← Акыда

Акыда · id 30811

الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة

عبد الله بن عبد الحميد الأثري

Полный текст (215 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأَهل السنة والجماعة: لا يقنطون ولا ييأسون من رحمة الله عند المحن؛ لأَن الله تعالى قد حرم ذلك، ولكن يعيشون أَيام البلاء على أَمل الفرج القريب والنصر المؤكد لأَنَّهم يثقون بوعد الله، ويعلمون أَن مع العسر يسرا، ويبحثون عن أَسباب المحن في أَنفسهم، ويرون أَن المحن والمصائب لا تصيبهم إِلا بما كسبت أَيديهم، ويعلمون أَن النصر قد يتأخر بسبب الوقوع في المعاصي أَو التقصير في الاتباع، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] (١) . ولا يعتمدون في المحن ونُصْرَة الدِّين على الأَسباب الأَرضية والإِغراءات الدنيوية، والسنن الكوَنية، كما أَنَّهم لا يغفلون عنها، ويرون قبل ذلك أَن تقوى الله تعالى والاستغفار من الذنوب، والاعتماد على الله، والشكر في الرخاء؛ من الأَسباب المهمة في تعجيل الفرج بعد الشدَّة. وأَهل السنة والجماعة: يخافون من عقوبة كفر النعمة وجحدها، ولذا تراهم أَحرص الناس شكرا وحمدا لله، وأَدْوَمَهم عليه في كلِّ نعمة صغيرة كانت أَو كبيرة، قال النبِي ﷺ : «انْظرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُروا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (٢) .

стр. 177

وأهل السنة: يتحلون بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال. قال النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا؛ أحسنهم خلقا» (١) وقال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؛ أحسنكم أخلاقا» (٢) وقال: «ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به؛ درجة صاحب الصوم والصلاة» (٣) . ومن أخلاق السلف الصالح؛ أهل السنة والجماعة: * إخلاصهم في العلم والعمل، والخوف من الرياء قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] (٤) . * تعظيمهم لحرمات الله تعالى، وغيرتهم إذا انتهكت حرماته تعالى، ونصرة دين الله وشرعه، وكثرة تعظيمهم لحرمات المسلمين ومحبة الخير لهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] (٥) .

стр. 178

* السعي على ترك النفاق بحيث تتساوى سريرتهم وعلانيتهم في الخير، وتقليل أعمالهم في عيونهم من حيث كسبهم لها، وتقديم أعمال الآخرة دائما على أعمال الدنيا. * رقة قلوبهم، وكثرة بكائهم على تفريطهم في حق الله تعالى لعل الله أن يرحمهم، وكثرة الاعتبار والاهتمام بأمر الموت إذا رأوا جنازة، أو تذكروا الموت وسكراته وسوء الخاتمة؛ حتى تزلزل قلوبهم. * زيادة في التواضع كلما ترقى أحدهم في درجات القرب من الله تعالى. * كثرة التوبة، والاستغفار ليلا ونهارا لشهودهم أنهم لا يسلمون من الذنب حتى في طاعتهم؛ فيستغفرون من نقصهم فيها، ومراقبة الله تعالى فيها، وعدم العجب بشيء من أعمالهم، وكراهيتهم لشهرة؛ بل يرون النقص والقصور في طاعتهم، فضلا عن سيئاتهم. * شدة تدقيقهم في التقوى، وعدم دعوى أحد منهم أنه متق، وكثرة خوفهم من الله . * شدة خوفهم من الخاتمة السيئة، وعدم غفلتهم عن ذكر الله، وهوان الدنيا عندهم، وشدة رفضهم لها، وعدم الاعتناء ببناء

стр. 179

الدور إِلا ما اقتصر منها على ما يدفع الحاجة ومن غير زخرفة. قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللهِ! مَا الدنْيَا في الآخِرَةِ إِلاَ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعه هَذِهِ في اليَم؛ فَلْينْظُرْ بِمَ تَرْجِع» ؛ " (١) . * لا يرضون الخطأ الذي يمس الدين أَو أَهله بل يردونه ويلتمسون العذر لمن قال به، إِن كان ممن يعتذر له، وكثرة سترهم لإِخوانهم المسلمين، وشدة مناقشتهم لنفوسهم في مقام التورع، ولا يحبون أن تظهر لأَحد عورة، ويشتغلون بعيِوبهم عن عيوب النَاس، ويجتهدون في ستر عيوب الآخرين، ويكتمون الأسرار، ولا يبلغون أَحدا ما يسمعونه في حقه، ويتركون معاداة النٌاس ويكثرون من مداراتهم، وعدم مقابلة أَحد بسوء؛ فهم لا يعادون أَحدا. قال النَّبِيُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لاَ يَدْخُلُ الجنة قتات» (٢) وفي رواية مسلم: " نمَّام ". * سد باب الغيبة في مجالسهم، ويحفظون ألسنتهم منها؛ لئلا يصبح مجلسهم مجلس إِثم.

стр. 180

قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] (١) . * كثرة الحياء، والأدب، والتودد، والسكينة، والوقار، وقلَة الكلام، وقلَة الضحك، وكثرة الصمت، والنطق بالحكمة تسهيلا على الطالب، وعدم الفرح بشيء من الدنيا، وذلك لكمال عقولهم. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرا، أَوْ لِيَصْمُتْ» (٢) وقال: «مَنْ صَمَتَ نَجَا» (٣) . * كثرة العفو والصفح عن كل مَن آذاهم بضرب، أَو أَخذ مال أَو وقوع في عرض، أَو نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٤) . * عدم الغفلة عن محاربة إِبليس، والاجتهاد لمعرفة مكايده ومصايده، وعدم وسوستهم في الوضوء والصلاة وغير ذلك من العبادات، لأَنَّ كل ذلك من الشيطان.

