← Общие книги

Общие книги · id 30810

المستشرقون والتنصير

علي بن إبراهيم الحمد النملة

Полный текст (167 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] المستشرقون والتنصير

стр. 2

المقدمة عندما شرعت في قراءة كتاب " المستشرقون الناطقون باللغة الإنجليزية دراسة نقدية " لعبد اللطيف الطيباوي، وجدت الكاتب قد ركز على " الخلفية الدينية " لكثير من المستشرقين البريطانيين الذين ناقشهم في مقالته التي ترجمت إلى اللغة العربية ونشرت أكثر من مرة. وكنت قد بدأت البحث عن الصلة بين الاستشراق والتنصير في مقالة نشرت في إحدى الدوريات العلمية، وضمنتها كتاب الاستشراق في الأدبيات العربية، ففتح لي بحث الطيباوي التوسع في هذا المجال ومحاولة التعرف على المستشرقين المنصرين، أو الذين خدموا التنصير بوجه من الوجوه. ويظهر التردد الواضح في إيجاد الصلة، لا سيما إذا كان يراد التعميم في هذه الصلة أو الرابطة والعلاقة، أو تأكيد ذلك التوجه الذي يرفض الاستشراق جملة وتفصيلا، ويسعى في سبيل تأييد هذا الرفض إلى إيجاد المسوغات التي قد تتسم بالتعسف أحيانا لإظهار مقاصد الاستشراق بالمظهر الذي يريد الوصول إلى التشكيك في الاستشراق تعميما. وهذا ليس دفاعا عن الاسشراق، ولا يسعى هذا البحث إلى ذلك، فللمستشرقون من دافع عنهم، ومن لا يزال يدافع عنهم من بينهم ومن المتأثرين بهم، وبما قدموه للثقافة العربية من جهد. وإنما القصد من هذه المقدمة محاولة النظر إلى ظاهرة الاستشراق بارتباطاتها المتعددة نظرة

стр. 3

موضوعية قائمة على البحث العلمي المتجرد من سيطرة الهوى والعاطفة الزائدة عن المطلوب. وأؤكد أن الهوى بارز في دراساتنا العربية الإسلامية عن الاستشراق، وكذا العاطفة، ولن نستطيع أن نكون من الموضوعية والتجرد التام، بحيث نغفل انتماءنا إلى هذه الثقافة التي نجادل المستشرقين حولها، ونحاورهم فيها، ولكننا نسعى ألا يسيطر علينا الهوى، ولا تجيش بنا العاطفة إلى الدرجة التي تؤدي بنا إلى أن نغفل الموضوعية والتجرد، مما يؤدي في النهاية إلى رفض الطرح القائم على هذه المنهجية، ويكون أثرا في التوجه إلى المستشرقين، وقبول ما جاءوا به. ومسألة ارتباط الاستشراق بالتنصير مسألة مسلم بها من المستشرقين أنفسهم، قبل التسليم بها من الدارسين للاستشراق من العرب والمسلمين، ولكن من غير المسلم به ربط الاستشراق كله بالتنصير، وربط التنصير كله بالاستشراق، إذ إن هناك استشراقا لم يتكئ على التنصير، كما أن هناك تنصيرا لم يستفد من الاستشراق. وتتحقق هذه النظرة إذا ما تعمقنا في دراسة الاستشراق من حيث مناهجه وطوائفه وفئاته ومدارسه ومنطلقاته، وأهدافه. وقد أثارت مقالة " عبد اللطيف الطيباوي " فكرة التوسع في دراسة العلاقة بين التنصير والاستشراق، بعد أن كاد الموضوع يترك لما هناك من التوجه

стр. 4

في " نسيان الماضي "، والتعامل مع الاستشراق من منطلقات علمية موضوعية معاصرة لا تربط بين ماضي الاستشراق وحاضره، ولكن هذه المقالة قد أكدت من جديد أنه يتعذر انفكاك حاضر الاستشراق عن ماضيه، على الرغم من محاولات التخفيف من الارتباطات التي كانت بينة من قبل، بحجة أن الحاضر الاستشراقي ليس بالضرورة امتدادا للماضي، بل إنه لا يأخذ من الماضي إلا الاسم، والاسم الآن في طور التغيير عندما يلجأ بعض المستشرقين المعاصرين إلى البراءة من المصطلح " الاستشراق " إلى " الاستعراب " أو " الشرق - أوسطية " أو " علم الإسلاميات "، فيكون المشتغل بالاستشراق، كما خبرناه سلفا، ليس مستشرقا، وإنما هو إما مستعرب، أو شرق - أوسطي، أو عالم من علماء الإسلاميات، أي العلوم الإسلامية. وعلى أي حال فإن الارتباط الثقافي بين الاستشراق والتنصير لا يزال قائما، وسيظل كذلك، مهما جرت المحاولات لفك هذا الارتباط، إذ لا يزال هناك مستشرقون منصرون، وسيظل هناك منصرون مستشرقون. بل إني أرى أنه ما دام هناك تنصير فهناك استشراق، ذلك أني أرى أن المنصر، لاسيما في البلاد الإسلامية، مضطر إلى دراسة المجتمع المستهدف للتنصير، وبالتالي فإنه مضطر إلى الرجوع إلى النتاج الاستشراقي في الدراسة والتعرف على هذه المجتمعات، ويتبع هذا إمكانية كتابته هو عن هذا المجتمع أو ذاك من وجهة نظره وانطباعاته، إما على شكل تقارير ترفع للمعنيين بالتنصير، أو على شكل مقالات في الدوريات التنصيرية، أو على

стр. 5

شكل كتب مستقلة تبين تجربة المنصر، ويضمنها توصياته وآراءه لزملائه في المهمة. وكل هذا النتاج يدخل في مفهوم الاستشراق، مادام يعالج مجتمعا مسلما من شخص لا ينتمي إليه. كما أن المصطلح " الاستشراق " سيظل هو المستخدم إلى حين، رغم مزاحمة المصطلحات الجديدة له، ذلك أن ما أنتج على مدى القرون الماضية من دراسات وبحوث وآراء ونظريات تحت اسم الاستشراق لا يتوقع له أن يزول لمجرد أن هناك محاولات معاصرة للانسلاخ من المصطلح والدخول في مصطلح جديد، بل في مصطلحات جديدة، هي لا تعدو أن تكون تغييرا طفيفا على الاسم بينما المسمى باق بكل ما يحمله من دلالات.

