[المبحث الأول أشراط الساعة الصغرى]
[المطلب الأول بعثة الرسول ﷺ ]
المبحث الأول: أشراط الساعة الصغرى وفيه المطالب الآتية:
المطلب الأول: بعثة الرسول ﷺ
المطلب الثاني: انشقاق القمر
المطلب الثالث: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى لها
المطلب الرابع: الفتن
المطلب الخامس: خروج الدجالين الكذابين أدعياء النبوة
المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان
المطلب السابع: قبض العلم وظهور الجهل
المطلب الثامن: تكليم السباع والجماد للإنس
المطلب التاسع: قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد
المطلب العاشر: كثرة الزلازل وظهور الخسف والقذف والمسخ الذي يعاقب الله به بعض هذه الأمة
стр. 37
المطلب الأول: بعثة الرسول ﷺ أخبر رسول الله ﷺ أن بعثته علامة من علامات الساعة ودليل على قرب قيامها، حيث إنه ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده.
وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة عنه ﵊.
منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين - يعني أصبعين -» (١) .
ومنها حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى» (٢) .
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين، كفضل أحدهما على الأخرى "، وضم السبابة والوسطى» (٣) .
فهذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها تدل على أن بعثته ﷺ أول أشراط الساعة، فهو خاتم النبيين وآخر المرسلين ولا نبي بعده، وإنما يليه قيام الساعة، كما يلي في الأصابع السبابة الوسطى، كما ورد هذا التشبيه في الأحاديث الماضية.
قال القرطبي ﵀ وهو يتحدث عن أشراط الساعة أولها النبي ﷺ ، لأنه نبي آخر الزمان وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي (٤) .
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ وقد فسر قوله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» فقرن بين السبابة والوسطى، بقرب زمانه من الساعة كقرب السبابة من الوسطى، وبأن زمن بعثته تعقبه الساعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين
стр. 38
الساعة كما قال في الحديث الصحيح: «أنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب. . .» (١) .
فالحاشر الذي يحشر الناس يوم القيامة على قدمه، يعني أن بعثهم وحشرهم يكون عقب رسالته، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم، والعاقب الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم وليس بعده نبي، فكان إرساله ﷺ من علامات الساعة (٢) .
стр. 39
[المطلب الثاني انشقاق القمر]
المطلب الثاني: انشقاق القمر قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] (١) .
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره عند هذه الآية ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] " قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات " (٢) .
وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى -: وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة (٣) .
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن القمر انشق في زمن النبي ﷺ ، منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ : " اشهدوا» (٤) .
ومنها حديث أنس ﵁: «أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر» (٥) .
стр. 40
قال القاضي عياض (١) ﵀: " انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ﷺ ، وقد رواها عدة من الصحابة ﵃ مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها. قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين لمخالفي الملة، وذلك لما أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره في آخر أمره " (٢) .
وقال الحافظ ابن حجر: " وقد أنكر جمهور الفلاسفة (٣) انشقاق القمر متمسكين بأن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك، وجواب هؤلاء: إن كانوا كفارا، أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام، ثم يشركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المعلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض، ولا سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في القيامة، فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزة لنبي الله ﷺ " (٤) .
стр. 41
[المطلب الثالث نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى لها]
المطلب الثالث: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى لها وردت أحاديث عن النبي ﷺ تبين أن من علامات الساعة خروج نار من أرض الحجاز تضيء منها أعناق الإبل ببصرى (١) .
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (٢) .
قال النووي ﵀: " خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارا عظيمة جدا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة " (٣) .
وقال ابن كثير ﵀: وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٤) .
- وكان شيخ المحدثين في زمانه وأستاذ المؤرخين في أوانه - " في سنة أربع وخمسين وستمائة في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة ظهرت نار بأرض المدينة النبوية في بعض تلك الأودية طول أربعة فراسخ، وعرض أربعة أميال،
стр. 42
تسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، وان ضوءها كان الناس يسيرون عليه بالليل إلى تيماء (١) وأنها استمرت شهرا، وقد ضبط ذلك أهل المدينة وعملوا فيها أشعارا " (٢) .
وهذه النار غير النار التي تخرج في آخر الزمان وتحشر الناس وتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في ذكر الأشراط الكبرى، قال الحافظ ابن حجر ﵀ " والذي ظهر لي أن النار المذكورة في الحديث هي التي ظهرت في نواحي المدينة، كما فهمه القرطبي وغيره، وأما النار التي تحشر الناس، فنار أخرى " (٣) .
وقال البرزنجي: بعد ذكره لهذه النار: " وهذه النار غير النار التي تخرج آخر الزمان تحشر الناس إلى محشرهم، تبيت معهم وتقيل " (٤) .
стр. 43
[المطلب الرابع الفتن]
المطلب الرابع: الفتن الفتن بكسر الفاء وفتح التاء جمع فتنة، قال ابن فارس (١) الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار (٢) .
وقال الأزهري (٣) جماع معنى الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك " فتنت الفضة والذهب " أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد، ومن هذا قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] (٤) أي يحرقون بالنار (٥) .