стр. 181

* كثرة الصدقة بكل ما فضل عن حاجتهم ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، وكثرة سؤالهم عن أَحوال أصحابهم، وذلك لأَجل أَن يواسوهم بما يحتاجون إِليه من الطعام، والثياب والمال، وعدم إِسرافهم في الحلال إِذا وجدوه. * ذم البخل، وكثرة السخاء، والجود، وبذل المال، ومواساة الإِخوان في حال سفرهم، وفي حال إِقامتهم؛ فإِنه بذلك يقع التعاضد في نصرة الدِّين الذي هو مقصودهم، وشدة محبتهم لاصطناع المعروف إِلى الإِخوان، وإدخال بعضهم السرور على بعض، وتقديم إِخوانهم في ذلك على أَنفسهم. * إِكرام الضيف وخدمته بأنفسهم إِلا بعذرٍ شرعي، ثم لا يرون أَنَّهم كافؤوه بإِطعامه وخدمته بالإِقامة عندهم وإحسانهم الظن به، وإجابتهم لدعوة إِخوانهم إِلَّا مَنْ كان طَعَامُهُ حراما، أَو إِذا خصَ الأَغنياء بالدعوة دون الفقراء، أَو كان في مكان الوليمة شيء من المعاصي. * حسن أَدبهم مع الصغير فضلا عن الكبير، ومع البعيد فضلا عن القريب، ومع الجاهل فضلا عن العالم. * إِصلاحُ ذات البين؛ لأنَّه من أَجود أَبواب الخير، وقمة المعروف، ولأَنَّ إِصلاح ذات البين يفسد خطط الشيطان وغاياته

стр. 182

من إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وإفساد ذات بينهم. * النهي عن الحسد؛ لأَن الحسد يُورِثُ العداوة والبغضاء، وضعف الإيمان، وحب الدنيا وما فيها على غير قصد شرعي. * الأمر ببرِّ الوالدين، والإحسان إِليهما. قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] (١) . * الأَمر بحسن الجوار، والرفق مع العباد، وصلة الرحم، وإفشاء السلام، ورحمة الفقراء والمساكين والأَيتام وأَبناء السبيل. * النهي عن الفخر، والخيلاء، والعجبِ، والبغي، والاستطالة على الخلق بغير حق، ويأمرون بلزوم العدل في كل شيء. * عدم التهاون بشيء من الفضائل التي رغبنا الشرع في فعلها. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لاَ تَحْقِرَن مِن المَعْروف شيْئا، وَلَوْ أَنْ تَلْقى أَخَاكَ بوجه طَلْق» (٢) . * النهي عن سوء الظن، والتجَسس، واتباع عورات المسلمين؛ لأنَّ ذلك يُفسد العلاقات الاجتماعية، ويفرق بين الإخوان، ويزرع الفساد، ولا يغضبون لأَنفسهم؛ لأنَّهم يفقهون فقه الغضب.

стр. 183

قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (١) . إِلى غير ذلك من أَخلاق النبوَّة (٢) .

стр. 184

[فصل وصايا وأقوال أئمّة أهل السنة في الاتباع والنهي عن الابتداع] فصل وصايا وأقوال أئمّة أهل السنة في الاتباع والنهي عن الابتداع

стр. 185

١ - قال مُعاذ بن جبل ﵁: (أَيها النَّاس عَليكُم بالعِلْم قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، أَلا وإِن رَفْعَهُ ذهابُ أَهْلِه، وَإياكُمْ وَالبِدَع والتبَدع والتنطع، وَعَليكُم بأَمْرِكُم العَتيق) (١) . ٢ - قال حذيفة بن اليمان ﵁: (كلّ عبادة لم يَتَعبدْ بها أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ- ﵌ فلاَ تَتَعبَّدوا بها؛ فإِن الأَوَّلَ لَمْ يَدع للآخِر مَقالا؛ فاتَّقوا اللهَ يا مَعْشَر القرَّاء، خُذوا طَريقَ مَنْ كان قَبلكُم) (٢) .

стр. 186

٣ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: (مَنْ كان مُسْتنّا فَلْيَسْتن بمَنْ قَدْ مَاتَ أولئكَ أَصْحابُ مُحمد ﷺ كانوا خَيرَ هذه الأمَّة، وأَبَرها قُلوبا، وأَعْمقَها عِلْما، وأَقَلّها تَكلفا، قَوم اخْتارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَة نَبيه ﷺ ونَقلِ دينه فَتَشبَّهوا بأَخْلاقِهِم وطَرائِقِهم؛ فَهُمْ كانوا عَلَى الهَدْي المُستقِيم) (١) . وقال رضي الله تعالى عنه: (اتَبعوا ولا تَبْتَدعوا فَقَدْ كُفيتُم؛ عَلَيْكُم بالأَمرِ العَتيق) (٢) . ٤ - قال عبد الله بن عمر ﵄: (لاَ يَزالُ النَّاسُ عَلَى الطَّريقِ؛ ما اتبَعوا الأَثَرَ) (٣) وقال: (كل بِدْعَة ضَلالَة؛ وإِنْ رآها الناس حَسَنَة) (٤) . ٥ - قال الصحابي الجليل أَبو الدرداء ﵁: (لَنْ تضل مَا أَخَذْتَ بالأَثَر) (٥) . ٦ - قال أَمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (لَو كانَ الدِّينُ بالرأْي، لَكانَ باطنُ الخُفين أَحَقَّ بالمَسْحِ منْ ظاهِرهِما وَلَكِنْ رأَيتُ رَسُولَ اللهِ- ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظاهِرهِما) (٦) .

