← Акыда

Акыда · id 30811

الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة

عبد الله بن عبد الحميد الأثري

Полный текст (215 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة ولماذا هي أَولى بالاتباع] خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة لماذا كانت عقيدة السلف الصَّالح أَولى بالاتباع؟ العقيدةُ الصحيحةُ هي أَساس هذا الدِّين، وكل ما يُبنى على غير هذا الأَساس؛ فمآلهُ الهدم والانهيار، ومن هذا نرى اهتمام النَّبي- ﷺ -بإِرساء هذه العقيدة وترسيخها في قلوب أَصحابه طيلة عمره، وذلك من أَجل بناء الرجال على قاعدة صلبة وأَساس متين. وظلَّ القرآن في مكَّةَ يتنزل ثلاثة عشر عاما يتحدثُ عن قضية واحدة لا تتغير، وهي قضية العقيدة والتوحيد لله تعالى والعبودية له، ومن أَجلها ولأَهميتها كان النَّبي- ﷺ -في مكَّةَ لا يدعو إِلا إِليها، ويُرَبِّي أَصحابه عليها. وترجع أَهميَّة دراسة عقيدة السَّلف الصالح إِلى أَهميَّة تبيين العقيدة الصافية، وضرورة العمل الجاد في سبيل العودة بالنَّاس إِليها، وتخليصهم من ضلالات الفرق واختلاف الجماعات، وهي أَوَّل ما يجب على الدعاة الدعوة إِليه.

стр. 37

فالعقيدة على منهج السلف الصالح: لها مميزات وخصائص فريدة تُبيِّن قيمتها، وضرورة التمسك بها، ومن أَهم هذه المميزات: أَوَلا- أنها السبيلُ الوحيدُ للخلاص من التفرق والتحزب، وتوحيد صفوف المسلمين عامة، والعلماء والدعاة خاصة؛ حيث هي وحي الله تعالى وهدي نبيِّه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما كان عليه الرَّعيل الأَول الصحابة الكرام، وأَي تجمع على غيرها مصيره- كما نشاهده اليوم من حال المسلمين- التفرق، والتنازع، والإِخفاق، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (١) . ثانيا- أنها تُوحِّدُ وتُقوِّى صفوفَ المسلمين، وتجمع كلمتهم على الحق وفي الحق؛ لأنَها استجابة لقول الله ﵎: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٢) ولذا فإِنَّ من أَهم أَسباب اختلاف المسلمين اختلاف مناهجهم وتعدد مصادر التلقِّي عندهم، فتوحيد مصدرهم في العقيدة

стр. 38

والتلقِّي سبب مهم لتوحيد الأمَة، كما تحقق في صدرها الأَوَل. ثالثا- أنها تَرْبط المسلم مباشرة بالله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبحبِّهما وتعظيمهما، وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك لأَنَ عقيدة السلف منبعها: قال الله، وقال رسوله؛ بعيدا عن تلاعب الهوى والشبهات، وخالية من التأثر بالمؤثرات الأَجنبية من فلسفة ومنطق وعقلانية، فليس إِلا الكتاب والسُّنَّة. رابعا- أنها سهلة مُيسرَةٌ واضحة، لا لَبْسَ فيها ولا غموض بعيدة عن التعقيد وتحريف النصوص، مُعتَقِدُها مرتاح البال، مطمئنُّ النفس، بعيد من الشكوك والأَوهام ووساوس الشيطان، قَريرُ العين لأَنَّه سائر على هدي نبي هذه الأُمَّة- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم أَجمعين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] (١)

стр. 39

خامسا: أنها من أَعظم أَسباب القرب من الله- والفوز برضوانه . وهذه المميزات والسمات ثابتة لأَهل السنة والجماعة، لا تكاد تختلف في أَي مكان أَو زمان، والحمد لله (١) .

стр. 40

[أصول عقيدة السلف الصالح] أصول عقيدة السَّلف الصالح " أهل السنة والجماعة "

стр. 41

إِن أَهل السُّنَّة والجماعة- السائرين على نهج السَّلف الصالح- يسيرون على أُصول ثابتة وواضحة في الاعتقاد والعمل والسلوك، وهذه الأُصول مستمدة من كتاب الله تعالى، وكل ما صح من سُنة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- متواترا كان أَو آحادا، وبفهم سلف الأُمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإِحسان. فأُصول الدِّين قد بَيَّنها النَّبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بيانا شافيا؛ فليس لأَحد أَن يُحْدِثَ فيها شيئا ويزعمَ أَنه من الدين، ولهذا تمسك أَهلُ السُّنَّة والجماعة بهذه الأُصول، واجتنبوا الأَلفاظ المبتدعة، والتزموا بالأَلفاظ الشرعية، ومن هنا فهم الامتداد الحقيقي للسَّلف الصَّالح. [الأصل الأول الإيمان وأركانه] فأصول الدِّين عند أَهل السُّنَّة والجماعة مجملة على النحو الآتي:

стр. 42

الأصل الأول الإيمان وأركانه

стр. 43

إِن معتقد السَّلف الصالح- أَهل السّنَّة والجماعة- في أُصول الإِيمان، يتلخص في الإِيمان والتصديق بأَركانه السنة كما أَخبر النبي- ﷺ -في حديث جبريل ﵇ لما جاء يسأَله عن الإِيمان؛ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَنْ تُؤْمنَ باللهِ، وَمِلاَئِكَته، وَكُتُبِهِ، وَرُسولِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرِّه» (١) . فالإِيمان يقوم على هذه الأركان الستة؛ فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمنا البتَّة؛ لأنَّه فقد ركنا من أَركان الإيمان؛ فالإِيمان لا يقوم إِلَّا على أَركانه تامة، كما لا يقوم البنيان إِلَّا على أَركانه مكتملة. وهذه الأمور الستة هي أَركان الإِيمان، فلا يتم الإِيمان إِلَّا بها جميعا على الوجه الصحيح الذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، ومن جحد شيئا منها؛ فليس بمؤمن.

стр. 44

[الركن الأول الإيمان بالله] [تعريف الإيمان بالله] الركن الأول الإيمان بالله الإِيمان بالله تعالى؛ هو التصديقُ الجازم بوجود الله، واتصافه بكل صفات الكمال، ونعوت الجلال، واستحقاقه وحده العبادة، واطمئنان القلب بذلك اطمئنانا تُرى آثاره في سلوك الإنسان، والتزامه بأَوامر الله، واجتناب نواهيه. وهو أَساس العقيدة الإِسلامية ولُبَها؛ فهو الأَصل، وكل أَركان العقيدة مضافة إليه وتابعة له. فالإِيمان بالله يتضمن الإيمان بوحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده؛ لأَنَّ وجوده لا شك فيه، وقد دلَّ على وجوده : الفطرةُ، والعقلُ، والشرعُ، والحسُّ. [من الإيمان بالله تعالى الإِقرار بأَنواع التوحيد الثلاثة] ومن الإيمان بالله تعالى؛ الإِيمان بوحدانيَّته وألوهيته وأَسمائه وصفاته، وذلك بإِقرار أَنواع التوحيد الثلاثة، واعتقادها، والعمل بها، وهي: ١- توحيد الربوبية. ٢ - توحيد الألوهية. ٣ - توحيد الأَسماء والصفات.

стр. 45

١ - توحيد الربوبية: معناه الاعتقاد الجازم بأَنَ الله وَحْدَهُ رَب كلِّ شيء ومليكه، لا شريك له، وهو الخالق وحده وهو مدبر العالم والمتصرف فيه، وأَنَه خالق العباد ورازقهم ومحييهم ومميتهم، والإِيمان بقضاء الله وقدره وبوحدانيته في ذاته، وخلاصتهُ هو: توحيد الله تعالى بأفعاله. وقد قامت الأدلة الشرعية على وجوب الإِيمان بربوبيته ، كما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] (١) . وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٢) . وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (٣) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] (٤) . وهذا النوع من التوحيد لم يخالف فيه كفار قريش، وأكثر أَصحاب الملل والدِيانات؛ فكلُهم يعتقدون أَن خالق العالم هو الله وحده، قال الله ﵎ عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] (٥) . وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ - بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٩٠] (٦) .

стр. 46

وذلك لأَن قلوبَ العباد مفطورةٌ على الإِقرار بربوبيته- ولذا فلا يُصْبِحُ مُعْتقِدُه مُوَحِّدا، حتى يلتزم بالنوع الثاني من أَنواع التوحيد، وهو: ٢ - توحيد الألوهية: هو إِفراد الله تعالى بأَفعال العباد، ويسمى توحيد العبادة، ومعناه الاعتقاد الجازم بأن الله- هو: الإلهُ الحق ولا إِلهَ غيره، وكل معبود سواه باطل، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأَن لا يشرك به أَحد كائنا من كان، ولا يُصْرَف شيء من العبادة لغيره؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والدعاء، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكُّل، والخوف والرجاء، والحُبّ، وغيرها من أَنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وأَن يُعْبَدَ اللهُ بالحُبِّ والخوفِ والرجاءِ جميعا، وعبادتُه ببعضها دون بعض ضلال.

