← История

История · id 30797

المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية

أبو البقاء الحلي

Полный текст (499 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فانشد الرجل: اتتنا قريش حافلين بجمعهم ... وكان لهم في أول الدهر ناصر فقال له عثمان أني أرى لسانك فصيحاً فممن أنت؟ قال: أنا رجل من بني أسد بن خزيمة وانا أكره إن يعرفوا نسبي فقال له عثمان: يا أبن عم ما الذي دهاني عنده قال: الترجمان قال: فكيف أحيله في إن تدخلني عليه وخلاك ذم قال: أفعل فاحتال له حتى رده الى قيصر في مجلس له مشرف ينظر الى الناس فاوقفه بحيث يراه فجعل عثمان يتكلم رافعاً صوته ويشير الى قيصر فقال قيصر: إنه له شأناً فاحضره عنده فتعلق بالترجمان وتشبث به فدعا قيصر ترجمان غيره وكلمه وأفهمه قصته فعاقب الاول وكتب لعثمان الى أبن جفنه بان يحبس له من أراد حبسه من تجار قريش بالشام فوجد أبا أحيحة سعيد بن العاص الاموي وأبا ذئب هشام بن شعبة العامري أحمد بن عامر بن لؤي بن غالب فحبسهما فطال حبسهما وتلحت قريش عليهما فقال أبو أحيحة الابي ذئب: قومي وقومك يا هشامُ قد أجمعوا ... تركي وتركك أخر الاعصار ومات أبو ذئب في الحبس وسم أبن جفنة عثمان بن الحويرث

стр. 37

فمات أيضاً بالشام فطلب بنو عامر بن لؤي بن أسد بن عبد العزى بدية أبي ذئب وقالوا: إن صاحبكم عثمان بن الحويرث كان السبب في حبس صاحبنا حتى هلك وكانت قريش تسمي عثمان بن الحويرث البطريق هذا السبب: والمقصود بايراد هذا الحديث والذي تقدمه ذكر ما همت به قريش من تتويج عثمان بن الحويرث بمكة والاوس والخزرج من تتويج عبد الله بن أبي بالمدينة. ابو أحيحة سعد بن العاص وأبو أحيحة هذا الذي حبسه أبن جفنه وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان من أشراف قريش. وقد روي في حبسه وجه غير هذا. قيل إنه ورد الشام في جماعة من قريش في تجارة وفيهم يوم أذ عمر بن الخطاب وكان زنباع بن روح الجذامي وهو أبو روح بن زنباعه بن روح صاحب عبد الملك بن مروان عاشراً لابن جفنة بالشام وكان يأخذون شيئاً ممن يكون مع التجار ٢٣ من الذهب فأن أخفوه عنهم ثم علموا به أخذوه مستهلكاً فعهد القريشيون الى ما كان معهم من الذهب فجمعوه والقموه ناقة من أبلهم الا أبا أحيحه فانه دفن ما كان معه وقعد في الموضع. وطلب زمباع بن روح العاشر في متاعهم ذهباُ فلم يجده فقال: ركب من قريش يأتون الشام تجاراً ليس

стр. 38

معهم ذهب! هذا ما لا يكون ثم نظر الى ناقة ملتوية من أبلهم فقال حقي في بطن هذه الناقة وأمر بنحرها فقالوا: أتنحر ناقتنا فقال: نعم فان لم أجد في بطنها شيئاً غرمتها لكم بناقة خير منها ونحرها وأخذ ما كان في بطنها وأحتفر الموضع الذي قعد فيه أبو أحيحه فأخذ ما وجد فيه وأخذ أبو أحيحة فحبسة فارسل الى قومه أن أفدوني فجمعوا مالاً ليفتدوه فقال أبو عمرو بن أمية أو أحد ولده أنكم زوجتم بهذا المال عدةً من فتيانكم بعدة من فتياتكم لاوشك أن تروا فيكم جماعة مثل أبي أحيحة فقبلوا رأيه وتركوه وإن نفراً من قريش قدموا الشام فارس اليهم أبو أحيحة ليقوموا في أمره ففعلوا وكلموا أبن جفنة في أمره وقالوا ما تريد الى هذا الشيخ وأفتدوه منه بقلائص كانت معهم وعرف أبو أحيحة ما كان من قول أبي عمر بن أمية فقال يعاتب قومه: أأطعتم لعبدَ أبن تز ... نا أذ يقول ذروا سعيداً فلامدحن الوافدين ... مديحة تنمي صعودا خبرتها فتخالها ... حسناً على قومي برودا وهي لبيات وانما قال أبن تزنى الان أمية أبن عبد شمس بن عبد

стр. 39

مناف كان قد شرف في قومه الى أن سام عمه هاشماً أن ينافره فابا عليه وقال كيف أنافرك وأنت بعض ولدي فلزمه وأكله بلسانه فنافره على أن للنفار على صاحبه شروطا منها: إن ياخذ منه مائة من الابل وينفيه مدة عشرة سنين عن الحرم. فتنافروا الى كاهن غساني كان بعسفان قرابة سطيح فنفره هاشم فأخذ المائة من الابل فنحرها وأطعمها الناس في مكة وقال الشاعر في ذلك: وبرَّزَ في فضله هاشم ... ففات الكرامَ أبو نضله يكبّ العشار الاذقانها ... ويطعم في السنة المَحْله فكان بالاردن فتزوج أمرأة بها يهودية أسمها تزان يقال أنها أم أبنه أبي عمرو. هذا في رواية وفي رواية أخرى إن أم أبي عمرو أمية أمام بنت حميرى بن الحارث بن جابر بن الاسود بن عمرو ذي الطوق الملك بن عدي بن النصر اللخميني والله سبحانه أعلم.

