال لهن وقلن له، وقالت أمرأة العزيز ما قصه الله تعالى في كتابه، فتبين للملك عذر يوسف ﵇ وأمانته، وثبت في نفسه صدقه وعلمه فقال: " ائتوني به أستخلصه لنفسي ". فلما جاءه وكلمه وقال له ما قال. قال له يوسف ﵇ " اجعلني على خزائن الأرض " وقيل كانت له خزائن كثيرة غير الطعام. فسلم سلطانه كله إليه وجعل القضاء

стр. 7

اليه، وقيل إنه أطفير وولاه عمله، فدل القرآن على إن يوسف ﵇ خوطب بالعزيز أيضاً، فانه لما أعتاق أخاه بسبب الصواع، قال له أخوته: يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً. وقالوا له لما رجعوا اليه " يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضٌّر ". ولعل كل من كان يلي ذلك العمل كان يخاطب بالعزيز والله سبحانه أعلم. وقيل إن أطفير هلك في يلك الليالي، فتزوج الملك يوسف ﵇ بامرأته راعيل. فروي إنها لما دخلت عليه قال لها اليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فيزعمون أنها قالت له: أيها الصديق! لا تلمني فإني كنت أمرأة حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكانت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي على ما رأيت. فيزعمون إنه وجدها عذراء فولدت له رجلين أفرايم ومنشّا. وجاء في رواية أخرى أن بعض الصالحين ﵈ سئل هل أعطى أحد من الصالحين مائة الف؟ فقال: نعم يوسف ﵇. فسئل كيف كان ذاك؟ فقال: أن أمرأة العزيز كبرت وأفتقرت، فقيل لها لو تعرضت ليوسف، فقد كان غلامك مرة، فوقفت له على طريق فسلمت عليه، فقال من أنت؟ فقالت: أنا تيكم فعرفها، فقال: مالك؟ فقالت: أقول لك ما قال لك أخوتك. فبعث اليها بمائة الف ولم يذكر في الحديث دينار ولا درهم فسبحان العالم بما كان وما يكون.

стр. 8

وروي أن الملك الريان أمن وأتبع يوسف ﵇. ومات في حياته وإن آسية المؤمنة من ولده. وقيل من آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الرّيان. ثم ملك بعد الرّيان قابوس بن مصعب بن نُمير البيلوسي بن قاران بن عَمرو بن عِمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇. وكان كافرا، فدعاه يوسف ﵇ الى الايمان فأبى، وتزوج آسية بنت مزاحم ﵂ وطال عمره ومات يوسف ﵇ في زمانه. موسى ﵇ فلما هلك قابوس ملك بعده أخوه الوليد بن مصعب. وخلف على ١٥ آسيا ﵂ وطال عمره وطغى وعتا وتجبر وهو العريق. فرعون موسى ﵇. روى إنه كان في مقدمته يوم تبع موسى صلى الله عليه، وبنى أسرائيل فأغرقه الله تعالى الف الف وستمائة الف سوى كان في المجنبتين والملقب، وأنه لما أشرف على البحر، فرآه طرقا يابسة، وبينها مياه كالأطواد قائمة هاب

стр. 9

النزول فيه، فسأل عن طيق في عبر البحر يلحق بني أسرائيل منها، فَدُلَّ على طريق فانصرف يريدها، وكان تحته حصان فيما روى والله سبحانه أعلم، فارسل الله سبحانه ملكناً على فرس أنثى فسارت أمام الحصان حتى أنتسى ريحها فطلبها في أبحر. فجمح الحصان بفرعون على أثر الفرس فنزل به فضن أصحابه إنه نزل طوعاً فنزل منهم من نزل وبعث الله سبحانه ثلاثين ملكاً على خيل يضربون وجوه الجنود، ويقولون الحقوا بالملك. فنزلوا حتى لم يبق منهم أحد الا في البحر، فأذاب الله سبحانه من البحر ما شاء حتى بلغ أرساغ خيلهم، فلم يزدهم ذلك الا جرأة فأذابه حتى بلغ وظف الخيل وركبها، فازدادوا جرأة، فأذابهحتى بلغ الركب فلم يكفوا وتموا على أمرهم فأذابه حتى بلغ السروج، فتذامروا فأذابه عليهم فأغرقهم، فقيل إن فرعون غاص ثم طفا، فاستغاث بالله ثم غاص ثم طفا، فاستغاث به سبحانه ثانية، ثم غاص ثم طفا فأخذ جبريل ﵇ حماة فسدَّ بها فاه، فأوحى الله سبحانه اليه لم فعلت؟ فقال: الهي وسيدي. إني ذكرت تجبره

стр. 10

وطغيانه وقوله أنا ربكم الأعلى، وأنا أعلم رأفتك ورحمتك فخفت أن يدعوك ثالثة فتجيبه، فأوحى الله سبحانه لو دعاني لأجبته كذا روي فسبحان من لا يقنط من رحمته ولا يوئس من عفوه ومغفرته ومن عنده علم حقائق ذلك وغيره. التسمية بالملك وروي أنه كان في عصر بني أسرائيل كل من ملك داراً وضيعة وخادماً وفرساً سمي ملكاً. وذكر بعض أصحاب السيرة، أن الحارث بن عمرو الملك الكندي هرب من أنوشروان، فأتيعه بالمنذر بن ماء السماء في تغلب وأياد وبَهراء وخلق كثير فأرسلت تغلب من بني آكل المرار ثمانية وأربعين رجلاً، كلهم يسمى بالملك، فضرب المنذر أعناقهم جميعاً بالحيرة ففيهم يقول أمرؤ القيس بن حجر: ألا يا عين جودي لي شنينا ... وبكي للملوك الذاهبينا ملوكاً من بني حُجر بن عمرو ... يُساقون العشيّة يُقتلونا