стр. 6

[القسم الأول الدراسة الاستشراق والتنصير مدى العلاقة بين ظاهرتين] [المدخل] القسم الأول: الدراسة الاستشراق والتنصير مدى العلاقة بين ظاهرتين

стр. 7

المدخل: اعتنت الدراسات العربية حول الاستشراق والمستشرقين بالبحث عن البواعث أو الأهداف التي حدت بهم إلى دراسة علوم المسلمين، لا سيما التراث الإسلامي مع انطلاقة الاستشراق، ثم المجتمع المسلم الحديث الذي شهد تطورات وتغييرات دعت إلى دراسته والتركيز عليه. ويقرر كثير من الباحثين الذين درسوا أهداف الاستشراق أن الهدف الديني يقف على قمة هذه البواعث، ذلك أن العلاقة بين الغرب والإسلام قائمة على " صراع " ديني ظهر واضحا أثناء الحروب الصليبية التي امتدت قرنين من الزمان من سنة ٤٨٩ - ٦٩١ هـ، ١٠٩٥ - ١٢٩١ م، هذا مع الأخذ في الحسبان الرأي القائل أن هذه الحروب لما تنته، ولن تنتهي مصداقا لقول الباري ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] (١) . والمعلوم أن المستشرقين ليسوا جميعا ممن ينتمون إلى النصرانية دينا،

стр. 8

ففيهم المستشرقون اليهود الذين خدموا اليهودية من خلال دراساتهم الاستشراقية، كما أن فيهم الملحدين الذين خدموا الإلحاد من خلال اهتمامهم بالمنطقة العربية والإسلامية، ومحاولاتهم نشر الإلحاد في هذه البقاع بديلا عن الإسلام. ويمكن أن يدخل هؤلاء جميعا تحت الهدف الديني، إذا ما توسعنا في هذا المصطلح. ثم العلمانية التي تعد كذلك دينا أو اعتقادا إذا أردنا الدقة. وهناك انتساب واضح إلى العلمانية عند فئة من المستشرقين، (١) كما أن هناك انتسابا صريحا للصهيونية عند فئة أخرى من المستشرقين، (٢) مما يعني أن هناك انتسابا صريحا للتنصير عند فئة ثالثة من المستشرقين. وهذا يؤيد أن النظرة إلى الاستشراق التنصيري لا تحتاج إلى شيء من التعسف

стр. 9

أو تلمس البراهين لتأييد وجود منصرين مستشرقين، ذلك أن فئة منهم لم تتورع عن قبول اللقب الديني، أو الرتبة الدينية " الأب " أو " الأسقف " أو " البطريرك " أو " المطران " سابقا للاسم الأصلي، كما سيتبين عند سرد نماذج من المستشرقين المنصرين. ومن الأهداف الفرعية للهدف الديني الرئيسي للاستشراق الهدف التنصيري (١) إذ وجد جمع من المستشرقين هدفوا من دراستهم للشرق إلى تعميق فكرة التنصير في هذا المجتمع، وحاولوا بطريقتهم العلمية تحقيق مفهوم التنصير، مع ما تعرض له هذا المفهوم من تحوير، لا سيما عندما يكون موجها لمجتمع متدين كالمجتمع المسلم، وبما يحمله المفهوم من حماية النصارى من الإسلام، والحد من انتشاره بين النصارى وفي مواطنهم، ومن ثم الحد من انتشاره بين غير النصارى في مواطنهم أيضا. يمكن أن يكون من الأهداف الدينية التنصيرية السعي إلى توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، الأمر الذي يستدعي وجود الاستشراق والإفادة منه في هذا الشأن (٢) .

стр. 10

ويقول " إدوارد سعيد ": " ولقد أظهر مؤرخون عديدون أن أقدم الباحثين الأوربيين في شؤون الإسلام كانوا من أهل الجدل في القرون الوسطى، ممن كتبوا لتبديد تهديد الحشود الإسلامية وتهديد الارتداد، وبطريقة أو بأخرى تواصل هذا المزيج من الفزع والعداء حتى يومنا هذا في الانتباه البحثي وغير البحثي المنصب على إسلام يرى منتميا إلى جزء من العالم (هو الشرق) يوضع موقع النقيض ضد أوروبا والغرب على الصعيد التخييلي والجغرافي والتاريخي " (١) . [مؤيدات هذا الهدف] مؤيدات هذا الهدف: والذي يؤيد وجود هذا الهدف عدة عوامل مهمة، ومن أبرزها: - أن أساس العلاقة بين الشرق والغرب قد قامت على العداء الديني، ورفض الإسلام بديلا للنصرانية في الشرق وغيره، بما في ذلك حماية النصارى الشرقيين من الإسلام، والتأثير على الأرثوذوكس في الشرق واستقطابهم للكنيسة الكاثوليكية في الغرب (٢) .

стр. 11

- وأن هذا الشعور قد " ولد " شعورا بالاستعلاء والفوقية الغربية على بقية أمم الأرض، بما فيها المسلمون، وأن هذا الشعور بالفوقية قد انطلق من الكنيسة الغربية باحتقار كل ما هو غير بابوي النحلة والهوى، وقد تسرب هذا الشعور " رويدا بتأثير وعاظ الكنائس والقسس والرهبان، فخلق فيهم حالة نفسية استعلائية، صبغت العقلية الغربية والفكر الغربي في القرون الوسطى " (١) وقد صدق المستشرقون هذه النظرة " ولم يكلفوا أنفسهم تبديلها مع عيشهم الطويل بين المسلمين أو من زياراتهم المتكررة واطلاعهم على القرآن الكريم والحديث الشريف " (٢) . فاستمر شعورهم العميق بتفوق ما لديهم، إن حقا وإن باطلا، في الوقت الذي رأوا فيه بطلان ما لدى غيرهم لعدم اتفاقه مع ما لديهم من دين وثقافة وفكر. - أن طلائع المستشرقين من النصارى كانوا ذوي مناصب دينية، وأنهم قد انطلقوا من الكنائس والأديرة، ويعود هذا إلى النصف الثاني من القرن