стр. 40

وروي إن حرب بن أمية أعجب بنفسه فسام عبد المطلب بن هاشم إن ينافره فابى عليه فوقع فيه فغاضة فنافره على خمسين من الابل تنحر للناس بمكة وعشر للحكم وتنافرا الى نفيل بن عبد العزى العدوي جد عمر بن الخطاب فنفره عبد المطلب فقال شاعر في حرب: يا حرب قد جاريت غير مغمّرٍ ... سبوقاً الى الغايات طلاع أنجد ومن قبل ما أردى أمية هاشم ... فاورده عمرو على شر موردِ وكان هاشم يسمى عمرو العلي وأوعد حرب نفيلاً وكاد إن يقع بين بني عبد شمس وبني عدي في ذلك شر. رجعنا الى الحديث وروي إن أمير المؤمنين عمر لقي زمباع الجذامي في أيام أمارته لمكة فوضع يده على كتفه وقال: اليس أبوك فعل بنا في الشام ما فعل. أما والله يا عدي نفسه لولا الاسلام فقال له والله يا أمير المؤمنين لولى الاسلام ما وضعت يدك مني بحيث وضعتها. وكان أبو أحيحة هذا الذي ذكرناه حديثه ُ يتعمم فسمته قريش ذا التاج. قال خالد بن زيد بن معاوية في أبنته أمامة بنت أبي أحيحة وكانت بارعة الجمال وكانت أمها من بنات عثمان:

стр. 41

حصان أبوها ذو العصابة وأبنه ... وعثمان ما أكفؤها بكثير فأن حزتها ثم الخلافة بعدها ... تحز خير علقي منير وسرير وكان خالد بن زيد قوي الطمع بالخلافة ولم يكن ينكح الا الى أشراف قريش ففيه يقول الشاعر مخاطباً عبد الملك بن مروان كالمغري له به: عليك أمير المؤمنين بخالدٍ ... ففي خالدٍ عما تريد صدود اذا ما نظرنا في مناكح خالدٍ ... عرفنا الذي ينوي وأين يريد فهذا الرجل من أشراف قومه كان يتعمم فسموه ذا التاج وذا العصابة وذكروه في أشعارهم فاذا سمع ذاك من لا يعلم الحقيقة ضنه من ذوي التيجان. مالك بن عوف النصري وأدعوا لمالك بن عوف النصري أحد بني يربوع بن وائمة بن دهمان

стр. 42

بن نصر بن معاويه بن بكر بن هوازن وكان قبل أسلامه قائد هوازن ومن معهم من المشركين يوم حنين إنه صاحب تاج فقالوا فيه: اذكر مسيرهم للناس أذ أجمعوا ... ومالكٌ فوقه الرايات تخفق ومالك مالكٌ ما فوقه أحد ... من الانام عليه التاج يتالق وأنما كان مالك رجلا من أشراف قومه قدموه يومئذ على أنفسهم تيمناً به وكان من عادة العرب إن يقدموا من يتيمنون به. وإن كان فيهم من هو أشرف منه. الشريد عمرو بن رباح السمي وروي إن سليماً توجت الشريد وهو عمرو بن رباح بن يقظ بن عصية بن خفاف بن أمرئ القيس بن بهثه بن سليم بن منصور. فكان يعرف فيهم بذي التاج. ثم أدعوا ذلك لاهل الاسلام ومدحوهم به وهم لا يرون لبس الخاتم من الذهب فكيف التاج؟ علي ﵁ والأشعث روى نصر بن مزاحم التميمي ثم المنقري عن محمد بن عبيد الله الجرجاني قال: لما بويع لعلي ﵇ وكتب الى العمال كتب الى

стр. 43

الاشعث بن قيس مع زياد بن كعب بن مرحب الهمداني والاشعث على أذربيجان عاملاً لعثمان وقد كان عمرو بن عثمان تزوج أبنة الاشعث قبل ذلك فكان كتابه اليه: " أما بعد فلولا هناتٍ كن منك كنت المقدم في هذا الامر من قبل الناس ولعل أمرك يحمل بعضه بعضاً إن أتقيت الله ثم إنه قد كان من بيعة الناس أياي ما قد بلغك وكان طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وسارا الى البصرة فسرت اليهما والتقينا فدعوتهم الى أن يرجعوا الى ما خرجوا منه فابلغت في الدعاء وأحببت البقية ولله المن. وأعلم إن عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة في يديك مال من مال الله وأنت خزان الله عليه حتى تسلمه الي ولعلي أن لا أكون شر ولا تك لك إن أستقمت ولا قوى الا بالله ". فلما قرأ الكتاب قام زياد فحمد الله وأثنى عليه. وقال: أيها الناس إن من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير إن أمر عثمان لا ينفع فيه العيان والا يشفي من الخبر غير إن من سمع به ليس كمن عاينه إن الناس بايعوا علياً راضين به وإن طلحه والزبير نقضا بيعته على غير حدث ثم أذنا بحرب وأخرجنا أم المؤمنين فسار اليهما ولم يقاتلهم وفي نفسه منهم حاجة فاورثه الله الارض وجعل العاقبة للمتقين. ثم قام الاشعث بن قيس فحمد الله وأثنى عليه وقال:

стр. 44

أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان ولاني أذربيجان فهلك وهي في يدي وقد بايع الناس علياً وطاعتنا له على ما كانت لعثمان وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما بلغكم وعلى المأمون على ما غاب عنا وعنكم من ذلك. فلما أتى منزله دعا أصحابه وأهل ثقته فقال: إن كتاب علي قد أوحشني وهو آخذي بمال أذربيجان وأنا الاحق بمعاوية. فقال له القوم: الموت خير لك من ذلك أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنباً لاهل الشام فاستحى فسار حتى قدم على علي ﵇ وقال السكوني وقد خاف أن يلحق بمعاوية: أأعيذك الله الذي هو مالك ... بمعاذة الاباء والاجداد مما يضن بك الرجال وأنما ... ساموك خطة معشر أو غاد إن أذربيجان التي فارقتها ... ليست بحظك فاشرها ببلاد كانت بلاد خليفة ولاكها ... وقضاء ربك رائح أو غاد فدع البلاد فليس فيها رغبة ... لبلاد غيرك وأشرها ببلاد والحق بمصرك إنه لك واسع ... ضربت عليك الارض بالاسداد

стр. 45

وأدفع بمالك دون نفسك أننا ... بادوك بالاموال والاولاد انت الذي تثني الخناصر باسمه ... وبكبش كندة يستهل النادي ومعصب بالتاج مفرق رأسه ... ملك لعمرك راسخ الاوتاد٢٥ واطع زياد إنه لك ناصحٌ ... والرشد في قول النصيح زياد وأنظر علياً إنه لك جنة ... ترشد ويهدك للسعادة هاد وكان مما كتبه الى الاشعث أيضاً: ابلغ الاشعث المعصب بالتا ... ج غلاماً حتى علاه القتير يا أبن ال المرار من قبل الا ... مي وقيس أبوك غيث مطير قد يصيب الضعيف ما أمر الله ... ويخطي المدرب النحرير قد أتى قبلك الرسول جريراً ... فتلقاه بالسرور جرير ويعني جرير بن عبد الله بن البجلي وكان على همذان عاملاً لعثمان فعزله علي منها:

стр. 46

وله الفضل في أجهد وفي الهج ... رة والدين كل ذاك كثير إن يكن حظك الذي أنت فيه ... فقليلٌ من الحظوظ حقيرُ يا أبن ذي التاج والمعصب ... من كندة ترضى بان يقال أميرُ اذربيجان أكلت فذرنها ... وأبغين الذي اليه تصيرُ وأقبل اليوم ما يقول علي ... ليس فيما يقوله تخييرُ وأرض بالبيعةِ التي ليس للنا ... س سواها من أمرهم قطميرُ عمرك اليوم قد كرهت علياً ... وهل لهذا الذي كرهت نظيرُ وفي الحديث زيادة على ما أوردناه وشعر قاله الاشعث في طاعته لعلي ﵇ ويمدحه فيه ويذكر فضله تركنا ذكره أختصاراً وأقتصرنا على ما حصل به الاستشهاد. وفي غير رواية نصر إن الاشعث لما قدم على

стр. 47

علي ﵇ وجد في نفله مائة الف فأخذها فقال الاشعث: أنها مالي قال ومن أين؟ قال: طيبه لي المسلمون وسلمه لي عثمان فقال علي ﵇: خذ منها ثلاثين الفاً قال لا تكفيني فقال لست بزائدك وأيم الله ما أظنها تحل لك ولو تركتها لكان خير لك ولو أستيقنت ذلك ما أنقلبت به من عندي فخذ من جذع ما أعطاك. فمدح الشاعران الاشعث بلبس التاج وذكر أحدهما إنه معصب به مذ كان غلاماً الى إن علاه القتير. والأشعث من وفود سنة عشر فيها وفد على رسول الله (ثم كان بعد ذلك فيمن أرتد من ملوك كندة فسير اليهم أبو بكر المهاجر أبن أبي أمية بن المغيرة المحزومي أخي أم سلمة أم المؤمنين ﵂ ومعه زيد بن لبيد ومعهما بنو قتيرة وهم قوم من كندة أقاموا على الاسلام فلم يرتدوا فاتوهم وقد تحصنوا بالنجير وهو حصن باليمن فحصرهم فيه فبات صارخ لهم يصرخ في رأس النجير: صباح سوء لبني قتيرة ... وللامير من بني المغيرة فواطأ الاشعث المسلمين ودلهم على عورة النجير على إن يحملوه أسيراً الى أبي بكر فاستنزلوهم فقتلوهم وبعثو به في الحديد مع سبي النجير الى أبي بكر وذلك في سنة أثنتي عشرة فراجع الاسلام عفا عنه وزوجه

стр. 48

أخته أم فروة بنت أبي قحافة وكانت أم فروة من قبل عند تميم بن أوس الداري من بني عبد الدار بن هانيء بن نمارة بن لخم ثم طلقها تميم فتزوجها أبو أميمة الازدي من بني الصقب فولدت له جارية أسماها أميمة ثم تزوجها الاشعث بن قيس فولدت له محمداً وقيل إن الاشعث لما قدم به عليه قال له يا عدو الله ما الذي تامرني إن أصنع بك قال: تعف عني وتزوجني أم فروة فاني قد أسلمت ورجعت ففعل. وقيل إنه لما تزوجها خرج بسيفه فلم يجد شيئاً من الانعام الاعقره وقال للناس أنحروا وكلوا وأرضى أصحاب ذلك جميعاً بما أحبوا من الاثمان فقيل وليمة الاشعث. وكان الذين قتلوا بالنجير من ملوك كندة مشرحاً ومحوشاً وجمداً وأبضعه وبني معد يكرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية مقطع النجد بن الحارث بن عمرو بن معاوية بن الحارث الاكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع وأسم مرتع عمرو بن معاوية بن كندة

стр. 49

وقال رجل من المسلمين: نحن قتلنا الملوك الاربعة ... مشرحاً ومحوشاً وجمداً وأبضعه ومحوش بن معد يكرب بن وليعة أحد هؤلاء الاربعة القتلى وهو جد علي أبن عبد الله بن العباس ﵈ الامه وهي زرعة بنت مشرح ولهذا منعته كندة عام الحرة بالمدينة وأجاروه على مسلم بن عقبة المرى الذي يدعى مسرفاً لما سامه إن يبايع على إنه عبد قن ليزيد بن معاوية كما بايع أهل المدينة وقالوا: لا يبايع أبن أختنا الا على ما بايع عليه أبن عمه علي بن الحسين ﵉ ٢٦ على إنه أبن عم كريم وكان يزيد قد أمر مسلم بن عقبة بان يقنع من علي بن الحسين ﵉ بذلك وكانت كندة معظم الجيش فخاف مسلم فسادهم عليه فاجابهم الى ذلك وقال علي ﵇ يذكر ذلك: ابي العباس قرم بني قصي ... وأخوالي الملوك بني وليعه هم حاطوا ذيماري يوم جاءت ... كتائب مسرفٍ وبنوا اللكيعة أرادوا بي التي لا عز فيها ... وحالت دونهم أيدٍ منيعة

стр. 50

وأمتدت أيام الاشعث في الاسلام وشهد مع علي ﵇ صفين وأبلى في تلك الحرب خصوص يوم وقعة الماء فانه أبلى يومئذ بلاء حسناً. وروي إنه يومئذ كان يضع رمحه بين الصفين ويقول لاصحابه: بابي أنتم وأمي فقدموا قاب رمحي فاذا صاروا عند السنان رفعه فوضعه وقال لهم مثل ذلك فلم يزل يفعل ذاك حتى أنكشف أهل الشام وفيه يقول رجل من اليمن يمدحه لفعله: كشف الاشعث عنا ... كربة الموت عيانا بعد إن طارت حصاناً ... طيرة مست كلانا اذ حمى القوم حماهم ... حين لم يحم حمانا فدعا الاشعث رهطاً ... من معد ودعانا فنهضنا نهضة الاسد ... فلم نبغ سوانا يذرع الارض برمح ... قابه كان خطانا

