← Акыда

Акыда · id 30800

التوحيد للناشئة والمبتدئين

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

Полный текст (105 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إلا على الله، ولا نسجد إلا لله، ولا نخضع إلا لله، فلا يستحق العبادة إلا هو سبحانه، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] (١) . [أهمية الإيمان بألوهيَّة الله تعالى] جـ - أهمية الإيمان بألوهيَّة الله تعالى: تبدو أهمية الإيمان بألوهية الله تعالى من خلال ما يلي: ١ - أن الغاية من خلق الجن والإنس هو عبادة الله وحده لا شريك له، حيث قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٢) . ٢ - أن المقصود من إرسال الرسل ﵈ وإنزال الكتب السماوية هو الإقرار بأن الله هو المعبود الحق، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٣) . ٣ - أن أول واجب على كل شخص هو الإيمان بألوهيَّة الله تعالى، كما جاء في وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل - رضي الله

стр. 37

عنه - لما أرسله إلى اليمن قائلًا له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» (١) . أي: ادعهم إلى إفراد الله بجميع أنواع العبادة. [معنى لا إله إلا الله] د- معنى لا إله إلا الله: هذه الكلمة العظيمة هي أول واجب على كل شخص، كما أنها آخر واجب، فمن مات على هذه الكلمة فهو من أهل الجنة، كما قال النبي ﷺ : «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» (٢) . ولذا فإن وجوب معرفة لا إله إلا الله أعظم الواجبات وأهمها. ومعنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله وحده، فهو نفي الإلهيَّة عما سوى الله ﵎، وإثباتها كلها لله وحده لا شريك له. فمعنى الإله: هو المعبود، فمن عبد شيئا فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل إلا إله واحد وهو الله وحده.

стр. 38

والله تعالى هو الإله الذي تعبده القلوب محبة وإجلالا وتعظيما، وذلا وخضوعا وخوفَاَ وتوكلا عليه، ودعاءً له. وليس للقلوب سرور ولا سعادة إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله؛ فإن السرور التام والحياة الطيبة والنعيم إنما هو في إفراد الله تعالى بالعبادة. [أركان لا إله إلا الله] هـ- أركان لا إله إلا الله: لهذه الكلمة العظيمة ركنان هما: النفي والإثبات. فالركن الأول: "لا إله" وهو نفي العبادة عما سوى الله، وإبطال الشرك، ووجوب الكفر بكل ما يعبد من دون الله. والركن الثاني: "إلا الله" وهو إثبات العبادة لله وحده، وإفراده سبحانه بجميع أنواع العبادة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] (١) . فقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] معنى الركن الأول (لا إله) ، وقوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] هو معنى الركن الثاني

стр. 39

(إلا الله) . [شروط لا إله إلا الله] و شروط لا إله إلا الله: لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها، وهي كالتالي: ١ - العلم بمعنى لا إله إلا الله: كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] (١) . ٢ - اليقين: أن يكون قائلهما مستيقنا بما تدل عليه، فإن كان شاكّا مرتابا بما تدلّ عليه لم تنفعه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] (٢) . ٣ - القبول: لما دلّت عليه هذه الكلمة من عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، فمن قالها ولم يقبل عبادة الله وحده كان من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] (٣) . ٤ - الانقياد: لما دلت عليه، قال تعالى:

стр. 40

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] (١) . ومعنى ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ [لقمان: ٢٢] أي ينقاد ويخضع، والعروة الوثقى هي: لا إله إلا الله. ٥ - الصدق: وهو أن يقول هذه الكلمة صدقا من قلبه، كما قال ﷺ : «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرّمه الله على النار» (٢) . ٦ - الإخلاص: وهو تصفية العمل من جميع شوائب الشرك، بأن لا يقصد بقولها طمعا من مطامع الدنيا. قال ﷺ : «إن الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» (٣) . ٧ - المحبة لهذه الكلمة: ولما تدل عليه، ولأهلها العاملين بها. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٤) .

