← Акыда

Акыда · id 30811

الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة

عبد الله بن عبد الحميد الأثري

Полный текст (215 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الرسل- ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سُموا أَهل السُّنَّة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النَبِيِّ ﷺ . قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] (١) . وأَهل السنة والجماعة: يأَخذون بعد الكتاب والسنَّة بما أَجمع عليه علماء الأُمة، ويعتمدون عليه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِن اللهَ لا يَجْمَعُ أمتي عَلى ضَلاَلَة، وَيَدُ الله مع الجماعَة، ومَنْ شَذَّ شَذَّ في النار» (٢) . فهذه الأمة معصومة من الاجتماع على باطل، ولا يمكن أَن تجمع على ترك الحق. ولا يعتقدون العصمةَ لأَحد غير رسول الله- ﷺ -ويرون الاجتهاد فيما خفي من الأَمر بقدر الضرورة، ومع هذا لا يتعصبون لرأي أَحدٍ حتى يكون كلامه موافقا للكتاب والسُّنٌة، ويعتقدون أَنَّ المجتهد يخطئ ويصيب؛ فإِن أَصاب فله أَجران: أَجر الاجتهاد وأَجر الإِصابة، وإن أَخطأ فله أَجر الاجتهاد فقط؛ فالاختلاف

стр. 142

عندهم في المسائل الاجتهادية، لا يوجب العداوة ولا التهاجر بل يُحب بعضهم بعضا، ويوالي بعضهم بعضا، ويصلي بعضهم خلف بعض، مع اختلافهم في بعض المسائل الفرعية. ولا يلزمونَ أَحدا من المسلمين التقيد بمذهب فقيه مُعين، ولكن لا يرون أَيضا بأسا بذلك إِذا كان اتباعا لا تقليدا (١) وعلى المسلم أَنْ ينتقل من مذهب إلي آخر لقوة الدليل، وطالب العلم إِذا كانت عنده أَهلية يستطيع أَن يعرف بها أَدلَة الأَئَمة عليه أَن يعمل بها، وينتقل من مذهب إِمام في مسألة إِلى مذهب إِمام آخر، أَقوى دليلا وأَرجح فقها في مسألة أُخرى، ولا يجوز له الأَخذ بقول أَحد دون أَن يعرف دليله؛ لأَنهُ يصبح بذلك مقلدا، وعليه أَن يبذل ما يستطيعه من النظر في الاختلاف حتى يترجح لديه شيء،

стр. 143

فإِنْ لم يمكنه الترجيح، يصبح حكمه حكم العامِّي؛ فيسألُ أَهل العلم. وأَن العاميَ الذي لا يحسن النظر في الدليل فلا مذهب له بل مذهبه مذهب مفتيه؛ فالواجب عليه أَن يسأل أَهل العلم بالكتاب والسنَّة، قال الله ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (١) . وأَهل السنة والجماعة: يقولون إِن الفقه في الدِّين لا يتم ولا يستقيم إِلَّا بالعلم والعمل معا؛ فمن حصل علما كثيرا ولم يعمل به أَو لم يَهْتَدِ بهدي النبِي- ﷺ ولم يعمل بالسنة فليس بفقيه.

стр. 144

[الأصل الثامن وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف] الأصل الثامن وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف

стр. 145

ومن أُصول عقيدة السلف الصالح، أَهل السُّنَّة والجماعة: أَنَهم يرون وجوب طاعة ولاة أُمور المسلمين ما لم يأمرُوا بمعصية؛ فإِذا أَمَرُوا بمعصية فلا تجوز طاعتهم فيها، وتبقى طاعتهم بالمعروف في غيرها، عملا بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١) . ولقول رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَطَاعَني فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، ومَنْ يُطعِ الأَميرِ فَقَدْ أَطاعَني، ومَنْ يَعصِ الأميرَ فَقدْ عَصاني» (٢)

стр. 146

وقوله: «اسْمَعُوا وَأَطِيْعُوا، وإِن اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِي كأنَ رَأْسَهُ زَبِيبَة» (١) . وقوله: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ للأَمِير، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأخِذَ مَالُك؛ فَاسمَعْ وَأَطِع» (٢) . وقوله: «مَنْ كَرِهَ مِن أَميرهِ شَيْئا فَلْيَصْبر عَلَيْه، فَإِنَهُ لَيسَ أَحَد مِن الناس خَرَجَ مِن السّلْطانِ شِبْرا، فَمَاتَ عَلَيْه؛ إِلَّا مَاتَ مِيتَة جَاهِلية» (٣) . فأَهل السنة والجماعة: يقولون إِن طاعة أُولي الأَمر في المعروف أَصل عظيم من أُصولِ العقيدة، ومن هنا أَدرجها أَئمَة السلف في جملة العقائد، وقل أَن يخلو كتاب من كتب العقائد إِلا تضمن تقريرها وشرحها وبيانها، وهي فريضة شرعية لكلِّ مسلم؛ لأنها أَمر أَساسي لوجود الانضباط في دولة الإسلام.

