← Акыда

Акыда · id 30811

الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة

عبد الله بن عبد الحميد الأثري

Полный текст (215 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[تقديم وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد] الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة تقديم معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الحمد لله المتفرد بصفات الكمال والجمال والجلال، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته، ولا ند له في ربوبيته، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فقد كان الناس قبل مبعث محمد ﷺ في جاهلية جهلاء؛ يعيشون في ظلمات من الشرك

стр. 2

والجهل، وتسيطر عليهم الخرافات، ويتطاحنون في نزاعات وصراعات قبلية، يسبي بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، يعيشون في تخلف وهمجية وفرقة، شعارهم: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم حتى إذا أذن الله لشمس الإسلام أن تشرق بعث محمدا ﷺ ليعلن للبشرية أنه: " لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه ". لقد جاء بالتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، والغاية العظمى من الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] به بعث الرسل وأنزلت الكتب، ورفع من أجله علم الجهاد. ثلاث عشرة سنة في مكة والنبي- ﷺ يدعو إليه، ويغرس جذوره في أعماق النفوس، ويبني أسسه ودعائمه في سويداء القلوب، ويثبت أركانه في الوجدان؛ حتى اتضحت سبيله للسالكين، وبانت معالمه للراغبين، فأظهر الله الحق وأزهق الباطل، وأضاءت القلوب أنوار التوحيد الخالص، فجلته من أوضار الشرك، وصقلته من أدران التنديد.

стр. 3

لقد جاء النبي- ﷺ والقلوب أرض جرداء فسقاها من نمير التوحيد، وأرواها من سلسبيل الإخلاص، وساقها إلى الله دليل المتابعة، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فعزت الأمة بعد ذلتها، واجتمعت بعد فرقتها، وصارت غالبة بعد أن كانت مغلوبة. بقيت العقيدة على صفائها ونقائها وطهرها، حتى إذا قضى الله أمرا كان مفعولا، ودخل في دين الله من لم يتشرب قلبه التوحيد الخالص، حدث في الناس الخلل، وتفرقت بهم السبل، وراجت المذاهب المنحرفة، والأفكار الهدامة، وأطلت الفتن برأسها، وفشت البدع ببؤسها، حتى إذا زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا؛ قيض الله من أئمة الهدى، وأعلام الدجى من يعيد الناس إلى مشكاة النبوة وقلعة الإيمان، ويكشف لهم زيوف الباطل، ويدحض شبه المبطلين، ويردهم إلى منهج السلف الصالح. إن المتبصر في تاريخ الأمة الإسلامية؛ ليرى أن عزتها وعلوها وغلبتها ودينونة الأمم لها مرتبطة بصفاء عقيدتها، وصدق توجهها إلى الله، واتباعها لأثر النبي- ﷺ وسيرها على منهج السلف الصالح، واجتماعها على أئمتها، وعدم منازعتهم

стр. 4

في ذلك، وأن ذلها وضعفها وانخذالها، وتسلط الأمم عليها مرتبط بانتشار البدع والمحدثات في الدين، واتخاذ الأنداد والشركاء مع الله، وظهور الفرق الضالة، ونزع يد الطاعة، والخروج على الأئمة. إن الانحرافات العقدية، والحيدة عن منهج السلف الصالح، والانخداع بزخرف قول أرباب المذاهب المنحرفة هو الذي فرق الأمة، وأضعف قوتها، وكسر شوكتها، والواقع شاهد على ذلك، ولا مخرج لها من ذلك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه النبي- ﷺ وأصحابه وأئمة الهدى، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وإن النكوص عن جادة التوحيد، والرغبة عن منهج السلف الصالح، منافاة للعدل، ومجافاة للعقل. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وإن أعظم القسط التوحيد، وهو رأس العدل وبه قوامه، وإن أظلم الظلم الشرك، قال تعالى حكاية عن لقمان في وصيته لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]

стр. 5

وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي- ﷺ قال: «قال الله : " وإني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري» [رواه الطبراني في " مسند الشاميين " والبيهقي في " شعب الإيمان " والديلمي في " مسند الفردوس "] . وإن أعظم الفرية أن تشرك بالله وقد خلقك. وإذا كان الله- قد أمر بالإصلاح، ونهى عن الفساد والإفساد، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] فإن أعظم الإفساد أن تفسد عقائد الناس، وتصوراتهم، وأفكارهم، ويقطع عليهم الطريق في مسيرهم إلى الله ويحاد بهم عن الفطرة التي فطرهم الله عليها، ففي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» [رواه مسلم] . ويعضده قول النبي ﷺ : «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني يومي