стр. 11

وما في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مَرّينا وبنو مَرّينا: أهل بيت من أهل الحيرة. وهذه أدلة واضحة على إن التسمية بالملك في سالف الزمان كانت مطلقة للناس يتسمون بها على تباين ما بينهم في الرتب، وتباعدهم في درجات الشرف، وكون بعضهم لبعضهم عمالا وخدماً وأتباعاً، كما تسمى في عصرنا هذا بالأمارة قوم بينهم في المنزلة تباين بعيد وفرق كبير. وقد قيل إن التسمية بالأمارة لم تكن في الاسلام، ومن المعلوم أن رسول الله " ﷺ " كان أذا بعث جيشاً لقتال الكفار، بعث عليهم أميراً. وقد دلّ كتاب الله تعالى على أن الملأ من بني أسرائيل " قالوا لنبي لهم أبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ". وليس وراء هذا دليل. ولم يكن يقال في الجاهلية الا ملك القوم وسيدهم ورئيسهم للعرب، فأما غيره من الأمم فكان يقال لمن هو في منزلة الأمير من الفرس المرزبان، وفوقه الملك، ولمن هو في منزلة الأمير من البطارقة البطريق، فان علت درجته قيل الدمستق، وفوقه الملك وكان يقال لعظيم ملوك الفرس كسرى، ولعظيم ملوك الروم قيصر، ولعظيم ملوك الترك خاقان وطرخان، ولملك الحبشة الذي تجتمع طاعاتهم له النجاشي،

стр. 12

ولكل ملك من ملوك الهند والصين وغيرهم أسم يعرف بلسان قومه كقلايون، وفارسب في الهند وجوعونة في الصين، وأرتبيل ونقفهور والمهراج في غيرهم من ملوك، ولا يعلم حقيقة معاني ذلك. وكذلك ملوك النبط واليونانية١٦ والنوبة وأجناس السودان وأعاظم العرب العاربة كانوا يسمونهم أسماء. وقد روي أن أول عربي سمي بالملك قحطان. وقيل إن كل جبار كان يملك مصر يسمى فرعون، وكل جبار كان بالشام وتهامة كان يسمى العمليق، والفراعنة والعمالقة وأعرب العاربة كلها وهي عاد وثمود وصحار ووبار وأميم وطسم وجديس وغيرهم من تلك الامم، يرجعون بأنسابهم إلى أرمو لاوذ أبني سام بن نوح ﵇. وروي أن أول من تسمى بالعمليق: معاوية بن بكر عمليق بن

стр. 13

لاوذ بن سام بن نوح وكان جبار بمكة، وهو صاحب القينتين المعروفتين بالجرادتين يضرب بهما المثل يقال: تغنت به الجرادتان. وعليه قدم وفد عاد، يستسقون وفيهم لقمان والله سبحانه أعلم. وقيل إن نمرود بن كنعان كان أسمه زرهي ونمرود كان يجري له في التسمية كما يجري لغيره من تلك الاسماء، ولعله وكل من كان يملك مملكته يسمون النماردة. كما تسمى من تقدم ذكره الأكاسرة والقياصرة والطرخنة والفراعنة والعمالقة، وكما تسمى عظماء ملوك اليمن تبع والتبابعة وإن كانت أسمائهم جميعاً الحقيقية غير هذه، وكانت هذه تقوم لهم مقام التسمية بالملك الا الأكاسرة ملوك الفرس فان التجبر حداهم على التسمية بملك الملوك. وذكر الطبري أن أول من تسمى منهم بذلك أردشير بن بابك، فانه لما قهر ملوك زمانه من ملوك الطوائف وغيرهم وجاءته كتب ملوك الامم من الترك والروم والهند والصين وغيرهم بالطاعة، تسمى بشاهنشاه وتسمى به ولده من بعده وكتبوا به عن أنفسهم، وكتب به اليهم لطول مدة ملكهم وسعة ممالكهم، وأنبساط أيديهم، وأذعان ملوك الأمم بالطاعة لهم

стр. 14

الى أن قتل آخرهم يَزدجرد بن شهريار أبعده الله تمَّ قتله في سنة أحدى وثلاثين من الهجرة، مقيماً على كفره. وروي إن مدة ملكهم كانت من عهد جُيوموت بن يافث بن نوح علية السلام، الى أن قتل يزدجرد هذا أربعة آلاف سنة، لم يتخللها الا زمان ملوك الطوائف، وكانت مدة ملكهم على ما تقدم ذكره، خمس مائة وأحدى عشرة سنة. فان صحت هذه الرواية فقد ملكوا ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة أو نحوها والله سبحانه أعلم. فما روي في سعة ملكهم، أن أنوشروان قدم عليه في يوم واحد نيف وعشرون ملكاً من الملوك الصغار طائعين له، وجاءه رسل الملوك الكبار، قيصر ملك الروم، وفارسب ملك الهند، وخاقان الكبير ملك الترك، وصاحب سرنديب، وصاحب قلايون الهند بالطاعة أيضاً، ومعهم الحمول والهدايا، وصالحه كبير ملك الهند على تسع ما يخرجه غواصوه من الدر، وعشرة ومائتي الف ساجة وإن ينقل اليه كتاب كلية ودمنه