стр. 51

فمنحنا القوم في الهي ... جا ضرابا وطعانا ساعة ثم تولوا ... وحوى الاشعث مانا فله المن علينا ... وبه دارت رحانا من رآه ورآنا ... حسب المرء أيانا وكان بعد ذلك قد أتهم في أمر الحكمين فبعد الاسلام والجهاد ووقوفه مثل هذا الموقف مدحوه بأنه معصب بالتاج الى إن علاه القتير. اخبار الحجاج بن يوسف الثقفي وروي إن الحجاج بن يوسف كان يحب إن يتزوج من بيوتات العرب فكان فيمن تزوج من بنات الاشراف أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو العامري عامر قريش فما يؤثر عنه وستطرف ويتعجب منه إنه كتب الى الوليد بن عبد الملك: أني نكحت أم سلمة بنت عبد الرحمن فوجدتها كان النساء شققن شقاً وثقبت ثقبا وخفضن خفضا ورفعت رفعا فنزلت عنها لامير المؤمنين فهو أحق بها وطلقها. فلما حلت تزوجها الوليد فلما الم بها طلب منها حيث يطلب من النساء فخفض فقالت: لا تخفض يا أمير المؤمنين وأرفع عودك الخفض الاماء الرضع فقال: أني لم أذهب هناك. ثم تزوجها بعده أخوه سليمان ثم أخوه هشام وكانوا يقدمونها. وكان الناس يقتربون الى الحجاج فدله

стр. 52

محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة الدارمي على هند بنت أسماء بن خارجة بن حصين بن حذيفة بن بدر الفزاري ووصفها له وقال: تزوجها أيها الامير فانها في بيت قيس فدعا أباها وأجلسه في موضع من داره وبعث اليه يخطبها فاعتل عليه وقال: أيها الامير أنها طفلة قال قد رضيت قال: فهي خرقاء قال: قد رضيت ولم يزل به حتى زوجه فلما أهداها اليه عرف إنه أتي في ذلك من قبل محمد بن عمير فتركه مديدة ثم دخل على الحجاج فقال: أيها الامير الا تزوجت فلانه بنت محمد بن عمير وكانت أبنته هند حاضرة فقال له أتقول هذا وهند تسمع فقال: نعم أنت أكرم علي منها فقال: وهل له بنت؟ قال: نعم ووصفها له ورغبه فيها وقال: تزوجها فانها في بيت تميم. فدعا الحجاج محمد بن عمير وأرسله مع أسماء وغيره يخطب اليه فاعتل فلم يقبل عذره وضايقه حتى عقد له عقد النكاح فلما خرجا أستوقف أسماء محمد في الدهليز ودفع في صدره وقال له: جزيتك ما أسديته يا أبن حاجب ... جزاءً كنقر الديك أو قدر الشبر بقولك للحجاج إن كنت ناكحاً ... فلا تدع هنداً من بنات بني بدر

стр. 53

فان أبها لا يرى إن واحداً ... بكفو لها إلا المتوج من فهر فزوجتها الحجاج لا متكارها ... ولا راغبا عنه ونعم أخو الصهر اتيت سروري أذ أردت مساءتي ... وقد يحسن الانسان من حيث لا يدري٢٧ فان كان ذا عار فقد جئت مثله ... وإن كان ذا فخرا فلا تتركن شكري مذهب العرب في أبس التاج فاشار الى إن الخليفة متوج فادعوا في شعارهم لبس التاج لقوم لم يلبسوه ثم تجاوزوا الى وصف المعدوم الذي لم يكن له حقيقة بصفات الموجود المشاهد كدعوى الفرزدق إن تاج قومه يلتهب التهابا ودعوى الاخر إن تاج مالك بن عوف النصري يأتلق أئتلاقا. وكأنهم قالوا: إن غير شيء يلتهب لحسنه التهابا ويأتلق أئتلاقا ثم أدعوا ذلك للخلفاء الذين لا يستجيزون ولا يستحلونه بل يرونه في دينهم بدعة وعلى شرفهم منقصة ويرون أعاظم من كان يلبس التيجان على الحقيقة من ملوك العجم وغيرهم من سائر الامم غير مقارب لهم في شرفهم ولا لاحق

стр. 54

بدرجتهم لما فضلهم الله تعالى به وشرفهم بمكانه من الاسلام الذي تضعضع شرف كل شريف خالفه وذل كل عزيز جانبه فلهم إن يأنفوا بان ينسب اليهم مثل ذلك ولذلك أنتهر عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن قيس الرقيات حين أنشده في مديحه له: يتألق التاج فوق مفرفه ... على جبين كأنه الذهب وقال له أتقول في مصعب. انما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلت عن وجهه الظلماء وتمدحني بما تمدح الاعاجم وهذا مشهور من مذهب الشعراء حتى إن البحتري بالامس مدح المعتز ﵁ بلبس التاج فقال: كأنما التاج على رأسه ... قد حف بالياقوت والدر كواكب الفضة في أفقها ... جاءت فحفت غرة البدر

стр. 55

ومدح المهتدي ﵁ ينفي ذلك عنه فقال: لسجادة السجاد أحسن منظرا ... من التاج في أحجاره وأيقادها وأمثال ذلك من أقوال الشعراء لا تحصى لانهم أنما يتبعون أهوائهم غير أنهم أعينوا على ذلك باللغة العربية التي خصت بخلال أفضل كلها من الفصاحة والبلاغة والايضاح والابانة والعذوبة في الاسماع والحلاوة في القلوب والقبول في النفس التي ليس لغيرها من سائر اللغات مثله ولا ما يدانيه ونظموا فيه الشعر الفصيح بالوزن الصحيح وكلامهم رائق عذب يغتفر له كل ذنب. وقال بعض العلماء للعرب توسع في لغاتهم وأشارة الى إرادتها وصنفوا في ذلك كتبا وأقاموا عليه أدله حسنة وأوردوا لهم فيه حججاً واضحة وأشارتهم فيما ذكروه من ذلك كله الى شرف الممدوحين وذلك مسلم اليهم ومطلق لهم ومرخص لهم فيه مع العلم بان أكثر ما ذكروه باطل ومعظمه ما حل ومذهب الشعراء معروف والكذب منهم مألوف وتجاوزهم الحد فيه المديح والهجاء والتشبيه والرثاء وغير ذلك من الصفات معلوم وقيل: أكذب من مادح أو نائح. فقد تركوا ذلك كله يقولون منه ما شاءوا أو يتصرفوا فيه على ما أحبوا وعلينا أستحسان ذلك منهم والاعتراف لهم بالفضل في فصاحتهم وبلاغتهم والاقرار بأنا لا ندانيهم فيه وليس علينا أن نجعله حجة قاطعة ولا بينة قاهرة على ما أدعوه ولا نلتزمه لهم على الحقيقة ولا