стр. 47

قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] (١) . وقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] (٢) . وتوحيد الألوهية هو ما دعت إِليه جميع الرُسل، وإنكاره هو الذي أَورد الأُم السابقة موارد الهلاك. وهو أَول الدّين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أَول دعوة الرسل وآخرها ولأَجله أُرسلت الرسل، وأُنزلت الكُتب، وسُلَت سيوف الجهاد، وفرِقَ بين المؤمنين والكافرين، وبين أَهل الجنة وأَهل النَّار. وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٣) . ومَن كان ربا خالقا، رازقا، مالكا، متصرفا، محييا، مميتا، موصوفا بكل صفات الكمال، ومنزها من كلّ نقص، بيده كل شيء، وَجَبَ أَن يكون إِلها واحدا لا شريك له، ولا تُصْرَف العبادة إِلا إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٤) .

стр. 48

وتوحيد الربوبية من مقتضيات توحيد الأُلوهية؛ لأنَّ المشركين لم يَعبدوا إِلها واحدا، وإنٌما عَبَدُوا آلهة مُتَعَددَة، وزعموا أَنَّها تقرِّبهم إِلى الله زلفى، وهم مع ذلك معترفون بأَنها لا تضر ولا تنفع، لذلك لم يجعلهم الله مؤمنين رغم اعترافهم بتوحيد الربوبية؛ بل جعلهم في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة. ومن هنا يختلف مُعْتَقَدُ السَّلف- أَهل السُنَّة والجماعة- عن غيرهم في الألوهية؛ فلا يعنون كما يعني البعض أَنَ معنى التوحيد أَنَّه لا خالق إِلا الله فحسب؛ بل إِن توحيد الألوهية عندهم لاَ يتحقق إِلا بوجود أَصلين: الأَول: أَن تُصرف جميع أَنواع العبادة له- سبحانه- دون ما سواه، ولا يُعْطى المخلوق شيئا من حقوق الخالق وخصائصه. فلا يُعبد إِلا الله، ولا يصلى لغير الله، ولا يُسْجَدُ لغير الله، ولا يُنْذَرُ لغير الله، ولا يُتَوكَّلُ على غير الله، وإن توحيد الأُلوهية يقتضي إِفراد الله وحده بالعبادة. والعبادة: إِما قول القلب واللسان وإمَّا عمل القلب والجوارح. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (١) .

стр. 49

وقال. سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] (١) . الثاني: أَنْ تكون العبادة موافقة لما أَمر الله تعالى به، وأَمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فتوحيد الله سبحانه بالعبادة والخضوع والطاعة هو تحقيق شهادة أَن: (لاَ إِلَهَ إِلَّا الله) . ومتابعة رسول الله- ﵌ والإِذعان لما أَمر به ونهى عنه هو تحقيق أَنَّ: (مُحَمَدا رَسُولُ الله) . فمنهج أَهل السنة والجماعة: أَنَهم يَعْبُدُونَ الله تعالى ولا يشركون به شيئا، فلا يسأَلون إِلِّا الله، ولا يستعينون إِلِّا بالله، ولا يستغيثون إِلا به سبحانه، ولا يتوكلون إِلَّا عليه جلَّ وعلا، ولا يخافون إِلِّا منه، ويتقربون إِلى الله تعالى بطاعته، وعبادته، وبصالح الأَعمال، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (٢) . ٣ - توحيد الأَسماء والصفات: معناه الاعتقاد الجازم بأَنَّ الله- له الأَسماء الحسنى والصفات العُلى، وهو متَّصف بجميع صفات الكمال، ومنزَّهٌ عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات.

стр. 50

وأَهل السُنّة والجماعة: يَعْرِفُونَ ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنَة، ويصفون ربَّهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسولهُ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ولا يُلحدون (١) في أَسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أَثبته لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعد تهم في كلِّ ذلك قول الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢) . وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] (٣) . وأَهل السُنَّة والجماعة: لا يُحدِّدون كيفية صفات الله- جل وعَلا- لأنه تبارك

стр. 51

وتعالى لم يخبر عن الكيفية، ولأَنه لا أَحد أَعلم من الله سبحانه بنفسه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] (١) . وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] (٢) . ولا أَحدَ أَعلم بالله بعد الله من رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي قال الله ﵎ في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٣) . وأَهل السنة والجماعة: يؤمنون أَن الله- هو الأَول ليس قبله شيء، والآخِرُ الذي ليس بعده شيء، والظاهرُ الذي ليس فوقه شيء، والباطنُ الذي ليس دونه شيء، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] (٤) . وكما أَنَّ ذاته- لا تشبه الذوات، فكذلك صفاتهُ لا تشبهُ الصفات، لأنَّه سبحانه لا سميَّ له، ولا كفءَ له ولا نِدَّ له، ولا يُقاس بخلقه؛ فيثبتون لله ما أَثبته لنفسه إثباتا بلا