стр. 15

والشطرنج والخضاب الاسود. ودانت له بلاد دَقلة وقشمير، وكل من بينه وبين المشرق والمغرب ومهب الشمال والجنوب ووضع بيوت النيران بالقسطنطينية، وغزا الهياطلة طالباً ثأر جده فيروز. فقتل ملكهم أشيوان وسائر أهل بيته، وصار له ما وراء النهر، وأنزل فرغانه جيوشه، وبنى الباب والابواب وعدة من المدن، ووضع على العراق الوضائع، فألزم كل جريب من الحنطة والشعير درهماً، وكل جريب من الأرز نصف درهم وثلث درهم، وكل جريب من الكرم ثمانية دراهم، وكل جريب من الرطب سبعة دراهم، وكل أربعة نخلات فارسيات درهماً، وكل ست دقلات درهماً، وكل ثمانية أصول من الزيتون درهماً، ويتنوع ما سوى ذلك. وكان لكل ملك من كبار ملوك الأمم كقيصر وخاقان وملك الهند وملك الصين، ومن مجراهم كرسي موضوع باسم ذلك الملك في موضع معروف من مجلسه على قدر رتبة ذلك الملك، ١٧ وفرس مسرج واقف ببابه ما دام راضياً عنه، فان نقم عليه كانت علامة نقمته أن يأمر برفع الكرسي من المجلس، ومنع الفرس أن يقف بالباب، فاذا بلغ ذلك

стр. 16

الملك رفع كرسيه من المجلس، ومنع فرسه من الوقوف بالباب، حمل الحمول وأذعن بما يراد منه حتى يرضى عنه. فاذا رضي عنه، كانت علامة الرضا. أن يأمر باعادة الكرسي والفرس الى حيث كانا. فحداهم ما فتنوا به من الدنيا على التسمي بهذا الاسم. وقيل إن عمالهم من الملوك الصغار، كآل نصر وغيرهم كان أحدهم أذا ذكر عند أحدهم قيل له عبدك فلان، وأذا دخل عليه سجد، وأذا خرج من عنده مشى القهقري الى أن يغيب عن عينيه. وكان فيمن بعد عنهم ونأى عن أبوابهم من عمالهم ومرازبتهم من العجم، من يسمى ملكاً أيضاً، فممن سمي بذلك باذان عاملهم على اليمن، ويقال - بالنون والميم - وإنما كان مرزباناً من مرازبتهم. * رسالة الرسول (الى كسرى روى أبن أسحاق أن رسول الله (وآله، كتب الى الملوك. وأخرج رساله اليهم فكان رسوله الى كسرى عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وكان كتابه اليه: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي، الى كسرى عظيم فارس، سلام على من أتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا اله لا الله وحده لا شريك له، وإن محمداً عبده ورسوله، فأدعوك بداعية الله، فإني أنا رسول الله الى

стр. 17

الناس كافة، لأنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين، فاسلم تسلم، فان أبيت فان أثم المجوس عليك ". فلما قرأ كسرى كتاب رسول الله (غضب وقال: يكتب الّي هذا الكتاب. وروي إنه شق الكتاب. فروى أبن أسحق قال: بلغني إن رسول الله (لما بلغه إنه شق كتابه قال: مزّق ملكه. وفي رواية إن كسرى شق الكتاب وإن قيصر كتب جواب ما كتب به اليه فقال رسول الله (" سيكون لهؤلاء بقية " يعني: قيصر وقومه، " ولا يكون لهؤلاء بقية " يعني كسرى وقومه فالله سبحانه أعلم. ثم كتب كسرى الى باذان. وهو على اليمن، أن أبعث الى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فليأتياني به. فبعث باذان قهرمانه وهو أبانويه وكان كاتباً حاسباً بكتاب فارس، وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخسرو، وكتب معهما الى رسول الله (يأمره إن ينصرف معهما الى كسرى، وقال

стр. 18

لأبانويه: أنظر ما الرجل! وكلمه وأئتني بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالا من قريش بنخب من أرص الطائف، فسألاهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة، وأستبشروا وفرحوا بهما وقال بعضهم: لبعض أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل. فخرجا حتى قدما المدينة على رسول الله (، فكلمه أبانوية وقال له: إن شاهنشاه ملك ملوك كسرى، كتب الى الملك باذان يأمره أن يبعث اليك من يأتية بك وقد بعثني اليك لتنطلق معي، فان فعلت كتب معك الى ملك ملوك بكتاب ينفعك ويكف به عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت! هو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك، ودخلا على رسول الله (وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر اليهما وقال: ويلكما من أمركما بهذا. فقلا: أمرنا به، ربنا،

стр. 19

يعنان كسرى فقال رسول الله (: " لكن ربي أمرني باعفاء لحيتي وقص شاربي " ثم قال لهما تأتياني غدا، وأتى رسول الله (الخبر من السماء، إن الله سبحانه قد سلّط على كسرى شيرويه فقتله في شهر كذا، من ليلة كذا ولم يسلم أبن أسحق الليلة ولا الشهر. وجاء برواية أخرى: أن قتل شيرويه لأبيه أبرويز كان لسبع ساعات مضت من ليلة الثلاثاء العاشر من جمادي الاخرة سنة سبع من الهجرة. وقال أبن أسحق: فلما أتيا الرسول (من الغد قال لهما: إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا من شهر كذا وكذا لعدة ما مضى من ساعات اليل، سلّط عليه أبن شيرويه فقتله، فقلا: هل تدري ما تقول؟ أنا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا!