стр. 147

وأَهل السنة والجماعة: يرون الصلاة والجُمَع والأَعياد خلف الأُمراء والولاة، والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والحج معهم أَبرارا كانوا أَو فجارا، والدعاء (١) لهم بالصلاح والاستقامة، ومناصحتهم (٢) إِذا كان ظاهرهم صحيحا، ويُحرمون الخروج عليهم بالسيف إِذا ارتكبوا مخالفة دون الكفر، والصبر على ذلك لأَمره ﷺ طاعتهم في غير معصية ما لم يحصل منهم كفر بواح، وأَن لا يقاتلوا في الفتنة، وقتال من أَراد تفريق أَمر الأُمة بعد الوحدة.

стр. 148

قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خِيارُ أَئمتِكُمُ الذِينَ تُحِبونَهُمْ وَيُحِبونَكُمْ، وَيُصَلونَ عَليْكُمْ وَتُصَلونَ عَلَيْهِمْ. . وَشِرارُ أئمتكُمُ الذِينَ تُبْغضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونكُم وَتَلْعَنونَهُمْ وَيَلْعَنونَكُمْ» قيل: يا رسول الله أَفلا نُنابِذُهُم بالسيف؟ فقالَ: «لا، مَا أَقَامُوا فيكُمُ الصلاةَ، وَإِذَا رَأَيتْمْ مِنْ ولاتِكُمْ شَيْئا تَكْرَهُونَه فَاكْرَهُوا عَمَلَه، وَلاَ تَنزعُوا يَدا مِن طَاعَة» (١) . وقال: «إنهُ يُسْتَعمَلُ عَلَيْكُمْ أمَراءُ فَتَعْرفونَ وَتنكِرُون؛ فَمَن كَرِهَ فَقَدْ بَرئ، وَمَنْ أَنكَرَ فَقَدْ سَلمَ، وَلَكِنْ مَن رَضِيَ وَتابع» . قالوا: يا رسول الله! أَلا نُقاتلهم؟ قالَ: «لا؛ مَا صلوا» (٢)

стр. 149

أَما طاعتهم في المعصية فلا يجوز، عملا بما جاء في السنة من النهي عن ذلك، قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «السمْعُ والطاعَةُ عَلَى المرْءِ المسْلِمِ، فيما أَحَب وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَر بِمَعْصِيَة، فإِذَا أمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سمْع وَلاَ طَاعَة» (١) وقال: «لا طاَعَةَ في مَعْصِيَةِ اللهِ إِنما الطاعةُ في المعْروف» (٢)

стр. 150

وعلى الإمام أَن يتقي الله في الرعية، ويعلم أنما هو أجيرٌ استأجره الله تعالى على الأمة لرعايتها، ولخدمة دين الله وشريعته، ولتنفيذ حدوده على العام والخاص، وعلى الإِمام أَن يكون قويا لا تأخذه في الله لومة لائم، أَمينا على الأمة، وعلى دينهم، ودمائهم وأَموالهم، وأعراضهم ومصالحهم، وأمنهم، وشأنهم، وسلوكهم، وأَن لا ينتقم لنفسه، ويكون غضبه لله تعالى. قال النَّبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ عَبْد يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعية، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاش لِرَعيتِه؛ إِلَّا حرمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّة» (١) .

стр. 151

[الأصل التاسع عقيدة أهل السنة في الصحابة وآل البيت والخلافة] الأصل التاسع عقيدة أهل السنة في الصحابة وآل البيت والخلافة

стр. 152

ومن أُصول عقيدة السلف الصالح؛ أَهل السنة والجماعة: حُب أَصحاب رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسلامة قلوبهم وأَلسنتهم تجاههم؛ لأَنهم كانوا أكمل الناس إِيمانا، وإحسانا، وأَعظمهم طاعة وجهادا، وقد اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد امتازوا بشيء لم يستطع أَن يدركه أَحد ممن بعدهم مهما بلغ من الرفعة؛ أَلا وهو التشرف برؤية النَّبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومعاشرته. والصحابة الكرام كلهم عُدولٌ بتعديل الله ورسوله لهم، وهم أَولياءُ الله وأصفياؤه، وخيرته من خلقه، وهم أَفضل هذه الأُمة بعد نبيها- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (١) .

стр. 153

والشهادة لهم بالإيمان والفضل أَصل قطعي معلوم من الدِّين بالضرورة، ومحبتهم دين وإيمان، وبغضهم كفرٌ ونفاق، وأَهلُ السنة والجماعة لا يذكرونهم إِلا بخير؛ لأَن رَسُول الله أَحبهم وأَوصى بحبهم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهَ اللهَ في أَصْحَابي لاَ تَتخذُوهُم غَرَضا بَعْدِي؛ فَمَنْ أَحبهُم فَبِحبي أَحَبهُم، ومَنْ أبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أبْغَضَهُم، وَمَنْ آذاهُم فَقَدْ آذَانِي، ومَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ، ومَنْ آذَى اللهَ يُوشِكُ أَنْ يَأخُذَه» (١) وكل مَن رأَى رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وآمن به ومات على ذلك؛ فهو من الصحابة، وإن كانت صحبته سنة، أَو شهرا، أَو يوما، أَو ساعة. ولا يدخل النَّار أَحد من الصحابة بايع تحت الشجرة؛ بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأَربعمائة.