وقد وردت كلمة الفتنة في القرآن الكريم بمعنى الابتلاء والامتحان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣] (٦) .
" ومعنى: (وهم لا يفتنون) أي وهم لا يبتلون، ومعنى (فتنا) أي اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم ممن أرسلنا إليهم رسلنا، فقالوا مثل ما قالته أمتك يا محمد بأعدائهم، وتمكيننا إياهم من أذاهم، كموسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل فابتليناهم بفرعون وملئهم، وكعيسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل فابتلينا من اتبعه بمن تولى عنه، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من أعدائك " (٧) .
стр. 44
وعرف الجرجاني (١) الفتنة بقوله: " الفتنة ما يتبين به ما للإنسان من الخير والشر، يقال: فتنت الذهب بالنار إذا أحرقته بها لتعلم أنه خالص أو مشوب، ومنه الفتان وهو الحجر الذي يجرب به الذهب والفضة " (٢) .
وأما الفتن التي أخبر بها النبي ﷺ في أحاديثه، وأن أمته سوف تبتلى بالكثير منها، وأنها ترسل عليها إرسال القطر فهي من قبيل الاختبار والامتحان؛ ليتبين حال الإنسان فيها من الخير والشر وتعلقه بها، كما يوجد فيها بعض المعاني الأخرى المذكورة عند أهل اللغة من القتل والاختلاف والعذاب وتغير الأحوال والأزمنة.
قال الحافظ ابن حجر: " وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره، ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (٣) وتستعمل في الإكراه على الرجوع عن الدين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] (٤) واستعملت أيضا في الضلال والإثم والكفر والعذاب، ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن" (٥) .
وقد دلت نصوص كثيرة صحيحة على أن من علامات الساعة كثرة الهرج، وهو القتل واللغط وظهور الفتن وانتشارها ونزولها في البلاد وكبر بلائها وهولها، حتى يمسي المرء المسلم من شدة وقعها كافرا، ويصبح مؤمنا، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا، وتجيء الفتنة تلو الأخرى فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف وتظهر أخرى، فيقول هذه هذه إلى أن يشاء الله، فلا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وكلما طال الزمان
стр. 45
بأهله وبعد بهم كانت الفتن أشد ومصائبها أعظم، كما شهدت بذلك نصوص الشرع، ودلت عليه الحوادث والوقائع، فعن الزبير بن عدي قال: «أتينا أنس بن مالك ﵁ فشكونا إليه ما نلقي من الحجاج فقال: " اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ » (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٢) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل (٣) ومنا من هو في جشره (٤) إذ نادى منادي رسول الله ﷺ الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن فيرقق (٥) بعضها بعضا،
стр. 46
وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف فيقول المؤمن هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه. . .» الحديث (١) . وقد أرشد ﷺ المسلمين إلى ما يعصمهم من هذه الفتن والشرور والآثام فأمرهم بالتعوذ بالله منها وبالابتعاد عنها مع المبادرة بالأعمال الصالحة والإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر ولزوم جماعة المسلمين.
ومن ذلك قوله ﷺ : «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» (٢) .
وعن حذيفة ﵁ قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ ، قال: " نعم "، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نعم، وفيه دخن "، قلت: وما دخنه؟ قال: " قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر "، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها "، قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: " هم من جلدتنا ويتكلمون بسنتنا "، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم "، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (٣) . إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي يطول حصرها وسردها في هذا المكان، وكلها دالة على هذا الأمر العظيم الذي نبه عليه رسول الله ﷺ ، وحذر أمته من عاقبته، وأرشدهم إلى ما يعصمهم من هذه الشرور والآثام بالتعوذ منها والابتعاد عنها مع صحة الإيمان بالله تعالى واتباع أمره ونهيه ولزوم جماعة المسلمين أهل السنة والجماعة، وإن كانوا في ضعف وقلة عدد.
стр. 47
[المطلب الخامس خروج الدجالين والكذابين أدعياء النبوة]
المطلب الخامس: خروج الدجالين والكذابين أدعياء النبوة من أمارات الساعة وأشراطها خروج الدجالين الكذابين، الذين يدعون النبوة ويثيرون الفتنة بأباطيلهم، وقد أخبر النبي ﷺ أن عدد هؤلاء قريب من ثلاثين فقال ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (١) .
وقد تحققت ووقعت هذه الآية، والعلامة من علامات الساعة، فخرج كثير من أدعياء النبوة قديما وحديثا، ولا يستبعد أن يظهر دجالون آخرون إلى أن يظهر الدجال الأعور الكذاب - نعوذ بالله من فتنته - فقد خطب رسول الله ﷺ يوما فقال: «إنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الكذاب» (٢) .
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٣) .