стр. 20

أفنكتب بهذا عنك، ونخبر الملك؟، قال نعم أخبراه ١٨ بذلك عني، وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ مللك كسرى وينتهي الى منتهى الخف والحافر، وقولا له: أنك أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء. ثم أعطي خرخسرو منطقة فيها ذهب وفضة، كان أهداها بعض الملوك اليه. فخرجا من عنده حتى قدما الى باذان فاخبراه الخبر فقال والله ما هذا بكلام ملك، وأني لأرى الرجل نبيا كما يقول ولننظرن ما قد قال فلئن كان حقا فسنرى رأينا. وروي إن أبانويه قال لباذان ما كلمت رجلا قط أهيب عندي منه فقال: هل معه شُرَط؟ قال لا، فلم يلبث باذان أن جاءه كتاب شيرويه أما بعد: " فاني قد قتلت كسرى ولم الا غضبا لفارس أستحل من قتل أشرافهم، وتحقيرهم في بعوثهم، فاذا جاءك كتابي هذا، فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وأنظر الى الرجل الذي كان كتب اليك كسرى فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري ". فلما أنتهى كتاب شيرويه الى باذان قال: إن هذا الرجل لرسول، فأسلم وأسلم معه من كان باليمن من الأبناء من فارس. وكانت حمير تقول لخرخسرو ذو المعجز للمنطق التي أعطاه رسول الله (، والمنطقة بلسان حمير المعجرة، فبنوه باليمن يعرفون ببني ذي المعجرة. وقد تقدم ذكر العذر عن طول هذا الحديث وأمثاله، والغرض الاستشهاد به على إن في عمالهم من

стр. 21

العجم أيضاً من كان تسمى بالملك. وكسرى نفسه تسمى ملك الملوك وشاهنشاه، قال: وكسرى شهنهاه الذي سار ملكه له ما أشتهى " راع عثق وديسق ". فهذه الأحاديث وأمثالها دالة على أن التسمية بالملك في العصر الخالي كانت كالتسمية بالامير في عصرنا هذا، لا في صدر الاسلام فان التسمية بالأمير في صدر الاسلام أيضاً لم يكن يسمى بها الا من كان أميراً على الحقيقة، لا على التأدب وعادة التملق والتقرب، ثم صار ولد الخلفاء من بني أمية وأخوانهم وأقاربهم الأدنون يسمون بها، ثم شاعت في الناس وأطلقت فاستعملها الاشراف والاماثل وأهل بي وتاتهم. * سيف الدولة ملك الحلة حدثني الرئيس أبو نصر محمد بن علي بن جيّاء ﵀ عمن حدثه عن الأمير معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب، أنه أحصى عدة من أجتمع في عسكر ملك العرب سيف الدولة نصره الله في منزله بدار السيب في سنة أربع وتسعين وأربعمائة لما ترك قوام الدولة لدونقا التركي بغداد، ممن يخاطب

стр. 22

بالأمير الفاً ومائتين من أهل بيته آل مزيد، وعشيرته بني أسد وغيرهم فغدا الأمير المرويّ عنه هذا الحديث يومئذ في جملة، جنده وأحد من وقع عليه هذا الأسم، ودخل في هذه العدة هو وجماعة أهل بيته المسيبون وأمراء عشيرته العباديونو غيرهم من خفاجة وغيرهم من قبائل عقيل وكلاب ونمير وسائر قبائل معد واليمن، ومن الأكراد كآل ورام وآل موسك، والترك وغيرهم من الأعاجم ومن لعل ذكره أغفل يظلهم ذراه، ويغمرهم ندا، تضمهم أنديته وتخفق على رؤوسهم الويته، أذا رأوه غضوا الأبصار هيبة وإعضاما، إن نطق أرمّوأ، إجلالاً وأكراماً كما وصفت من هذه الحال في أبيات من قصيدة نظمتها في مدحه فقالت: يّرُمُّ أحفل حين يقول عنه ... وقد خَفقتْ لهيبتهِ القلوبُ كما زأر الهزبرُ فلاذَ منه ... ثعالبُ جُلَ صولتها الغضيبُ فليسوا بادئي قولٍ ولولا ... تَهلله لهابوا إن يُجيبوا يترادفون حوله رجاء فواضله، ويزدحمون على أستلام أنامله ويسارعون الى أمره ويقفون عند نهيه وزجر، لهم فيهم وعليهم حقيقة المل، أمجاز أو توسعاً وبسطة العز والانعام والبذل طبعاً لا تطبعاً. وكذلك لبس التاج كان أيضاً عادة لهم مستعملة في عصره، طلقة غير

стр. 23

محصور، هي متروكة في عصرنا هذ، ي النادر عند ولاية ملك عظيم الشأ، وحدث أمر جليل، وإن كان ذلك فلعلّه يكون مقدار ساعة أو نحو ذلك، بحسب مستمر العادة ومتروكه، إن للعادة سلطان١٩ تقهر به ما كان بخلافها كنا قال بعض الحكماء كادت العادة إن تكون طبعاً. وقال بعضهم: العدة طبع ثان لها على كل شيء سلطان. فلذلك لا يتتوج في عصرنا هذ، ن قد تتوج في الزمان الخال، وم من أتباعه وأجناده من هو أكبر منهم وأمثل، وكانت الأكاسرة يتوجون ومرازبتهم وغيرهم من وفود الناس، ويلبسونهم التيجان مع الحلل التي كانوا يكسونهم. هوذ الحنفي فما روي في مثل ذلك أن هوذة بن علي بن ثمامة بن عمر بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مرّة بن الدول، ال أبن دريد: هو الدول بالضم بن حنيفة أثال بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائ، كان ذا شرف ومكانة في قومه مر به رسل لكسرى بلطائم له فكتب لهم على سهم هوذة وجاء رسل