стр. 154

قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لاَ يَدْخُل النارَ أَحَد باَيع تَحْتَ الشجَرَة» (١) . وأَهل السنة والجماعة: يكفون عما شجر بينهم من نزاع (٢) ويوكلون أَمرهم إِلى الله؛ فمن كان منهم مصيبا كان له أَجران، ومن كان منهم مخطئا فله أَجر واحد، وخطؤه مغفور له إِن شاء الله. ولا يسبون أَحدا منهم؛ بل يذكرونهم بما يستحقون من الثناء الجميل، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَسبوا أَصْحَابِي لَا تَسبوا أَصْحَابِي؛ فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَن أَحَدَكُم أَنْفَقَ مِثْلَ أحُد ذَهَبا مَا أَدْرَكَ مُدّ أحَدِهِم، وَلا نَصِيفَه» (٣)

стр. 155

وأَهل السنة والجماعة: يعتقدون بأن الصحابة معصومون في جماعتهم من الخطأ، وأما أَفرادهم فغير معصومين، والعصمة عند أَهل السُّنة من الله تعالى لمن يصطفي من رسله في التبليغ، وأَن الله تعالى حفظ مجموع الأمة عن الخطأ؛ لا الأَفراد. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَ الله لَا يَجْمَعُ أمَّتِي عَلَى ضَلاَلة وَيَدُ اللهِ مع الجماعَة» (١) . وأَهل السنة والجماعة: يعتقدون بأن الصحابة الأَربعة: أَبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا ﵃ هم خير هذه الأمة بعد نبيِّها- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم الخلفاء الراشدون المهديّون على الترتيب، وهم مبشرون بالجنة، وفيهم كانت خلافة النبوة ثلاثين عاما مع خلافة الحسن بن علي ﵃، لقول النبي- ﷺ : «الخلاَفة في أمتِي ثَلاثُونَ سنة؛ ثُمَ مُلك بَعْدَ ذَلِكَ» (٢) . ويفضلون بقية العشرة المبشرين بالجنة الذين سماهم رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأَبو عبيدة بن الجراح أَمين هذه الأُمَّة رضي الله

стр. 156

عنهم أَجمعين، ثم أَهل بدر، ثمَّ أَهل الشجرة أَهل بيعة الرضوان، ثمَّ سائر الصحابة ﵃؛ فمن أَحبهم ودعا لهم ورعى حقهم وعرف فضلهم كان من الفائزين، ومن أَبغضهم وسبهم فهو من الهالكين. وأَهل السنة والجماعة: يحبونَ أَهلَ بيتِ النبي؛ عملا بقوله ﵌: «أذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أذَكِّرُكُم اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي» (١) وقوله: «إِن اللهَ اصْطَفى بَنِي إِسمَاعِيل، وَاصْطَفى مِنْ بَني إِسْماعيل كنانَةَ وَاصطَفى مِنْ كنانَةَ قُريْشا، وَاصْطَفى منْ قُريْشٍ بني هَاشِم وَاصْطَفاني مِنْ بَني هاشم» (٢) . ومن أَهل بيته أَزواجه- ﵅ وهن أُمهات المؤمنين بنص القرآن، كما قال الله ﵎: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٣] (٣) .

стр. 157

فمنهن: خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أَبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأُم حبيبة بنت أَبي سفيان، وأُم سلمة بنت أَبي أُمية بن المغيرة، وسودة بنت زمعة بن قيس، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث بن أَبي ضرار، وصفية بنت حيي بن أَخطب. ويعتقدون أَنهنَّ مطهرات مبرآت من كلِّ سوء، وهن زوجاته في الدنيا والآخرة؛ ﵅ أَجمعين. ويرون أَن أَفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق التي بَرأها الله في كتابه العزيز؛ فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر، قال النبي صلى عليه وعلى آله وسلم: «فَضْلُ عائِشَةَ عَلَى النساءِ كَفَضْلِ الثَّريدِ عَلَى سَائِر الطعام» (١) .

стр. 158

[الأصل العاشر موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع] [يُبْغِضُون أَهل الأَهواء والبدع الذين أَحدثوا في الدِّين ما ليس منه] الأصل العاشر موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع

стр. 159

ومن أُصول عقيدة السَّلف الصالح؛ أَهل السنة والجماعة: أَنهم يُبْغِضُون أَهل الأَهواء والبدع؛ الذين أَحدثوا في الدِّين ما ليس منه، ولا يُحبُّونهم، ولا يَصحَبونهم، ولا يَسمعون كلامهم، ولا يُجالسونهم، ولا يُجادلونهم في الدين، ولا يُناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أَباطيلهم، وبيان حالهم وشرهم، وتحذير الأُمَّة منهم، وتنفير الناس عنهم. قال النَّبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ نَبيّ بَعَثَهُ اللهُ في أمةٍ قَبْلي إِلَا كانَ لَهُ مِنْ أمَّتهِ حَواريون وَأَصْحَابٌ يَأخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتدُونَ بِأمْرِه؛ ثُمَّ إِنها تَخلفُ مِن بَعدِهم خُلُوفٌ يَقُولونَ ما لا يَفْعَلُون، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُون؛ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمِن، وَمَنْ جَاهَدَهُم بِلِسانِه فَهُوَ مُؤْمِن،

стр. 160

وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَراءَ ذَلِكَ مِن الإِيمانِ حَبةُ خَرْدَل» (١) . وقال: «سَيَكُونُ في آخِرِ أمتي أناس يُحَدثُونَكُم مَا لَمْ تَسْمَعوا أَنتُم ولا آباؤُكُم، فَإِياكُم وَإِياهُم» (٢) . وأَهل السنة والجماعة يعرفون البدعة: بأَنها ما استحدِثَ بعد النَّبي- ﵌ من الأَهواء، وما ابتُدعَ من الدِّين بعد الكمال، وهي كل أَمرٍ لم يأتِ على فعله دليل شَرعي من الكتاب والسُّنَّة، وهي أَيضا ما أُحْدِثَ في الدين من طريقة تضاهي الشريعة بقصد التعَبد والتقَرب إِلى الله ولذا فالبدعة تقابل السُّنة، غير أَن السُّنة هدى والبدعة ضلاَل. والبدعة: عندهم نوعان؛ نوع شرك وكفر، ونوع معصية منافية لكمال التوحيد. والبدعة وسيلة من وسائل الشرك، وهي قصد عبادة الله تعالى بغير ما شرع به، والوسائل لها حكم المقاصد، وكلُّ ذريعة إِلى الشرك في عبادة الله أَو الابتداع في الدِّين يجب سدها؛ لأَن الدِّين قد اكتمل، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (٣) .

стр. 161

وقال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «منْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْه فَهُوَ رَد» (١) وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْس عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَد» (٢) وقال: «فإِن خَيْرَ الحَدِيثِ كتابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدي هَدي مُحمد، وَشَر الأمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُل بِدْعَة ضَلالة» (٣) . وأَهل السنة والجماعة: لا يرون أَن البدعة على مرتبة واحدة؛ بل هي متفاوتة بعضها يُخرج من الدِّين، وبعضها بمثابة كبائر الذنوب، وبعضها يُعد من الصغائر، ولكنها كلها تَشْتَرِكُ في وصف الضلالة؛ فالبدعة الكلية عندهم ليست كالبدعة الجزئية، والمركبة ليست كالبسيطة،

стр. 162

والحقيقية ليست كالإضافية، لا في ذاتها، ولا في حكمها؛ كما أَن البدع مختلفة في حكمها فبعضها كفر، وبعضها فسق؛ فهي متفاوتة في أَحكامها، وكذلك يتفاوت حكم فاعلها، ومن هذا فإِن أَهل السُّنة لا يطلقون حكما واحدا على أَهل البدع، بل يتفاوت الحكم من شخص إِلى آخر بحسب بدعته؛ فالجاهل والمتأول ليسا كالعالم بما يدعو إِليه، والعالم المجتهد ليس كالعالم الداعي لبدعته والمتبع للهوى، ولذا فأهل السنَّة لا يعاملون المستتر ببدعته كما يعاملون المظهر لها، أَو الداعي إِليها لأَن الداعي إِليها يتعدى ضرره إِلى غيره فيجب كفه، والإِنكار عليه علانية، ولا تبقى له غيبة، ومعاقبته بما يردعه عن ذلك؛ فهذه عقوبة له حتى ينتهي عن بدعته؛ لأنه أَظهر المنكرات فاستحق العقوبة. ولذا فأهل السُّنة يقفون مع كل موقفا يختلف عن الآخر، ويرحمون عامة أَهل البدع ومقلِّديهم، ويدعون لهم بالهداية، ويرجون لهم اتباع السنة والهدى، ويبيِّنونَ لهم ذلك حتى يتوبوا، ويحكمون عليهم بالظاهر، ويكلون سرائرهم إِلى الله تعالى، إِذا كانت بدعتهم غير مكفرة. علامات أَهل الأَهواء والبدع ولأَهل الأَهواء والبدع علامات، تظهر عليهم ويُعرفون بها، وقد أَخبر الله عنهم في كتابه، كما أخبر عنهم رسول الله- صلى الله