стр. 6

هذا: كل ما نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. . .» [رواه مسلم] . ولا شك أن هذا أعظم الظلم وأشنعه، كيف لا، وقد صار عاقبة ذلك خسران الدنيا والآخرة. وفي هذه الأزمنة المتأخرة التي حدثت فيها الغير، وتزينت الدنيا لخطابها، كشف أهل الأهواء عن أقنعتهم، وانتشرت بدعهم، وأحييت مذاهب أسلافهم بعد أن كانت بائدة، ونبشت كتب لهم كانت منسية، وظهرت أفكار جديدة، وبرزت جماعات معاصرة متباينة في مقاصدها، مختلفة في توجهاتها، متناقضة في غاياتها ووسائلها، كلما خرجت جماعة أو فرقة لعنت أختها، وتطاول أناس على قامة التوحيد والسنة، ولوثرا أفكار الناس، وأفسدوا عليهم عقائدهم، وهونوا عليهم أمر الشرك، ورفعوا أعلام الفتن، ونازعوا ذوي السلطان في سلطانهم، وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، واتبعوا غير سبيل المؤمنين. مما يوجب على الغيورين من علماء الأمة ودعاة السنة المقتفين للأثر؛ القيام بواجب الإبانة عن أصول الديانة، وتبيين معالم منهج السلف، وإيضاح سبيله، وتقريب كتب أئمة الهدى، وإبرازها

стр. 7

بالتحقيق وشرح عبارات الأئمة، وبيان مقاصدهم والعناية بأمر التوحيد والمنهج في دروسهم وخطبهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم، وإرشاد العباد إلى اتباع خطى النبي- ﷺ ولزوم سنته، والسير على أثر أصحابه امتثالا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقول النبي ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كبيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [رواه أبو داود] . فهذا هو الصراط المستقيم، الموصل إلى رضا رب العالمين. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وهو السبيل الذي دعا إليه رسوله محمد ﷺ قال تعالى:

стр. 8

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] وهو عقيدة الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي- ﷺ بقوله: «لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم؛ حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» . [رواه البخاري: باب " ٢٨ "، حديث (٣٦٤١) ] . وهي التي بقيت على ما كان عليه النبي- ﷺ وأصحابه؛ ففي الحديث أنه- ﷺ قال: (. . . «وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة» قال- أي عبد الله بن عمرو راوي الحديث-: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» [رواه الترمذي] . ومن هنا تأتي أهمية العناية بهذا الأمر، وتربية الناشئة عليه، وتصحيح مسيرة الصحوة إليه؛ حتى لا تتشعب بها السبل، فتضل في متاهات الأهواء والفتن.

стр. 9

وقد وفق الله- عددا من مشايخنا، وعلمائنا، ونفرا من طلبة العلم المخلصين إلى الاهتمام بهذا الموضوع تدريسا، وتحقيقا، وتأليفا، وكان منهم: الأخ الشيخ عبد الله بن عبد الحميد الأثري في كتابه الماتع: (الوجيز في عقيدة السلف الصالح) وقد رغب إلي في قراءته والتقديم له، وباطلاعي عليه وقراءتي له ألفيته قد أجاد فيه وأفاد، وبذل فيه جهدا مشكورا، وذكر فيه مجمل اعتقاد السلف بأسلوب أخاذ، وعبارة سهلة، وعرض حسن، وقد وفق في تبويبه وترتيبه، وقد جاءت هذه الطبعة التي نحن بصدد التقديم لها، فظهرت منقحة ومصححة، مستدركا فيها ما فاته في سابقها من ملحوظات يسيرة. وإن مما يميز هذا الكتاب اعتماده على المصادر الأصلية، وعنايته بذكر عبارات السلف، وحشد الأدلة من الكتاب والسنة، وذكر أقوال الصحابة والتابعين وأئمة السلف. وإن هذا الكتاب وأمثاله لمما تقر به عيون الموحدين، وتفرح به قلوبهم، وتشرق به حلوق المناوئين، وتضيق به صدورهم: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]

стр. 10

والنبي- ﷺ يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر؛ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلا يذل به الكفر وأهله» [رواه الإمام أحمد] . وإذ أشكر لفضيلته عنايته بهذا الموضوع، وحرصه عليه، وإخراج هذا الكتاب، فإني أسال الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يبارك في جهوده، وأن يحفظ لهذه الأمة عقيدتها، وأن يوفق العلماء إلى السير بها إلى ما يحبه ويرضاه، اقتداء بالنبي- ﷺ واقتفاء لأثر أصحابه واتباعا لمنهج أئمة السلف. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد جمادى الأولى ١٤٢١