стр. 12

الرابع الهجري، القرن العاشر الميلادي، (١) مع أن التبادل الثقافي والعلمي بين المسلمين ونصارى أوربا قد بدأ قبل ذلك بكثير، لا سيما في عهد الخليفة العباسي " هارون الرشيد " (ت ١٨٢ هـ) ، و " المأمون: (ت ٢٣٠ هـ) (٢) . - وأن كثيرا من المستشرقين قد بدأوا حياتهم العلمية بدراسة اللاهوت قبل التفرغ لميدان الدراسات الاستشراقية (٣) وكان همهم إرساء نهضة الكنيسة وتعاليمها، لا سيما في العصور الوسطى (٤) أي أن هدفهم كان تنصيريا واضحا، فكأن الاستشراق إنما قام ليغذي التنصير بالمعلومة المنقولة بلغة المنصر، رغم محاولات تعميم اللاتينية لغة للتنصير (٥) .

стр. 13

- وأن أوائل المطبوعات الغربية باللغة العربية قد ركزت على الكتب الدينية النصرانية، وأن أول ما طبعته لايدن من الكتب كان الإنجيل (١٥٦٩ - ١٥٧٣ م) ويذكر " العقيقي " أن أول كتاب عربي طبع في هولندا كان الحروف الأبجدية والمرموز الخمسين تجربة لها (١٥٩٥ م) (١) . - وأن التنصير قد اتكأ كثيرا على الاستشراق في الحصول على المعلومات عن المجتمعات المستهدفة، لا سيما الإسلامية في موضوعنا هذا، وخاصة عندما اكتسب مفهوم التنصير معنى أوسع من مجرد الإدخال في النصرانية إلى تشويه الإسلام والتشكيك في الكتاب والسنة والسيرة وغيرها (٢) فكان فرسان في هذا التطور في المفهوم هم المستشرقين (٣) . - وأن من مقاصد الاستشراق الرئيسة، التي انطلق منها، التعرف على

стр. 14

مصادر النصرانية من اللغة العبرية، وقد ساقتهم دراسة اللغة العبرية إلى تعلم اللغة العربية، وتعلم اللغة العربية قاد إلى الاستشراق، فاللغة العربية هي لغة دين وثقافة وفكر جاء ليحل محل الدين النصراني والثقافة والفكر المنبثقين عن الدين النصراني، فأوجد هذا نزعة التعصب التي قادت إلى استخدام اللغة العربية والعبرية في هذا المنحى " الاستشراقي الذي اتجه إلى الإسلام والعربية، وقد قيل: إنك لا تكاد تجد مستشرقا إلا أجاد اللغة العبرية والعربية معا " (١) . - وأن البداية. " الرسمية " للاستشراق قد انطلقت من مجمع فينا الكنسي سنة ٧١٢ هـ ١٣١٢ م، الذي نعرف الآن أنه قد أوصى بإنشاء عدة كراسي للغات، ومنها اللغة العربية، ولا سيما التشريع الحادي عشر الذي قضى فيه البابا " إكليمنس الخامس " بتأسيس كراسي لتدريس العبرية واليونانية والعربية والكلدانية (السريانية، الآرامية) في الجامعات الرئيسية (٢) وكانت

стр. 15

هذه التوصية قائمة على دعوة " ريموند لول " (١) لإنشاء كراسي للغة العربية في أماكن مختلفة. وينقل عبد اللطيف الطيباوي عن " رادشل " في كتاب له عنوانه: الجامعات في أوربا في القرون الوسطى أن " الغرض من هذا القرار كان تنصيريا صرفا وكنسيا لا علميا " (٢) . - وأن الاستشراق قد استشرى ونال رعاية الكنيسة ومباركتها عندما ثبت فشل الحروب العسكرية من خلال انحسار المد الغربي الصليبي بعد جهود قرنين من الزمان، فاتجهت الكنيسة الغربية إلى التنصير من خلال الفكر والثقافة والعلم، فكان التوجه إلى ما نسميه اليوم بالغزو الفكري في تحقيق ما فشل فيه سلاح الغزو الحربي (٣) . هذا الغزو الذي اتخذ من الاستشراق منطلقا له، سعى من خلاله إلى تشويه الإسلام بطرق شتى، لا تتعدى كونها جملة من الإسقاطات التي نالت حظا طيبا من النقاش والرد، في زمان

стр. 16

إطلاقها وبعده، من كثير من المسلمين (١) . وكان الهدف من هذه الدعوة هو أن تؤتي محاولات التنصير ثمارها بنجاح من خلال تعلم لغات المسلمين (٢) وقد عبر عن هذه الثمار في دعوة " لول " بارتداد العرب إلى النصرانية من الإسلام، كما كان " غريغوري العاشر " يأمل في ارتداد المغول إلى النصرانية، وقبله كان " الإخوة الفرنسيسكان " قد توغلوا في أعماق آسيا يدفعهم حماسهم التنصيري، ومع أن آمالهم لم تتحقق في وقتها إلا أن الروح التنصيرية قد تنامت منذئذ (٣) . وهذا يعني بتعبير أوضح " إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى الدين النصراني " (٤) وهذا مما أدى إلى الاستنتاج أن

стр. 17

التنصير هو الأصل الحقيقي للاستشراق، " وليس العكس صحيحا كما يذهب أغلب الباحثين " (١) . والدلائل التي ذكرت في ثنايا هذه الدراسة تؤيد ذلك وتدعمه. ومن هذا المنطلق يفهم التوجه إلى تعريف المستشرقين بأنهم " الذين يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، ويقدمون الدراسات اللازمة للمبشرين، بغية تحقيق أهداف التبشير، وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار " (٢) . وقد انتظم الاستشراق في الفاتيكان وانتشر واستمر على أيدي البابوات والأساقفة والرهبان، فكان رجال الدين النصراني " - ومجمعهم الفاتيكان يومئذ - يؤلفون الطبقة المتعلمة في أوربا، ولا سبيل إلى إرساء نهضتها إلا على أساس من التراث الإنساني الذي تمثلته الثقافة العربية، فتعلموا العربية، ثم اليونانية، ثم اللغات الشرقية للنفوذ منها إليه. . . " (٣) وكذلك لمقارعة فقهاء المسلمين واليهود والرد عليهم، وتدريب أدلاء يتخاطبون بالعربية