стр. 56

نقطع بصحة ما ذكروه فيه ولو التزمنا لكل ما أدعي له إنه كان ملكاً وذكر الشعراء إنه كان متوجاً لعلو المنزله وعظم الشأن بمجرد الاسم وشواهد الشعر خاصة من غير كشف لاحوالهم ولا فحص عن أمورهم ولا أستيضاح لسيرهم وأقدارهم للزمنا أن نسوي في المنزلة بين كسرى والسمؤل وقيص وأكيدر دومة الجندل وبين أمرئ القيس الشاعر وتبع وفرعون ويحيى بن أخطب رأس اليهود بخيبر لاشتراكهم جميعاً في مجرد الاسم وهذا غاية الجهل فعدلنا عن ذلك الى النظر فيما دلت عليه الاخبار ونقله الرواة. وتضمنته السير من أحاديثهم وأخبارهم وأحوالهم الدالة على أقدارهم لنستدل بذلك على حقائق منازلهم وحد ملكهم وقدر أتساع ممالكهم وما طالت اليه أيديهم من قهر أعدائهم لنطلع بالخبر المأثور على حقائق الامور. ملوك آل نصر في حيره ولم يكن من ملوك العرب بعد التبيعة، فانهم نالوا من العز مبلغاً أستحقوا به التسمية بالملك رفع قدراً وأبقى على الالسنة ذكر من آل نصر ٢٨ ملوك الرب بالعراق خصوصاً النعمان الاصغر بن المنذر الاصغر فانه كان أخر أهل بيته زماناً وأقربهم عهداً وأنبههم ذكراً وأخفهم على

стр. 57

الالسنة أسماً حتى إنه ربما نسب ليه من الافعال ما فعله غيره من أبائه وأهل بيته لخفة أسمه وقرب عهده وسرعة الألسنة الى ذكره فحظه في ذلك كحظ أنوشروان من بين الاكاسرة تسبق الالسنة على الاكثر الى ذكره إلا لمن يتأمل ويتفهم. قال أبو عبيدة كل ملك عند العرب النعمان وقال بعض الرواة أدركت أهل الحيرة وهم يعلمون صبيانهم في الكتاتيب أسماء ملوك آل نصر وسيرهم وأخبارهم وأحاديثهم كما يعلمونهم غير ذلك من أنواع العلم. والروايات مختلفة في عدة من ملك منهم بالعراق يدل بعضها على أن عدتهم عشرون ملكا، ويدل بعضها على أن عدتهم ثمانية عشر ملكا، والاصح، والأصح أن عدتهم عشرون. وقد أختلف أيضاً في أسمائهم، وترتيب ملكهم أختلافاً كثير، ونسب الفعل الواحد إلى الواحد والاثنين منهم لبعد العهد وكثرة الاختلاف في الروايات، وأشبه ما رأيت ترتيب ملكهم بالصحيح هذا الترتيب.

стр. 58

فأول من ملك منهم تفرق الأزد مالك بن فَهم بن غانم وقيل غنم بن دوس الأزدى، وهو أبو جذيمة الأبرش و في نسبه خلف سيأتي ذكره من بعد. وروي في سبب ملكه أن قومه كانوا ممن خرج من أرض اليمن، لما خرجت الازد، وتفرقت في البلاد حين أرسل عليهم سيل العرم، والعرم سد كان لهم ببلاد مأرب وهي أرض سبأ بين جبلين تحصر عليهم الماء في أوان السيل، فيسقون به جنتين كانتا لهم، وقيل هو السكر وقيل كان مسناة، والمعنى في الجميع واحد، فكفروا بنعمة الله ، فأرسل عليهم جرذا فاخربه، فروي أن الجرذ كان يقلب برجليه من أحجار السد، الحجر الذي لا يطيقه خمسون رجلا، وكان ملكهم عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد. وكان أخوه عمران كاهنا فعاش فيما قيل أربع مائة وخمسين سنة، فلما حضرته الوفاة دعا أخاه عمراً هذا الملك. وقد أتت عليه مائتان وخمس وسبعون سنة. فقال له: إني ميت،

стр. 59

وان بلادك ستخرب ويتمزق أهلها، وأني رأيت أمرأة من قومك من حجور - وهو بطن من حضرموت - تتعرض للكهانة، وسينفذ قولها من بعدي، فتزوجها وأحذر أن تفوتك. ففعل عمرو ذلك وتزوجها وكان أسمها طريفة بنت الخير، وقيل إنها التي حنكت سطحيا الكاهن الديني، فكانت أحيانا تخرج الى الحدائق متنزهة، فخرجت ومعها وصائف لها، فرأت ثلاث مناجد، والمناجد دواب كاليرابيعلا عيون لهن، منتصبات وأيديهن على مواضع عيونهن، ثم ولّين وجعلن يشخبن بأبوالهن، ثم مرت بخليج يسقي حديقة، وقد وثبت منه سلحفاة، فوقعت على التراب على ظهرها، وهي تريد الانقلاب ولا تقدر، وكلما أضطربت حثت التراب على رأسها وبطنها، ثم رأت شجر الحديقة يضطرب ويتكفأ في ساعة لا ريح فيها، فاتت بعلها عمرا الملك، فأخبرته بخراب السد وتفرق الأزد إشارة ولحناً. فقال: بيني ما تقولين، وكان عنده قينات له، فقالت: الزهر ذو الوان، والصمت خير من البيان. فصرف القينات عنه، وقال: ما هذا يا بنت الخير؟ فقالت: أخبرتني الناجد بسنين الشدائد، يقطع فيها الولد حق الوالد، وبأمور جسيمة، ورزية عظيمة، الويل الويل من ذهاب السيل، وتفرق الاحباب والخيل والركاب، من أجل فيض منساب. قال: ومتى يكون ذلك؟ قالت: فيما بينك وبين سبع