стр. 11

[المقدمة]

стр. 12

إِنَّ الحَمْدَ لله، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغفرُهُ، وَنَعوذُ بالله مِنْ شُرورِ أَنفسِنا، وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمَالنا، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فَلاَ هاديَ لَه، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحَدهُ لا شَريِكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَن مُحَمّدا عَبْدهُ وَرَسُولُه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣)

стр. 13

أَمَّا بعد: فإِنَّ أَصْدَقَ الحَديث كَلامُ الله، وخَيْرَ الهَديِ هَديُ مُحمّدٍ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَشَرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها وَكل محْدَثةٍ بدعة، وَكلَّ بدعةٍ ضلالة، وَكل ضلالةٍ في النَّار (*) (١) . أيها الأَخُ المسلم: هذه كلماتٌ مختصرةٌ في بيان: عقيدة السَّلف الصَّالح، أَهلِ السُّنَّةِ والجماعة " قد حَمَلَ على جمعهِ وكتابَتِهِ ما تعيشه الأمَّةُ الإِسلاميةُ اليومَ من تفرق واختلافٍ يتمثلان في الفرقِ المعاصرةِ، والجماعات الموجودة في الساحة؛ كلٌ يدعو إِلى عقيدته ومنهجه، ويزكي جماعته؛ حتى اختلط الأَمر على النَّاس، وأَصبحوا في حيرة من أَمرهم من يتبعون؟ وبمن يقتدون؟!! ولكن- ولله الحمد- لم يُعدَمْ ولن يُعدَمَ الخيرُ في هذهِ الأمَّة، إِذْ لا تَزالُ طائِفَةٌ منها متمسكة بالهدى والحق إِلى قيام السَاعة

стр. 14

كما أَخبر بذلك النَّبي- ﷺ حيث قال: «لاَ تَزَالُ طَائفَة مِنْ أمتي ظَاهِرينَ عَلَى الحق، لاَ يَضُرهُمْ مَنْ خَذلَهُمْ؛ حَتّى يأتِيَ أمْرُ الله وَهُمْ كَذلِكَ» (١) وقال- ﷺ : «مثَلُ أمَّتِي مثلُ المَطَر؛ لا يُدْرَى أوَّلهُ خير، أَم آخِرُهُ» (٢) . ومن هنا وجب علينا التعرف على هذه الطائفة المباركة التي تلتزم الإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله ﷺ -وطبّقهُ جيل الصحابة والتابعين وأَتباعهم بإِحسان- جعلنا الله منهم- وهذه الجماعة هي الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، وتوصف هذه الفرقة بأهلِ السنة والجماعة، وأَهل الحديث، وأَهل الأثر والاتباع، وهم من كانوا على ما كان عليه النبي- ﷺ -وأَصحابه. ومن هذا المنطلق أَسرعتُ في تلخيص هذا " الوجيز " من كتابي " المُيَسرُ في عقيدة السلف الصالح " (٣) الذي استقيته من كتب أَئمة السَلف المشهودِ لهم بالعدالة والعلم، واتباع السُّنَّة والإِمامةِ فيها؛ التي اسْتَقَوْهَا من هدي النبي- ﷺ -كابرا عن كابر، وحرصتُ أَن يكون هذا " الوجيز " بعبارة موجزة وأُسلوب واضح مُيسَر، مع الالتزام بالأَلفاظ الشرعية المأثورة عن أئمة السلف قدر الإِمكان؛

стр. 15

ليستفيد منه كل قارئ، وخصوصا الناشئين من أَبناء الصحوة الإِسلامية المباركة، ويكون عونا لتحصيل مجمل عقيدة السلف الصَّالح للشاب المستقيم والمهتدي حديثا بصورةٍ ميسرة؛ لأَن علم العقيدة أَشبه بسلسلة مربوطٍ بعضها ببعض، فإِذا لم يفهم المسلم مجمل العقيدة لا يستطع استيعاب أَجزائها. ولم أُضفْ شيئا من عندي إِلا ما وجدتُ أَنَّ من الواجب بيانَهُ وتوضيحه، وأُنوه بأني قد وضعتُ في آخر هذه الرسالة قائمة للمصادر التي اعتمدتُ عليها في إِعداد هذا " الوجيز ". وختاما أَحمد الله تعالى وأَشكره على توفيقه لإتمام هذا " الوجيز، وأَرجو الله أَن يُسهم هذا البحث المتواضع لي إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين، وأَن يجعله نافعا لهم، ودافعا للرجوع إِلى كتاب الله، وسنَّة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. كما أَشكر كل من كان له فضل علي في إِتمام هذا " الوجيز، من إِبداء رأى أَو مراجعة أَو نصيحة، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ سعود بن إِبراهيم الشريم، وفضيلة الشيخ محمد بن جميل زينو اللذان تفضلا بقراءة الكتاب والتقديم له فجزاهم الله خيرا (١) .