" وقد ظهر من هؤلاء عدد كبير في الماضي، فادعى النبوة في آخر حياة الرسول ﷺ الأسود العنسي في اليمن حيث كانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله ﷺ (٤) وقد تحرك بمن معه من المقاتلين واستولى على جميع أجزاء اليمن، وبعد أن علم رسول الله ﷺ بما حدث، بعث برسالة إلى المسلمين هناك يحثهم فيها على الوقوف في وجهه ومقاتلته، فاستجابوا لذلك وقتلوه في منزله بمعاونة زوجته التي تزوجها قسرا بعد أن قتل زوجها، وقد كانت مؤمنة بالله ورسوله ﷺ ، وبمقتله ظهر الإسلام وأهله، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ ، وقد أتى إليه الخبر في ليلته من السماء فأخبر أصحابه، وقد دامت فترة
стр. 48
ملك هذا الكذاب من حين ظهوره إلى أن قتل ثلاثة أشهر، وقيل أربعة أشهر " (١) .
ومنهم طليحة بن خويلد الأسدي الذي قدم على النبي ﷺ في وفد بني أسد سنة ٩ هـ وأسلموا ورجعوا إلى بلادهم وقد تنبأ طليحة هذا في حياة الرسول ﷺ فوجه إليه ضرار بن الأزور عاملا على بني أسد وأمرهم بالقيام على من ارتد، فضعف أمر طليحة حتى لم يبق إلا أخذه فضربه بالسيف، فلم يصنع فيه شيئا، فظهر بين الناس أن السيف لا يعمل فيه، فكثر جمعه، ومات النبي ﷺ وهم على ذلك، ولما قام أبو بكر الصديق ﵁ بأمر الخلافة، أرسل إليه جيشا بقيادة خالد بن الوليد ﵁ فالتقى الجيشان، فهزم جيش طليحة ففر بعدها مع زوجته إلى الشام، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، ولحق بجيش المسلمين وأبلى في الجهاد في سبيل الله بلاء حسنا واستشهد بنهاوند ﵁ (٢) .
ومنهم مسيلمة الكذاب، الذي وفد على رسول الله ﷺ في العام التاسع الهجري مع جماعة من بني حنيفة، وبعد عودة الوفد إلى اليمامة، ارتد عدو الله وتنبأ وقال: إني قد أشركت في الأمر معه - أي مع رسول الله ﷺ وكان يزعم أن الوحي يأتيه في الظلام، وقد أرسل له أبو بكر الصديق جيشا بقيادة خالد بن الوليد ﵁، وعكرمة بن أبي جهل ﵁ وشرحبيل بن حسنة ﵁ فاستقبلهم مسيلمة بجيش كان قوامه أربعين ألف مقاتل ودارت بينهم معارك حاسمة كانت الدائرة فيها على مسيلمة وجيشه، وقتل مسيلمة بيد وحشي بن حرب ﵁ وانتصر الحق وارتفعت راية التوحيد (٣) .
стр. 49
ومنهم سجاح بنت الحارث التغلبية، كانت من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة بعد موت الرسول ﷺ فالتف حولها أناس كثير من قومها ومن غيرهم وغزت بهم القبائل المجاورة حتى وصلت إلى بني تميم، فاصطلحوا معها، وسارت حتى وصلت اليمامة والتقت بمسيلمة وصدقته وتزوجها، ولما قتل مسيلمة رجعت إلى بلادها وأقامت في قومها بني تغلب، ثم أسلمت وحسن إسلامها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى البصرة وماتت بها (١) .
وأما في عصر التابعين وما بعده فظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي، الذي تظاهر بالتشيع أولا فالتف حوله جماعة كثيرة من الشيعة (٢) وكان يقول بإمامة محمد بن الحنفية، وكان يدعو الناس إليه، وزعم أن جبريل ﵇ ينزل عليه، وقد استولى على الكوفة ونواحيها وقتل كل من كان بالكوفة من الذين قاتلوا الحسين بن علي بكربلاء، وقد دارت بينه وبين مصعب بن الزبير عدة معارك كانت الدائرة فيها عليه والغلبة لمصعب، فقتل المختار، وفرح المسلمون بذلك (٣) .
ومنهم الحارث بن سعيد الكذاب الذي أظهر التعبد والتنسك في دمشق ثم زعم أنه نبي، ولما علم أن الخبر وصل إلى الخليفة عبد الملك بن مروان اختفى وجهل الناس خبره، فاستطاع رجل من أهل البصرة أن يعرف مكانه وتظاهر له بالتصديق فأمر الحارث ألا يحجب منه هذا الرجل متى ما أراد الدخول عليه،
стр. 50
فاتصل هذا الرجل بعبد الملك وأخبره الخبر، فسير معه جنودا من العجم وتم القبض عليه وجيء به إلى عبد الملك، فأمر عبد الملك رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم، فصلبه عبد الملك بعد ذلك (١) .