стр. 24

الملك فاخذوا ذلك السهم فجاوزا به في العرب. وسئل أبو عبيدة عن ذلك كيف كان؟ فقال: كانوا بين رجل قد أتخذ هوذة عنده يدا، ورجل آخر يرجوه أو رجل من عشيرت، ذكر الرسل ذلك لكسر، أستقدم هوذة وكان ذا جمال وعقل وفصاحة، فلما قدم عليه أعجبه شخصه وحادثه فاعجبه محاورته فقال له: كم لك من الولد؟ قال: عشرة، قال: أيهم أحب اليك؟ قال: أصغرهم حتى يكبر وغائبهم حتى يعود ومريضهم حتى يبرأ. فأحسن قوله، وقال له: ما قوتك في أرضك؟ قال: الخبز، قال: صدقت هذا عقل الخبز. وقيل إنه قال لجليائه بالفارسية هذا فضل الحنطة على غيره، م شرفه وكساه ووصله ووهب له قباء كان عليه مخوصاً بالذهب منظوماً باللؤلؤ وتوج، في مدح هوذة يقول الأعشى: من ير هوذة يسجد غير مُتئب ... اذا تعمم فوق التاج أو وضعاً وفيه يقول أيضاً من كلمة له أخرى بل عدا هذا في قريض غيره:

стр. 25

وأذكر فتى سهل الخليقة أروعاً ذا التاجِ هوذة أنه من يلقه ... يسجد وإنْ كان الأعزّ الأمنعا وأنما كان هوذة رجلاً من أشراف قومه لم يبلغ من الأمور ما يستحق لأجله أن يلبس تاجاً ولا يجوز له ذلك ولا لمثله لولا العادة. ثم في مسألة كسى له عن قوته في أرضه ما هو دليل على أنه شك في أمره هل يقدر على أكل الخبز أم يجتزئ بغيره ما يجتزئه الأعراب عند عدم الخبز من الأقوات كاللبن واللحم والتمر والنبات فلما أعلمه إن قوته الخبز صدقه وقال لجلسائه ما قا، من كان مشكوكاً في أمره هل يقدر على أكل الخبز أم لا؟ فليس للبس التاج باهلٍ وإنه عن ذلك لفي شغلٍ لولا عادة الوقت. فهذا مما روى إنه " ممن " تتوج ومدح بذل، أذا سمع بذكر تاجه وأنشد مديحه من لا يعلم حقيقة حاله وصورتها، ظنّ إن كان ملكاً، على إن بعض الرواة دفع ذلك وقال: أنما كانت خرزات له تَعمّم علها فمدح بذلك على مذهب الشعراء في التوسع في القول، وتجاوزهم الحد في المدح والصفات والهجاء والتشبيه وغير ذلك من كل معنى. قوس حاجب بن زرارة ويوم بئر معونه ووفد حاجب بن زارة بن عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن

стр. 26

مالك بن زيد مَناة بن تميم على كسر، قد قحطت مضر بما كان من دعوة رسول الله (عليهم حين تواترت أذيّتهم له وقتلوا المسلمين ﵃ ببئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم كلا البلدين منها قري، هي الى حرة بني سليم أقرب، لأن ملاعب الأسنة أبابراء عامر بن مالك الجعفري قدم على رسول الله (وروي إنه أهدى اليه فردّ عليه هديته وقال: " اتي لا أقبل هدية مشرك "، ودعاه الى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد. وقال: لو بعثت رجالاً من أصحابك الى أهل نجد يدعونهم الى أمرك رجوت إن يستجيبوا. فقال: " اني أخشى عليهم أهل نجد ". قال: فانا جار له، بعث معهم جماعة من أصحابه فيهم المنذر بن عمرو - المُعنق للموت - والحارث بن الصمّة وحزام بن ملحان أخو بني عدي بن النجّا، عروة بن أسماء بن الصّلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بك، ي أربعين رجلاً من خيار

стр. 27

المسلمين فاستنفر عليهم أبن أخيه عامر بن الطفيل قومه من بني عامر فابوا عليه وقالوا لا نخفر أبا٢٠ فاستنفر عليهم سليماً، وذكر لهم قتل بن أخيهم طُعيمة الأعرج بن عديّ بن نوفل بن عبد منا، هو أحد من قتل من مشركي قريش يوم بدر. فكانت أمه فاخته بنت عباس بن عامر السلمي ثم الرعلي أخت أنس بن عباس، فروى قوم إن علياً ﵇ قتله وسموه فيمن سمو من قتلى المشركين الذين قتلهم علي ﵇ يومئذ. وذكر الزبير بن بكار في بعض رواياته: إن علياً ﵇ سئل فقيل له يا أمير المؤمنين، هل فررت قط؟ قال: لا الا أنني رأيت طعيمة يوم بدر قد على كثيباً وقد سواه سعد بن خيثم، لم أته حتى قتل سعداً رضي الله عن، أني لمبارز أصمد له فلما رآني أصعد الكثيب اليه أنحط ال، كان رجلاً جسيم فخشيت إن يعلو علَي، فانحططت الي السهل فظن أني فررت، نادى باعلى صوته فرّ علي بن أبي طالب، فقلت: قريباً مفر أبن الشتراء، وهو مثل تضربه العرب، فلما

стр. 28

أستوت قدماي في الأرض وقفت له فانحدر علَي وأهويت له فسمعت قائلاً يقول من خلفي: طأطئ رأس، أطئ رأس، جعل، أسي في صدر طعيم، أذا برقة سيف فاخذت قحف رأسه فسقط ميتاً فالتفت فاذا عمي حمزة عله السلام. فنفرت مع عامر بن الطفيل من قبائل سُليم: رعلٌ وذكوان وعصيةً ومعهم القارة فقتلوهم ببئر معون، لا كعب بن زيد أخو بني دينار بن النجا، ترك وبه رم، قيل الا عشرة منهم. وأطلق عامر بن الطفيل عمرو بن أمية الضمر، جز ناصيت، أعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما زعم، لما دفنوا لم يوجد جسد عامر بن فُهيرة ﵀ فكانوا يرون إن الملائكة دفنته. وروي إن رسول الله (قال لعامر بن الطفيل لما قدم عليه: " من الرجل الذي رأيته لنا قتل رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه ثم وضع؟ " قال: هو عامر بن فهيرة. وروي إن قاتله هو سُلمى بن مالك الأحرم بن جعفر بن كلاب،