стр. 60

سنين، وإن كنت لا أبيت ليلة إلا وأنا أظن أن السد هالك فيها. فارسل عمرو إلى أهل مأرب ومن حولهم: إني متخذ وليمة يوم كذا، فاحضروني وسمى لهم يوماً، فحضروه لم يتخلف عنه أحد، ونحر مائة من الابل، وأتخذ طعاماً كثيرا، وقال لابنه ثعلبة " وكان أكبر ولده " كن قريباً مني، ونازعني بعض القول، ومهما نالك اليوم مني من القول أو فعل فلينلني منك مثله، فلما أكل الناس وشربوا، نازعه قولا فزاد فيه، فشتمه، فرد عليه، فلطمه فوثب به ولطمه، فصاح واذلاه!! يوم فخري ومجدي يلطم وجهي! فوثب الناس الى ثعلبة فأخذوه ٢٩ وقالوا أقتله أيها الملك، قال: لا، ولكني سأحرمه كل خير مني، ثم حاف لا أقام بأرض لطم فيها، وليبيعن ماله بمأرب أجمع. فقال بعض الناس إنه إن تم على قوله ظفرتم بما لا يملك أحد مثله، وإلا رددتم عليه، فكانت يدا لكم عنده، فأشتروا منه ماله عن آخره، وقبض ثمنه وخرب السد، وأصابته سنون مجدبة، يقال " والله أعلم " أنها السبع الشدائد التي كانت في عهد يوسف ﵇ فقالت طريفة اليوم أخصكم البيان من كان ذا هم بعيد، ومراد جديد، وحمل شديد، فليلحق بقصر عُمان المشيد، فسار فيهم قوم الى عمان منهم أزد عمان. ومن كان يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فسار إليها عمرو أبن عامر الملك، فولده بها

стр. 61

الأوس الخزرج، ومن كان ذا جمل معن وحبل فين ورأي لا يكن، فليلحق بأرض شن فلحق بها قوم منهم، فهم أزد شنوءة، ومن كان ذا فاقة وضر وصبر على أزمات الدهر، فليلحق بالأراك من بطن مر، فاحقت به خزاعة، ومن كان يريد خمراً وخميراً، وذهباً وتوفيراً، فلينزل بصرى وعويراً، فلحق بها قوم منهم آل جفنة، ومن كان معهم بالشام من الأزد. ومن كان يريد بلداً عالياً وعيشاً آنياً، وملكاً دانياً، فليلحق بالشرق معالياً، فلحق قوم منهم بالعراق. ونهم مالك بن فهم وأهل بيته في جماعة من الأزد. فضرب بتفرقهم المثل فقيل تفرقوا أيدي سبأ وأيادي، فصارت مثلاً سائراً. وقص الله قصتهم في كتابه فقال سبحانه: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آيةٌ جنتانِ عن يمينٍ وشِمال) الآيات، وذكر الأعشى قصتهم فقال: وللموت خير لمن ناله ... إذا المرء أمته لم تدم وفي ذاك للمؤنسي أسوة ... بمأرب عفى عليها العرم

стр. 62

تفرقا في البلاد وأعترفوا ... الذل وذاقوا البأساء والندما وبدلوا السدر والأراك به ... الخمط وأضحى البنيان منهدما وقال محمد بن مناذر اليربوعي: وأذكر الجيش بعد والحاضي ... مأرب من دمن سدها المسدود عَصرَ صار أيدي سبأ سبأً ... والدهر دهر له شتاتُ العديدِ وقال معاوية لرجل منهم أفتخر عنده فأسرف: أنتم قوم ملكتكم أمرأة، وأخرجتكم من أرضكم فارة. ووافق خروج سبأ عن أرضهم خروج قبائل من ولد أسماعيل ﵇ من تهامة، فإنهم لما كثروا بها حدثت بينهم أحداث، وأصاب بعضهم في بعض دماً، ولقحت بينهم حروب، فتفرقوا في البلاد، فأتى بعضهم اليمن، وأتى آخرون مشارق الشام، وأقبل بنو الحمق بن

стр. 63

عمرو بن قنص بن عدنان، وبنو غطفان بن عمرو بن الطَّميان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان، وبنو صبح بن صبح بن الحارث بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار وبنو زهر بن الحارث بن الشلل بن زهر بن إياد، فنزلوا البحرين، وبها جماعة من الأزد الخارجين من سبأ، وأنضم اليهم مالك وعمرو أبناء فهم، وأبن أخيهما مالك بن زهير بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة في قبائل من قضاعة، وأنضمت إليهم بطون من نمارة بن لخم، فاجتمعت هذه القبائل كلها بالبحرين، ووافق أجتماعها قتل الإسكندر دارا بن ملك فارس، وتفريقه كلمة فارس، وقسمته مملكتهم بين ملوك الطوائف. فأحست هذه القبائل عند أجتماعها بضعف فارس٣٠ وأضطرب حبلهم، وأختلاف كلمتهم، فاغتنموا الفرصة فيهم، وقالوا نتعاقد ونتوازر على التنوخ في هذه الأرض، والمقام بها، فتحالفوا على ذلك وصاروا يداً واحدة فقيل لهم تنوخ وضمهم هذا الاسم، فصاروا يعرفون كالقبيلة الواحدة، وإن كانت قبائلهم شتى، ودعوا مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي

стр. 64

إلى التنوخ معهم والمقام فيهم، وملكوه عليهم فقيل ملك تنوخ، فكان مالك بن فهم بن غانم أبن دوس الأزدي أول ملوك العرب بالعراق، وكان ينزل فيما الأنبار. ثم ملك بعده أخوه عمرو بن فهم بن غانم بن دوس، فكان ينزل منزل أخيه . ثم ملك بعده جذيمة الأبرش ابن أخيه جذيمة بن مالك، بن فهم بن غانم بن دوس، وكان أعز من أبيه وعمه وأبعد صوتاً، وأذهب شرفاً، وأشهر عند العرب بالتسمية بملك العراق منهما وربما قيل جذيمة التنوخي، وجذيمة الأزدي، وكان يتكهن ويتنبأ بزعمه، وكان أبرص فسمته العرب الأبرش، وسمته الوضاح كناية عن ذلك. وكان يفخر ببرصه لأن بعض العرب كان يتيمن بالبرص، وكانوا يزعمون أنه لا يكون إلا بالرجل الكريم، وأنشد لبعضهم: اتشتمني زيدٌ بأن كُنت أبرصاً ... وكل كريمٍ لا أباً لك أبرصُ وقال الرجز

стр. 65

يا كأس لا تستنكري حولي ... ووضحاً أوفى على خُصَيلي فإنَّ نعت الفرس الرُّجَيل ... يكمل بالغُرة والتحجيلِ وروى عن الأخفش أنه قال: رجع أبو العطاف العنزي يوماً من عند عمرو بن هداب الملزني مازن تميم، وكان سيد تميم قاطبة في زمانه، وهو يضحك - وكان عمرو بن هداب أبرص - فسئل أبو العطاف عن سبب ضحكه، فقال أتاه اليوم طريف بن سوادة، فأنشده أرجوزة يمدحه بها منها: أبرص فياض اليدين أكلف والبرص أندى باللهى وأعرف ... مجلوز في الزحفات مزحف فصاحت الجماعة به وقالوا: قطع الله لسانك. فقال عمرو: مه! البرص