وفي العصر الحديث قبل أكثر من قرن ظهر بالهند رجل يدعى ميرزا غلام أحمد القادياني - لعنة الله عليه - ادعى النبوة، وكان يزعم أنه يتلقى الوحي من السماء، كما زعم أن الله أخبره بأنه سيعيش ثمانين سنة، وقد صار له أتباع وأعوان فانبرى له كثير من العلماء وردوا عليه وبينوا أنه دجال من الدجالين، وكان منهم العالم الكبير ثناء الله الأمر تسري الذي كان من أشد العلماء عليه حتى إنه في عام ١٣٢٦ هـ تحدى القادياني الشيخ ثناء الله هذا، بأن الكاذب المفتري من الرجلين سيموت، ودعا الله أن يقبض المبطل في حياة صاحبه ويسلط عليه داء مثل الهيضة والطاعون يكون فيه حتفه، وبعد ثلاثة عشر شهرا وعشرة أيام تقريبا أصيب القادياني بدعوته. وقد ذكر أبو زوجته نهايته بقوله: ولما اشتد مرضه أيقظني فذهبت إلى حضرته ورأيت ما يعانيه من الألم فخاطبني قائلا: أصبت بالكوليرا ثم لم ينطق بعد هذا بكلمة صريحة حتى مات (٢) .
وهكذا سيستمر خروج هؤلاء الكذابين الدجالين واحدا بعد الآخر، حتى تستوفي عدتهم التي أخبرنا الصادق المصدوق نبينا محمد ﷺ حتى يكون آخرهم المسيح الدجال الذي يخرج في آخر الزمان - نعوذ بالله من فتنته - وينزل عيسى ابن مريم ﵇ للقضاء عليه وعلى فتنته، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في أشراط الساعة الكبرى.
стр. 51
[المطلب السادس ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان]
المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان من علامات الساعة التي ظهرت وأخبر بها الرسول ﷺ ولادة الأمة ولدا يكون له السيادة عليها، وتفاخر الناس بالبنيان الشاهق، وزخرفة البيوت بعد أن كانوا حفاة يعيشون في خيام الشعر ويرعون الشياه والبعير، كما دل على ذلك الحديث المشهور عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث جبريل الطويل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة، «قال له جبريل ﵇:. . فأخبرني عن الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل "، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ ، قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (١) . ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث أن تنقلب الموازين، وتصبح الأمور في غير محلها اللائق بها، كأن يصبح الولد سيدا ومولى لأمه، ويحدث هذا عندما يتسع الإسلام، ويكثر السراري، ويتخذ الناس السراري ويكثر منهن الأولاد، فيكون الرجل من أمته في معنى السيد لأمه، إذا كانت مملوكة لأبيه، وملك الأب راجع إلى الولد، وكذلك ابنتها؛ لأنها في الحسب كأبيها. وكذلك بالنسبة للحفاة العراة رعاء الشاء، أهل الجهل والجفاء عندما تختل الموازين بكثرة الأموال بين أيديهم، يصبحون هم رؤوس الناس فيتطاولون في البنيان ويتنافسون على وجه التفاخر والخيلاء، في زخرفة العمارات وعدد أدوارها بعد أن كانوا أهل تنقل وترحال لا تستقر بهم دار.
يقول العلامة حمود التويجري - رحمه الله تعالى -: " والتطاول في البنيان يكون بتكثير طبقات البيوت ورفعها إلى فوق، ويكون بتحسين البناء وتقويته وتزويقه، ويكون بتوسيع البيوت وتكثير مجالسها ومرافقها، وكل ذلك واقع في زماننا حين كثرت الأموال وبسطت الدنيا على الحفاة العراة العالة، فالله المستعان (٢) ".
стр. 52
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تفسير هاتين العلامتين من أشراط الساعة، فقال الإمام النووي رحمه الله تعالى عن ولادة الأمة ربتها أو ربها الواردة في الحديث: «أن تلد الأمة ربتها» وفي الرواية الأخرى: " ربها " على التذكير، وفي الأخرى " بعلها " قال يعني السراري، ومعنى ربها وربتها: سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها.
قال الأكثرون من العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال، أو عرف الاستعمال.
وقيل معناه: أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته.
وقيل معناه: أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدري، ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الأولاد فإنه متصور في غيرهن، فإن الأمة تلد ولدا حرا من غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد.
وقيل معناه غير ما ذكرناه، وكلها أقوال ضعيفة جدا أو فاسدة فتركتها (١) .
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀: وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه، فذكرها لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل فإذا هي أربعة أقوال:
الأول: قال الخطابي (٢) معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد
стр. 53
الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد فيها بمنزلة ربها لأنه وليد سيدها (١) . قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين (٢) قلت: لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم وقع أكثره في صدر الإسلام وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة.
الثاني: أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
الثالث: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها بوطء شبهة، أو رقيقا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها.
الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام فأطلق عليه ربها مجازا لذلك، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون - من كونها تدل على فساد الأحوال - مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربيا، والسافل عاليا (٣) .
وأما تطاول الناس في البنيان فهو ظاهر وبين في هذا العصر حيث تسابق الناس إلى التباهي بالعمران والزخرفة بسبب كثرة الأموال حتى إن أهل البادية من أهل الفقر والحاجة أخذوا في بناء الأبنية ذوات الطوابق المتعددة وتنافسوا
стр. 54
في ذلك، وكل هذا قد وقع كما أخبر به رسولنا ﷺ الصادق المصدوق كما سبق ذلك في حديث عمر بن الخطاب ﵁، وكما في حديث ابن عباس ﵄: «أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : فحدثني متى الساعة؟ ، قال رسول الله ﷺ : " سبحان الله من خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو. . . ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك. . . "، قال: أجل يا رسول الله فحدثني، قال رسول الله ﷺ : " إذا رأيت الأمة ولدت ربتها أو ربها، ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس فذلك من معالم الساعة وأشراطها "، قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: " العرب» (١) .