стр. 16

هذا هو جُهد المقل وضعته بين يدي القارئ الكريم، فإِن أَصبتُ فمن الله وحده- وهو الموفق سبحانه- وإن أَخطأتُ فمن نفسي والشيطان، وإني آمل ممَّن يجد فيه مأخذا أَن لا يبخل عليَّ بالنصح. أَسأَلُ الله تعالى أَن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم، وأَن يتقبله مني، وينفع به المسلمين، وأَبرأ إِلى الله مما خالف كتابه وسنَة نبيِّه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وفهم سلفنا الصالح؛ فإِنْ وقع ذلك منّي دون قصد " فإِنِّي راجع عنه في حياتي وبعد مماتي. وصلى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أَجمعين. كتبه راجي رحمة ربه الغفور أَبو محمد عبد الله بن عبد الحميد بن عبد المجيد آل إِسماعيل الآثري نزيل اصطنبول عفا الله عنه في ذي الحجة ١٤١٦ هـ

стр. 17

[تعريفات ضرورية] [تعريف العقيدة]

стр. 18

تعريف العقيدة العقيدة في اللغة: من العَقْدِ؛ وهو الرَّبطُ، والإِبرامُ، والإِحكامُ، والتَّوثقُ، والشَدُّ بقوه، والتماسُك، والمراصةُ، والإثباتُ؛ ومنه اليقين والجزم. والعَقْد نقيض الحل، ويقال: عَقَده يعقِده عَقْدا، ومنه عُقْدَة اليمين والنكاح، قال الله ﵎: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (١) والعقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، والعقيدة في الدِّين ما يُقْصَدُ به الاعتقاد دون العمل؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل. والجمع: عقائد (٢) .

стр. 19

وخلاصته: ما عقد الإِنسانُ عليه قلبه جازما به؛ فهو عقيدة؛ سواءٌ أكان حقا، أَم باطلا. وفي الاصطلاح: هي الأمور التي يجب أن يُصَدِّقَ بها القلب، وتطمئن إِليها النفس، حتى تكون يقينا ثابتا لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك. أَي: الإِيمان الجازم الذي لا يتطرَّق إِليه شك لدى معتقده، ويجب أَن يكون مطابقا للواقع، لا يقبل شكا ولا ظنا؛ فإِن لم يصل العلم إِلى درجة اليقين الجازم لا يُسَمى عقيدة. وسمي عقيدة؛ لأَنَّ الإِنسان يعقد عليه قلبَه. والعقيدة الإِسلاميَّة: هي الإِيمان الجازم بربوبية الله تعالى وأُلوهيته وأَسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسائر ما ثَبَتَ من أُمور الغيب، وأصول الدِّين، وما أَجمع عليه السَّلف الصَّالح، والتسليم التام لله تعالى في الأَمر، والحكم، والطاعة، والاتباع لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 20

والعقيدة الإِسلاميَّة: إِذا أُطلقت فهي عقيدة أَهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّها هي الإِسلام الذي ارتضاه الله دينا لعباده، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضَّلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإِحسان. وللعقيدة الإِسلامية: أَسماء أُخرى عند أَهل السُّنَّة والجماعة؛ تُرادِفُها، وتَدلُّ عليها، منها: " التوحيد "، " السُّنَة "، " أُصُول الدَين "، " الفقه الأكبر "، " الشريعة "، " ٢٢ الإِيمان ٢٢ ". هذه أَشهر إِطلاقات أَهل السُّنَّة على علم العقيدة.