стр. 41

فأهل لا إله إلا الله يحبون الله حبا خالصا، وأهل الشرك يشركون فيحبون مع الله غيره من المعبودات الأخرى، وهذا ينافي معنى لا إله إلا الله. [معنى العبادة] ز- معنى العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، مثل محبة الله ورسوله ﷺ ، والخوف من الله، والتوكل على الله، وسؤال الله تعالى، والصلاة، والزكاة، وبر الوالدين، وذكر الله تعالى، وجهاد الكفار والمنافقين، وغير ذلك. فأنواع العبادة كثيرة تشمل كل أنواع الطاعات كتلاوة القرآن والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، والصدق، والأمانة، والكلمة الطيبة. والعبادة شاملة محل تصرفات المؤمن إذا نوى بها التقرب إلى الله تعالى، بل لو أكل أحدنا أو شرب أو نام بقصد التقوّي على طاعة الله تعالى؛ فإنه يثاب على ذلك، فهذه العادات مع النية الصالحة والقصد الصحيح تصير عبادات يثاب عليها، فليست العبادة قاصرة على الشعائر المعروفة كالصلاة والصيام ونحوهما.

стр. 42

حـ- إن العبادة هي التي خلق الله الخلق من أجلها: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ - مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] (١) . فأخبر سبحانه أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي قيامهم بعبادة الله، والله تعالى غني عن عبادتهم، وإنما هم المحتاجون إلى عبادته، لفقرهم إلى الله تعالى. إن فقر العبد إلى الله بأن يعبد الله لا يشرك به شيئا، أعظم من فقره وحاجته إلى الماء والطعام. إن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله تعالى والإخلاص له، لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذّ ولا أطيب، ولا يخلص أحد من آلام الدنيا ومشاكلها إلا بتحقيق العبودية لله تعالى. [أركان العبادة] ط- أركان العبادة: إن العبادة التي أمر الله بها قائمة على ركنين مهمين: الأول: كمال الذل والخوف، والثاني: كمال الحبّ.

стр. 43

فالعبادة التي فرضها الله على عباده لا بد فيها من كمال الذل لله والخضوع له والخوف منه، مع كمال الحب وغايته، والرغبة إليه ورجائه. والمحبة وحدها التي لم يكن معها خوف ولا تذلل - كمحبة الطعام والمال - ليست بعبادة، وكذلك الخوف بدون محبة - كالخوف من حيوان مفترس - لا يعدّ عبادةً، فإذا اجتمع الخوف والحب في العمل كان عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله وحده. [التوحيد سبب قبولِ العبادة] ي- التوحيد سبب قبولِ العبادة: إن العبادة التي أمر الله بها لا تسمى عبادةً إلا مع توحيد الله تعالى، فلا تصح العبادة مع الشرك، ولا يوصف أحد بأنه عبد لله تعالى إلا مع تحقيقه التوحيد، وإفراد الله تعالى وحده بالعبادة، فمن عَبَد الله تعالى وأشرك معه غَيْرَه فليس عبدا لله. فتوحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة لله وعدم الإشراك به، هو الشرط في قبول العبادة عند الله، إضافة إلى أن العبادة لا تكون مقبولة إلا بموافقة الشرع، وعلى وفق سنة المصطفى ﷺ . فشرطا كل عمل ليكون مقبولا عند الله تعالى هما: ١ - أن لا يعبد إلا الله وحده (وهو التوحيد) .

стр. 44

٢ - أن لا يعبد إلا بما أمر الله به (وهو الاتباع لرسول الله ﷺ . كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] (١) . ومعنى ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] أي: حقق التوحيد فأخلص عبادته لله. ومعنى ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] أي: مُتَّبع لرسول الله ﷺ . [الشرك] ك- الشرك: الشرك يناقض الإيمان بألوهيَّة الله وحده. وإذا كان الإيمان بألوهية الله تعالى وحده، وإفراد الله بالعبادة أهم الواجبات وأعظمها، فإن الشرك أكبر المعاصي عند الله تعالى، فهو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (٢) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٣) .