قال القرطبي: " المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على أمر، ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان " (٢) .
وقال ابن رجب الحنبلي: " ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها كما قال النبي ﷺ لمن سأله عن الساعة: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (٣) فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤوس الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا " (٤) .
ويقول الحافظ ابن حجر: " ومعنى التطاول في البنيان أن كل من يبني بيتا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد: المباهاة في الزينة والزخرفة أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد " (٥) .
стр. 55
[المطلب السابع قبض العلم وظهور الجهل]
المطلب السابع: قبض العلم وظهور الجهل من علامات الساعة التي أخبر بها رسول الله ﷺ : قبض العلم وظهور الجهل، فعن أبي موسى وعبد الله بن مسعود ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل» (١) .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» (٢) .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قالوا: يا رسول الله، أيم هو؟ ، قال: القتل القتل» (٣) .
قال ابن العربي (٤) " وأما ذهاب العلم، قال المشيخة: فيكون بوجوده، إما بمحوه من القلوب، وقد كان في الذين قبلنا، ثم عصم هذه الأمة، فذهاب العلم منها بموت العلماء، وقد قال جماعة من الناس: إن ذهاب العلم يكون أيضا بذهاب العمل به، فيحفظون القرآن ولا يعملون به فيذهب العلم. . . والذي عندي أن الوجوه الثلاثة في هذه الأمة، فقد يذنب الرجل حتى يذهب ذنبه علمه، وقد يقرؤه ولا يعمل به، وقد يقبض بعلمه فلا ينتفع أحد به، أو يمنع من بثه فيذهب لوقته " (٥) .
стр. 56
وقال القرطبي أثناء شرحه لحديث: «إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل» : وأما قلة العلم وكثرة الجهل فذلك شائع في جميع البلاد ذائع، أعني برفع العلم وقلته: ترك العمل به (١) .
وقال ابن حجر: قيل: إن المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلا، وقيل: نقص العلم بموت أهله، فكلما مات عالم ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد (٢) .
وقد ورد ما يدل على أن المراد برفع العلم وكثرة الجهل: موت العلماء فلا يبقى إلا الجهال الذين يتخذهم الناس رؤساء فيضلوا ويضلوا غيرهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٣) .
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: «لما كان في حجة الوداع؛ قام رسول الله ﷺ وهو يومئذ مردف الفضل بن عباس على جمل آدم، فقال: " يا أيها الناس خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم وقبل أن يرفع العلم "، وقد كان أنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] (٤) . قال: فكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله ذلك على نبيه ﷺ . قال: فأتينا أعرابيا، فرشوناه بردا، فاعتم به، حتى رأيت حاشيته خارجة من
стр. 57
حاجبه الأيمن، قال: ثم قلنا له: سل النبي ﷺ . فقال له: يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا؟ قال: فرفع النبي ﷺ رأسه وقد علت وجهه حمرة من الغضب، قال: فقال: " أي ثكلتك أمك، هذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقون منها بحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم، ألا وأن من ذهاب العلم أن يذهب حملته (ثلاث مرات) » (١) .
يقول الحافظ النووي أثناء شرحه لحديث عبد الله بن عمرو السابق: " هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس محوه من صدور حفاظه ولكن معناه: أن يموت حملته ويتخذ الناس جهالا يحكمون بجهالتهم فيضلون ويضلون " (٢) .
وقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ في زمان من قبل فكيف بزماننا، قال ابن بطال (٣) " وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانا فقد نقص العلم وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب وعمت الفتن وكثر القتل " (٤) . من أجل هذا حث السلف على طلب العلم، قال عبد الله بن مسعود ﵁: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، وعليكم بالعمل، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، وعليكم بالعلم، وإياكم والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق» (٥) . وعن أبي الدرداء ﵁ قال: «ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، فتعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم ذهاب العلماء» (٦) . وقد ظهر مصداق هذا كله في زماننا ولم يبق العلم إلا في أناس قليل، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 58
[المطلب الثامن تكليم السباع والجماد للإنس]
المطلب الثامن: تكليم السباع والجماد للإنس من أشراط الساعة التي أخبر بها الرسول ﷺ تكليم السباع الإنس، وإخبار فخذ الرجل بما يحدث أهله بعده، وكلام النعل والسوط لصاحبهما.
عن أبي هريرة ﵁ قال: «صلى رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: " بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث، فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم؟ فقال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم، وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب، فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب يا هذا: استنقذتها مني فمن لها يوم السبع؟ يوم لا راعي لها غيري! فقال الناس: سبحان الله! ذئب يتكلم؟ قال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم» (١) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعى (٢) الذئب على ذنبه، قال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي! ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: " أخبرهم "،
стр. 59
فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ : " صدق، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة (١) سوطه وشراك (٢) نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» (٣) .