стр. 163

عليه وعلى آله وسلم- في سنته، وذلك تحذيرا للأمة منهم، ونهيا عن سلوك مسلكهم، ومن علامتهم: الجهل بمقاصد الشريعة، والفرقة والتفرق ومفارقة الجماعة، والجدل والخصومة، واتباع الهوى، وتقديم العقل على النقل، والجهل بالسنة، والخوض في المتشابه، ومعارضة السنَّة بالقرآن، والغلو في تعظيم الأشخاص، والغلو في العبادة، والتشبه بالكفار، وإطلاق الألقاب على أَهل السُّنة، وبغض أَهل الأَثر، ومعاداتهم لحملة أَخبار النبي- ﷺ والاستخفاف بهم، وتكفير مخالفيهم بغير دليل، واستعانتهم على أَهل الحق بالولاة والسلاطين. وأَهل السنة والجماعة: يرون أُصول البدع أَربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة؛ ثم تشعّب من كل فرقة فرق كثيرة؛ حتى استكملوا اثنتين وسبعين فِرقة، كما أَخبر بذلك النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولأَهل السنة والجماعة: جهود محمودة في الردِّ على أَهل الأَهواء والبدع، حيث كانوا دائما لهم بالمرصاد، وأَقوالهم في أَهل البدع كثيرةٌ جدا، نذكر منها ما تيسر: قال الإمام أَحمد بن سنان القطان رحمه الله تعالى:

стр. 164

(لَيْسَ في الدنيا مُبْتَدع؛ إِلا وهو يُبْغضُ أَهلَ الحَديث، فإِذا ابْتَدَعَ الرجُلُ نُزِعَتْ حَلاوَةُ الحَديثِ من قَلْبِه) (١) . وقال الإِمام أَبو حاتم الحنظلي الرازي رحمه الله تعالى: (عَلامةُ أَهلِ البدَعِ الوَقيعةُ في أَهلِ الأَثَر، وعَلاَمةُ الزنادِقَة تَسْميَتُهُم أَهلَ الأَثَرِ حَشوية، يُريدونَ إِبْطالَ الآثار، وَعَلامَةُ الجهمية تَسْميَتُهم أهلَ السنة مُشبهة، وَعَلامَةُ القَدَرية تَسْميَتُهم أَهلَ السنة مُجْبِرَة، وعَلامَةُ المرجئَة تَسْميَتُهم أَهلَ السنة مُخالفة وَنُقصانية، وَعَلامَةُ الرافضَة تَسْمِيَتُهِم أَهلَ السُّنَّة ناصِبَة، ولا يَلْحقُ أَهل السنة إِلَّا اسْم وَاحِد، ويَسْتَحِيلُ أَنْ تَجْمَعَهُمْ هَذهِ الأَسْماء (٢) . وقيل للإِمام أَحمد بن حنبل ﵀: ذكروا لابن قتيلة بمكة أَصحاب الحديث، فقال: أَصحاب الحديث قومُ سوء! فقام أَحمد بن حنبل وهو ينفض ثوبه ويقول: (زنْديق، زنْديق، زنْديق؛ حتى دَخَلَ البَيْت) (٣) . والله تعالى حفظ أَهل الحديث وأَهل السنة من كلِّ هذه المعايب التي نسبت إِليهم، وهم ليسوا إِلَّا أَهل السنة السنية،

стр. 165

والسِّيرة المرضية، والسبيل السوية، والحجة البالغة القوية، وقد وفَّقهم الله لاتباع كتابه، والاقتداء بسُنة نبيِّه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وشرح صدورهم لمحبته، ومحبة أَئمة الدِّين، وعلماء الأُمة العاملين ومن أَحب قوما فهو منهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَب» (١) . فمن أَحب رسولَ اللهِ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأَصحابه- ﵃ والتابعين لهم، وأتباع التابعين من أَئمة الهدى، وعلماء الشريعة، وأَهل الحديث والأثر من القرون الثلاثة الأُولى المفضلة، ومن تبعهم إِلى يومنا هذا؛ فاعلم أَنه صاحب سنة (٢)

стр. 166

[من وصايا أئمِّة السلف فِي التحذير مِن أهل البدعِ] من وصايا أئمة السلف في التحذير من أهل البدع قال أَمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (يَأتِي أنَاس يُجادلونكُم بشُبُهات القرآن؛ خُذوهُم بالسنَنِ؛ فإِن أَصْحابَ السّنَنِ أَعْلمُ بكتِاب اللهِ) (١) . وعن عبد الله بن عمر؛ أَنَه قال لمن سأله عن المنكرين للقدر: (إِذا لَقيتَ أولئك؛ فأَخْيِرْهُم أَن ابنَ عُمرَ مِنْهُم بَريءٌ، وهُم مِنْهُ بُرآء؛ ثلاث مرات) (٢) . وقال عبد الله بن عباس ﵄: (لا تجُالسْ أَهلَ الأَهواء؛ فإِن مُجالَسَتَهُم ممرضَة للقَلْب) (٣) . وقال العالم الزاهد الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: (صاحبُ بدعَة لا تَأمَنْه عَلى دينِكَ، ولاَ تُشَاورهُ في أَمْرِكَ، ولاَ تجلس إِليه، ومَنْ جَلَسَ إِلى صاحِبِ بدعة أَوْرثَهُ اللهُ العَمَى) يعني في قلبه (٤) .