стр. 21

[تعريف السلف] تعريف السلف السَّلف في اللغة: ما مضى وتقدم، يُقال: سلَف الشيءُ سَلَفا: أَي مضى، والسَّلف: الجماعة المتقدِّمون، أَو القوم المتقدمون في السير. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ - فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦] (١) . أَي: جعلناهم سلفا متقدِّمين لمن عمل بعملهم، وذلك ليَعْتَبِرَ بهم مَنْ بعدهم، وليتعظ بهم الآخرون. والسَّلَفُ: (من تقدَّمك من آبائك ذوي قرابتك الذين هم فوقك في السنِّ والفضل، ولهذا سُمي الصدر الأَول من الصحابة والتابعين: السلف الصَّالح) (٢) .

стр. 22

وفي الاصطلاح: إِذا أُطْلِقَ السلفُ عندَ علماءِ الاعتقادِ فإِنَّما تدور كل تعريفاتهم حول الصحابة، أَو الصحابة والتابعين، أَو الصحابة والتابعين وتابعيهم من القرون المفضلة؛ من الأَئمَّةِ الأَعلامِ المشهودِ لهم بالإِمامةِ والفضلِ واتباعِ السنة والإِمامةِ فيها، واجتناب البدعةِ والحذر منها، وممن اتفقت الأُمّةُ على إِمامتهم وعظيم شأنهم في الدِّين، ولهذا سمي الصدرُ الأول بالسلَف الصالح. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (١) وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (٢) وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْني ثُم الَذيِنَ يَلُونَهُمْ ثُمَ الَذِينَ يَلونَهُمْ» (٣) .

стр. 23

ورسولُ الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصحابته والتَّابعون لهم بإِحسان هم سلف هذه الأمة، وكل من يدعو إِلى مثل ما دعا إِليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم- وصحابتُهُ والتابعون لهم بإِحسان، فهو على نهج السلف. والتحديد الزمني ليس شرطا في ذلك؛ بل الشرط هو موافقة الكتاب والسنَّة في العقيدة والأَحكام والسلوك بفهم السَّلف، فكل من وافق الكتاب والسُّنَة فهو من أتباع السَّلف، إن باعد بينه وبينهم المكان والزمان، ومن خالفهم فليس منهم وإن عاش بين ظهرانيهم. وإِمام السَّلف الصَّالح رسولُ الله ﵌. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (١) . وقد قرن الله تعالى بين طاعته وطاعة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٢)

стр. 24

وجعل الله طاعةَ الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طاعة له سبحانه، فقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] (١) وأَخبر تعالى أَن عدم طاعة الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- محبطٌ ومُبطلٌ للأعمال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (٢) ونهانا عن مخالفة أَمرهِ- ﵌ فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٣) وأَمرنا الله تعالى أَن نأخذ ما أَمرنا به- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونترك ما نهانا عنه، فقال :

стр. 25

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] (١) وأَمرنا تعالى أَن نحكمه- صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم- في كلِّ شأن من شؤون حياتنا، وأَن نرجع إِلى حكمه، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] سورة النساء: الآية، ٦٥. وبلغنا الله تعالى بأَن نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الأُسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، والنموذج الأَمثل الذي يجب اتباعه والاقتداء به، فقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] سورة الأحزاب: الآية، ٢١. وقرن الله رضاه برضا رسوله- ﵌ فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] سورة التوبة: الآية، ٦٢. وجعل اتباع رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علامة على محبته- فقال:

стр. 26

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) ولهذا كان مرجع السَّلَف الصالح عند التنازع هو كتابَ الله وسنَة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢) وأَفضلُ السلف بعد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصحابةُ الذين أَخذوا دينهم عنه بصدق وإخلاصٍ، كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز، بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (٣) ثمَ الذين يلونهم من القُرون المفضلة الأولى؛ الذين قال فيهمِ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُ النَّاس قَرْنِي، ثُم الَذينَ يَلونَهُمْ، ثُمَّ الَذِينَ يَلُونهُمْ» (٤) ولذا؛ فالصَّحابة والتابعون أَحق بالاتباع من غيرهم، وذلك

стр. 27

لصدقهم في إيمانهم، وإخلاصهم في عبادتهم، وهم حُرَّاس العقيدة، وحُماة الشريعة العاملون بها قولا وعملا، ولذلك اختارهم الله تعالى لنشر دينه، وتبليغ سُنَّة نَبيِّه ﷺ . قال النَّبِيُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تَفْتَرقُ أمَتِي عَلَى ثَلاَث وَسَبْعِينَ ملة؛ كُلهُم في النارِ، إِلا مَلّة وَاحِدَة» قالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: «مَا أَنَا عَلَيْه وَأصْحابي» (١) ويُطلق على كلِّ من اقتدى بالسَّلف الصالح، وسار على نهجهم في سائر العصور " سَلَفِيّ " نسبة إِليهم، وتمييزا بينه وبين من يخالفون منهج السَّلف ويتبعون غير سبيلهم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (٢) ولا يسع أَي مسلم إِلا أَن يفتخر بالانتساب إِليهم. ولفظ " السَّلفيَّة " أَصبح علما على طريقة السلف الصَّالح في تلقي الإِسلام وفهمه وتطبيقه، وبهذا فإنَّ مفهوم السَّلفيَة يطلق على المتمسكين بكتاب الله، وما ثبت من سُنَّة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تمسكا كاملا بفهم السَّلف.