стр. 52

تمثيل وتنزيها بلا تعطيل؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون، وإذا نزَهوه لا يُعَطّلون الصفات التي وصف نفسه بها (١) . وأَنَّه- تعالى- محيطٌ بكلِّ شيء، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، قال الله ﵎: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (٢) . وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] (٣) . ويؤمنون بأَن الله تعالى استوى (٤) . على العرش فوق سبع سماوات، بائن من خلقه، أَحاط بكل شيء علما، كما أَخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات بلا تكييف (٥) .

стр. 53

قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (١) ". وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] (٢) . وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ - أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] (٣) . وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] (٤) . وقال النَبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلاَ تَأمنُوني وأَنا أَمينُ مَنْ في السَّماءِ؟» (٥) . وأَهل السنة والجماعة: يؤمنون بأَن الكرسي والعرش حق. قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٦)

стр. 54

والعرش لا يقدر قدره إِلا الله، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السموات والأَرض، والله مستغن عن العرش والكرسي، ولم يستوِ على العرش لاحتياجه إِليه؛ بل لحكمة يعلمها، وهو منزه عن أَن يحتاج إِلى العرش أَو ما دونه، فشأن الله ﵎ أَعظم من ذلك؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه. وأَنَ الله تعالى خلق آدم ﵇ بِيَديه، وأَن كلتا يديه يمين ويداه مبسوطتان يُنفق كيف يشاء كما وصف نفسه سبحانه، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (١) وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] (٢) . وأَهل السُّنَة والجماعة: يثبتون لله سمعا، وبصرا، وعلما، وقدرة، وقوة، وعزا، وكلاما، وحياة، وقدما وساقا، ويدا، ومعية. . وغيرها من صفاته التي وصف بها نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها؛ لأنَه تعالى لم يخبرنا عن الكيفية، قال تعالى:

стр. 55

﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] (١) وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] (٢) ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (٣) . ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] (٤) . ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] (٥) . ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] (٦) . ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] (٧) . ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] (٨) . ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] (٩) . ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦] (١٠) . وغيرها من آيات الصفات.

стр. 56

وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأَن المؤمنين يَرَونَ ربهم في الآخرة بأَبصارهم، ويَزُورُونَه، ويُكلِّمهُم ويكلِّمونه، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] (١) . وسوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر لا يُضامون في رؤيته، كما قال النَّبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنكُمْ سَتَروْنَ رَبكُم كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيلهَ البَدرِ، لا تُضامُونَ في رُؤيتِه» . . " (٢) . وأَن الله تعالى ينزل إِلى السماء الدنيا في الثلث الأَخير من الليل نزولا حقيقيا يليق بجلاله وعظمته. قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَنزلُ ربنا إِلى السَّماء الدّنيا كل لَيْلَة حِينَ يَبْقى ثُلُثُ الليلِ الآخر؛ فيقول: مَنْ يَدْعُوني فأستَجيبَ لهُ؟ مَنْ يَسأَلُني فأعطيه مَنْ يَسْتَغْفرُني فأغفرَ لهُ؟» (٣) . ويؤمنون بأَنَّه تعالى يجيء يوم الميعاد للفصل بين العباد، مجيئا حقيقيا يليق بجلاله، قال :

стр. 57

﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا - وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢] (١) . وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] (٢) . فمنهج أَهل السنَّة والجماعة في كلِّ ذلك الإِيمان الكامل بما أَخبر به الله تعالى، وأَخبر به رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والتسليم به؛ كما قال الإِمام الزُّهري رحمه الله تعالى: (مِنَ اللهِ الرِّسَالةُ وعلى الرسولِ البلاغُ وعلينا التَسليمُ (٣) ". [أقوال أئمة السلف في الصفات] وكما قال الإمام سفيان بن عُيَيْنة رحمه الله تعالى: (كلُّ ما وصَفَ اللهُ تعالى به نفسهُ في القرآن فقراءته؛ تفسيرُه لا كيفَ، ولا مِثْل (٤) وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (آمنتُ باللهِ، وبما جاءَ عن اللهِ على مرادِ اللهِ، وآمنتُ برسول الله وبما جاء عن رسولِ اللهِ على مُراد رَسُولِ الله (٥)