стр. 167

* وقال الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى: (أَبى اللهُ ﵎ أَنْ يأذَنَ لِصَاحِب هَوى بتَوبة (١) . * وقال الإِمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: (اللَّهُمَ لاَ تَجْعَلْ لِصَاحِبِ بِدْعَة عِنْدي يَدا؛ فَيُحبه قَلْبِي) (٢) . * وقال أَمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري ﵀: (مَنْ أصغى سَمْعَهُ إِلَى صَاحب بِدْعَة وهُو يَعْلَمُ أَنهُ صاحِبُ بِدْعَةٍ؛ نُزِعَتْ مِنْهُ العِصْمَةُ، ووُكِل إلَى نَفْسِه (٣) . * وقال الإِمام الأَوزاعي رحمه الله تعالى: (لاَ تُمكنوا صاحِبَ بِدْعَةٍ منْ جَدَلٍ؛ فَيورثَ قُلوبَكُم منْ فِتْنَتِهِ ارْتيابا) (٤) . * وقال محمد بن سيرين ﵀ محذرا من البدع: (مَا أَحْدَثَ رَجُل بِدْعَة "؛ فَراجَع سُنة) (٥) . * وقال الإِمام مالك بن أَنس رحمه الله تعالى: (لا تُنْكِحُوا أَهلَ البِدَعِ وَلا يُنْكَحُ إِلَيْهِم وَلا يُسلّم عَلَيْهِم) (٦) .

стр. 168

* وعن الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: أَنهُ رأَى قوما يتكلمون في شيء من الكلام؛ فصاح، وقال: (إِما أَنْ تُجاورونا بِخَيْر، وَإمَا أَنْ تَقُوموا عنا) (١) . * وقال إِمام أَهل السُّنَة أَحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: (إِن أَهلَ البدَعِ والأَهْواءِ؛ لاَ يَنْبَغي أَنْ يُسْتَعانَ بِهِم في شَيء مِنْ أمورِ المُسْلميَنَ؛ فإن في ذَلِكَ أَعْظَم الضرر علَى الدين) (٢) . وقال: (احذر البِدَعَ كُلَها، ولاَ تُشاور أَحَدا مِنْ أَهلِ البِدَعِ في دينك) (٣) . * وقال الإمام عبد الرحمن بن مهدى رحمه الله تعالى: (إِنه لَيْسَ في أَصْحاب الأَهْواءِ شَر مِنْ أَصْحابِ جَهم؛ يُريدون عَلى أَنْ يَقُولوا: لَيسَ في السَماءِ شَيء: أَرى وَاللهِ أَلَّا يُنَاكَحُوا، وَلاَ يُوَارثُوا) (٤) . * وقال أَبو قلابة البصري رحمه الله تعالى: (لاَ تُجالسوا أَهلَ الأَهْواء؛ فَإِنكم إن لَمْ تَدْخلوا فيما دَخَلوا فيه لبسوا عَلَيْكُم مَا تَعْرِفون) (٥) .

стр. 169

* وقال أَيوب السختياني رحمه الله تعالى: (إِنٌ أَهلَ الأَهْواءِ أَهلُ ضلالة وَلاَ أَرى مَصيرهم إِلا النار) (١) . * وقال أَبو يوسف القاضي رحمه الله تعالى: (لا أصلي؛ خَلْفَ جَهميّ، ولا رَافِضِي، وَلاَ قَدَري) (٢) . * وقال شيخ الإسلام أَبو عثمان إِسماعيل الصابوني ﵀: (وعَلاماتُ أَهلِ البدَعِ عَلى أَهلها بادية ظاهرة، وأَظهرُ آياتهم وعَلاماتهم شدَةُ مُعاداتهم لحمَلة أَخبار النبِيِّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واحتقارهم لهُم، وتَسميتهم حَشويَّة، وجَهلة، وظاهرية، ومُشبهة؛ اعتقادا منهُم في أَخبار رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّها بمعزل عن العلم، وأَن العلم ما يُلقيهِ الشيطانُ إِليهِم من نتائجِ عُقولهم الفاسدة، ووساوس صُدورهم المُظلِمَة) (٣) . * وقد بينَ الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى- حكم أَهل البدع والأَهواء، في قوله: (حُكْمي في أَصْحابِ الكَلامِ أَنْ يُضرَبوا بالجريد، ويُحْمَلوا

стр. 170

عَلَى الإِبلِ، ويُطاف بهم في العشائرِ والقَبائلِ؛ ويقال هذا جَزاءُ مَنْ تَرَك الكتابَ والسنة، وأَخَذَ في الكَلام (١) . * وقال أَبو محمد الحسين بن مسعود ابن الفرَّاء البغوي: (قَدْ مَضىَ الصحابةُ والتابعونَ وأَتْباعُهم وعُلماءُ السُّنَةِ عَلَى معُاداةِ أَهلِ البِدَعِ ومُهاجَرَتهِم) (٢) . * وقد نقل الإمام إسماعيل الصابوني في كتابه القيم: " عقيدة السَلف أَصحاب الحديث " إِجماع أَهل السنة على وجوب قهر أَهل البدع وإذلالهم؛ فقال- ﵀ بعد أَن سرد أَقوالهم: (وهَذه الجُمل التي أثبتها في هذا الجزءِ؛ كانَت مُعْتَقَد جَميعهم لم يُخالف فيها بَعضهُم بعض؛ بل أَجْمَعوا عليها كُلّها، واتفقُوا مع ذلك على القول بِقَهر أَهلِ البدعِ، وإِذْلالِهِم، وإِخْزائهم، وإِبْعادهم، وإِقْصائهم، والتباعُد عَنهم، ومِن مصاحَبَتهم، ومُعاشرتهم، والتقرب إِلى الله بمجانبتهم، ومُهاجرتهم) .