قال القرطبي: وفي هذا الحديث ما يرد على كفرة الأطباء والزنادقة الملحدين، وأن الكلام ليس مرتبطا بالهيبة والبله، وإنما الباري جلت قدرته يخلقه متى شاء في أي شيء شاء من جماد أو حيوان على ما قدره الخالق الرحمن، فقد كان الحجر والشجر يسلمان عليه ﷺ تسليم من نطق وتكلم، ثبت ذلك في غير ما حديث، وهو قول أهل أصول الدين في القديم والحديث.
وثبت باتفاق حديث البقرة والذئب وأنهما تكلما على ما أخبر عنهما ﷺ في الصحيحين، قاله ابن دحية (٤)(٥) .
فهذه أخبار عن رسول الله ﷺ كلها أمارات للساعة، وإن كانت أمورا خارقة للعادة جارية على غير المألوف إلا أنه يجب الإيمان بها وتصديقها لثبوتها عنه ﷺ .
стр. 60
[المطلب التاسع قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد]
المطلب التاسع: قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد من علامات الساعة التي أخبر بها الرسول ﷺ قطيعة الرحم وسوء الجوار وظهور الفساد والفحش، ومن الأحاديث الدالة على ذلك: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة» (١) .
وقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ فنرى الفساد ظاهرا بين الناس كما نرى التقاطع وسوء الجوار حاصلا بينهم، وحل التباغض والتنافر بينهم محل المحبة والصلة والمودة، حتى إن الجار لا يعرف جاره، والقريب لا يعرف عن بعض أرحامه هل هم من الأموات أم من الأحياء، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد جاءت الأدلة في الكتاب والسنة بالتحذير من قطيعة الرحم، وبينت أنها سبب للعنة والحرمان من دخول الجنة، قال الله تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] (٢) .
وقال النبي ﷺ : «لا يدخل الجنة قاطع رحم» (٣) .
وقد حث الرسول ﷺ على صلة الرحم، وبين أنها سبب لطول العمر وكثرة
стр. 61
الرزق ورضا الله كما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (١) .
كما دلت الأدلة في الكتاب والسنة على وجوب الإحسان إلى الجيران وإكرامهم وعدم إيذائهم، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] (٢) . وقال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (٣) .
وقال ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٤) .
وعن أبي شريح قال: إن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (٥) .
стр. 62
[المطلب العاشر كثرة الزلازل وظهور الخسف والقذف والمسخ الذي يعاقب الله به بعض هذه الأمة]
المطلب العاشر: كثرة الزلازل وظهور الخسف والقذف والمسخ الذي يعاقب الله به بعض هذه الأمة من علامات الساعة وأماراتها التي أخبر بها الرسول ﷺ : كثرة الزلازل، وظهور الخسف، والقذف، والمسخ، وقد دل على هذا الأحاديث الثابتة عنه ﷺ ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل. . .» (١) .
يقول الحافظ ابن حجر: " وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها " (٢) .
وقد كثرت الزلازل في عصرنا الحاضر في أماكن متعددة، وهذا مصداق لما أخبر به رسول الله ﷺ .
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «يكون في آخر هذه الأمة خسف (٣) ومسخ (٤) وقذف (٥) " قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا ظهر الخبث» (٦) .
стр. 63
وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف " فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: " إذا ظهرت المعازف وكثرت القيان وشربت الخمور» (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» (٢) .
وقد أخبر الرسول ﷺ : أن وقوع الخسف والمسخ والقذف في الزنادقة وأهل القدر، فعن نافع قال: «بينما نحن عند عبد الله بن عمر ﵄ قعودا إذ جاء رجل، فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام - لرجل من أهل الشام - فقال عبد الله: بلغني أنه أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه مني السلام، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف وهو في الزنديقية والقدرية» (٣) .
فهذه الأحاديث السابقة التي فيها ذكر الخسف والقذف والمسخ فيها وعيد شديد للعصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بأن يعاقبهم الله تعالى بهذه العقوبات أو ببعضها على عصيانهم وتمردهم، وهي في نفس الوقت من أمارات الساعة التي كلما يقترب وقوعها يزداد ظهور المعاصي والذنوب؛ لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق والله أعلم.
стр. 64
[المبحث الثاني أشراط الساعة الكبرى]
[المطلب الأول خروج المهدي]
[المسألة الأولى معنى المهدي]
المبحث الثاني: أشراط الساعة الكبرى وفيه المطالب الآتية:
المطلب الأول: خروج المهدي
المطلب الثاني: فتنة المسيح الدجال
المطلب الثالث: نزول عيسى ابن مريم ﵇
المطلب الرابع: خروج يأجوج ومأجوج
المطلب الخامس: طلوع الشمس من مغربها
المطلب السادس: خروج الدابة
المطلب السابع: الدخان الذي يكون في آخر الزمان
المطلب الثامن: الخسوفات الثلاثة
المطلب التاسع: النار التي تحشر الناس
стр. 65
المطلب الأول: خروج المهدي من علامات الساعة وأماراتها الكبرى ظهور المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، ويلي أمر هذه الأمة ويجدد لها دينها، وهو رجل يحكم بالإسلام ويملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا وظلما، تنعم الأمة في عهده بالخيرات والنعم التي لم تنعم بمثلها قط، قال الحافظ ابن كثير ﵀: في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم (١) .