стр. 187

٧ - قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (مَا ابْتُدِعَتْ بدْعَةٌ؛ إِلا ازْدادَتْ مضيا، وَلاَ نُزِعَت سنةٌ؛ إِلَّا ازْدادَت هَرَبا) (١) . ٨ - وعن عابس بن ربيعة، قال: رأَيت عمر بن الخطاب ﵁ يُقبِّلُ الحجرَ- يعني الأسود- ويقول: (إِنِّي لأَعْلَمُ أَنكَ حَجَرٌ لاَ تضر ولا تَنفع، وَلولاَ أَنِّي رأَيْتُ رَسُولَ اللهِ- ﷺ -يُقبلكَ ما قبلتُك) (٢) . ٩ - قال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ﵁: (قِفْ حَيْثُ وَقَفَ القوم، فَإِنَّهُم عَنْ عِلْم وَقَفوا، وببَصر نافذ كفوا، وهُم عَلَى كَشْفِها كانوا أقْوَى، وبالفضْلِ لَو كان فيها أَحْرى، فلئِن قُلتم: حَدَثَ بَعدَهُم؛ فما أَحْدَثهُ إِلا مَنْ خالفَ هَدْيَهُم، ورَغِبَ عَنْ سُنتِهم، وَلَقَدْ وصفوا منه ما يشفي، وتَكلَّموا منهُ بما يَكْفي، فما فوقهُم مُحَسر وما دُونهُم مُقصر، لقد قصرَ عَنْهُم قَومٌ فَجفَوْا وتجَاوزهُم آخرون فَغلَوْا، وَإنهم فيما بين ذلك لَعَلى هُدى مُستقَيم) (٣) .

стр. 188

١٠ - قال الإِمام الأَوزاعي رحمه الله تعالى: (عَلَيْكَ بآثارِ مَنْ سَلف وإِنْ رَفَضَكَ الناس، وإِيَّاك وآراءَ الرجال وإِنْ زَخْرَفُوها لكَ بالقَول؛ فإِنَ الأمْرَ يَنْجلي وأَنتَ عَلى طريقٍ مُستقيم) (١) . ١١ - قال أَيوب السِّخْتياني رحمه الله تعالى: (مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعة اجْتِهادا إِلا ازْدادَ مِن اللهِ بُعْدا) (٢) . ١٢ - قال حسان بن عطية رحمه الله تعالى: (مَا ابْتدَعَ قومٌ بِدْعةَ في دينهم إِلا نُزِعَ مِنْ سُنتِهِم مثلُها) (٣) . ١٣ - قال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: (كانوا يَقولون: ما دامَ عَلَى الأَثَر؛ فَهُوَ عَلَى الطَريقِ) (٤) . ١٤ - قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: (البِدْعَةُ أَحَب إِلى إِبْليسَ مِن المعصيَة، المعصيَةُ يُتَابُ منها، والبِدْعَةُ لا يتُابُ منها) (٥) . ١٥ - قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: (لِيَكُنِ الذي تَعْتَمدُ عَليه الأَثَر، وَخُذْ مِن الرَّأْيِ مَا يُفسّر لكَ الحديث) (٦) .

стр. 189

١٦ - قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: (كلُّ مَسْأَلَة تَكلّمْتُ فيها بخلافِ السنة؛ فَأنا راجعٌ عنها؛ في حَياتي وبَعْدَ ممَاتي) (١) . وعن الربيع بن سليمان، قال: روى الشافعي يوما حديثا، فقال له رجلٌ: أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله؛ فقال: (مَتى ما رَوَيتُ عَن رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حَديثا صحيحا؛ فَلم آخذْ بهِ؛ فأشهْدكُم أَن عَقلي قَدْ ذهَب) (٢) . ١٧ - عن نوح الجامع، قال: قلت لأبي حنيفة ﵀: ما تقول فيما أَحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؛ فقال: (مقالاتُ الفَلاسفة، عَليكَ بالأَثرِ وطريقةِ السلفِ، وإِياكَ وكل محدثة؛ فإِنها بدعة) (٣) . ١٨ - قال الإِمام مالك بن أَنس رحمه الله تعالى: (السنَّة سَفينةُ نوح مَن رَكبَها نجَا ومَن تَخَلّفَ عنَها غَرِقَ) (٤) . وقال: " لو كان الكَلامُ علما لَتَكلّم فيه الصَّحابةُ والتابعُون كما تَكلموا في الأَحكامِ؛ ولكنهُ باطل يَدُل عَلَى باطِل) (٥) . وعن ابن الماجشون، قال: سمعت مالكا يقول:

стр. 190

(مَن ابْتَدَعَ في الإِسلام بدعة يَراها حَسَنة؛ فَقَدْ زَعَمَ أَن مُحمّدا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خانَ الرّسالةَ؛ لأَن اللهَ يقولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لَم يَكُنْ يَوْمَئذ دينا فَلا يكُونُ اليَوْمَ دينا) (١) . ١٩ - قال الإِمام أَحمد بن حنبل؛ إِمام أَهل السُّنَّة ﵀: (أصولُ السنَّة عنْدَنا: التمسك بما كان عَليه أَصْحاب رَسُول الله- صلى الله علَيه وعلى آله وسلَّم- والاقْتداءُ بهم، وتَرك البدَع، وكل بدعة فهيَ ضَلالة) (٢) . ٢٠ - وعن الحسن البصري - رحمه الله تعالى- قال: (لو أَن رجُلا أَدركَ السلفَ الأَولَ ثم بُعثَ اليومَ ما عَرَفَ من الإِسلام شيئا- قال: ووضع يده على خدِّه ثم قال: - إِلّا هذه الصلاة- ثم قال: - أَما والله ما ذلكَ لمن عاشَ في هذه النكراء ولم يدرك هذا السلف الصالحَ؛ فرأى مبتدعا يدعو إِلى بدعته، ورأى صاحبَ دنيا يدعو إِلى دنياه؛ فعصمهُ الله من ذلكَ، وجعلَ قلبهُ يحنّ إِلى ذلك السَّلف الصالح يَسْأَلُ عن سبيلهم، ويقتص آثارهُم، ويَتّبعُ سبيلهُم، ليعوض أَجرا عَظيما؛ فكذلك فكونوا إِن شاء الله) (٣) .