стр. 28

[تعريف أهل السنة والجماعة] تعريف أهل السنة والجماعة السُّنة في اللغة: السنَة في اللغة مشتقة من: سَن يَسِن، ويَسُن سَنّا، فهو مَسْنُون. وسَن الأمرَ: بَينَه. والسَنَة: الطريقةُ والسِّيرة، محمودة كانت أَم مذمومة. ومنه قول النَّبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَتَتَبِعُنّ لسَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرا بِشِبرْ وذِراعا بِذِراع» (١) أَي: طريقتهم في الدِّين والدنيا. وقوله: «مَنْ سنّ في الإسلاَمِ سنَةَ حَسَنه فَلَهُ أَجْرُها وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا منْ بَعْدِه؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سنَّ في الإِسلام سُنَّة سيئة» (٢) - أَي: " سيرة. . . الحديث " (٣) .

стр. 29

السنة في الاصطلاح: الهديُ الذي كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأَصحابه، علما، واعتقادا، وقولا، وعملا، وتقريرا. وتُطلق السّنَة أَيضا على سُنَنِ العبادات والاعتقادات، ويقابل السنَّةَ: البدعة. قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدي فَسَيرى اخْتلافا كَثيرا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسنّتي وسُنّةِ الخلَفَاءِ المَهْدِيينَ الرَّاشِدين» (١) . الجماعة في اللغة: (مأخوذةٌ من الجمعِ، وهو ضمُ الشيءِ، بتقريبِ بعضِهِ من بعضٍ، يُقال جَمعتُهُ، فاجْتَمَعَ) . ومشتقة من الاجتماع، وهو ضد التفَرُّق، وضد الفرْقَة. والجماعة: العدد الكثير من النَّاس، وهي أَيضا طائفة من الناس يجمعها غرض واحد. والجماعة: هم القوم الذين اجتمعوا على أَمرٍ ما (٢) .

стр. 30

الجماعة في الاصطلاح: جماعة المسلمين، وهم سَلَفُ هذه الأُمة من الصحابة والتابعين ومن تَبعهُم بإِحسان إِلى يوم الدِّين؛ الذين اجتمعُوا على الكتاب والسَنَة، وساروا على ما كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ظاهرا وباطنا. وقد أَمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين وحَثَّهم على الجماعة والائتلاف والتعاون ونهاهم عن الفرقة والاختلافِ والتَناحر، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (١) وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] (٢) وقال النَبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَإِن هَذهِ الملة سَتفْتَرقُ عَلَى ثَلاث وَسَبعين، ثِنْتانِ وَسَبعونَ في النَّار، وَوَاحِدة في الجنة، وَهي: " الجماعَة» (٣) وقال: «عَلَيْكُمْ بالجَماعَة، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيطانَ مَعَ

стр. 31

الوَاحِدِ، وَهُوَ مِن الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَمَنْ أَرَاد بُحْبُوحَةَ الجنة، فَلْيَلْزَم الجَمَاعَة» (١) وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: (الجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ الَحَقّ، وَإِن كُنْتَ وَحْدَكَ) (٢) . فَأهلُ السُّنَّةِ والجماعة: هم المتمسكون بسُنٌة النَّبِيِّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأَصحابه ومَن تبعهم وسلكَ سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل، والذين استقاموا على الاتباع وجانبوا الابتداع، وهم باقون ظاهرون منصورون إِلى يوم القيامة فاتَباعُهم هُدى، وخِلافهم ضَلال. [صفات وميزات أهل السنة والجماعة] وأَهل السنَّة والجماعة: يتميزون عن غيرهم من الفرق؛ بصفات وخصائص وميزات منها: ١ - أَنَّهم أَهل الوسط والاعتدال بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والجفاء سواء أكان في باب العقيدة أَم الأَحكام والسلوك، فهم وسطٌ بين فرق الأمَّة، كما أَنَّ الأُمة وسطٌ بين الملل. ٢ - اقتصارهم في التلقِّي على الكتاب والسنَّة، والاهتمام بهما