стр. 18

للقيام على خدمة مرتادي بيت المقدس من النصارى، ويطلق عليهم " الحجاج "، فأسس البابا جمعية الجوالين سنة ٦٤٨ هـ - ١٢٥٠ م، وطبعت بعد ذلك أدلة الحج، وفيها الأبجدية العربية وطريقة النطق بها، وخريطة لمدينة القدس، ورسوم للزي العربي، لا سيما اللبناني، يقول نجيب العقيقي في هذا: " فكان أول ما عرفت أوربا من الطباعة العربية " (١) . وقد أضحى هذا المنحى في الرؤية إلى نشأة الاستشراق مما يتفق عليه معظم الباحثين المسلمين في ظاهرة الاستشراق (٢) لا سيما أولئك الذين لا يسعون إلى الاعتذار للمستشرقين بخاصة، وللغرب بعامة، وقد عد الاستشراق أقرب الطرق وأسهلها للتنصير (٣) . على أني لحظت أن هناك من يرى التداخل بين التنصير والاستعمار في الإفادة من الاستشراق، بحيث يقال إن الهدف من الاستشراق هو " التمهيد للاستعمار الزاحف. . . حتى يمكن للمستعمرين التعامل مع الشعوب المغلوبة

стр. 19

المنهوبة على ضوء ما عرفوه عنها " (١) وفي هذا شيء من الاقتصار على هدف من أهداف الاستشراق يخدم مجال الباحث في بحثه دون النظر إلى الأهداف الأخرى، ويؤدي هذا إلى قصر الأهداف على الهدف الديني التنصيري، الأمر الذي ينبغي ألا يكون. ومن المهم هنا النظرة إلى التداخل في الأهداف مع القدرة على التمييز بينها، وأن هذه الأهداف إنما تسعى إلى الإفادة من بعضها في تحقيق غاياتها، فالهدف الديني، ومنه التنصير، للاستشراق يتداخل مع الأهداف الأخرى كالاستعمار والهدف السياسي، بل والهدف الاقتصادي والتجاري، ثم الهدف العلمي، وذلك لتعذر التخلي عن الخلفية الثقافية القائمة على الدين في النظر إلى الثقافات الأخرى. وهذا ما جعل بعض المستشرقين ينظر إلى الشرق نظرة فوقية مدعيا أن علو الغرب إنما يعود إلى الديانة النصرانية، بينما يعود تخلف الشرق وبالتالي دونيته لتمسكه بالإسلام. وقد استمرت هذه النظرة الفوقية المنبعثة من الدين، وغذتها كذلك النظرة العرقية، إلى وقتنا الحاضر، ويذكر " خير الله سعيد " أن " جوهر الاستشراق هو التمييز الذي يستحيل اجتثاثه بين الفوقية الغربية والدونية الشرقية، ثم

стр. 20

إن هذا الاستشراق في تناميه وفي تاريخه اللاحق قد عمق هذا التمييز، بل أعطاه صلابة وثباتا " (١) . وربما كان هذا الشعور أحد مسوغات الاستعمار الذي جثم على الدول المستعمرة ردحا من الزمن، بحجة عدم قدرة الشعوب الشرقية على حكم نفسها، فاحتاجت إلى الوصاية الغربية عليها، وهذا ما يشير إليه تقرير " سكاربرو " (٢) كما يشير إليه " هاملتون جب " في الاتجاهات الحديثة في الإسلام (٣) .

стр. 21

[فئات المستشرقين المنصرين] فئات المستشرقين المنصرين: وللبعد عن التعميم فإننا نعلم من دراسة سير المستشرقين وأنشطتهم العلمية، لا سيما المتأخرون منهم، أنهم ليسوا بالضرورة جميعا من المنصرين، ولم يكونوا بالضرورة متعاطفين جميعا مع الحملات التنصيرية، وإن كان من هؤلاء المستثنين من قد سعوا إلى تحقيق الأهداف الأخرى للاستشراق، كالأهداف الاستعمارية والسياسية والتجارية الاقتصادية والعلمية التي وصفها بعض الدارسين العرب بالغايات النزيهة، ذلك أنها رمت إلى العلم بالشيء، دون إبطان أي هدف آخر. وهذا قد يبدو واضحا عند استعراض سير كثير من المستشرقين، ولا سيما المستشرقون الألمان، في غالبيتهم، وتتبع أنشطتهم الاستشراقية التي اتسمت بالعلمية أكثر من أنشطة المستشرقين الآخرين، بل إن هذا المنحى في النظرة يمكن أن يعين على التعرف على المستشرقين الأكثر تعاونا مع التنصير، لا سيما عند النظر إلى الخلفية الطائفية للمستشرق كالكاثوليكي والبروتستانتي والأرثوذوكسي، فنجد أن المستشرقين الفرنسيين، وهم كاثوليك في الغالب، أكثر التصاقا بالتنصير من غيرهم، وبالتالي فهم أكثر من غيرهم جناية على المجتمع العربي الإسلامي بإسهاماتهم المتعددة في مواجهة المجتمع المسلم، ويمكن

стр. 22

التوسع في هذا الافتراض بالدراسة المستقلة. (١) . - وهناك فئة من المستشرقين تعاطفت مع التنصير وأعانته إعانة غير مباشرة بتوفير المعلومة المطلوبة والتحليل المراد حول ثقافة من الثقافات أو مجتمع من المجتمعات، فهذه الفئة ليست من المنصرين الذين مارسوا التنصير عمليا، ولكنهم يعدون من المنصرين عندما يتبين أنهم باستشراقهم قد خدموا التنصير، على الرغم من أن إسهاماتهم في مؤازرة التنصير ليست بذلك الوضوح الذي نراه عند بعض المستشرقين الذين خدموا هيئات استخبارية حكومية بالدراسة الموجهة والتقارير المقصورة على ما يخدم هذه الهيئات، مما لا نعلم عنه إلا القليل، عندما تطورت هذه الدراسات أو التقارير إلى كتب، أو تحولت إلى مقالات في دوريات علمية، أي إذا ما تحولت هذه الأعمال السرية إلى " معرفة عامة " بنشرها بأي وسيلة من