стр. 191

٢١ - وما أَجمل قول العالم العامل الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى- حيث قال: (اتبعْ طُرقَ الهُدى ولا يَضرك قلَّةُ السالكينَ، وإِياكَ وطُرُقَ الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين) (١) . ٢٢ - قال عبد الله بن عمر ﵄ لمن سأله عن مسألةٍ، وقال له: إِن أَباك نهى عنها: (أأَمْرُ رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم- أَحَق أَنْ يتبعَ، أَو أَمرُ أَبي؟!) (٢) . فكان- ﵁ من أَشد الصحابة؛ إِنكارا للبدع، واتباعا للسنة؛ فقد سمع رجلا عطس، فقال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، فقال له ابن عمر: (ما هَكذا علمنا رَسولُ اللهِ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل قال: «إِذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَحْمد اللهَ» ولم يَقلْ: وليُصل عَلَى رَسُولِ اللهِ) (٣) . ٢٣ - وقال ابن عباس ﵄ لمن عارض السنة؛ بقول أَبي بكر وعمر ﵄: (يُوشكُ أَنْ تَنزلَ عَليكُم حِجارة من السماءِ؛ أَقولُ لَكُم:

стр. 192

قالَ رسولُ الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلمَّ- وتقُولونَ: قالَ أَبو بكر وعُمر) (١) . وصدق ابن عباس ﵄ في وصفه لأَهل السنة، حيث قال: (النظرُ إِلى الرَّجُلِ من أَهْل السُّنة؛ يَدْعو إِلى السنة، ويَنهَى عن البدعةِ) (٢) . ٢٤ - قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: (إِذا بَلغكَ عن رجُلٍ بالمشرق؛ أَنه صَاحبُ سُنة فابعثْ إِليه بالسلام؛ فقد قل أَهل السنَّة) (٣) . ٢٥ - قال أَيوب السختياني رحمه الله تعالى: (إِنِّي لأخْبَرُ بموتِ الرجُلِ من أَهلِ السنة؛ فكأنِّي أَفقدُ بعضَ أَعضائي) (٤) . ٢٦ - قال جعفر بن محمد، سمعت قتيبة ﵀ يقول: (إِذا رأَيتَ الرجُلَ يُحبُّ أَهلَ الحديثِ؛ مثل يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وأَحمد بن حنبل، وإِسحاق بن راهويه. . . وذكر قوما آخرين؛ فإِنَّهُ على السنة، ومَن خَالفَ هؤلاء فاعلَم أَنَّه مبتدع) (٥) .

стр. 193

٢٧ - قال إِبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: (لو أَن أَصْحابَ مُحمّدٍ مَسَحُوا عَلَى ظُفرٍ لما غَسَلته؛ التماس الفضل في اتِّباعهمْ) (١) . ٢٨ - عن عبد الله بن المبارك ﵀ قال: (اعْلَمْ- أي أَخي- أَن الموتَ اليومَ كرامة لكلِّ مسلم لقيَ اللهَ عَلى السنة، فإنا لله وإِنَّا إِليه راجعون؛ فإِلَى اللهِ نَشكو وَحْشتَنا، وذهابَ الإِخوان، وقلةَ الأعوانِ، وظهورَ البدع، وإِلى الله نَشكو عَظيمَ ما حل بهذهِ الأمةِ من ذهاب العلماء، وأَهل السنة، وظُهور البدع) (٢) . ٢٩ - قال الفضيلُ بن عياض رحمه الله تعالى: (إِنَ لله عبادا يُحْي بهم البلادَ؛ وهُم أَصْحابُ السنة) (٣) . ٣٠ - وما أَصدق قول الإمام الشافعي ووصفه- رحمه الله تعالى- لأَهل السُّنَّة، وهو يقول: (إِذا رأَيتُ رَجُلا من أَصْحاب الحديث فكأَنِّي رأَيتُ رَجُلا من أَصْحاب رسُولِ الله صلَّى الله عليهَ وعلى آله سلم) (٤) .

стр. 194

٣١ - ووضع الإِمام مالك ﵀ قاعدة عظيمة؛ تُلخص جميع ما ذكرناه من أَقوال الأَئمة، وهي قوله: (لَنْ يَصْلُحَ آخرُ هَذهِ الأمةِ إِلاَّ بما صَلُحَ بهِ أَوَّلها؛ فَمَا لَمْ يَكُنْ يوْمئذ دينا لاَ يَكُونُ اليَوم دِينا) (١) . هذه هي أَقوال بعض أَئمة السَّلف الصالح من أَهل السُّنَّة والجماعة، وهم أَنصح الخلق، وأَبرهم بأُمتهم، وأَعلمهم بما فيه صلاحهم وهدايتهم، يوصون بالاعتصام بكتاب الله تعالى، وسُنة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ويُحذِّرون من مُحدثات الأُمور والبدع، ويخبرون- كما علمهم النبي- ﷺ بأَنَّ طريق الخلاص وسبيل النجاة؛ هو التمسك بسنة النبي وهديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 195

[شروط وضوابط الدعوة إِلى عقيدة السلف الصالح] شروط وضوابط الدعوة إِلى عقيدة السلف الصالح " أهل السنة والجماعة "

стр. 196

اعلم أَخي المسلم: أَن الدعوة إِلى عقيدة السلف الصالح لا تكون إِلا بثلاثة شروط: أولا- سلامة المُعْتَقَد: أَنْ يكون اعتقادنا موافقا لاعتقاد سلف الأُمة؛ في توحيد الربوبية، وتوحيد الأُلوهية، وتوحيد الأَسماء والصفات، وفي سائر مسائل الاعتقاد، وأَبواب الإيمان. ثانيا- سلامة المنهج: أَي: فهم الكتاب والسنة على ضوء ما أَصَّلوهُ من أُصول، وما قعدوهُ من قواعد. ثالثا- سلامة العمل: أَي: لا نبتدع فيه، بل يكون خالصا لوجه الله، موافقا لشرعه سواء كان العمل اعتقاديّا، أَم فعليّا، أَم قوليا.

стр. 197

وبما أَن الدعوة إِلى الله تعالى من أَشرف الأَعمال، وأَرفع العبادات، وهي أَخصّ خصائص الرسلِ- ﵈ وأَبرز مهام الأَولياء والأَصفياء من عباده الصالحين، قال تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (١) . وعلمنا رسول الله ﷺ كيف نحملُ الدعوة إِلى الناس، وكيف نبلِّغها، وفي سيرته دروس كثيرة لمن أَرادَ ذلك. فيجب على الدعاة إِلى عقيدة السَّلف أَن يتبعوا منهج النبي- ﷺ في الدعوة، ولا شَك أَنَّ في منهجه ﷺ بيانا صحيحا لأُسلوب الدعوة إِلى الله؛ يُغنيهم عما أَحدثه الناس من مناهج مبتدعة، مخالفة لمنهجه وسيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن هنا يجب على الدعاة أَن يدعوا إلى الله تعالى كما كان يدعو سلفنا الصَّالح مع مراعاة فارق الزمان والمكان. وانطلاقا من هذا الفهم الصحيح اجتهدتُ بذكر بعض ضوابط أَو منطلقات للدعاة، لعلها تكون نافعة في الإصلاح الذي ننشده.