стр. 32

والتسليم لنُصوصهما، وفهمهما على مقتضى منهج السلف. ٣ - ليس لهم إِمام مُعظَمٌ يأَخذون كلامه كلَه ويدعُونَ ما خالَفه إِلا رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم أَعلمُ الناسِ بأَحواله، وأَقواله، وأَفعاله، لذلك فهم أَشدُّ النَّاس حُبّا للسُّنَّة، وأَحرصهم على اتباعها، وأكثرهم موالاة لأَهلها. ٤ - تركهم الخصومات في الدِّين، ومجانبة أَهلها، وترك الجدال والمراء في مسائل الحلال والحرام، ودخولهم في الدِّين كُلّه. ٥ - تعظيمهم للسَّلف الصالح، واعتقادهم بأن طريقة السلف أَسْلَم، وأعلم، وأحكم. ٦ - رَفْضهُم التأويل، واستسلامهم للشرع، مع تقديمهم النقل على العقل- تصورات الأذهان- وإخضاع الثاني للأول. ٧ - جمعُهُم بين النصوص في المسألة الواحدة وَردهم المتشابه إِلى المحكم. ٨ - أَنهم قدوة الصالحين؛ الذين يهدون إِلى الحقِ، ويرشدون إِلى الصراط المستقيم؛ بثباتهم على الحقِّ وعدم تَقَلُبِهِمْ، واتِّفاقهم على أُمور العقيدة، وجمعهم بين العلم والعبادة، وبين التوكل على الله، والأَخذ بالأَسباب، وبين التوسع في الدُّنيا والورع فيها، وبين

стр. 33

الخوف والرجاء، والحب والبغض في الله، وبين الرحمة واللين للمؤمنين والشدةِ والغلظة على الكافرين، وعدم اختلافهم مع اختلاف الزمان والمكان. ٩ - أَنَّهم لا يتسمَون بغير الإِسلام، والسُنَّة، والجماعة. ١٠ - حِرْصُهُم على نشرِ العقيدة الصحيحة، والدين القويم، وتعليمهم النَاس وإرشادهم، والنصيحة لهم، والاهتمام بأُمورهم. ١١ - أَنهم أَعظمُ النَّاس صبرا على أَقوالهم، ومعتقداتهم، ودعوتهم. ١٢ - حِرصُهم على الجماعة والأُلفة، ودعوتهم إِليها وحث النَاس عليها، ونبذهم للاختلاف والفرقَةِ، وتحذير النَّاس منها. ١٣ - أَنَّ الله- عَصَمَهمُ من تكفير بعضهم بعضا، ثمَ هم يحكمون على غيرهم بعلم وعدل. ١٤ - محبَّة بعضهم لبعض، وترحُّم بعضهم على بعض، وتعاونهم فيما بينهم، وسد بعضهم لنقص بعض، ولا يوالون ولا يعادون إِلا في الله. وبالجملة: فهم أحسنُ النَّاس أَخلاقا، وأَحرصهم على زكاة أَنفسهم بطاعة الله تعالى، وأَوسعُهم أُفُقا، وأَبعدهم نظرا، وأَرحبهم بالخلاف صدرا، وأَعلمُهم بآدابه وأصوله.

стр. 34

[صفوة القول في مفهوم أَهل السُّنَة والجماعة] وصفوة القول في مفهوم أَهل السُّنَة والجماعة: أنهم الفرقة التي وعدها النَّبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالنجاةِ من بين الفرقِ، ومدار هذا الوصف على اتِّباع السنة، وموافقة ما جاء بها من الاعتقاد والعبادة والهدي والسلوك والأخلاق، وملازمة جماعة المسلمين. وبهذا لا يخرج تعريف أَهل السُّنّة والجماعة عن تعريف السلف، وقد عرفنا أَنَّ السلف هم العاملون بالكتاب المتمسكون بالسنَّة؛ إِذن فالسلف هم أَهل السنة الذين عناهم النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأَهل السنة هم السلف الصالح ومن سار على نهجهم. وهذا هو المعنى الأخص لأَهل السنة والجماعة؛ فيخرج من هذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأَهل الأَهواء، كالخوارج، والجهمية، والقدرية، والمعتزلة، والمرجئة، والرافضة. . وغيرهم من أَهل البدع ممن سلكوا مسلكهم. فالسنَّة هنا تقابل البدعة، والجماعة تقابل الفرقة، وهو المقصود في الأَحاديث التي وردت في لزوم الجماعة والنهي عن التفرق.