стр. 23

وسائل النشر (١) . - وهناك فئة من المستشرقين ممن بدأوا حياتهم مستشرقين، يركزون على الدراسات الاستشراقية ويواصلون جهودهم فيها، ويرحلون من أجل الوصول إلى المعلومة التي تعينهم على الوصول إلى النتائج التي يرمون إليها، ثم استهواهم التنصير، فانصرفوا إليه على حساب الاستشراق حتى اشتهروا منصرين أكثر من شهرتهم مستشرقين، رغم أن لهم إنتاجا علميا يضعهم في مصاف المستشرقين، فهم هنا يعدون منصرين مستشرقين، لا مستشرقين منصرين، أي أن التنصير قد غلب على مسارهم أكثر من غلبة الاستشراق عليه، ولكنهم مع هذا لا يخرجون من دائرة الاستشراق إلى دائرة التنصير الخالص مثل أولئك المنصرين غير المستشرقين، ومن أبرز أقطاب هذه الفئة المنصر المستشرق الأمريكي صموئيل زويمر.

стр. 24

- وقد تكون هناك فئة من المنصرين بدأت خطوات في طريق التنصير، ورحلت إلى حيث تقوم بمهمتها التنصيرية الصريحة الواضحة الخالصة دون اهتمام مباشر بالمعلومة أو الدراسة، سوى ما هو مطلوب من المنصر معرفته عن البيئة التي يزمع العمل بها قبل الشروع في العمل بها، ولكنها، بعد ذلك، انخرطت في التعرف على هذه المجتمعات التي تسعى إلى تنصيرها، فانصرفت إلى دراسة مقومات هذا المجتمع أو ذاك دراسة علمية تعتمد على المصادر العلمية التي كتبت عن هذه المجتمعات أو تلك، وتوسعت في ذلك حتى نسيت مهمتها الرئيسة. ومع هذا بقيت متعاطفة مع التنصير بصور شتى من صور التعاطف، فهؤلاء على عكس أولئك أضحوا مستشرقين منصرين، أي أن توجههم للاستشراق قد غلب على توجههم للتنصير، فعرفوا مستشرقين أكثر من معرفتهم منصرين. - وهناك فئة من المستشرقين كان الدافع لاشتغالها بالاستشراق دينيا تنصيريا، ثم تبين لها عدم جدوى هذا المنحى، وعدم سلامة الأهداف والغايات، فانسلت من هذا الدافع، وانصرفت إلى الدراسات الاستشراقية العلمية البعيدة عن هذه الغايات، وآلت على نفسها الابتعاد عن هذا المنحى، دون أن تثير أي انتباه علني، وإن تحدثت عنه أحاديث خاصة مع الموثوق من الأقران، في مجالس خاصة وفي مناسبات خاصة.

стр. 25

- ومع أن بعض المستشرقين قد خدم الإلحاد؛ لأنه نشأ في بيئة إلحادية وتبنى الإلحاد، إلا أن بعضا آخر ممن نشأوا في هذه البيئة الإلحادية لم يتأثروا بها، بل بقوا على انتمائهم الديني، وسعوا إلى نشره بالتنصير في ذلك المجتمع الإلحادي من وجهين من وجوه التنصير: الوجه الأول: أنهم عملوا على حماية " إخوانهم في العقيدة " من الإلحاد، وأكدوا على بقائهم على عقيدتهم، وهذا أمر له ما يبرره لدى هؤلاء وغيرهم، إذ إن البقاء على النصرانية، على ما دخل عليها، خير عندهم من الانتقال إلى الإلحاد، رغم أن ملة الكفر في النهاية عندنا واحدة. والوجه الثاني: أن فئة من المستشرقين الذين نشأوا في بيئة إلحادية وبقوا على معتقدهم قد تبنوا نشر النصرانية بين المسلمين الذين عاشوا تحت مظلة الإلحاد، مثل مناطق المسلمين التي كانت تخضع للحكم الشيوعي في الاتحاد السوفييتي سابقا، وهذا يعني عدم اقتصار المنصرين على تلك البيئات التي نشط فيها التنصير من حيث التمويل والتخطيط والإمكانات البشرية والمادية، كالمجتمعات الغربية في أوروبا الغربية وأمريكا (١) .

стр. 26

وهذا هو الانطباع المسيطر على كثير من الدراسات التي تنظر إلى أن انطلاقة التنصير تركزت من تلك الجهات، وأن البيئات الإلحادية لم تسهم في حركة التنصير، إلا أن التحولات السياسية الأخيرة بانهيار الاتحاد السوفييتي، راعي الإلحاد، قد يكشف كثيرا من الأنشطة الدينية التي لم تكن ظاهرة للعلن منذ قيام الثورة الشيوعية في تلك البقاع سنة ١٩١٧ م، هذا بالإضافة إلى أن هناك رأيا مؤداه أن الإلحاد أو التلحيد وليد للتنصير (١) . [مزيد من التركيز] مزيد من التركيز: والبحث بهذا الأسلوب في الجمع بين الاستشراق والتنصير قد يقود إلى التعرض إلى بحوث تعين على وضوح الرؤية في هذا التوجه عند هؤلاء المستشرقين المنصرين، ومن هذه البحوث النظر في الأهداف لكل من الاستشراق والتنصير، وربما النظر إلى البواعث أو المنطلقات التي تختلف عن الأهداف والغايات، والبحث في هذه ليس جديدا، فقد غطيت بحثا في الجانبين، وإنما يرجع إليها هنا فيما يخدم الموضوع ويعين على استحضار الصورة (٢) وهذا لا يقتضي من الباحث في هذه الدراسة أن يعود إلى هذه