стр. 29

قال لما طعنه قال: فزت ورب الكعبة. وقال أنس بن عباس السُلمي خال طعيمة بن عدي وقتل يومئذ نافع بن بُدَيل بن ورقاء الخزاعي، وكان طعيمة يكنى أبا الريان. تركت أبن ورقاء الخزاعي ثاوياً ... بمعترك تسفي عليه الأعاصرُ ذكرت أبا الريان لما رأيته ... وأيقنت أنيَّ يوم ذلك ثائرُ وقال حسان بن ثابت الأنصاري، يغري ربيعة بن ملاعب الأسنة وأعمامه بعامر بن الطفيل: بني أمّ البنين الم يَرُعكمْ ... وأنتم من ذوائبِ أهلِ نجدِ تهكم عامرٍ بابي بُراءِ ... ليغفره وما خطأ كَعْمدِ الا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بَعْدي ابوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجدٌ حكم بن سَعْدِ وأم البنين التي ذكرها: هي أبنة عمرو فارس الضحيا العامر، حدى المنجبات . ولدت أبا براء عامراً ملاعب الأسنة هذا المذكور

стр. 30

وطفيلاً أبا عامر بن الطفيل، ومعاوية معود الحكام بن مالك بن جعفر بن كلاب. فلما قتلوا المسلمين دعا رسول الله (فقال فيما روي والله أعلم " الهم أشدد وطأتك على مضر وأبعث عليهم سنين كسني يوسف " وقنت عيهم أربعين يوم في كل صلاة يدعو عليهم فتوالى عليهم الجدب سبع سنين حتى هلكوا وأكلوا الوبر بالدم فسموه العلهز. ثم جاءته وفودهم فقالوا: يا محمد هلك قومك فأدع الله لهم، وروي والله سبحانه أعلم إن في ذلك الجدب نزلت: " يوم تأتي السماء بدخانٍ مُبين " فجمع حاجب قومه في تلك المجاعة فقال لهم: أني قد أزمعت إن أتي الملك يعني كسرى فاطلب اليه إن ياذن لقومنا إن يكونوا تحت هذا البحر يعني الريف حتى يحيوا. فروي إنه رحل الى كسرى فلما كان ببابه أستأذن عليه فقال٢١للآذن: قل له أمن سادت العرب أنت أم من أوساطها أم من أدونها؟، فقال للآذن: من أوساطها فقال أئذن له فهذا رجل عاقل. فلما دخل عليه أعاد كسرى عليه السؤال فقال من ساداتها أيها الملك فقال له: الم

стр. 31

تقل لآذننا أنك من أوساطها، قال: أسعدك الهك بلا قد قلت ذاك له وكنت حينئذ من أوساطها، فلما بلغت مجلس الملك ووطئت بساطه صرت من ساداتها. فاستحسن قوله فامر فحشي فمه دراً وشرفه وكساه وأوصله وتوّجه، وأجلسه على كرسي ثم سأله عن حاجته، فقال: أسعدك الله إن مضر قومي أجدبت أرضهم فسألوني إن أصير اليك، فأسألك إن تأذن لهم بدخول السواد فيعيشوا برفه شهورا وينصرفون، قال أنهم قوم يفسدون ويؤذون الرعايا، قال أنا كفيل عنهم بأن لا يفعلوا، قال: إنهم يعصونك، قال: أني لي فيهم شرفاً أنال به السماء وهذا قوسي رهن عندك على ذلك، فضحك منه وقال: أننا لا ندخل مثل هذه العصا خزائننا. وقال بعض من حضر بين يديه هذا رهن لا تبلغ قيمته خمس دراهم، يريد هذا الاعرابي إن يرهنه على ما سقت الفرات هزئا به. قال كسرى: خذوها منه فهو علقل وفيّ. وآذن لهم بدخول السواد فدخلوه شهور ثم قال لهم الحلجب: أنصرفوا من بلاد الرجل، فانصرفوا عنها وأفتخرت بنو دارم بذلك من فعل الحاجب فكان غيرهم يدفع ذلك ويزعم إن حاجباً أنما أتا مرزبانا من مرزابة كسرى. فجرى له ذلك معه، ولم يأتي كسرى نفسه. وفي الأفتخار بتاج حاجب يقول الفرزدق:

стр. 32

رأيت مهابةً ورأيت عزاً ... وتاج الملك يلتهب التهاباً الحارث الكندي وحاربت بكر بن وائل المنذر بن ماء السماء، فارسلوا الى الحارث بن عمرو بن حجر الكندي، فجاءوا به اليهم، وساروا معه الى المنذر، فهرب المنذر عن الحيرة ثم أرسل الى الحارث فصالحه وتزوج أبنته هنداً، فانصرف الحارث عن الحيرة وفارق بكر بن وائل فعقدوا لحارث بن عمرو المزدلف بن أبي ربيعة ذهل بن شيبان على أنفسهم وسموه الملك وتوجه وحيوه بتحية الملوك فكان حارث يعرف بذي التاج الى إن حاربهم المنذر فظفر بهم بأواره يوم الوصاف وأسر حارث فقتله وسيأتي حديث مقتله في موضوع من هذا الكتاب مستوفى. ودفع أكثر الرواة ذلك وقالوا: لم يتوج معدي قط أنما كانت التيجان في اليمن. ورووا إن الأكاسرة كانوا أذ ولوا ملكا من ال نصر بالحيرة توجوه بتاج قيمته عشرة الاف درهم. عبد الله بن أبي الخزرجي وروى أسحاق صاحب المغازي إن رسول الله