стр. 45

ولما «سئل رسول الله ﷺ عن أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (١) . والشرك يفسد الطاعات ويبطلها كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] (٢) . . ويوجب الشرك لصاحبه الخلود في نار جهنم، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] (٣) . والشرك نوعان: أكبر وأصغر. والشرك الأكبر: وهو أن يصرف العبد إحدى العبادات لغير الله تعالى، فكل قول أو عمل يحبه الله تعالى، فصرفه لله توحيد وإيمان، وصرفه لغيره شرك وكفر. ومثال هذا الشرك: أن يسأل غير الله رزقا أو صحة، أو يتوكل على غير الله، أو يسجد لغير الله. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] (٤) .

стр. 46

وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] (١) . وقال تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] (٢) . فإذا كان الدعاء والتوكل والسجود من العبادات التي أمر الله بها، فمن صرفها لله كان موحدا مؤمنَاَ، ومن صرفها لغير الله كان مشركا كافرا. والشرك الأصغر: هو كل قول أو عمل يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، وطريقا للوقوع فيه. ومثاله: اتخاذ القبور مساجد، وهو أن يصلي عند القبور، أو يبني مسجدا على أحد القبور، فهذا محرم، وصاحبه متوّعد باللعن والطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، لقوله ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) . فاتخاذ القبور مساجد محرم لا يجوز، ووسيلة لدعاء الموتى وسؤالهم، ودعاء الموتى شرك أكبر.

стр. 47

[الإيمان بأسماء الله وصفاته] ٤ - الإيمان بأسماء الله وصفاته: ١ - وهو: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو سنة رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله تعالى. وهو سبحانه ليس له مثيل في أسمائه وصفاته كما قال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١) فالله تعالى منزّه عن مماثلة أحد من مخلوقاته في جميع أسمائه وصفاته وأسماء الله تعالى كثيرة، ومنها: الرحمن، البصير، العزيز. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] (٢) . وقال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣) . وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٩] (٤) .

стр. 48

ب- ثمرات الإيمان بأسماء الله وصفاته: من ثمرات الإيمان بأسماء الله وصفاته ما يلي: ١ - التعرّف على الله تعالى، فمن آمن بأسماء الله وصفاته ازداد معرفة بالله تعالى، فيزداد إيمانه بالله يقينا، ويقوى توحيده لله تعالى. ٢ - الثناء على الله بأسمائه الحسنى، وهذا من أفضل أنواع الذكر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] (١) . ٣ - سؤال الله ودعاؤه بأسمائه وصفاته، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] (٢) ومثال ذلك أن يقول: اللهم إني أسألك بأنك الرزاق فارزقني. . . ٤ - السعادة والحياة الطيبة في الدنيا، ونعيم الجنة في الآخرة.

стр. 49

[آثار الإيمان بالله تعالى] آثار الإيمان بالله تعالى إن الإيمان بالله تعالى له آثار طيبة، في الدنيا والآخرة، فإن خيرات الدنيا والآخرة، ودفع الشرور كلها من آثار هذا الإيمان. ومن آثار الإيمان ما يلي: ١ - أن الله يدفع عن المؤمنين جميع المكاره، وينجيهم من الشدائد، ويحفظهم من مكايد الأعداء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] (١) . ٢ - أن الإيمان سبب الحياة الطيبة والسعادة والسرور. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] (٢) . ٣ - أن الإيمان يطهّر النفوس من الخرافات، فمن آمن بالله تعالى حقا فإنه يعلِّق أمره بالله تعالى وحده، فهو رب العالمين، وهو الإله الحق لا إله غيره، فلا يخاف من مخلوق، ولا يعلّق

стр. 50

قلبه بأحد من الناس، ومن ثم يتحرر من الخرافات والأوهام. ٤ - من آثار الإيمان الفوز والفلاح، وإدراك كل مطلوب والسلامة من كِل مرهوب، كما قال تعالى عن المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] (١) . ٥ - وأعظم آثار الإيمان: الحصول على مرضاة الله تعالى، ودخول الجنة، والفوز بالنعيم المقيم، والرحمة الكاملة.