стр. 198

[ضوابط ومنطلقات الدعاة] ضوابط ومنطلقات الدعاة ١ - الدعوة إِلى الله- سبيل من سبُل النجاة في الدنيا والآخرة؛ فـ «لأَن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من أَن يكون لك حُمر النعَم» والأَجر يقع بمجرد الدعوة، ولا يتوقف على الاستجابة، والداعية ليس مطالبا بتحقيق نصرٍ للإِسلام، فهذا أَمر الله وبيده سبحانه؛ لكن الداعية مطالب ببذل جهده في هذا السبيل فحسب. والإعداد للداعية شرط، والنصر من الله وعد، والدعوةُ صورة من صُور الجهاد، تشترك مع القتال في المقصد والنتيجة. ٢ - تأْكيد منهج سلفِ هذه الأُمة المتمثل في منهج أَهل السُّنة والجماعة وتعميقه، والمعروف بوسطيته، وشموله، واعتداله وبُعده عن الإِفراط والتفريط. والانطلاقُ من مُنطلقِ العلم الشرعي الملتزم بالكتاب والسنة الصحيحة: هو الحافظ بفضل الله تعالى من السقوط، والنور لمن عزم على المسير في طريق الأَنبياء ﵈.

стр. 199

٣ - الحرص على إِيجاد جماعة المسلمين، ووحدة كلمتهم على الحق؛ أَخذا بالمنهج القائل: (كلمةُ التوحيدِ أَساسُ توحيد الكلمة) مع الابتعادِ عما يُمزِّقُ الجماعات الإِسلاميَّة اليوم من التحزب المذموم الذي فرق المسلمين، وباعد بين قلوبهم. والفهم الصحيح لكلِّ تجمع في الدعوة إِلى الله تعالى: جماعة من المسلمين لا جماعة المسلمين. ٤ - يجب أَنْ يكون الولاءُ للدين لا للأشخاص؛ فالحق باق والأَشخاصُ زائلون، واعرفِ الحق تعرفْ أَهلَه. ٥ - الدعوة إِلى التعاون وإلى كلِّ ما يوصل إِليه، والبعد عن مواطن الخلاف وكل ما يؤدِّي إِليه، وأَن يعين بعضنا بعضا، وينصح بعضنا لبعض فيما نختلف فيه، مما يسع فيه الخلاف، مع نبذ التباغض. والأَصل بين الجماعات الإسلاميَّة المعتدلة: التعامل والوحدة؛ فإِنْ تعذر ذلك فالتعاون، فإِنْ تعذر ذلك فالتعايش، وإلا فالرابعة الهلاك. ٦ - عدم التعصب للجماعة التي يَنتسبُ إِليها الفرد، والترحيبُ بأَي جهد محمود يقدمه الآخرون، ما دام موافقا للشرع، وبعيدا عن الإفراط والتفريط.

стр. 200

٧ - الاختلاف في فروع الشريعة يوجب النصح والحوار، لا التخاصُم والقِتال. ٨ - النقد الذاتي، والمراجعة الدائمة، والتقويم المستمر. ٩ - تَعلم أَدب الخلاف، وتعميق أصول الحوار، والإِقرار بأهميتهما، وضرورة امتلاك أَدواتهما. ١٠ - البعد عن التعميم في الحكم، والحذر من آفاته، والعدل في الحكم على الأَشخاص، ومن الإنصاف الحكم على المعاني دون المباني. ١١ - التمييز بين الغاية والوسيلة، فمثلا: الدعوة مقصد؛ لكن الحركة والجماعة والمركز وغيرها هي من الوسائل. ١٢ - الثبات في المقاصد، والمرونة في الوسائل بحسب ما يسمح به الشرع. ١٣ - مراعاة قضية الأَولويات، وترتيب الأُمور حسب أَهميتها، وإذا كان لا بدَّ من قضية فرعية أَو جزئية؛ فينبغي أَن تأتي في مكانها، وزمانها، وظرفها المناسب. ١٤ - تبادل الخبرات بين الدعاة أَمر مهم، والبناءُ على تجاربِ مَن سَبق، والداعية لا يبدأ من فراغ، وليس هو أَول من تصدى لخدمة هذا الدِّين ولا يكون آخر المتصدِّين، ولأَنه لم يوجد ولن

стр. 201

يوجد من هو فوق النصح والإرشاد، أَو من يحتكر الصواب كله وبالعكس. ١٥ - احترام علماء الأمة المعروفين بتمسكهم بالسنة وحُسن المعتقد، وأَخذ العلم عنهم، وتوقيرهم وعدم التطاول عليهم، والكف عن أَعراضهم، وعدم التشكيك في نياتهم، وإلصاق التهم بهم، دون التعصب لهم أَيضا؛ إِذ كلُّ عالم يخطئ ويصيب، والخطأُ مردود على صاحبه مع بقاء فضله وقدره ما دام مجتهدا. ١٦ - إِحسان الظن بالمسلمين، وحمل كلامهم على أَحسن محامله وستر عيوبهم، مع عدم الغفلة عن بيانها لصاحبها. ١٧ - إِذا غلبت محاسن الرجل لم تذكر مساوئه إِلا لمصلحة وإذا غلبت مَساوِئ الرجل لم تذكر محاسنه؛ خشية أَن يلتبس الأَمر على العوام. ١٨ - استعمال الأَلفاظ الشرعية لدقتها وانضباطها، وتجنب الأَلفاظ الدخيلة والملتوية، مثلا: الشورى لا الديمقراطية. ١٩ - الموقف الصحيح من المذاهب الفقهية: هي ثروة فقهية عظيمة، علينا أَن ندرسها، ونستفيد منها، ولا نتعصب لها، ولا نردَّها على وجه الإِجمال، ونتجنب ضعفها، ونأْخذ منها الحق والصواب على ضوء الكتاب والسنة، وبفهم سلف الأُمة.