стр. 35

فهذا الذي قصده ترجمان القرآن، عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: (تبيضّ وجوهُ أَهلِ السُّنَةِ والجماعة، وتسودَ وجوهُ أَهلِ البدعة والفرقة) (١) . ولفظ " السَّلف الصالح " يرادف مصطلح أَهل السنة والجماعة، كما يُطلق عليهم- أَيضا- أَهل الأثر، وأَهل الحديث، والطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، وأَهل الاتباع، وهذه الأَسماء والإطلاقات مستفيضة عن علماء السلف.

стр. 36

[خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة ولماذا هي أَولى بالاتباع] خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة لماذا كانت عقيدة السلف الصَّالح أَولى بالاتباع؟ العقيدةُ الصحيحةُ هي أَساس هذا الدِّين، وكل ما يُبنى على غير هذا الأَساس؛ فمآلهُ الهدم والانهيار، ومن هذا نرى اهتمام النَّبي- ﷺ -بإِرساء هذه العقيدة وترسيخها في قلوب أَصحابه طيلة عمره، وذلك من أَجل بناء الرجال على قاعدة صلبة وأَساس متين. وظلَّ القرآن في مكَّةَ يتنزل ثلاثة عشر عاما يتحدثُ عن قضية واحدة لا تتغير، وهي قضية العقيدة والتوحيد لله تعالى والعبودية له، ومن أَجلها ولأَهميتها كان النَّبي- ﷺ -في مكَّةَ لا يدعو إِلا إِليها، ويُرَبِّي أَصحابه عليها. وترجع أَهميَّة دراسة عقيدة السَّلف الصالح إِلى أَهميَّة تبيين العقيدة الصافية، وضرورة العمل الجاد في سبيل العودة بالنَّاس إِليها، وتخليصهم من ضلالات الفرق واختلاف الجماعات، وهي أَوَّل ما يجب على الدعاة الدعوة إِليه.

стр. 37

فالعقيدة على منهج السلف الصالح: لها مميزات وخصائص فريدة تُبيِّن قيمتها، وضرورة التمسك بها، ومن أَهم هذه المميزات: أَوَلا- أنها السبيلُ الوحيدُ للخلاص من التفرق والتحزب، وتوحيد صفوف المسلمين عامة، والعلماء والدعاة خاصة؛ حيث هي وحي الله تعالى وهدي نبيِّه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما كان عليه الرَّعيل الأَول الصحابة الكرام، وأَي تجمع على غيرها مصيره- كما نشاهده اليوم من حال المسلمين- التفرق، والتنازع، والإِخفاق، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (١) . ثانيا- أنها تُوحِّدُ وتُقوِّى صفوفَ المسلمين، وتجمع كلمتهم على الحق وفي الحق؛ لأنَها استجابة لقول الله ﵎: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٢) ولذا فإِنَّ من أَهم أَسباب اختلاف المسلمين اختلاف مناهجهم وتعدد مصادر التلقِّي عندهم، فتوحيد مصدرهم في العقيدة

стр. 38

والتلقِّي سبب مهم لتوحيد الأمَة، كما تحقق في صدرها الأَوَل. ثالثا- أنها تَرْبط المسلم مباشرة بالله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبحبِّهما وتعظيمهما، وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك لأَنَ عقيدة السلف منبعها: قال الله، وقال رسوله؛ بعيدا عن تلاعب الهوى والشبهات، وخالية من التأثر بالمؤثرات الأَجنبية من فلسفة ومنطق وعقلانية، فليس إِلا الكتاب والسُّنَّة. رابعا- أنها سهلة مُيسرَةٌ واضحة، لا لَبْسَ فيها ولا غموض بعيدة عن التعقيد وتحريف النصوص، مُعتَقِدُها مرتاح البال، مطمئنُّ النفس، بعيد من الشكوك والأَوهام ووساوس الشيطان، قَريرُ العين لأَنَّه سائر على هدي نبي هذه الأُمَّة- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم أَجمعين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] (١)

стр. 39

خامسا: أنها من أَعظم أَسباب القرب من الله- والفوز برضوانه . وهذه المميزات والسمات ثابتة لأَهل السنة والجماعة، لا تكاد تختلف في أَي مكان أَو زمان، والحمد لله (١) .

стр. 40

[أصول عقيدة السلف الصالح] أصول عقيدة السَّلف الصالح " أهل السنة والجماعة "
следующие страницы →