وسيكون الكلام عليه في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: معنى المهدي المهدي: لغة اسم مفعول من: هداه هدى وهديا وهداية، والهدى: هو الرشاد والدلالة، يقال: هداه الله للدين هدى، وهديته الطريق، وإلى الطريق هداية: أي عرفته (٢) .
وقال ابن الأثير: المهدي الذي هداه الله إلى الحق، وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة (٣) .
وقد وردت هذه الكلمة في أحاديث عديدة، منها حديث العرباض بن سارية، وفيه: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (٤) .
وقال ابن الأثير: " ويريد بالخلفاء المهديين أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ أجمعين وإن كان عاما في كل من سار سيرتهم " (٥) .
стр. 66
والمراد بالمهدي هنا: هو الذي بشر به رسول الله ﷺ أنه يجيء في آخر الزمان، ويؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية، ويكون من أهل بيته ﷺ ، ويخرج في زمنه عيسى ﵇، والدجال.
وقد وردت في شأن المهدي أحاديث كثيرة ما بين صحاح وحسان وضعاف تنجبر وضعاف شديدة الضعف (١) .
وهذه الأحاديث توضح وتخبر عن خروجه في الناس، وذلك بعد ما يعم الأرض الظلم والفساد والطغيان؛ فيأتي ويملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت جورا وظلما.
وهو من سلالة النبي ﷺ ومن أبناء فاطمة ﵂ وعلى خده شامة كأنها كوكب دري.
[المسألة الثانية اسمه واسم أبيه ونسبه]
المسألة الثانية: اسمه واسم أبيه ونسبه اسم المهدي (محمد) ، واسم أبيه (عبد الله) .
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني - أو من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض. . .» الحديث.
وفي رواية أخرى: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» .
وفي رواية أخرى: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» ، قال: وقال أبو هريرة: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي. . .» (٢) .
стр. 67
وأما نسبه: فالروايات الكثيرة تبين لنا أنه من ولد فاطمة البتول، ابنة النبي المصطفى ﵊ ﵂ وعن أولادها الطاهرين.
عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي (١) من ولد فاطمة» (٢) .
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة» (٣) .
فهذه الأخبار كلها تؤكد أن المهدي من ذرية رسول الله ﷺ ، من ولد فاطمة الزهراء، وهذا ما عليه جماهير الأمة، فلا يسوغ العدول عنه ولا الالتفات إلى غيره من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في المهدي: وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني ﵁ (٤) .
[المسألة الثالثة صفة المهدي]
المسألة الثالثة: صفة المهدي من صفات المهدي الواردة في السنة ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المهدي مني، أجلى
стр. 68
الجبهة (١) أقنى الأنف (٢) يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، ويملك سبع سنين» (٣) .
ومن الأمور الدالة عليه، أنه يخرج في زمان ساد فيه الجور والظلم، فيقيم هو بأمر الله العدل والحق، ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة، حيث يسقيه الله الغيث فتمطر السماء كثيرا لا تدخر شيئا من قطرها، وتؤتي الأرض أكلها لا تدخر عن الناس شيئا من نباتها، وتكثر المواشي بسبب الخيرات، ويفيض المال فيقسمه بين الناس بالسوية. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعا، أو ثمانيا، يعني حججا» (٤) .
[المسألة الرابعة مكان خروج المهدي وزمانه ومدة مكثه في الأرض]
المسألة الرابعة: مكان خروج المهدي وزمانه ومدة مكثه في الأرض ليست هناك روايات صحيحة صريحة تدل على مكان خروجه، أو الزمن الذي يخرج فيه، ولكن استأنس أهل العلم في بيان ذلك من مفهوم بعض الروايات وإن لم تكن قطعية.
стр. 69
فعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم ". ثم ذكر شيئا لا أحفظه فقال: " فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي» (١) .
قال ابن كثير ﵀: والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان؛ إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان لا من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان، إلى أن قال: " ويؤيده بناس من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه ويشدون أركانه، وتكون راياتهم سودا أيضا، وهو زي عليه الوقار؛ لأن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء يقال له العقاب " إلى أن قال: " والمقصود: أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل خروجه وظهوره من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك نص الأحاديث " (٢) .
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة فينزل عيسى فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة» (٣) .
стр. 70
وهناك رواية أوردها ابن القيم ﵀ في المنار المنيف حدد فيها اسم الأمير الذي يصلي إماما وأنه المهدي بلفظ: «فيقول أميرهم المهدي: تعال صلّ بنا» . . . إلى آخر الحديث. ثم قال ابن القيم ﵀ بعد أن أورد الحديث: وهذا إسناد جيد (١) .
وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض (٢) خسف بهم، فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته» (٣) .
وعن حفصة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم» (٤) .
وعن عائشة ﵂ قالت: «عبث رسول الله ﷺ في منامه، فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: " العجب أن ناسا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم "، فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد تجمع الناس، فقال: " نعم، فيهم المستبصر (٥) والمجبور (٦) وابن السبيل يهلكون مهلكا
стр. 71
واحدا، ويصدرون مصادر شتى (١) يبعثهم الله على نياتهم» (٢) .
ففي هذه الروايات الثلاث عن أمهات المؤمنين ﵅ جميعا، إشارة صريحة للعائذ بالبيت وأنه من قريش، وأنه يؤيد بنصر الله، فيهلك الله أعداءه بالخسف.
وقد ورد أيضا في الأحاديث الصحيحة ذكر خليفة يكثر الخير في زمانه حتى إنه يحثو المال حثوا ولا يعده عددا ويعطيه للناس بدون عدد، ولكن الروايات هنا أيضا لم تحدد اسم هذا الخليفة.
فعن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ﵃ أن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده» .
وفي رواية: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوا» (٣) .
وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج من بني هاشم فيأتي مكة فيستخرجه الناس من بيته بين الركن والمقام، فيجهز إليه رجل من قريش، أخواله من كلب، فيجهز إليه جيش فيهزمهم الله، فتكون الدائرة عليهم، فذلك يوم كلب، الخائب من خاب من غنيمة كلب، فيستفتح الكنوز ويقسم الأموال، ويلقي الإسلام بجرانه (٤) إلى الأرض، فيعيشون بذلك سبع سنين أو قال: تسعا» (٥) .
стр. 72
وفي رواية أبي داود: ". . . «فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام» . . . " (١) الحديث.
ومن مجمل الروايات السابقة يتبين لنا أن المهدي رجل صالح يخرج في آخر الزمان، ويأوي إلى مكة هاربا من المدينة، فيبايع بين الركن والمقام عند الكعبة المشرفة، فيبعث إليه جيش لقتله فيخسف بهم، وينصره الله ويؤيده فيحكم بالإسلام، وينشر العدل بين الناس، ويعم الرخاء والنعمة بزمانه، ويلتقي مع نبي الله عيسى ﵇ فيؤم الأمة وعيسى ﵇ يصلي خلفه، ويخرج معه ويساعده على قتل الدجال، ويعيش سبعا أو تسع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون.
[المسألة الخامسة تواتر أحاديث المهدي]
المسألة الخامسة: تواتر أحاديث المهدي لقد نص على تواتر الأحاديث في المهدي تواترا معنويا عدد من الأئمة والعلماء:
يقول الحافظ أبو الحسن الآبري (٢) " وقد تواترت الأخبار واستفاضت وكثرت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بخروجه، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لد (٣) بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه " (٤) .
стр. 73
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم " (١) .
ويقول الحافظ ابن كثير: " فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان، وهو أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وليس بالمنتظر الذي تزعم الروافض وترتجي ظهوره من سرداب في سامرا، فإن ذاك ما لا حقيقة له ولا عين ولا أثر. . . وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله ﵌ أنه في آخر الدهر، وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى ابن مريم كما دلت على ذلك الأحاديث " (٢) .
ويقول العلامة محمد السفاريني في المهدي: " وقد كثرت بخروجه - أي المهدي - الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عد من معتقداتهم " (٣) .
ويقول أيضا: " وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ بروايات متعددة وعن التابعين من بعدهم ما يفيد بمجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة " (٤) .
ويقول العلامة محمد البرزنجي في كتابه - الإشاعة لأشراط الساعة -: " قد علمت أن أحاديث المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵍ بلغت حد التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها " (٥) .
стр. 74
ويقول العلامة محمد صديق خان بن حسن القنوجي (١) في كتابه - الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة -: " الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف روايتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد " (٢) .
وقال العلامة الشوكاني: " الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك وشبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضا، لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك " (٣) .
وقال العلامة محمد بن جعفر الكتاني (٤) " والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال وفي نزول عيسى ابن مريم ﵉ " (٥) .
ويقول العلامة أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي: " واعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل
стр. 75
من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على إثره، وأن عيسى ﵇ ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته.
وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل: علي، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء ﵃ (١) .
ويقول سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ ما ملخصه: " أمر المهدي معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وتواترها تواتر معنوي، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق، وهو محمد بن عبد الله العلوي الحسني من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، وهذا الإمام من رحمة الله بالأمة في آخر الزمان، يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشادا للناس.
وقد اطلعت على كثير من أحاديثه فرأيتها كما قال الشوكاني وغيره، وكما قال ابن القيم وغيره: فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف المنجبر، وفيها أخبار موضوعة، ويكفينا من ذلك ما استقام سنده، سواء كان صحيحا لذاته أو لغيره، وسواء كان حسنا لذاته أو لغيره، وهكذا الأحاديث الضعيفة إذا