стр. 202

٢٠ - تحديد الموقف الصحيح من الغرب وحضارته، بحيث نستفيد من علومهم التجريبية بضوابط ديننا العظيم وقواعده. ٢١ - الإِقرار بأهمية الشورى في الدعوة، وضرورة تعلم الداعية فقه الاستشارة. ٢٢ - القدوة الحسنة، فالداعية مرآةُ دعوته والنموذج المعبر عنها. ٢٣ - اتباع سبيل الحكمة والموعظة الحسنة، وجعل قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ميزانا للدعوة وحكمة للسير عليها. ٢٤ - التحلِّي بالصبر؛ لأنه من صفة الأَنبياء والمرسلين، ومدار نجاح دعوتهم. ٢٥ - البعد عن التشدد، والحذر من آفاته ونتائجه السلبية، والعمل بالتيسير والرفق؛ في حدود ما يسمح به الشرع. ٢٦ - المسلم طالب حق، والشجاعة في الحق مطلب ضروري في الدعوةِ، وإن كنتَ عاجزا عن قولِ الحق؛ فلا تقل الباطل. ٢٧ - الحذر من الفتور، ونتائجه السلبية، وعدم الغفلة عن دراسة أَسبابه، وطرق علاجه. ٢٨ - الحذر من الإِشاعة وترويجها، وما يترتب عليها من آثار سيئة في المجتمع الإِسلامي.

стр. 203

٢٩ - مقياس التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، وتحاشي كلِّ العصبيات الجاهلية؛ من التعصب للإِقليم، أَو العشيرة، أَو الطائفة، أَو الجماعة. ٣٠ - المنهج الأَفضل في الدعوة هو تقديم حقائق الإِسلام ومناهجه ابتداء، وليس إِيراد الشبهات والرد عليها، ثمَ إِعطاء الناس ميزان الحق، ودعوتهم إِلى أُصول الدِّين، ومخاطبتهم على قدر عقولهم، والتعرفُ على مداخل نفوسهم وسيلة في هدايتهم. ٣١ - تمسكُ الدعاة والجماعات الإِسلامية بدوام الاعتصام بالله تعالى، وتقديم الجهد البشري وطلب العون من الله تعالى، واليقين بأَن الله هو الذي يقود، ويوجه مسيرة الدعوة، ويسدِّد الدعاة، وأَن الدين والأَمر كله لله . هذه الضوابط والفوائد هي ثمرة تجارب كثير من العلماء والدعاة إِلى الله تعالى، ولنعلم يقينا أَنَّ الدعاة إِلى الله لو فقهوا هذه الضوابط، وعملوا بها؛ لكان في ذلك خير كثير لمسيرة الدعوة. وليعلم جميع الدعاة، أَنَّه لا صلاح لهم، ولا نجاح لدعوتهم إِلا بالاعتصام بالله، والتوكل عليه في كلِّ أَمرٍ، وسؤاله التوفيق، وإخلاص النيَّة، والتجرد من الهوى، وجعل الأَمرِ كلّه لله تعالى.

стр. 204

[مؤلفات في اعتقاد السلف الصالح] مؤلفات في اعتقاد السلف الصالح قد دون أَفذاذُ العلماءِ من أَهل السنة والجماعة مؤلفات كثيرة في اعتقاد السَّلف، وعُنوا بتقعيد أُصولها، واستدلوا عليها من الكتاب والسنة، وردوا على أَهل البدع وكشفوا عوارهم، وواجهوا الباطل بالحق، والجهل بالعلم، والبدعة بالسنة، وجردوا أَهل البدع من سلاحهم، وأَظهروا الحق وأَبطلوا الباطل، وما ذاك إِلا صيانة للدِّين. ومن المفيد أَن أَذكر هنا بعض هذه المؤلفات التي كانت مرجعي في إِعداد أَصل هذا " الوجيز " حتى تكون- أَخي المسلم- على بصيرة وعلم من عقيدتك، وتعلم أَن هذهِ العقيدة- عقيدة السلف الصالح- هي الأَصل، وما طرأَ عليها من التحريفات في القرون المتأخرة فهو دخيل على العقيدة التي تلقاها سلفنا الصالح- الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإِحسان- من صاحب الشريعة، ورسول هذا الدِّين العظيم صلى الله عليه وعلى وآله وسلم.

стр. 205

وقد قرر عقيدة السلف الصالح جمع كبير من علماء الأُمة في مؤلفاتهم، منها على سبيل المثال بسط القول فيها: * " كتاب السنة ": الإمام أَحمد بن حنبل ﵀ ٢٤١ هـ. * " كتاب السنة ": عبد الله ابن الإمام أحمد - ٢٩٠ هـ. * كتاب السُّنة ": أَبو بكر أَحمد بن يزيد الخلال - ٢١١ هـ. * " كتاب السنَّة ": الحافظ أَبو بكر بن أبي عاصم - ٢٨٧ هـ. * " كتاب السنة ": محمد بن نصر المروزي - ٢٩٤هـ. * " شرح السُّنة ": الإمام حسن بن علي البربهاري - ٣٢٩ هـ. * " شرح السنة ": الإمام الحسين بن مسعود البغوي - ٤٣٦ هـ. * " الشريعة ": الإمام أَبو بكر محمد بن الحسين الآجري - ٣٦٠هـ. * " كتاب أَصل السنة واعتقاد الدِّين ": الإمام أَبو حاتم الرازي - ٣٢٧هـ. * " صريح السنَّة ": الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري - ٣١٠ هـ. * " شرح مذاهب أَهل السُنَّة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن ": أَبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين - ٢٧٩ هـ. * " أصول السُّنة ": الإمام ابن أَبي زَمنين الأندلسي - ٣٩٩هـ. * " كتاب النزول " * " كتاب الصفات ". * " كتاب الرؤية ": الإمام الحافظ علي بن عمر الدارقطني - ٣٨٥هـ. * " كتاب التوحيد وإِثبات صفات الرب ":