стр. 51

[الإيمان بالملائكة] الإيمان بالملائكة ١ - معنى الإيمان بالملائكة: التصديق الجازم بوجود الملائكة، وأنهم نوع من مخلوقات الله، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] (١) . - والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور: ١ - الإيمان بوجودهم. ٢ - الإيمان بمن علمنا اسمه منهم كجبريل ﵇، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالا. ٣ - الإيمان بما علمنا من صفاتهم. ٤ - الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى كتسبيحه والتعبد له ليلا ونهارا بدون تعب أو فتور.

стр. 52

- والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان: قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (١) . وقال ﷺ عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٢) . ب- صفات الملائكة: - من صفات الملائكة الخَلْقية ما ذكره رسول الله ﷺ من أنهم خلقوا من نور، فقال ﵊: «خلقت الملائكة من نور. . .» (٣) . - وأخبر الله تعالى أنه جعل للملائكة أجنحة يتفاوتون في أعدادها فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١] (٤) . «ورأى النبي ﷺ جبريلَ ﵇ له ستمائة جناح» (٥) . - وقد يتحول المَلَكُ بقدرة الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل لجبريل ﵇ حين أرسله الله إلى مريم على صورة بشر، وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم ولوط ﵉ كانوا على صورة رجال. - إن الملائكة عالم غيبي، مخلوقون عابدون لله تعالى، فليس لهم من صفات الربوبية والألوهية شيء، بل هم عباد الله منقادون تماما لطاعة الله، كما قال سبحانه عنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (٦) . ج- أنواع الملائكة وأعمالهم: إن للملائكة أعمالا يقومون بها في هذا العالم، وهم أنواع، ولكل نوع منهم عمل، فمنهم: ١ - الموكل بالوحي من الله تعالى إلى رسله ﵈، وهو جبريل ﵇.

стр. 53

٢ - الموكل بالمطر وتصاريفه. ٣ - الموكل بالصُّور (١) وهو إسرافيل ﵇. ٤ - الموكل بقبض الأرواح، وهو ملك الموت وأعوانه. ٥ - الموكلون بحفظ عمل العبد وكتابته سواءً كان خيرا أو شرا، وهم الكرام الكاتبون. ٦ - الموكلون بحفظ العبد في إقامته وسفره، ونومه ويقظته، وفي جميع حالاته، وهم المعقِّبات. - ومنهم خَزَنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم ملائكة متنقِّلون يتبعون مجالس الخير والذكر، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم ملائكة صُفوف لا يفترون، وقيامٌ لله لا يتعبون، وما يعلم جنود ربك إلا هو سبحانه. د- آثار الإيمان بالملائكة: للإيمان بالملائكة أثار عظيمة في حياة المؤمن، نذكر منها ما يلي: ١ - العلم بعظمة الله وقوته وكمال قدرته، فإن عظمة

стр. 54

المخلوق من عظمة الخالق، فيزيد المؤمن تقديرا لله وتعظيما له، حيث يخلق الله تعالى من النور ملائكة ذوي أجنحة. ٢ - الاستقامة على طاعة الله تعالى، فمن آمن بأن الملائكة تكتب أعماله كلها فإن هذا يوجب خوفه من الله تعالى، فلا يعصيه، لا في العلانية، ولا في السر. ٣ - الاستقامة على طاعة الله، والشعور بالأنس والطمأنينة. عندما يوقن المؤمن أن معه في هذا الكون الفسيح أُلوفا من الملائكة تقوم بطاعة الله على أحسن حال وأكمل شأن. ٤ - شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم، حيث جعل من الملائكة من يقوم بحفظهم وحمايتهم. ٥ - الانتباه إلى أن هذه الدنيا فانية لا تدوم حين يتذكر ملك الموت المأمور بقبض الأرواح حين يتوفاها الله، ومن ثم يحرص على الاستعداد لليوم الآخر بالإيمان والعمل الصالح.