стр. 58

وقال الوليد بن مُسلم: سأَلت الأَوزاعي، وسفيانَ بن عُيينة، ومالك بن أَنسٍ عن هذه الأَحاديث في الصِّفات والرؤية، فقالوا: (أَمِروها كما جاءتْ بلا كَيْف) (١) . وقال الإِمام مالك بن أنس - إِمام دار الهجرة- ﵀: (إِياكُم والبِدَع) قيل: وما البدع؟ قال: (أَهلُ البِدَعِ هُم الذينَ يتكلمونَ في أَسماء اللهِ وصفاتِهِ وكلامِه وعلمه وقُدرتِه، ولا يَسْكُتونَ عمَا سَكَت عَنهُ الصحابةُ والتابعونَ لهم بإِحسان) (٢) . وسألهُ رجل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: (الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقول، والإِيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعة، وما أراكَ إِلا ضالا) وأَمر به أن يُخرج من المجلس (٣) . وقال الإمام أَبو حنيفة رحمه الله تعالى: (لا ينبغي لأَحد أَن ينطقَ في ذات الله بشيء؛ بل يصفهُ بما وصفَ به نفسهُ، ولا يقول فيه برأيه شيئا؛ تبارك الله تعالى رَبُّ العالمين) (٤) .

стр. 59

ولما. سُئل- ﵀ عن صفة النزول، فقال: (ينزلُ بلا كيف) (١) وقال الحافظ الإِمام نعيم بن حماد الخزاعي ﵀: (مَنْ شبه اللهَ بخلقهِ فقد كَفَر، ومَن أنكر ما وصَفَ به نَفسَه فقد كَفر، وليس ما وصفَ به نفسَه ولا رسُولهُ تَشبيها) (٢) . وقال بعض السلف: (قَدَمُ الإِسلامِ لا تَثبتُ إِلَّا على قنطرة التسليم) (٣) لذا فإِنهُ من سلك مسلك السلف في الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته؛ يكون ملتزما بمنهج القرآن في أَسماء الله وصفاته سواء كان السالك في عصر السَّلف، أَو في العصور المتأخرة. وكلُّ من خالف السَّلف في منهجهم؛ فلا يكون ملتزما بمنهج القرآن، وإن كان موجودا في عصر السَّلف، وبين أَظهر الصحابة والتابعين.

стр. 60

[الركن الثاني الإِيمان بالملائكة] [كفر من ينكر وجود الملائكة] الركن الثاني الإِيمان بالملائكة الإِيمان بالملائكة: هو الإِيمان بوجودهم إيمانا جازما لا يتطرَّق إِليه شك، ولا ريب، قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فمن ينكر وجود الملائكة؛ فقد كَفَر، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] فأَهل السُنّة والجماعة: يؤمنون بهم إِجمالا، وأَمَّا تفصيلا فما صح به الدليل، ومَن سمّاه الله ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منهم كجبريل الموكل بالوحي، وميكائيل الموكل بالمطر، وإسرافيل الموكل

стр. 61

بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأَرواح، ومالك خازن النَّار، ورضوان خازن الجنة، وملكي القبر منكر ونكير. وأَهل السنة والجماعة: يؤمنون بوجودهم، وأَنَّهم عباد مخلوقون، خلقهم الله من نور، وهم ذوات محسوسة، وليسوا أُمورا معنوية، ولا قوى خفية، وهم خلق من خلق الله، يسكنون السَّماء. والملائكة خِلْقتهم عظيمة، منهم مَن له جناحان، ومنهم مَن له ثلاثة، ومنهم له أَربعة، ومنهم مَن لهُ أَكثر من ذلك، وثبت أَن جبريل- ﵇ له ستمائة جناح. وهم جند من جنود الله، قادرون على التمثلِ بأَمثال الأَشياء، والتشكُل بأَشكال جسمانية؛ حسبما تقتضيها الحالات التي يأذن بها الله- وهم مقربون من الله ومكرَّمون، لا يوصفون بالذكورة والأنوثة، ولا يتناكحون، ولا يتناسلون. والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، وإنَّما طعامهم التسبيح والتهليل ولا يملون، ولا يفترون، ولا يتعبون، ويتصفون بالحسن، والجمال، والحياء، والنظام. والملائكة يختلفون عن البشر؛ بأَنَّهم جُبلُوا على الطاعة وعدم العصيان، خلقهم الله لعبادتّه وتنفيذ أَوامره، قال تعالى عنهم:

стр. 62

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] والملائكة يسبحون الله ليلا ونهارا، ويطوفون بالبيت المعمور في السماء، وهم يخشون الله تعالى ويخافونه. [أصناف الملائكة] والملائكة أَصناف كثيرة: منهم الموكَلُونَ بحمل العرش، ومنهم الموكلُونَ بالوحي، ومنهم الموكَلُ بالجبال، ومنهم خَزَنَةُ الجنةِ وخزنةُ النَار. ومنهم الموكَّلُونَ بحفظ أَعمال العباد، ومنهم الموكَّلُونَ بقبض أَرواح المؤمنين، ومنهم الموكَلُونَ بقبض أَرواح الكافرين، ومنهم الموكَلُونَ بسؤال العبد في القبر. ومنهم مَن يستغفر للمؤمنين ويصلُون عليهم ويحبونهم، ومنهم مَن يشهد مجالس العلم وحلقات الذكر، فيحفونهم بأجنحتهم، ومنهم مَن هو قرينٌ للإِنسان لا يفارقه، ومنهم مَن يدعو العباد إِلى فعل الخير، ومنهم مَن يشهد جنائز الصالحين، ويقاتلون مع المؤمنين ويُثبِّتونهُم في جهادهم مع أَعداء الله.

стр. 63

ومنهم الموكَّلُونَ بحماية الصالحين، وتفريج كربهم، ومنهم الموكَلُونَ بالعذاب. والملائكة لا يدخلون بيتا فيه تمثالٌ، ولا صورةٌ، ولا كلبٌ، ولا جرسٌ، وَيَتأذَّوْنَ ممّا يتأذى منه بنو آدم، قال النبِيَ- ﷺ : «إِنَّ البيت الذي فيه الصور؛ لا تدخله الملائكة» (١) وقال- ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير» (٢) . والملائكة كثيرون لا يعلم عددهم إِلَّا الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١] (٣) وقد حجبهم الله تعالى عنّا؛ فلا نراهم في صورهم التي خُلِقوا عليها، ولكن كشفهم لبعض عباده، كما رأى النبي- ﷺ جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين، قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ﴾ [النجم: ١٣ - ١٤] (٤) وقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ - وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٢ - ٢٣] (٥) .

стр. 64

[الركن الثالث الإيمان بالكتب] [الله أنزل الكتب لهداية البشرية] الركن الثالث الإيمان بالكتب أهل السنة والجماعة: يؤمنون بالله ويعتقدون اعتقادا جازما أن الله- أَنزل على رُسُلِهِ كُتُبا فيها: أَمره، ونهيه، ووعده ووعيده، وما أَراده الله من خلقه، وفيها هدى ونور، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (١) . وأَن الله أَنزل كتبه على رسله لهداية البشرية، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] (٢) . وهذه الكتب هي: القرآن، والتوراة، والإِنجيل، والزبور،

стр. 65

وصحف إِبراهيم وموسى، وأَعظمها التوراة والإِنجيل والقرآن، وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها هو القرآن. وعندما أَنزلَ الله الكُتُبَ- عدا القرآن- لم يتكفَّل بحفظها؛ بل استُحْفظَ عليها الأَحبار والربانيون، لكنَّهم لم يحافظوا عليها، وما رعَوها حقَ رعايتها، فحصل فيها تغيير وتبديل. [القرآن الكريم] والقرآن الكريم: هو كلامُ رَبَ العالمين، وكتابهُ المبين، وحبلُهُ المتين، أَنزلَهُ الله على رسوله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم- ليكون دستورا للأمة، وَمُخْرِجا للنَّاس من الظلمات إِلى النور، وهاديا لهم إِلى الرشاد وإلى الصراط المستقيم. وقد بَينَ الله فيه أَخبارَ الأَولين والآخرين، وَخَلْقَ السماوات والأَرضين، وَفصلَ فيه الحلالَ والحرام، وأُصولَ الآدابِ والأَخلاقِ وأَحكامَ العباداتِ والمعاملات، وسيرةَ الأَنبياءِ والصالحين، وجزاءَ المؤمنين والكافرين، ووصفَ الجنٌة دارَ المؤمنين، وَوَصفَ النَّار دارَ الكافرين، وجعله شفاء لما في الصدور، وتبيانا لكلِّ شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] (١)

стр. 66

ويجب على جميع الأمَة اتَباعهُ وتحكيمُه مع ما صَح من السنَّة عن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأَنَّ الله بَعَث رسوله إِلى جميع الثقلين؛ ليبين لهم ما أَنزله إِليهم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (١) . وأَهل السنة والجماعة: يؤمنون بأَنَّ القرآن كلام الله- حروفه ومعانيه- منه بدأَ وإليه يعود، مُنَزلٌ غير مخلوق، تَكَلَم الله به حقا، وأَوحاه إِلى جبريل؛ فنزل به جبريل- ﵇ على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أَنزله الحكيم الخبير بلسان عربي مبين، ونُقل إِلينا بالتواتر الذي لا يرقى إِليه شك، ولا ريب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] (٢) . والقرآن الكريم: مكتوب في اللوح المحفوظ، وتحفظه الصدور، وتتلوه الأَلسن، ومكتوب في الصحف، قال الله تعالى:

стр. 67

﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] (١) وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠] (٢) . والقرآن الكريم: المعجزة الكبرى الخالدة لنبيِّ الإِسلام محمد بن عبد الله ﷺ -وهو آخر الكتب السماوية، لا يُنسخُ ولا يُبدل، وقد تَكَفلَ الله بحفظهِ من أَي تحريف، أَو تبديلٍ، أَو زيادة، أَو نقصٍ إِلى يوم يرفعه الله تعالى، وذلك قبل يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٣) . وأَهل السُّنَة والجماعة: يُكفِّرون من أَنكر حرفا منه أَو زاد أَو نقص، وعلى هذا فنحن نؤمن إيمانا جازما بأَنَّ كلَّ آية من آياتِ القرآن مُنزلةٌ من عِنْدِ اللهِ، وقد نُقِلَتْ إِلينا بطريق التواتر القطعي. والقرآن الكريم: لم ينزلْ جملة واحدة على رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل نزل منجما، أي مُفَرقا حسب الوقائع، أَو جوابا عن أَسئلة أَو حسب مقتضيات الأَحوال في ثلاثٍ وعشرينَ سنة.

стр. 68

والقرآن الكريم: يحتوي على " ١١٤ " سورة " ٨٦ " منها نزلت في مكة، و " ٢٨ " منها نزلت في المدينة، وتسمى السور التيِ نزلت في مكة بالسور المكية، والسور التي نزلت في المدينة بالسور المدنية، وفيه تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة. وقد كُتِبَ القرآن فيِ عهد النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبمرأى منه؛ حيث كان للوحي كَتَبَة من خيرة الصحابة- ﵃ يكتبون كل ما نَزَلَ من القرآن وبأَمر من النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم جُمِعَ في عهد أَبي بكر بين دفتي المصحف، وفي عهد عثمان على حرف واحد؛ رضي الله تعالى عنهم أَجمعين. وأَهل السُّنَة والجماعة: يهتمون بتعليم القرآن، وحفظه، وتلاوته وتفسيره، والعمل به. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] (١) . ويَتَعبَّدُونَ الله تعالى بقراءته؛ لأَنَّ في قراءة كل حرف منه حسنة

стр. 69

كما أَخبر النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حيث قال: «مَنْ قَرأَ حَرفا مِن كتابِ اللهِ؛ فَلهُ به حَسنة، والحسنةُ بعَشْرِ أَمثالِها، ولا أَقولُ المَ حَرْف؛ ولكِنْ أَلفٌ حَرْفٌ، ولامٌ حَرْف، وميمٌ حَرْف» (١) . وأَهل السُّنَة والجماعة: لا يجوِّزونَ تفسير القرآن بالرأي المجرَّد فإِنَه من القول على الله بغير علم ومن عمل الشيطان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩] (٢) . بل يفسر القرآن بالقرآن، ثمَّ بالسنَة، ثمَ بأَقوال الصَّحابة، ثمَ بأَقوال التابعين، ثمَ باللغة العربية التي نزل بها القرآن.

стр. 70

[الركن الرابع الإيمان بالرسل] الركن الرابع الإيمان بالرسل أَهل السُّنّة والجماعة: يؤمنون ويعتقدون اعتقادا جازما أَن الله - سبحانه- أَرسل إلى عباده رُسُلا مبشرين ومنذرين، ودعاة إِلى دين الحق، لهداية البشر، وإخراجهم من الظلمات إِلى النور. فكانت دعوتهم إِنقاذا للاُم من الشرك والوثنية، وتطهيرا للمجتمعات من التحلل والفساد، وأَنَّهم بلَغوا الرسالة، وأَدوا الأَمانة، ونصحوا الأُمَّة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وقد جاؤوا بمعجزات باهرات (١) تدل على صدقهم، ومن كفر بواحد منهم؛ فقد كفر بالله تعالى وبجميع الرسل ﵈، قال تعالى:

стр. 71

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] (١) . وقد بين الله الحكمة من بعثة الرسل الكرام، فقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] (٢) . ولقد أَرسل الله رُسلا وأَنبياء كثيرين منهم من ذكره لنا في كتابه أَو على لسان نبيِّه- ﷺ -ومنهم مَنْ لمْ يخبرنا عنهم، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] (٣) . وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٤) .