стр. 27

البحوث ويعيد سردها هنا، ولكنه سيذكر الأهداف والبواعث التي تخدم هذا الغرض فحسب. وإذا كان الأمر كذلك فيما يتعلق بالأهداف والبواعث فإنه من باب أولى أن يضرب الصفح في هذه الدراسة عن الخوض في النشأة من حيث تاريخها وأسبابها، فلا تفرد لذلك مباحث مستقلة، وإنما يأتي ذكرها عرضا إذا دعت الحاجة إليها في هذا السياق. [التفريق بين ظاهرتين] التفريق بين ظاهرتين: ولن يذهب بنا الموقف من الاستشراق والتنصير إلى الحد الذي يدعونا أن نقرر أنهما وجهان لعملة واحدة (١) وأن الاستشراق تنصير من وجوه، والتنصير استشراق من وجوه؛ ذلك أن هذا الإطلاق لا يتفق مع هاتين الظاهرتين، فالاستشراق ليس كله تنصيرا، والتنصير ليس كله استشراقا، وبالتالي فإنه يمكننا القول أن ليس كل مستشرق منصرا، كما أنه ليس كل منصر مستشرقا، والإحصاءات المتغيرة تذكر أن هناك سبعة عشر مليون

стр. 28

(١٧. ٠٠٠. ٠٠٠) منصر يعملون وفق استراتيجيات بعيدة المدى، ولديهم ميزانيات " فلكية " ينفقون منها بغير حساب (١) وقد تصل في بعض الإحصائيات إلى ما يزيد عن مائة وثمانين مليار (١٨٠. ٠٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠) دولار (٢) ولا ينتظر أن نفترض أن هذا العدد كله يدخل في تعداد المستشرقين؛ إذ لا يتوقع أن يكون هناك مستشرقون بالملايين. [لا تناقض] لا تناقض: ولا ينقض هذا التفريق بين ظاهرتين بعض التقارب في الأهداف؛ إذ الاشتراك في هدف أو أكثر بين ظاهرتين أو أكثر لا يعني بالضرورة أنها جميعا يمكن أن تحوم في " بوتقة " واحدة، ونحن ندرك أن هناك مجموعة من التيارات التي تتناقض مع مقومات المجتمع المسلم وتسعى إلى أن تحل محل الإسلام فيه، أو تسعى إلى أن تقلل من شأنه في عيون أبنائه وأذهانهم، ومع اتفاقها في هذا الهدف فهي مختلفة فيما بينها، بل إن بعضها يحارب بعضا للتناقض الواضح بينها.

стр. 29

والأصل عدم الخلط هنا حتى لو كان هذا الخلط يخدم الوصول إلى نتيجة، أو يسعى إلى مزيد من الإقناع (١) ونحن مطالبون هنا بالإقناع العلمي الذي يركز على الحقيقة العلمية ويضعها بين ناظري المتلقي بأي صياغة مناسبة للإقناع. وعلى هذا فإني أزعم أن الارتباط بين هذه التيارات قام على الاشتراك في مصالح، وقد لا يكون هذا الارتباط قائما لولا هذه المصالح من ناحية، ومن ناحية أخرى لم توجد هذه المصالح المشتركة تيارات جديدة انبعثت من هذه المصالح، وعرفت على أنها وليدتها، ذلك أن التنصير لم ينتظر الاستشراق ليقوم ويحقق بعض أهدافه، وليس بالضرورة أن يكون قيام التنصير لتحقيق أهداف الاستشراق، وكذا الحال يقال مع الاستعمار في علاقته بالتنصير من ناحية، وعلاقته بالاستشراق من ناحية أخرى، ومثل ذلك يقال فيما يتعلق بالإلحاد في علاقته بالاستشراق من ناحية، وعلاقته مع الاستعمار من ناحية ثانية، ونحتاج إلى بحث خاص في معرفة العلاقة بين التنصير والإلحاد، إن كانت هناك علاقة، ولا أملك أن أنفي عدم وجودها.

стр. 30

[الاستغلال] الاستغلال: ومع هذا فإنه من المهم التأكيد على أن بعض التيارات قد استغلت الأخرى في تحقيق مصالحها، فكان ذلك الاتفاق، الظاهري على الأقل، لا سيما عندما نعلم أن السياسة قد استغلت التنصير في الوصول إلى مآربها إبان فترة الاستعمار (١) وقبل ذلك استغلت الحروب الصليبية في الوصول إلى أغراض سياسية، بل إن ممن يدرسون هذه الحروب من لا يغفلون الجانب الاقتصادي وراءها، الأمر الذي يشهد له انخراط كثير من المحاربين الذين لم يأتوا إلى الشرق الإسلامي لإنقاذ المقدسات النصرانية من أيدي المسلمين، بل ليحققوا ثروات فردية، فاكتظت الحملات الصليبية بالقتلة والفجار واللصوص والقراصنة والنساء التائهات والأطفال المشردين، " وكل يبتغي تحقيق مصلحة آنية بعيدة تماما عن الأهداف الدينية، بل إن الكنيسة وهي المروجة الأولى والداعية الملحاح للحروب الصليبية اتخذت الربح المادي مطمحا لها، بل إنها قد استفادت من جهتين: الأولى: عند استيلائها على أموال الإقطاعيين والأغنياء الذين كانوا عند

стр. 31

سفرهم إلى الشرق باعوا أراضيهم لها، ورهنوا الكثير من أملاكهم لديها، فتكدست لديها ثروات طائلة من هذا المصدر الداخلي. والثانية: عندما عاد إليها الكثير من تلك الثروات التي حصل عليها المحاربون باسم التبرع والإحسان، وهكذا تطاولت همتها، ونافست السلطة الزمنية للاستيلاء على السلطة الدينية والدنيوية، وكان ذلك صراعا طال أمده، وأتت نتائجه النهائية مخيبة لآمالها " (١) . ومن هذا المنطلق يمكن القول إن التنصير قد استغل أيما استغلال من قبل بعض المستشرقين الذين لبسوا لباس التنصير، وفي المقابل يمكن القول إن التنصير قد استغل الاستشراق أيما استغلال، مما يوحي بأن بعض المستشرقين لم يكن بالضرورة مقتنعا من الحملات التنصيرية وإن عمل لها ومعها (٢) .