стр. 55

[الإيمان بالكتب] الإيمان بالكتب ١ - معنى الإيمان بالكتب: التصديق الجازم بأن لله تعالى كتبا أنزلها على رسله إلى عباده، وأن هذه الكتب كلام الله تعالى تكلّم بها حقيقة كما يليق به سبحانه، وأن هذه الكتب فيها الحق والنور والهدى للناس في الدارين. والإيمان بالكتب يتضمن ثلاثة أمور: الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقَاَ. الثاني: الإيمان بما سمّى الله من كتبه كالقرآن الكريم الذي نزل على نبينا محمد ﷺ ، والتوراةِ التي أنزلت على موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇. الثالث: تصديق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن. والإيمان بالكتب أحد أركان الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] (١) .

стр. 56

فأمر الله بالإيمان به وبرسوله وبالكتاب الذي نزّل على رسوله ﷺ وهو القرآن، كما أمر بالإيمان بالكتب المنزلة من قبل القرآن. وقال ﷺ عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١) . ب - مزايا القرآن الكريم: إن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على نبينا وقدوتنا محمد ﷺ ، ومن ثم فإن المؤمن يعظّم هذا الكتاب، ويسعى إلى التمسك بأحكامه، وتلاوته وتدبّره. وحسبنا أن هذا القرآن هو هادينا في الدنيا، وسبب فوزنا في الآخرة. وللقرآن الكريم مزايا كثيرة وخصائص متعددة ينفرد بها عن الكتب السماوية السابقة، منها: ١ - أن القرآن الكريم قد تضّمن خلاصة الأحكام الإلهية، وجاء مؤيِّدا ومصِّدقا لما جاء في الكتب السابقة من الأمر بعبادة الله وحده.

стр. 57

قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] (١) . ومعنى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨] أي يصدّق هذا القرآن ما في هذه الكتب من الصحيح، ومعنى ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أي مُؤْتَمِنا وشاهِدا على ما قبله من الكتب. ٢ - أن هذا القرآن العظيم يجب على جميع الناس التمسك به، ويتعيّن على جميع الخلق اتباع القرآن والعمل به، بخلاف الكتب السابقة فهي لأقوام معينين. قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] (٢) ٣ - أن الله تعالى قد تكفّل بحفظ القرآن الكريم، فلم تمتد إليه يد التحريف، ولا تمتد إليه، كما قال سبحانه. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٣) . جـ- واجبنا نحو القرآن الكريم: إذا عرفنا بعض المزايا العظيمة والخصائص الفريدة لهذا

стр. 58

القرآن الكريم، فما واجبنا نحو القرآن؟ - يجب علينا محبة القرآن، وتعظيم قدره واحترامه إذ هو كلام الخالق ، فهو أصدق الكلام وأفضله. - ويجب علينا تلاوته وقراءته، وأن نتدّبر آيات القرآن سوره، وأن نتفكر في مواعظ القرآن وأخباره وقصصه. - ويجب علينا اتباع أحكامه، والطاعة لأوامره وآدابه. سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ ، فقالت: «كان خلقه القرآن» (١) . ومعنى الحديث: أن الرسول ﷺ هو التطبيق العملي لأحكام القرآن وشرائعه، فقد حقق ﷺ كمال الاتباع لهدي القرآن، ومن يتعيّن علينا الاقتداء برسول الله ﷺ ، فهو القدوة الحسنة لكل واحد منا، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢) . د - تحريف الكتب السابقة: أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم أن أهل الكتاب من اليهود

стр. 59

والنصارى قد حرّفوا كتبهم، فلم تعد في صورتها التي أنزلها الله تعالى. فحرّف اليهود التوراة، وبدّلوها، وغيرّوها، وتلاعبوا بأحكام التوراة، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] (١) . كما حرفّ النصارى الإنجيل، وبدّلوا أحكامه، قال تعالى عن النصارى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] (٢) . فليست التوراة الموجودة الآن هي التوراة التي أنزلت على موسى ﵇، ولا الإنجيل الموجود الآن هو الإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇. إن التوراة والإنجيل التي في أيدي أهل الكتاب تشتمل على عقائد فاسدة، وأخبار باطلة، وحكايات كاذبة، فلا نصدِّق من