стр. 72

والمذكور من أَسمائهم في القرآن الكريم خمسةٌ وعشرون رَسولا ونَبيا، وهم: أَبو البشر آدم، إِدريس، نوح، هود، صالح، إِبراهيم، لوط، إِسماعيل، إِسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، أَيوب، ذو الكفل، موسى، هارون، داود، سليمان، إِلياس، اليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، ومحمد خاتم الأَنبياء والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أَجمعين. وقد فَضَّلَ الله تعالى بعض الأَنبياء والرسل على بعض، وقد أَجمعت الأمَّةُ على أَن الرسلَ أَفضل من الأَنبياءِ، والرسُل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم، وأَفضل الرُسُل والأَنبياء أُولو العزم، وهم خمسة: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأَفضل أُولي العزم نبي الإِسلام، وخاتم الأَنبياء والمرسلين ورسول رَبِّ العالمين؛ محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال الله ﵎: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (١) .

стр. 73

[الإِيمان بالرسل مُجْمَلٌ والإِيمان بنبينا مُفَصل] وأَهل السُّنَة والجماعة: يؤمنون بهم جميعا مَن سمى الله منهم ومَن لم يُسَم، من أَولهم آدم ﵇. . . إِلى آخرهم وخاتمهم وأَفضلهم نبينا محمد بن عبد الله، صلى الله عليهم أَجمعين. والإِيمان بالرسل إِيمان مُجْمَلٌ، والإِيمان بنبينا محمد - صلى الله عليه وعلى آله ومسلَم- إِيمان مُفَصل يقتضي ذلك منهم اتباعه فيما جاء به على وجه التفصيل. (مُّحَمَّدٌ رسُول اللهِ) " صلى الله عليه وعلى آله وسلم " هو: أَبو القاسم محمدُ بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرَّة بن كَعب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمة بن مدْركة بن إِلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنان، وعَدْنان من ولد نبي الله إِسماعيل بن إِبراهيم الخليل على نبيِّنا وعليهما السلام. وهو خاتم الأَنبياء والمرسلين، ورسول الله إِلى النَّاس أَجمعينْ، هو عبدٌ لا يعبد، ورسول لا يُكَذَّب، وهو خير الخلائق، وأَفضلهم وأَكرمهم على الله تعالى، وأَعلاهم درجة، وأَقربهم إِلى الله وسيلة.

стр. 74

وهو المبعوث إِلى الثقلين، بالحق والهدى، بعثه الله رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (١) . أَنزل عليه كتابه وائتمنه على دينه، وكلَفه بتبليغ رسالته، وقد عصمه من الزلل في تبليغه لهذه الرسالة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) . ولا يصح إِيمانُ عبدٍ حتى يؤمن برسالته، ويِشهد بنبوته، ومن أَطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣) . فقد كان كل نبي يبعث إِلى قومه خاصة، ومحمَّد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث إِلى النَّاس كافَّة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (٤) . [معجزات الرسول] وأَهل السُنَّة والجماعة: يؤمنون بأنَّ الله تعالى أَيدَ نبيَّهُ- صلى الله عليه وعلى آله وسالَم- بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة: * ومن تِلكَ المعجزات وأَعظمها القرآن الذي تحدى الله به أَفصح الأُم وَأَبْلَغَهَا وأَقْدَرَها على المنْطِقِ.

стр. 75

* ومن أكبر المعجزات- بعد القرآن- التي أَيَّدَ الله نبيَّه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بها؛ معجزة الإِسراءِ والمعراج. فأَهل السُنة: يؤمنون أَن النبي- ﷺ -عُرِجَ به في اليقظة بروحه وجسده إِلى السماء، وذلك في ليلة الإِسراء، وقد أُسري به ليلا من المسجد الحرام إِلى المسجد الأَقصى بنص القرآن. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (١) . ثم عُرج به- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى السماء، حيث صعد حتى السماء السابعة، ثم فوق ذلك حيث شاء الله من العُلا، وكان ذلك عند سدرة المنتهى عندها جنَة المأوى. وأكرمه الله بما شاء وأَوحى إِليه وكلَمه، وشرع له خمس صلوات في اليوم والليلة، ودخل الجنة فاطلع عليها، واطلع على النَّار، ورأَى الملائكة، ورأَى جبريل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، وما كذب فؤاد النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما رأَى، بل كان كلُّ ما رآه بعينَيْ رأسه حقا، تعظيما له وتشريفا على سائر الأَنبياء وإظهارا لعلو مقامه- صلى الله عليه وعلى آله
следующие страницы →