стр. 171

[الأصل الحادي عشر منهج أهل السُّنَّة في السلوك والأخلاق] الأصل الحادي عشر منهج أهل السُّنَّة في السلوك والأخلاق

стр. 172

من أُصول عقيدة السَّلف الصالح؛ أَهل السنة والجماعة: أنهم: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (١) ويؤمنون أَنَّ خيرية هذه الأمة باقيةٌ بهذه الشعيرة، وأَنَّها من أَعظم شعائر الإٍسلام، وسبب حفظ جماعته، وأَن الأَمر بالمعروف واجب بحسب الطاقة، والمصلحة معتبرة في ذلك، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٢) . وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرا فَليُغَيرهُ بِيَده، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسَانه،

стр. 173

فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِه، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمان» (١) . وأَهل السنة والجماعة: يرون تقديم الرفق في الأَمر والنهي، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، قال الله ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٢) . ويرون وجوب الصبر على أَذى الخلق في الأَمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، عملا بقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (٣) . وأَهل السنة: حين يقومون بالأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر يلتزمون في الوقت نفسه، أَصلا آخر هو الحفاظ على الجماعة، وتأليف القلوب، واجتماع الكلمة، ونبذ الفرقة والاختلاف. وأَهل السنة والجماعة: يرون النصيحة لكلِّ مسلم، والتعاون على البرِّ والتقوى.

стр. 174

قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الدينُ النصِيحَة» قُلنا: لمَن؟ قَالَ: «للهِ، ولِكتَابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولأَئمةِ المسْلِمين، وَعَامتِهِم» (١) . وأَهل السنة والجماعة: يحافظون على إِقامةَ شعائر الإِسلام؛ كإٍقامة صلاة الجمعة والجماعة، والحج، والجهاد، والأَعياد مع الأُمراء أَبرارا كانوا، أَو فجارا؛ خلافا للمبتدعة. ويسارعون إِلى أَداء الصلوات المكتوبة، وإقامتها في أَول وقتها مع الجماعة، وأَوله أَفضل من آخره إِلا صلاة العشاء، ويأمرون بالخشوع والطمأنينة فيها، عملا بقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] (٢) . وأَهل السنة والجماعة: يتواصون بقيام الليل؛ لأَنه من هدي النَّبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولأَن الله أَمر نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقيام الليل، والاجتهاد في طاعته تعالى. وعن عائشة ﵂ «أَن نبي الله- صلى الله عليه

стр. 175

وعلى آله وسلم- كان يقومُ مِن الليل؛ حتى تَتَفطَر قَدَماه، فقالت عائشة: لِمَ تَصنعُ هذا يا رسول الله؛ وقد غَفَرَ الله لكَ ما تقدم مِن ذنبِكَ، وما تأخر؛ قال: " أَفَلَا أحِب أَنْ أَكُونَ عَبْدا شَكُورا» (١) . وأَهل السنة والجماعة: يَثبتُونَ في مواقف الامتحان، وذلك بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بِمُر القضاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٢) . وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِن عِظَمَ الجَزاء مَعَ عِظَمَ البَلاءِ، وإِن اللهَ إِذَا أَحَب قَوْما ابْتَلاهُم؛ فَمَنْ رَضيِ فَلَهُ الرضا، ومَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَخط» (٣) . وأَهل السنَّة: لا يتمنون ولا يسألون الله البلاء؛ لأنَّهم لا يدرون هل يثبتون فيه؛ أَم لا؛ ولكن إِذا ابتُلوا صبروا. قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لاَ تَتَمنوا لِقاءَ العَدُو، وَاسْأَلوا اللهَ العَافِيَة؛ فَإِذَا لَقِيتُموهُم فاصْبروا» (٤) .