стр. 32

وأما استغلال السياسة للاستشراق والتنصير فحدث ولا حرج. والتنصير القسري الذي مر به المسلمون في الأندلس (١) وفي الشرق الإسلامي، في دول آسيا الوسطى يشهد بذلك، إذ سلطت السياسة التنصير على المسلمين، كبارهم وصغارهم، وسلطت المستشرقين على المسلمين بحجة الإصلاح الثقافي (٢) .

стр. 33

[القسم الثاني التراجم نماذج من المستشرقين المنصرين] [المد خل] القسم الثاني التراجم: نماذج من المستشرقين المنصرين المدخل: في محاولة التعرف على المنصرين من المستشرقين يجد المرء صعوبة في التأكد من نشاط المستشرق التنصيري، إلا ما جاء صراحة في ترجماتهم، أو دلت عليه نشاطاتهم، إذا ما كانوا من المستشرقين الرحالة الذي جابوا البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، فكانت لهم إسهامات تنصيرية سطرتها أقلام من عاصروهم من المسلمين وغيرهم، أو من كتبوا عنهم من المتابعين. كما يجد المرء صعوبة في الوصول إلى تراجم المستشرقين التي تحلل نشاطاتهم وتبين أهدافهم ومواقفهم الواضحة من الإسلام والمسلمين في شتى المجالات، بما فيها مجالات التنصير. ومعظم التراجم الواردة في هذه النماذج إنما هي عالة على كتاب نجيب العقيقي " المستشرقون " الذي يعد بحق ثروة نافعة خلفها المؤلف للمكتبة العربية، ولا نكاد - حسب علمي - نجد هذا العدد الكبير من المستشرقين في كتاب واحد مثل كتاب المستشرقون، ولا أظن أن كاتبا أو مؤلفا كتب أو سيكتب عن الاستشراق والمستشرقين لم يرجع إليه، بل ربما أخذ على من لا يرجع إلى العقيقي ممن يكتب عن هذا الموضوع، ولذا فإنه من الواضح أن يكثر ترديد هذا المرجع في ثنايا القسم الثاني من هذه المحاولة، حتى أني فكرت في تضمين العنوان إشارة إلى المرجع الأول في الترجمات، كأن أقول مع نماذج من المستشرقين المنصرين من خلال كتاب المستشرقون لنجيب العقيقي. ولا أرى في هذا أي غضاضة، لا سيما إذا ما أدركنا افتقار المكتبة العربية لموسوعة شاملة مثل هذا الكتاب، مع عدم إغفال بعض

стр. 34

المحاولات التي تسعى إلى سد النقص وإكمال المشروع، مثل العمل الموسوعي الذي يقوم به عبد الرحمن بدوي بعنوان: موسوعة المستشرقين، في طبعته الثالثة التي وصلت صفحاتها إلى ست مائة وأربعين (٦٤٠) صفحة، وينتظر لها النمو المطرد - بإذن الله - لما فيها من الفائدة الواضحة، ولما يتمتع به المؤلف " عبد الرحمن بدوي " من تأصيل ونظرات تقويمية لم تتسم بها موسوعة العقيقي الذي صنف نفسه من المستشرقين، لا سيما المارونيون منهم. وآمل ألا يكون في كثرة ترداد هذا المرجع الأخير إزعاج للقارئ، كما آمل ألا يعد هذا نقلا مباشرا من المرجع، إذ إنه لا يعد عندي كتابا عاديا يكرر من ينقل منه أفكاره نفسها، بل إنه كتاب مرجعي ينطلق منه كل من يريد البحث في الاستشراق والمستشرقين، فيصل إلى غرضه من الرجوع إليه. ومع هذا فقد تعمدت التنويع في المراجع ما أمكنني ذلك، دون التكلف الذي قد يقود إلى مراجع تالية استقت بعض معلوماتها من هذا المرجع الأساس أو ذاك، ولست أغفل هنا رغبتي في تنويع المراجع والبحث في كتب الاستشراق ومصادره عن معلومات أخرى لم تذكرها هاتان الموسوعتان. وكان من منهجي في سرد التراجم أن أذكر الاسم الأخير من المستشرق، ثم أذكر إشارة إلى اسمه الأول أو ذكره كاملا، ثم أذكر سنة ولادته، إن وجدت، وسنة وفاته، إن وجدت، أو أذكر القرن الذي عاش فيه من خلال تتبعي لآثاره وسني نشرها، ثم أحرص على ذكر موطنه، وربما أشرت إليه بعبارة لا توحي بالجزم، ثم أبين انتماءه الطائفي، ما توافر لي ذلك. وأسعى

стр. 35

إلى التعرف على أنشطته ذات العلاقة بالتنصير، ثم أذكر آثاره المباشرة في التنصير، ثم غير المباشرة، مغفلا آثاره الأخرى رغم أهميتها؛ لأني أفضل الإيجاز، وعدم تكرار ما ذكره من أنقل عنهم، وأكتفي بالإحالة إليهم. وإذا لم أجد للمستشرق آثارا مباشرة في التنصير أو غير مباشرة ولكنها مساعدة أو مساندة، نصصت على ذلك، مثل شكل الكتابات عن النصرانية بأي شكل من أشكال المعالجة. وكانت أدوات تعرفي على المستشرقين المنصرين تنحصر في المراجع التي كتبت عنهم، فأسجل الاسم من هذه المراجع ثم أترجم له من الموسوعتين، مركزا على موسوعة العقيقي لشموليتها، ثم إنه كان لا بد لي أن أضع افتراضات استشف من خلالها من كانت لهم إسهامات تنصيرية من المستشرقين، فافترضت أن كل من كانت له علاقة مهنية مباشرة مع الكنيسة فهو منصر من وجه من الوجوه، ويتضح هذا بجلاء مع أولئك الذين تسنموا مناصب كنسية دينية كالأب والقديس والأسقف والمطران والبطريرك، ولا يستقيم عندي أن يعمل أي شخص في خدمة الكنيسة خدمة دينية دون أن يكون من مهماته نشر تعاليم الكنيسة على أتباعها وغير أتباعها، وهذا مفهوم من مفهومات التنصير. وكان لا بد لي أيضا من أن أتعامل مع التنصير في مفهومه الأشمل الذي يتضمن الدعوة إلى الكنيسة بين الأتباع وغير الأتباع، وهذا يعني لي أنه ليس بالضرورة أن يكون المستشرق منصرا في الشرق، بل إني ربما أدرجت مستشرقين منصرين من الداخل، أي من داخل الكنيسة نفسها، وإذا ذكرت