стр. 66

من مفاخر العرب. الم تسمعوا قول أبن حبناء: اني أمرؤ حنظلي حين تنسبني ... لا مِلعتيك ولا أخوالي الرقُ لا تحسبنَّ بياضاً فَّي منقصةً ... إن اللهاميم في أقرابها بُلق ثم أنشد الأخفش عن أبي نواس لرجل من بني نهشل: نفرت سودةُ عنّي أن رأت ... صلع الرأس وبالجلد وضح قلت يا سودة هذا والذي ... يُفرج الكُربة عنا والكَلح هو زينٌ لي وفي الوجه كما ... زيّن الضرف تحاسين القرح ولآخر يا أخت سعدٍ لا تعرِّي بالبهق ليس يغني الطرف وتوليع البلق ... اذا جرى في حلبة الخيل سبق

стр. 67

وقيل لبلعاء بن قيس لما شاع في جلده البرص ما هذا؟ فقال: سيف الله جلاه. وجذيمة هو صاحب الندمانين اللذين يضرب المثل بهما، فيقال كندماني جذيمة . وقد أختلف فيهما، فقيل إنه كان لا ينادمه أحد ذهاباً بنفسه وضناً بها، وكبراً عن الناس، ويزعم أن الفرقدين نديماه. فكان إذا شرب قدحاص صب لهما قدحين، وقيل بل هما مالك وعقيل أبنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن خسر بن سبع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وأن سبب منادمتهما إياه: أن الجن كانت قد أستطارت أبن أخته عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وهو غلام، وكان جذيمة شديد الحب له فضرب له في الأفاق، فلم يظفر به، فيئس منه وحزن عليه ومكث ما شاء الله إن يمكث، ثم إن هذين الرجلين خرجا من أرض قضاعة إلى جذيمة بهدية يريدان أتحافه بها، ومعهما قينة لهما يقال لها أم عمرو، فنزلا ببعض الطرق، وأدنت إليهما طعامهما وشرابهما، فدفع إليها غلام شاحب سيء الحال متلبد الشعر، فاستطعمهما فناولته٣١ القينة عظماً فالقاه، وأستطعمهما غيره، فقالت يعطى العبد الكراع فيطمع في الذراع، فذهبت

стр. 68

مثلا ثم شربا فاستسقاهما، فقالا: من أنت يا فتى؟ فقال: إن تنكراني أو تنكرا نسبي، فإني عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وغدا تريان في نمارة غير معصي وعرفهما بنفسه، وقص عليهما قصته، فقالا لا نجد هدية نتحف الملك بها أحسن موقعاً عنده من أبن أخته، فأخذاه فحملاه اليه فسر به أعظم السرور، وأراد إكرامهما، فقال: أحتكما فلكما حكمكما، فاختار منادمته ما بقي وبقيا، فكانا نديميه، وهذا الوجه الصحيح لا ما ذكر أولا، قال أبو خراش الهذلي: لعمرك ما مَلَّت كبيشة طلعتني ... وأن مقامى عندها لقليل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل وقال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول أجتماعٍ لم نبت ليلة معا وكان جذيمة ينزل أطراف العراق بالعمير والقطقطانة وخفيفة وما بين

стр. 69

الحير إلى الانبار وهيت، وربما نزل أحياناً يبرين وغيرهما من منازل العرب، وروى أنه عمي في أخر عمره، وقتلته نائلة بنت عمرو بن ظرب الملكة المعروفة بالزباء وسيأتي حديث مقتله. ثم الملك بعده عمرو بن عدي ابن أخته عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وهو عمرو ذو الطوق، أمه رقاش بنت مالك وقيل لميس بنت مالك أخت جذيمة، وكان سبب تزويج أبيه عدي بن نصر بها فيما روي: أنها رأته فهويته، فارسلت اليه أن أخطبني اليه تعني أخاها جذيمة، فقال لا أجتريء عليه، وأخاف أن أغضبه. فقالت: لا، إن لك حسبا وموضعا، فإذا جلس على شرابه، فاسقه صرفا وأسق ندماء مزاجا، فاذا أخذت الخمرة منه، فأخطبني اليه فلن يدرك، ففعل ذلك، وخطبها اليه فظفر منه ببعض القول، وقام فدخل بها من تحت ليلته، وأصبح مضرجا بالخلوق، فقال له جذيمة: ما هذه الآثار يا عدي؟ فقال آثار عرس رقاش، قال ومن زوجكها؟ قال: الملك،

стр. 70

فسأل ندماه فاخبروه فصك وجه بيده وأكب على الأرض ندماً وقيل إنه قتل عديا وقيل بل خافه فهرب منه على فوره لما رأى من ندامته فلحق بإياد وكان فيهم الى إن هلك وأشتملت رقاش من عدي على حمل فقال لها جذيمة: خبريني رقاشُ لا تكذبي ... أبحُرٍّ زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبدٍ ... أم بدونٍ فأنت أهل لدونِ فقالت مجيبة له: انت زوجتني على غير أذني ... وأتاني النساء للتزيين ذاك من شربك المدامة صرفاً ... وتماديت في الصرف والجنونِ ثم قالت: أنت زوجتني أمرءٍ أعرابياً حسيباً ولم تستأذني في نفسي فامسك. ثم وضعت أبناً فسمته عمراً والقي عليه محبة من جذيمة وقربه ورباه فكان له كالولد ثم أستطارته الجن وكان من حديثه وعوده اليه ما تقدم ذكره. فلما سار جذيمة الى الزباء الملكة ليتزوجها أستخلف أبن أخته عمر هذا على ملكه وضم اليه عمرو بن عبد الجن الجرمي فلما قتلت الزباء جذيمة وعاد صاحبه قيصر بن سعد وهو الذي كان نهاه عن أتيانها