стр. 60

هذه الكتب إلا ما صدّقه القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة، ونكذب ما كذّبه القرآن والسنة. هـ- آثار الإيمان بالكتب: للإيمان بالكتب آثار متعددة نذكر منها: ١ - العلم بعناية الله تعالى بعباده، وكمال رحمته حيث لكل قوم كتابا يهديهم به، ويحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة. ٢ - العلم بحكمة الله تعالى في شرعه، حيث شَرَع لكل قوم ما ينسب أحوالهم ويلائم أشخاصهم، كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (١) . ٣ - شكر نعمة الله في إنزال تلك الكتب، فهذه الكتب نور وهدي في الدنيا والآخرة، ومن ثم فيتعيّن شكر الله على هذه النعم العظيمة.

стр. 61

[الإيمان بالرسل] [حاجة الناس إلى الرسالة] الإيمان بالرسل ١ - حاجة الناس إلى الرسالة: الرسالة ضرورية للعباد، لا بدّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأيّ صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمةٌ إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، ولا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدارين إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيِّب والخبيث على التفصيل إلا من طريقهم. لقد سمى الله رسالته روحا، والروح إذا عدم فقدت الحياة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (١) . والإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان، قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (٢) .

стр. 62

فدلًت الآية على وجوب الإيمان بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام دون تفريق، فلا نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض كحال اليهود والنصارى. «وقال ﷺ عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١) . وإن ما تعانيه الدول - التي يسمونها دولا متقدمة ومتحضرة - من أنواع الاضطراب والهموم والشقاء والتفكك، إنما هو بسبب الإعراض عن الرسالة. [معنى الإيمان بالرسل] ب- معنى الإيمان بالرسل: هو التصديق الجازم بأن الله بعث في كل أمة رسولا منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن الرسل كلهم صادقون مصدّقون، أتقياء أمناء، هداة مهتدون، وأنهم بلّغوا جميع ما أرسلهم الله به، فلم يكتموا ولم يغيّروا، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم ينقصوه، كما قال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] (٢) .

стр. 63

وإن جميع الأنبياء كلهم كانوا على الحق المبين، وأنه قد اتفقت دعوتهم إلى عقيدة التوحيد، كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) . وقد تختلف شرائع الأنبياء في الفروع من الحلال والحرام، كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٢) . والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بأن رسالتهم حقّ من الله تعالى، فمن كفر برسالةِ واحد منهم فقد كفر بالجميع. الثاني: الإيمان بكل من سمى الله من الأنبياء، مثل: محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالا. الثالث: تصديق ما صح من أخبار الرسل. الرابع: العمل بشريعة الرسول الذي أرسل إلينا وهو أفضلهم وخاتمهم محمد ﷺ .

стр. 64

[تعريف النبي والرسول] جـ - تعريف النبي والرسول: النبي لغة: المُخبر، مشتق من النبأ وهو الخبر، فالنبي مُخبر عن الله تعالى. أو مشتق من النَّبْوَة وهي ما ارتفع من الأرض، فالنبيّ أشرف الخلق وأرفعهم منزلة. وأما تعريف النبيّ اصطلاحا: فهو إنسان حرّ، ذكر، اختاره الله وخصّه بتبليغ الوحي إليه. والرسول لغةً: المتابع لأخبار من أرسله. وأما تعريف الرسول اصطلاحا: فهو إنسان حر ذكر، نبّأه الله تعالى بشرع، وأمره بتبليغه إلى قوم مخالفين. - وأما الفرق بينهما فإن الرسول أخص من النبي، فكل رسولٍ نبي، وليس كل نبي رسولا، فالرسول يؤمر بتبيلغ الشرع إلى من خالف دين الله، أو لا يعلم دين الله، وأما النبي فيبعث بالدعوة لشرع من قبله. [صفات الرسل وآياتهم] د- صفات الرسل وآياتهم: من صفات الرسل ﵈ أنهم بشر، فيحتاجون لما يحتاج إليه البشر من الطعام والشراب.