стр. 36

الكنيسة في هذا السياق قصد بها الطائفة، التي يستدعي المقام التعريف الموجز بها في الهامش عندما ترد للمرة الأولى. ومن الأدوات التي تعرفت من خلالها على المستشرقين المنصرين تلك الآثار التي خلفوها، فكلما كتب المستشرق عن موضوعات نصرانية عد عندي داخلا في هذا المفهوم، حتى أولئك الذين خاضوا في قضايا نصرانية بحتة، إلا أني نظرت إليهم في أعمالهم هذه على أنها امتداد للنشاط التنصيري بمفهومه الأشمل. وقد تبين لي بالتجربة المحدودة المعدودة أن مثل هذه الأعمال لا تقف عند حد، فالذي يفوت الباحث أكثر مما يعثر عليه في هذا المجال، والذي يستجد بعد ذلك أكثر من ذلك، وهكذا كان لزاما علي أن أؤكد على أن ما ورد من أعلام للمستشرقين المنصرين إنما هي نماذج لهذه الظاهرة المتمثلة في التزاوج بين الاستشراق والتنصير كان الهدف منها التأكيد على الدافع الديني، والهدف الديني، من ظاهرة الاستشراق على أنه أحد الدوافع والأهداف، ولم يكن بالضرورة هو الدافع والهدف الأوحد، ذلك أن هناك أهدافا أخرى مبسوطة في الأعمال التحليلية للاستشراق، ولها رجالها من المستشرقين، كالهدف الاستعماري، والتجاري الاقتصادي، والسياسي، والعلمي النزيه، والعلمي غير النزيه. وربما دعا هذا إلى البحث في هذه الأهداف الأخرى، والبحث أيضا في أولئك المستشرقين الذين كانت لهم إسهامات واضحة فيها، مما يعني القيام بسلسلة من الدراسات المماثلة لهذه الدراسة، مما قد يعد خطوات أولية نحو

стр. 37

عمل موسوعي متخصص في دراسة ظاهرة الاستشراق في شتى وجهاتها رغبة في وضع هذه الظاهرة في موضعها الذي يناسبها في دراسة المتغيرات التي تعرضت لها الثقافة الإسلامية على مر العصور. وهذا جهد يحتاج إلى العزيمة التي يمكن أن تتمثل في الأعمال المشتركة التي تتضافر فيها جهود الباحثين والدارسين، ويكون هناك تعاون في التأليف حول هذه الموضوعات المتشعبة والمتداخلة مع موضوعات أخرى هي ظواهر مرت على ما يسمى بالعالم النامي أو العالم الثالث، فالتزاوج القائم بين الاستشراق والتنصير يقابله تزاوج قام بين الاستشراق والاستعمار من جهة، وبين التنصير والاستعمار من ناحية أخرى، وكما يقوم بين السياسة والاستشراق من جهة نراه قويا بين السياسة والتنصير من ناحية أخرى. وهكذا نجد أنفسنا أمام مجموعة من التيارات التي توجه إلى عالمنا تختلف في أغراضها وتتفق على الوصول إلى إضعاف هذا العالم لتحقيق تلك الأغراض المختلفة، إذ إنه مع قوة العالم الثالث ماديا ومعنويا لن تتحقق الأغراض، بل ربما انقلب ظهر المجن، الأمر الذي لا ينتظر تحققه، في المستقبل القريب إلا بعد أن تتحقق مقوماته التي قد يكون من أولياتها الوعي بهذه التيارات الموجهة إلى هذا العالم ومواجهتها بما تستدعيه المواجهة من سلاح العلم والفكر والثقافة، ويمكن أن يتحقق هذا أو شيء منه إذا ما آمنا بضرورة العمل العلمي والفكري والثقافي المشترك بين الأفراد من ناحية، وبين المؤسسات العلمية والثقافية والبحثية من ناحية أخرى، في القيام ببحوث ودراسات بإمكانات علمية ومادية لائقة، وهذا مطلب متحقق الوقوع

стр. 38

في ظل هذه النهضة العلمية المباركة التي تعيشها معظم أقطار العالم الإسلامي، والتي يأتي من مؤشراتها هذه العودة الموفقة والواثقة إلى الدين بخطى واثقة متروية بعيدة عن الاندفاع والعاطفة الجياشة والحماس الزائد، فكان الله في عون العاملين في هذا المجال المهم، وكان الله في عون الجميع.

стр. 39

[مستشرقون منصرون] [حرف الألف] مستشرقون منصرون آدامز، تشارلز (١٨٨٣ - ١٩٤٨ م) أمريكي، تعلم على ماكدونالد (١) ثم عين مديرا للمدرسة اللاهوتية في العباسية بمصر، توفي ودفن بمصر، من آثاره: الإسلام والتجديد في مصر، وهو ترجمة إنجليزية لكتاب: الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق (٢) . آسين بلاثيوس، ميجويل، الأب (١٨٧١ - ١٩٤٤ م) إسباني، اشتهر بدراسة حركة التفاعل الثقافي بين الإسلام والنصرانية، ومن آثاره: مذهب ابن رشد ولاهوت توما الإكويني، وعني بمحيي الدين بن عربي، والإسلام في ثوب نصراني، ومقارنة بين ابن عباد الرندي ويوحنا الصليبي، ومصنف في الغزالي والنصرانية، والآثار الإنجيلية في الأدب الديني الإسلامي (٣) .

стр. 40

أبوجي، الأب (١٨١٩ - ١٨٩٥ م) من الرهبان اليسوعيين (١) وهو فرنسي، صنف كتبا دينية ومدرسية، وتوفي في لبنان (٢) . أبو كرم، نعمة الله (١٨٥١ - ١٩٣١ م) من مستشرقي المدرسة المارونية (٣) بلبنان، نصب مطرانا، وكان تخرج من
следующие страницы →