стр. 71

بالخبر تنازع العمران الملك فسفر بينهما قيصر الى إن أصلح بينهما وأنقاد عمرو بن عبد الجن لعمرو بن عدي وتركه والملك فملك عمرو بن عدي ملك خاله جذيمة الابرش وقال في طاعة عمرو بن عبد الجن له: دعوت أبن عبد الجن للسلم بعدما ... تتابع في غرب السفاه وكسما فلما أرعوى عن صدنا باعترامه ... مرت هواه مري أم أو أبن ما فقال عمرو بن عبد الجن مجيبا له: اما ودماء مائراتٌ كأنها ... على قلة العزى أو النسر عندما وما قدس الرهبان في كل بيعةٍ ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما ٣٢ - لقد ذاق منا عامر يوم لعلعٍ ... حسام أذا ما هز بالكف صما قال الطبري: هكذا وجد الشعر غير تام. وكان تقديره بعد القسم إن يكون لقد كان كذا أو لولا كذا الا إنه لم يظفر له بتمام على ما ذكر. فاستقام لعمرو بن عدي أمره وملك ملك خله جذيمة الأبرش وقتل زباء الملكة قاتلة وسيأتي حديث مقتلها. وهو أول من أتخذ الحيرة منزلاً وسكنها بعد إن كانت خراباً لم

стр. 72

تسكن من عهد بخت نصر وكان في أول ملكه لا يدين لاحد من ملوك الكوائف للحال التي كانوا عليها من الضعف فلما أجتمعت كلمة فارس وطاعتها لأردشير بن بابك وأنقادوا له وظهر على ملوك زمانه وتسمى بشاهنشاه خافته العرب فخرجت قبائل من تنوخ عن أرض العراق الى أرض قضاعة وغيرها ولم يجد عمرو بن عدي بدا من طاعته أو النزوح عن أرض العراق فأطاعه ودان له فاستعمله على العرب وأمره إن يسكن الحيرة فسكنها وسكنها بعض العرب معه وأبتنوا بها المنازل وسكنوا الجدار وكره الباقون إن يسكنوه وكانوا على عادتهم يسكنون المظال وبيوت الشعر وينتزلون أطراف العراق وما بين الحيرة والأنبار. وأمد أردشير عمراً بالجنود وقواه فتجاوز حد خاله جذيمة ومن تقدمه في الملك. وقيل إنه ملك مائة وعشرون سنة منها في أيام ملوك الطوائف وأرادون الأشغاني خمسا وتسعين سنة يحكم نفسه ثم عمل لاردشير مدة ملكه وكانت مدة ملك أردشير خمس عشر سنة ثم هلك أردشير. سابور بن أردشير وملك بعده أبنه سابور بن أردشير الذي يقال له سابور الجنود فأقر عمراً على عمله عشر سنين أو نحوها وهلك عمر في أيام سابور فاستعمل سابور مكانه أمرأ القيس بن عمرو ولم يزل ولد عمرو مع ولد أردشير الأكاسره عمالا لهم الى إن قتل أبرويز بن هرمز بن أنوشروان النعمان الأصغر بن المنذر الأصغر وهو أخرهم.

стр. 73

على إنه تخلل ملكهم ملك غيرهم نادرا لمن كانت الأكاسرة تستعمله من غير بيتهم عند أمور كانت تعرض فتقتضي ذلك فعمرو بن عدي بن نصر وولده ملوك آل نصر قال الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: وما إن خلتكم من آل نصر ... ملوكاً والملوك لهم علاءُ ولا العنقاء ثعلبة بن عمرو ... دماء القوم للكلبي شفاء وقال رجل من بني نهشل: الا أيهذا المؤتلي إن نهشلا ... عصوا قبل ما آليت ملك بني نصر وقال مضرس بن ربيعة الأسدي: لقد كان من نصر وغسان أسوة ... ومن قبل ذلك من ملوك ومن أمم ثم ملك بعده. أمرؤ القيس بن عمرو ابنه أمرؤ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر وهو أمرؤ لبقيس الأول. وروي إنه يقال له البدن وقيل إنه أنما سمي بذلك لعظم خلقه وقيل بل كان لادمانه لبس الدروع والبدن من أسماء الدروع. امه ماوية بنت عمرو بنت مالك الغساني وهو أول من أقطعته ملوك الفرس منهم وشرفوه وتوجه طالت مدة ملكه أيضاً فقيل إنه ملك

стр. 74

مائة وأربعة عشر سنة لان سابور بن أردشير أستعمله بعد هلاك أبيه عمرو فعمل لسابور بقية أيام ملكه ولستة من ملوك الفرس بعده وهو الذي صنف أهل الحيرة وجعل لهم مراتب أحتذاء بفعل الأكاسرة في ترتيب جنودهم وتصنيفهم وأسمائهم أسماء ما زالوا يعرفون بها في عصره وعصر من بعده من الملوك الى إن أنقرض الملك بالحيرة. اهل الرفادة فسمى قوم منهم أهل الرفادة وهم فيما روي أهل بيته الأقربون اليه فبهذا الاسم كانوا يعرفون أهل بيت الملك والعرش والعرافي وهم الذين كانوا يكونون على المقدمة في الحروب المغازي والارداف وهم عرفاء الجنود وزعمؤهم وقوادهم وأزمتهم. الجمار والجمار ويقال الجمرات وقيل بل هم قوم من لخم خاصة دون غيرهم سمى منهم بني أريش بن أراش بن جزيلة بن لخم وقيل بل هم من قبائل شتى من لخم وغيرها وسمي منهم بنو سلسلة من جعفي وبنو ماوية من كلب وقوم من بني سلامان بن ثعل بن طي ٣٣. والصنائع وهم قوم من شذاذ الأحياء وخلعاهم كانوا يصيبون الدماء ويجنون الجنايات على قومهم فيخلعونهم فيلجأون الى الحيرة فيصطنعهم الملك ويجيرهم ويامنون عنده ويشهدون معه حروبه ومغازيه قال زيد

стр. 75

بن الصعق: تركت أخا النعمان يوسف عاتيا ... وجدعّن أجناد الملوك الصنائعا وقال جرير: حمينا يوم ذي نجب حمانا ... وأحرزنا الصنائع والنهابا وقد قيل الذين كانوا يعرفون بالصنائع بالحيرة من بكر بن وائل ثم من اللهازم من بني عبد القيس وتيم اللات أبني ثعلبة بن عكانة كانوا يصحبون الملوك وكان الأول أشبه بالصحيح. الوضائع وهم أساورة من الفرس كان كسرى يضعهم عند الملك بالحيرة مددا له مزاحة عللهم فبهم كانت قوة ملوك الحيرة على العرب وبهم كانوا يقهرون أهل الحيرة حتى تستقيم لهم طاعتهم وكانت عدتهم الف أساور وكانت نوبتهم حولا كامل فكلما أنقضا الحول جهز كسرى غيرهم فوضعهم عند الملك بالحيرة وعاد الذين قضوا نوبتهم الى باب كسرى فلذلك سموا الوضائع.
следующие страницы →