стр. 206

الإمام أبو بكر محمد بن إِسحاق بن خزيمة - ٣١١ هـ. * " مقدمة ابن أَبي زيد القيرواني في العقيدة ": عبد الله بن أبي زيد القيرواني - ٣٨٦ ص. * " الإِبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة ": الإمام أبو عبد الله بن بطة العكبري الحنبلي - ٣٨٧ هـ. * " اعتقاد أَئمة الحديث ": الإمام أبو بكر الإسماعيلي - ٣٧١ هـ. * " الإٍبانة عن أصول الديانة ". * " رسالة إلى أَهل الثغر ". * " مقالات الإِسلاميين ": جميعها للإمام أَبي الحسن الأشعري - ٣٢٠هـ. * " عقيدة السلف أَصحاب الحديث ": الإمام أَبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني - ٤٤٩ هـ. * " المختار في أصول السُّنَّة ": الإمام أبو علي الحسن بن أَحمد بن البنا الحنبلي البغدادي - ٤٧١هـ. * " شرح أصول اعتقاد أَهل السنة والجماعة ": الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي - ٤١٨ هـ. * " كتاب الأَربعين في دلائل التوحيد ": أَبو إِسماعيل الهروي - ٤٨١ هـ. * " كتاب العظمة ": أَبو الشيخ الأَصفهاني - ٣٦٩هـ.

стр. 207

* " الاعتقاد والهداية ": أَبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي -٤٥٨هـ. * " الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أَهل السنة ": أَبو القاسم إِسماعيل بن محمد التميمي الأصفهاني ٥٣٥ هـ. * " العقيدة الطحاوية ": الإمام أَحمد بن محمد بن سلامة أَبو جعفر الطحاوي الأزدي الحنفي - ٣٢١ هـ. * " لمُعة الاعتقاد الهادي إِلى سبيل الرشاد ": الإمام موفق الدين أَبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي - ٦٢٠ هـ. * " النصيحة في صفات الرب جل وعلا ": الإمام أَبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني - ٤٣٨ هـ. * " كتاب التوحيد ": الإمام أَبو عبد الله محمد بن إِسماعيل البخاري - ٢٥٦ هـ. * " كتاب التوحيد ومعرفة أَسماء الله وصفاته ". الإمام محمد بن إسحاق بن منْده - ٣٩٥ هـ. * " كتاب الإِيمان،: الإمام أَبو عبيد القاسم بن سلام - ٢٢٤هـ. * " كتاب الإِيمان ": الحافظ محمد بن يحيى بن عمر العدني - ٢٤٣ هـ. * " كتاب الإِيمان ": الحافظ أَبو بكر بن محمد بن أَبي شيبة - ٢٣٥هـ. * " كتاب الإِيمان ": الحافظ محمد بن إِسحاق بن منده - ٣٩٥هـ. * " شعب الإِيمان ": الحافظ أَبو عبد الله الحليمي البخاري - ٤٠٣هـ. * " مسائل الإِيمان ": القاضي أبو يعلى - ٤٥٨هـ.

стр. 208

* " الرد على الجهمية ": الإِمام الحافظ ابن منده - ٣٥٩ هـ. * " الرد على الجهمية ": الإِمام عثمان بن سعيد الدارمي - ٢٨٠ هـ. * " الرد على الجهمية والزنادقة ": الإمام أَحمد بن حنبل - ٢٤١ ص. * " الرد على من أَنكر الحرف والصوت ": الإمام الحافظ أَبو نصر عبيد الله بن سعد السجزي - ٤٤٤ ص. * " الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة ": الإمام أَبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري - ٢٧٦هـ. * " خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل ": الإمام البخاري - ٢٥٦ ص. * " مسألة العلو والنزول في الحديث ": الحافظ أَبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بـ " ابن القيسراني " - ٥٠٧ هـ. * " العلو للعلي العظيم وإِيضاح صحيح الأَخبار من سقيمها ": * " الأَربعين في صفات رب العالمين ": للإمام الذهبي - ٧٤٨هـ. * " كتاب العرش وما روي فيه ": الحافظ محمد بن عثمان بن أَبي شيبة العبسي - ٢٩٧ هـ. * " إِثبات صفة العلو ": الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي - ٦٢٠ هـ. * " أَقاويل الثقات في تأويل الأَسماء والصفات ": الإمام زين الدِّين مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي - ١٠٣٣ هـ.

стр. 209

* " كتاب الأَسماء والصفات ". * " البعث والنشور ". * " إِثبات عذاب القبر ": الإِمام البيهقي - ٤٥٨ هـ. * " التصديق بالنظر إِلى الله تعالى في الآخرة ": الإمام أَبو بكر الآجري - ٣٦٠ هـ. * " الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد ": الإمام علاء الدين ابن العطار - ٧٢٤هـ. * " العيون والأَثر في عقائد أَهل الأَثر ": الإمام عبد الباقي المواهلي الحنبلي - ١٠٧١هـ. * " قطف الثمر في بيان عقيدة أَهل الأَثر ". * " الدين الخالص ": محمد صديق خان القنوجي - ١٣٠٧هـ. * " لوامع الأَنوار البهية وسواطع الأَسرار الأَثرية ". * " لوائح الأَنوار السّنية ولواقِحُ الأَفكار السنِّية شرح قصيدة ابن أَبي داود الحائيّة ": العلامة محمد بن أَحمد السفاريني - ١١٨٨ هـ. * " تجريد التوحيد المفيد ": الإمام أَحمد بن عدي المقريزي - ٨٤٥. * وفارس التأليف في علم الاعتقاد- الذي لا يختلف فيه اثنان من أَهل السُّنَّة- شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) فإِنَّه رتب هذا العلم وقعد أُصوله ومناهجه، ومؤلفاته كثيرة في هذا الباب منها:

стр. 210

* " منهاج السنة النبوية ". * " درء تعارض العقل والنقل ". * " بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة وأَهل الإِلحاد ". * " اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أَصحاب الجحيم ". * " الصارم المسلول على شاتم الرسول ". * " كتاب الإِيمان ". * " الرسالة التدمرية ". * " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ". * " الرد على المنطقيين ". * " العقيدة الواسطية ". * " العقيدة الحموية ". * " الرسالة التسعينية ". * " بيان تلبيس الجهمية ". * " النبوات ". * " شرح العقيدة الأصفهانية ". * " شرح حديث النزول ". * إِضافة إلى هذا " مجموع الفتاوى ". الذي جمع فيه كثير من مؤلفاته، وبلغ المجموع سبعة وثلاثين مجلدا. * والفارس الثاني في التأليف تلميذه: العالم الرباني ابن قيم الجوزية - ٧٥٢ هـ- صاحب الجهود المشكورة في الردِّ على الفرق الضالة، منها: * " الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ". * " اجتماع الجيوش الإِسلامية على غزو المعطلة والجهمية ". * " القصيدة النونية ".

стр. 211

* " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ". * " طريق الهجرتين وباب السعادتين ". وغيرها من كتبه القيمة. وكل ما ذكرناه من المؤلفات والكتب، فهي مطبوعةٌ - ولله الحمد والمنة- وثمةَ كتب كثيرة لم نذكرها؛ منها ما هو مطبوع، ومنها ما هو في عالم المخطوطات.

стр. 212

[مسك الختام] مسك الختام هذه هي عقيدةُ الرعيلِ الأَول من هذه الأُمة، وهي عقيدة صافية سليمة، وطريقة صحيحة مستقيمة على نهج الكتاب والسنَّة وأَقوال سلف الأُمة وأَئمتها، وهي الطريقُ التي أَحيت قلوب الأَوائل من هذه الأمَّة. فهي عقيدةُ السلف الصالح، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة وأَهل الحديث، وأَهل السنة والجماعة؛ وهي عقيدة الأَئمة الأَربعة أَصحاب المذاهب المتبعة، وعقيدةُ جمهورِ الفقهاءِ، والمحَدثين، والعلماء العاملين، ومن سارَ على نهجهم إِلى يومنا هذا، والأمرُ باق إِلى يوم الدِّين. فعلينا أَن نعود بالعقيدة إِلى منبعها الصافي الذي نهل منه الأَخيارُ من سلفنا الصالح ونأخذ بما أَخذوا به، ونسكُتَ عما سكتوا عنه، ونؤدِّي العبادة كما أَدوْها، ونلتزم بالكتاب والسُّنَّة، وإجماع سلفِ الأُمةِ وأَئمتها، وبالقياس الصحيح في الأمور المتجددة وعلى ضوء فهمهم.

стр. 213

قال أَمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (قَدْ عَلمْتُ مَتى صَلاحُ الناس ومَتى فَسادهم! إِذا جاءَ الفقهُ من قبلِ الصغيرِ؛ اسْتَعصى عليه الكبيرُ، وإِذا جاءَ الفقهُ من قبلِ الكبير تابعهُ الصغيرُ؛ فاهتديا) (١) . وقال أَمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (انْظُروا عمنْ تأخُذونَ هذا العلم؛ فإنما هو الدين) (٢) . وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: (لا يَزالُ النَّاسُ بخيرٍ ما أَخذوا العلمَ عن أَكابِرهِم؛ فإِذا أَخذوهُ من أَصاغِرِهم وشرارهم هَلكوا) (٣) . واعلم أَخي المسلم: هدانا الله وإياك للحق؛ أنَّ مَن طلب الهدى من غير الكتابِ والسنَّةِ وفهم السلف الصالح، أَو أَتى بأمرٍ زائد على ما شرعهُ الله؛ فهو بلا شك منغمس في الضلال المبين، متباعد عن الصراط المستقيم، ومتبع لغير سبيل المؤمنين. فإِننا نوقن بأننا سنموت قبل أَنْ نوفي السنن كلها على أكملِ وجهها؛ فلماذا البدعة في الدِّين.

стр. 214

ورحم الله الإِمام مالكا؛ فقد كان كثيرا ما ينشد: ( وخَيْرُ أمور الدينِ مَا كَانَ سُنة ... وشَرّ الأمور المُحْدَثاتُ البَدائِعُ (١) ) وأَفضل المتعبدينَ بالاتفاق هو رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكل عبادة خالفت عبادته؛ فهي بدعة لا تُقرِّب صاحبها إِلى الله بل لا تزيده منه إِلَّا بُعدا، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] (٢) وقال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] (٣) وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] (٤) . ومما لا شك فيه أَنَّ سبيل وحدة المسلمين هو في وحدة العقيدة، العقيدة الصافية، التي اعتقدها الرعيل الأَول من سلف هذهِ الأُمةِ، وبها حكموا الدنيا بالقصد والعدل.

стр. 215

[صفوة القول] وصفوة القول: إِنَّه لا صلاح لنا، ولا نجاح لدعوتنا إِلا إِذا بدأنا بالأَهم قبل المهم، وذلك بأَن ننطلق في دعوتنا من عقيدةِ التوحيد؛ نَبْني عليها سياستنا، وأحكامنا، وأخلاقنا، وآدابنا، ومعاملتنا. وننطلق في كلِّ ذلك من هدي الكتاب والسّنة وعلى فهم سلف الأُمة، ذلكم هو الصراط المستقيم والمنهج القويم الذي أَمرنا الله به، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١) . وعقيدة السلف هي السبيل الوحيد الذي يصلح به حال الأُمة. نسأل الله تعالى كما دلنا على منهج السَّلف الصالح؛ أَن يجعلنا منهم، ويحشرنا معهم تحت لواء سيد الخلق الشافع المشفع محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأَن لا يزيغ قلوبنا بعد إِذ هدانا، ونسأَله أَن يجعلنا من عبادهِ الموحِّدين الصٌالحين العاملين في سبيله؛ إِنه على ذلك لقادر، وهو سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أَجمعين.