стр. 176

وأَهل السنة والجماعة: لا يقنطون ولا ييأسون من رحمة الله عند المحن؛ لأَن الله تعالى قد حرم ذلك، ولكن يعيشون أَيام البلاء على أَمل الفرج القريب والنصر المؤكد لأَنَّهم يثقون بوعد الله، ويعلمون أَن مع العسر يسرا، ويبحثون عن أَسباب المحن في أَنفسهم، ويرون أَن المحن والمصائب لا تصيبهم إِلا بما كسبت أَيديهم، ويعلمون أَن النصر قد يتأخر بسبب الوقوع في المعاصي أَو التقصير في الاتباع، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] (١) . ولا يعتمدون في المحن ونُصْرَة الدِّين على الأَسباب الأَرضية والإِغراءات الدنيوية، والسنن الكوَنية، كما أَنَّهم لا يغفلون عنها، ويرون قبل ذلك أَن تقوى الله تعالى والاستغفار من الذنوب، والاعتماد على الله، والشكر في الرخاء؛ من الأَسباب المهمة في تعجيل الفرج بعد الشدَّة. وأَهل السنة والجماعة: يخافون من عقوبة كفر النعمة وجحدها، ولذا تراهم أَحرص الناس شكرا وحمدا لله، وأَدْوَمَهم عليه في كلِّ نعمة صغيرة كانت أَو كبيرة، قال النبِي ﷺ : «انْظرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُروا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (٢) .

стр. 177

وأهل السنة: يتحلون بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال. قال النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا؛ أحسنهم خلقا» (١) وقال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؛ أحسنكم أخلاقا» (٢) وقال: «ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به؛ درجة صاحب الصوم والصلاة» (٣) . ومن أخلاق السلف الصالح؛ أهل السنة والجماعة: * إخلاصهم في العلم والعمل، والخوف من الرياء قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] (٤) . * تعظيمهم لحرمات الله تعالى، وغيرتهم إذا انتهكت حرماته تعالى، ونصرة دين الله وشرعه، وكثرة تعظيمهم لحرمات المسلمين ومحبة الخير لهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] (٥) .

стр. 178

* السعي على ترك النفاق بحيث تتساوى سريرتهم وعلانيتهم في الخير، وتقليل أعمالهم في عيونهم من حيث كسبهم لها، وتقديم أعمال الآخرة دائما على أعمال الدنيا. * رقة قلوبهم، وكثرة بكائهم على تفريطهم في حق الله تعالى لعل الله أن يرحمهم، وكثرة الاعتبار والاهتمام بأمر الموت إذا رأوا جنازة، أو تذكروا الموت وسكراته وسوء الخاتمة؛ حتى تزلزل قلوبهم. * زيادة في التواضع كلما ترقى أحدهم في درجات القرب من الله تعالى. * كثرة التوبة، والاستغفار ليلا ونهارا لشهودهم أنهم لا يسلمون من الذنب حتى في طاعتهم؛ فيستغفرون من نقصهم فيها، ومراقبة الله تعالى فيها، وعدم العجب بشيء من أعمالهم، وكراهيتهم لشهرة؛ بل يرون النقص والقصور في طاعتهم، فضلا عن سيئاتهم. * شدة تدقيقهم في التقوى، وعدم دعوى أحد منهم أنه متق، وكثرة خوفهم من الله . * شدة خوفهم من الخاتمة السيئة، وعدم غفلتهم عن ذكر الله، وهوان الدنيا عندهم، وشدة رفضهم لها، وعدم الاعتناء ببناء

стр. 179

الدور إِلا ما اقتصر منها على ما يدفع الحاجة ومن غير زخرفة. قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللهِ! مَا الدنْيَا في الآخِرَةِ إِلاَ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعه هَذِهِ في اليَم؛ فَلْينْظُرْ بِمَ تَرْجِع» ؛ " (١) . * لا يرضون الخطأ الذي يمس الدين أَو أَهله بل يردونه ويلتمسون العذر لمن قال به، إِن كان ممن يعتذر له، وكثرة سترهم لإِخوانهم المسلمين، وشدة مناقشتهم لنفوسهم في مقام التورع، ولا يحبون أن تظهر لأَحد عورة، ويشتغلون بعيِوبهم عن عيوب النَاس، ويجتهدون في ستر عيوب الآخرين، ويكتمون الأسرار، ولا يبلغون أَحدا ما يسمعونه في حقه، ويتركون معاداة النٌاس ويكثرون من مداراتهم، وعدم مقابلة أَحد بسوء؛ فهم لا يعادون أَحدا. قال النَّبِيُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لاَ يَدْخُلُ الجنة قتات» (٢) وفي رواية مسلم: " نمَّام ". * سد باب الغيبة في مجالسهم، ويحفظون ألسنتهم منها؛ لئلا يصبح مجلسهم مجلس إِثم.

стр. 180

قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] (١) . * كثرة الحياء، والأدب، والتودد، والسكينة، والوقار، وقلَة الكلام، وقلَة الضحك، وكثرة الصمت، والنطق بالحكمة تسهيلا على الطالب، وعدم الفرح بشيء من الدنيا، وذلك لكمال عقولهم. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرا، أَوْ لِيَصْمُتْ» (٢) وقال: «مَنْ صَمَتَ نَجَا» (٣) . * كثرة العفو والصفح عن كل مَن آذاهم بضرب، أَو أَخذ مال أَو وقوع في عرض، أَو نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٤) . * عدم الغفلة عن محاربة إِبليس، والاجتهاد لمعرفة مكايده ومصايده، وعدم وسوستهم في الوضوء والصلاة وغير ذلك من العبادات، لأَنَّ كل ذلك من الشيطان.
следующие страницы →