стр. 33

(كان من غزاة بني المصطلح من خزاعة، فازدحم الناس على الماء فاقتتل جهجاء بن سعد الغفاري، وكان أجيراً لعمر بن الخطاب وسنان بن زيد الأنصاري فنادى سنان: يا معشر الأنصار. ونادى جهجاة: يا معشر المهاجرين. قال وزيد بن الأرقم في نفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي الخزرجي فلما سمعها عبد الله قال: قد ثاورونا في بلادنا والله أنا وقريش كما قال القائل سمن كلبك يأكلك والله لأن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل. ثم أقبل إلى من عنده من قومه فقال: هذا ما صنعتم بانفسكم أحللتموه قاسمتموه أموالكم أما والله لو خففتم عنهم لتحولوا عنكم. فسمعها زيد بن الأرقم وهو غليم فأتى بها رسول الله (وعنده عمر بن الخطاب فقال: مرّ عباد بن بشر فليضرب عنقه. فقال رسول الله (: " كيف أذ تحدث الناس إن محمد يقتل أصحابه، ولكن ناد يا عمر بالرحيل "، وبلغ ذلك عبد الله بن أبيّ فاتى رسول الله (يحلف إنه ما قال. وكان عند قومه بمكان فقالوا: يا رسول الله عسى إن يكون هذا الغلام أوهم ولم يتثبت ما قاله الرجل. وراح رسول الله (مهجراً في ساعة كان لا يروح في مثلها فلقيه أسيد بن حضير

стр. 34

فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال: أما والله لقد رحلت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها. فقال (: " ما بلغك ما قاله صاحبك أبن أبي زعم إنه أذا قدم المدينة سيخرج الاعز منها الأذل " قال: فانت والله يا رسول الله العزيز وهو الذليل. ثم قال يا رسول الله أرفق به فوالله أقد جاء بك الله وإنا لننظم له الخرز لنتوجه به فأنه يرى أن قد سلبته ملكاً. عثمان بن الحويرث وأخبرنا محمد بن هبة الله بن جعفر إجازة عن محمد بن الحسن الجعفري عن علي بن الحسين بن محمد بن عمران بن موسى المزرباني عن أحمد بن سليم الطوسي عن الزبير بن بكار عن علي بن صالح عن عامر أبن صالح عن هشام أبن عروة عن الزبير أبن العوام عن أبيه عروة أبن الزبير: أن عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي رأى حاجة قريش الى بلاد قيصر ومتجرهم اليها فخرج الى قيصر فذكر له مكة ورغبه بها وقال يكون زيادة في ملكك كما ملك كسرى صنعاء فكتب له كتاب الى قريش بالملك. وفي بعض الروايات وختم الكتاب

стр. 35

بذهب وحمله على بغلة بسرج مذهب فأتى قريش فقال: يا قوم قد علمتم أمانكم ببلاد قيصر وما تصيبون بها من التجارة في كنفه وقد ملكني عليكم وإن أبن عمكم وأنما أخذ من أحدكم الجراب من القرط والعكة من السمن والاهاب فاجمع ذلك له وبعثه به اليه وأنا أخف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام فلا تتجروا فيه وينقطع مرفقكم منه. فخافوا قيصر وأخذ بقلوبهم ما ذكره من متجرهم فاجمعوا إن يعقدوا على رأسه التاج عشية وفارقوه على ذلك فصاح أبن عمه أبو زمعة الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى أبن قصي وقريش على أحفل ما كانت عليه من الطواف: يا عبد الله أملك بتهامة الا إن قريشاً لقاح لا تملك. فنحاشوا أنحياش حمر الوحش وأتسقوا على قوله وقالوا واللات والعزى لقد صدق ما كان ملك قط فانتقضت قريش عن ذلك ولحق عثمان بقيصر وكان بالشام قوم من قريش تجاراً فكلموا أبن جفنه ملك غسان وسألوه أفساد أمر عثمان عند قيصر فكتب الى ترجمان قيصر بان يغير كلام عثمان عند فلما دخل عليه جعل يكلمه فيقول للترجمان ما يقول فيقول هو مجنون يشتم الملك فاراد قتله ثم أمر فدفع الى رجل من أصحابه من نصارى العرب

стр. 36

فانشد الرجل: اتتنا قريش حافلين بجمعهم ... وكان لهم في أول الدهر ناصر فقال له عثمان أني أرى لسانك فصيحاً فممن أنت؟ قال: أنا رجل من بني أسد بن خزيمة وانا أكره إن يعرفوا نسبي فقال له عثمان: يا أبن عم ما الذي دهاني عنده قال: الترجمان قال: فكيف أحيله في إن تدخلني عليه وخلاك ذم قال: أفعل فاحتال له حتى رده الى قيصر في مجلس له مشرف ينظر الى الناس فاوقفه بحيث يراه فجعل عثمان يتكلم رافعاً صوته ويشير الى قيصر فقال قيصر: إنه له شأناً فاحضره عنده فتعلق بالترجمان وتشبث به فدعا قيصر ترجمان غيره وكلمه وأفهمه قصته فعاقب الاول وكتب لعثمان الى أبن جفنه بان يحبس له من أراد حبسه من تجار قريش بالشام فوجد أبا أحيحة سعيد بن العاص الاموي وأبا ذئب هشام بن شعبة العامري أحمد بن عامر بن لؤي بن غالب فحبسهما فطال حبسهما وتلحت قريش عليهما فقال أبو أحيحة الابي ذئب: قومي وقومك يا هشامُ قد أجمعوا ... تركي وتركك أخر الاعصار ومات أبو ذئب في الحبس وسم أبن جفنة عثمان بن الحويرث