стр. 65

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] (١) . كما أن الرسل يصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض، ويأتيهم الموت كسائر الخلق. فليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، ولكنهم بشر بلغوا الكمال في الخِلقة الظاهرة، كما بلغوا الذروة في كمال الأخلاق، كما أنهم خير الناس نسبا ولهم من العقول الراجحة، واللسان المبين ما يجعلهم أهلًا لتحمل تبعات الرسالة والقيام بأعباء النُبوَّة. وتظهر لنا الحكمة من إرسال الرسل بشرا، وذلك حتى تتمثلَ القدوةُ للبشر في واحدٍ من جنسهم، ومن ثم فإن اتباع الرسول والاقتداء به هو في مقدورهم وفي حدود طاقتهم. ومن صفات الرسل أن الله خصهم بالوحي دون بقية الناس، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] (٢) . فقد اختارهم الله واصطفاهم من بين سائر الناس، وكما قال

стр. 66

تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (١) . ومن صفات الرسل أنهم معصومون فيما يبلِّغون عن الله، فهم لا يخطئون في التبليغ عن الله، ولا يخطئون في تنفيذ ما أوحى الله به إليهم. ومن صفات الرسل: الصدق، فالرسل ﵈ صادقون في أقوالهم وأعمالهم، قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] (٢) . ومن صفاتهم: الصبر، فالرسل كانوا مبشرين ومنذرين، يدعون إلى دين الله تعالى، وقد أصابتهم صنوف الأذى وأنواع المشاق، ومع ذلك فقد صبروا وتحمّلوا في سبيل إعلاء كلمة الله، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (٣) . وأما آيات الرسل فإن الله تعالى قد أيّد رسله ﵈ بالمعجزات البينة والبراهين القاطعة الدالة على صدقهم، وصحة نبوَّتهم ورسالتهم، فأجرى الله على أيدي رسله

стр. 67

المعجزات الخارقةَ التي ليست في مقدور البشر من أجل تقرير صدقهم وإثبات نبوتهم. وتعريف آيات الرسل ومعجزاتهم: هي أمور خارقة للعادة يظهرها الله تعالى على أيدي أنبيائه ورسله على وجه يعجز البشر عن الإتيان بمثله. ومن أمثلة تلك المعجزات والآيات: إخبار عيسى ﵇ قومَهُ بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم، ومثل تحويل عصا موسى ﵇ حية، ومثل انشقاق القمر لنبينا محمد ﷺ . [الحكمة من إرسال الرسل] هـ- الحكمة من إرسال الرسل: - أرسل الله الرسل لتعريف الناس بمعبودهم الحق، ولدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وأرسل الله الرسل لإقامة الدين، والنهي عن التفرّق فيه، يقول تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] (١) .

стр. 68

- وأرسل الله الرسل للتبشير والإنذار، فقال سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦] (١) . وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] (٢) . ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيوي: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] (٣) . وفي الآخرة يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] (٤) . ويخوّفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الآخرة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٥) .

стр. 69

- وأرسل الله الرسل لإعطاء الأسوة الحسنة للناس في السلوك القويم، والأخلاق الفاضلة والعبادة الصحيحة، كما قال تعالى في شأن نبينا محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (١) . [الإيمان بمحمد ﷺ نبيا ورسولا] و الإيمان بمحمد ﷺ نبيا ورسولا: - نؤمن بأن محمدا ﷺ هو عبد الله ورسوله، وأنه سيّد الأولين والآخرين، وهو خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، وقد بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده. - ويجب أن نصدقه فيما أخبر به، ونطيعه فيما أمر، ونبتعد عما نهى عنه وزجر، وأن نعبد الله على وفق سنته ﷺ ، وأن نقتدي به دون غيره، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢) . - ويجب أن نقدّم محبة النبي ﷺ على محبة الوالد والولد وجميع الناس كما قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ

стр. 70

إليه من والده وولده والناس أجمعين» (١) . ومحبته الصادقة تكون باتباع سنته والإقتداء بهديه. والسعادة الحقيقية والاهتداء التام لا يتحقق إلا بطاعته، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (٢) . - يجب علينا قبول ما جاء به النبي ﷺ ، وأن ننقاد لسنته، وأن نجعل هديه محل إجلال وتعظيم، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣) . - علينا أن نحذر من مخالفة أمره ﷺ لأن مخالفة أمره سبب للفتنة والضلال والعذاب الأليم، حيث قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٤) .

стр. 71

[خصائص الرسالة المحمدية] ز- خصائص الرسالة المحمدية: تختص الرسالة المحمدية عن الرسالات السابقة بجملة من الخصائص، نذكر منها: - الرسالة المحمدية خاتمة للرسالات السابقة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (١) . - الرسالة المحمدية ناسخة للرسالات السابقة، فلا يقبل الله من أحد دينا إلا باتباع محمد ﷺ ، ولا يصل أحد إلى نعيم الجنة إلا من طريقه، فهو ﷺ أكرم الرسل، وأمته خير الأمم، وشريعته أكمل الشرائع. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٢) وقال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت

стр. 72

به إلا كان من أصحاب النار» (١) . - الرسالة المحمدية عامةٌ إلى الثقلين: الجن والإنس. قال تعالى حكاية عن قول الجن. ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] (٢) . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (٣) . وقال ﷺ : «فضلتُ على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي لأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (٤) . [أثار الإيمان بالرسل] حـ - أثار الإيمان بالرسل: للإيمان بالرسل آثار عظيمة، نذكر منها: ١ - العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل

стр. 73

الرسل إليهم ليهدوهم إلى الطريق الصحيح، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك، قال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (١) . ٢ - شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى. ٣ - محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم قاموا بعبادة الله وتبليغ رسالته والنصح لعباده. ٤ - اتباع الرسالة التي جاءت بها الرسل من عند الله، والعمل بها، فيتحقق للمؤمنين في حياتهم الخير والهداية والسعادة في الدارين. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤] (٢) .

стр. 74

[الإيمان باليوم الآخر] [معنى الإيمان باليوم الآخر] الإيمان باليوم الآخر ١ - معنى الإيمان باليوم الآخر: معناه التصديق الجازم بإتيانه لا محالة والعمل بموجب ذلك، ويدخل في ذلك الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور، وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع وتفاصيل المحشر ونَشْر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض والشفاعة فيرها، وبالجنة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه الله عز جل، وبالنار وعذابها الذي أشده حجبهم عن ربهم . [اهتمام القرآن بهذا الركن وحكمته] ب- اهتمام القرآن بهذا الركن وحكمته: ولقد حفل القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، واهتم بتقريره كل موقع، ونبّه إليه في كل مناسبة، وأكد وقوعه بشتى أساليب العربية، ومن أنواع هذا الاهتمام بهذا اليوم العظيم في كتاب الله، أنه كثيرا ما ربط الإيمان به بالإيمان بالله .

стр. 75

ومثاله في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] (١) - ومن أنواعه أيضا، إكثار القرآن من ذكر اليوم الآخر، حتى إنك لا تكاد تمر على صحيفة من صحائف القرآن إلا وتجد فيها حديثَاَ عن اليوم الآخر، وما سيكون فيه من الأحداث والأحوال، وبأساليب كثيرة ومتنوعة. - ومن أنواع هذا الاهتمام أن الله قد سمي هذا اليوم بأسماء كثيرة ومتعددة؛ التي تدل على تحقق وقوع هذا اليوم، مثل: الحاقة، والواقعة، والقيامة. وبعض هذه الأسماء يدل على ما سيقع فيه من الأهوال مثل الغاشية والطامة والصاخَّة والقارعة. ومن أسماء اليوم الآخر في القرآن: يوم الدين، ويوم الحساب، ويوم الجمعة، ويوم الخلود، ويوم الخروج، ويوم الحسرة، ويوم التناد. - وأما حكمة ذلك الاهتمام البالغ بهذا الركن فمنها: أن
следующие страницы →