стр. 37

فمات أيضاً بالشام فطلب بنو عامر بن لؤي بن أسد بن عبد العزى بدية أبي ذئب وقالوا: إن صاحبكم عثمان بن الحويرث كان السبب في حبس صاحبنا حتى هلك وكانت قريش تسمي عثمان بن الحويرث البطريق هذا السبب: والمقصود بايراد هذا الحديث والذي تقدمه ذكر ما همت به قريش من تتويج عثمان بن الحويرث بمكة والاوس والخزرج من تتويج عبد الله بن أبي بالمدينة. ابو أحيحة سعد بن العاص وأبو أحيحة هذا الذي حبسه أبن جفنه وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان من أشراف قريش. وقد روي في حبسه وجه غير هذا. قيل إنه ورد الشام في جماعة من قريش في تجارة وفيهم يوم أذ عمر بن الخطاب وكان زنباع بن روح الجذامي وهو أبو روح بن زنباعه بن روح صاحب عبد الملك بن مروان عاشراً لابن جفنة بالشام وكان يأخذون شيئاً ممن يكون مع التجار ٢٣ من الذهب فأن أخفوه عنهم ثم علموا به أخذوه مستهلكاً فعهد القريشيون الى ما كان معهم من الذهب فجمعوه والقموه ناقة من أبلهم الا أبا أحيحه فانه دفن ما كان معه وقعد في الموضع. وطلب زمباع بن روح العاشر في متاعهم ذهباُ فلم يجده فقال: ركب من قريش يأتون الشام تجاراً ليس

стр. 38

معهم ذهب! هذا ما لا يكون ثم نظر الى ناقة ملتوية من أبلهم فقال حقي في بطن هذه الناقة وأمر بنحرها فقالوا: أتنحر ناقتنا فقال: نعم فان لم أجد في بطنها شيئاً غرمتها لكم بناقة خير منها ونحرها وأخذ ما كان في بطنها وأحتفر الموضع الذي قعد فيه أبو أحيحه فأخذ ما وجد فيه وأخذ أبو أحيحة فحبسة فارسل الى قومه أن أفدوني فجمعوا مالاً ليفتدوه فقال أبو عمرو بن أمية أو أحد ولده أنكم زوجتم بهذا المال عدةً من فتيانكم بعدة من فتياتكم لاوشك أن تروا فيكم جماعة مثل أبي أحيحة فقبلوا رأيه وتركوه وإن نفراً من قريش قدموا الشام فارس اليهم أبو أحيحة ليقوموا في أمره ففعلوا وكلموا أبن جفنة في أمره وقالوا ما تريد الى هذا الشيخ وأفتدوه منه بقلائص كانت معهم وعرف أبو أحيحة ما كان من قول أبي عمر بن أمية فقال يعاتب قومه: أأطعتم لعبدَ أبن تز ... نا أذ يقول ذروا سعيداً فلامدحن الوافدين ... مديحة تنمي صعودا خبرتها فتخالها ... حسناً على قومي برودا وهي لبيات وانما قال أبن تزنى الان أمية أبن عبد شمس بن عبد

стр. 39

مناف كان قد شرف في قومه الى أن سام عمه هاشماً أن ينافره فابا عليه وقال كيف أنافرك وأنت بعض ولدي فلزمه وأكله بلسانه فنافره على أن للنفار على صاحبه شروطا منها: إن ياخذ منه مائة من الابل وينفيه مدة عشرة سنين عن الحرم. فتنافروا الى كاهن غساني كان بعسفان قرابة سطيح فنفره هاشم فأخذ المائة من الابل فنحرها وأطعمها الناس في مكة وقال الشاعر في ذلك: وبرَّزَ في فضله هاشم ... ففات الكرامَ أبو نضله يكبّ العشار الاذقانها ... ويطعم في السنة المَحْله فكان بالاردن فتزوج أمرأة بها يهودية أسمها تزان يقال أنها أم أبنه أبي عمرو. هذا في رواية وفي رواية أخرى إن أم أبي عمرو أمية أمام بنت حميرى بن الحارث بن جابر بن الاسود بن عمرو ذي الطوق الملك بن عدي بن النصر اللخميني والله سبحانه أعلم.

стр. 40

وروي إن حرب بن أمية أعجب بنفسه فسام عبد المطلب بن هاشم إن ينافره فابى عليه فوقع فيه فغاضة فنافره على خمسين من الابل تنحر للناس بمكة وعشر للحكم وتنافرا الى نفيل بن عبد العزى العدوي جد عمر بن الخطاب فنفره عبد المطلب فقال شاعر في حرب: يا حرب قد جاريت غير مغمّرٍ ... سبوقاً الى الغايات طلاع أنجد ومن قبل ما أردى أمية هاشم ... فاورده عمرو على شر موردِ وكان هاشم يسمى عمرو العلي وأوعد حرب نفيلاً وكاد إن يقع بين بني عبد شمس وبني عدي في ذلك شر. رجعنا الى الحديث وروي إن أمير المؤمنين عمر لقي زمباع الجذامي في أيام أمارته لمكة فوضع يده على كتفه وقال: اليس أبوك فعل بنا في الشام ما فعل. أما والله يا عدي نفسه لولا الاسلام فقال له والله يا أمير المؤمنين لولى الاسلام ما وضعت يدك مني بحيث وضعتها. وكان أبو أحيحة هذا الذي ذكرناه حديثه ُ يتعمم فسمته قريش ذا التاج. قال خالد بن زيد بن معاوية في أبنته أمامة بنت أبي أحيحة وكانت بارعة الجمال وكانت أمها من بنات عثمان:
следующие страницы →