← Акыда

Акыда · id 30813

أشراط الساعة - الغفيلي

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (164 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] أشراط الساعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣) (٤) . أما بعد: فإن علم العقيدة الإسلامية من أشرف العلوم وأجلها؛ لأنه العلم بالله تعالى وآياته، وأسمائه، وصفاته، وحقوقه على عباده، وكذلك العلم بالنبوات، وكل ما يتعلق بأمور الآخرة من بعث وجنة ونار. . . الخ. وهذه هي المقاصد الثلاثة، التي نزلت بها الكتب السماوية، وأجمعت الرسل على الدعوة إليها. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٥) .

стр. 2

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) . وقال تعالى إشارة إلى اتفاق الرسل والكتب السماوية على إثبات اليوم الآخر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] (٢) . وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩] (٣) . والإيمان باليوم الآخر رأس هذه المقاصد، وأصل من أصول الإيمان وأركانه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (٤) . فالحصول على البر، لا يتحقق إلا بالإيمان باليوم الآخر، ولذلك فإن للإيمان باليوم الآخر أثرا عظيما على الإنسان في الدنيا والآخرة. فإن الإيمان باليوم الآخر، والإكثار من ذكره، والتصديق الجازم بوقوعه، يزيد إيمان الإنسان، ويجعله من المتقين الذين قال الله عنهم: ﴿الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥] (٥) .

стр. 3

ولذلك فإن الله ، قد رتب حصول التقوى والفلاح للإنسان في الدنيا والآخرة، على الإيمان بما ذكره من الأمور الغيبية في هذه الآيات، واليوم الآخر من جملة الغيب الذي يجب علينا الإيمان به، لكن الله خصه بالذكر، لبيان أهميته وبيان أثر الإيمان به على الإنسان في الدنيا والآخرة. وكلما ازداد الإنسان يقينا باليوم الآخر، زاد إيمانه، وحرص على الأعمال الصالحة، وابتعد عن الأعمال السيئة، واستعد لهذا اليوم العظيم بما يحبه الله ، وهذا من أعظم آثار الإيمان باليوم الآخر على الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى - وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى - وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١] (١) . ولأهمية الإيمان باليوم الآخر فقد ذكره الله في القرآن الكريم كثيرا، وأقام الدليل عليه، ونوع الأدلة فيه، وبسطها وربطها بالفطرة والعقل، ورد على المنكرين له بأنواع الأدلة والأمثلة، وأمر نبيه محمدا ﷺ أن يقسم به على وقوع اليوم الآخر تأكيدا له، كما قال : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] (٢) . والنصوص الدالة على هذا كثيرة جدا، وليس المقصود هنا التوسع في ذلك، وإنما المقصود بيان أهمية الإيمان باليوم الآخر، وأثر الإيمان على الإنسان. ولما كان اليوم الآخر من الأمور الغيبية، أعان الله خلقه على الإيمان به بأمور كثيرة، ومن ذلك ربط هذا الغيب بالأمور المحسوسة، فإن الغيب إذا ربط بالأمور المحسوسة سهل الإيمان به على الإنسان، ومن هذه الأمور المحسوسة التي تعين على الإيمان باليوم الآخر، أشراط الساعة.

стр. 4

وأهمية معرفة هذه الأشراط والأمارات، تظهر من أهمية الإيمان باليوم الآخر، ولذلك فإن الإيمان بأشراط الساعة وعلاماتها الصحيحة الثابتة، جزء لا يتجزأ من الإيمان باليوم الآخر، والذي هو الآخر جزء لا يتجزأ من الإيمان بالغيب. والحديث عن أشراط الساعة مهم، ولا سيما إذا ابتعد الناس عن تذكر الآخرة واشتغلوا بالدنيا وملذاتها، فإن في أشراط الساعة المحسوسة التي تظهر ويراها الناس بأعينهم كما أخبر النبي ﷺ ، ما يعيد الناس إلى ربهم ويوقظهم من غفلتهم. يقول القرطبي (١) ﵀: قال العلماء رحمهم الله تعالى: الحكمة في تقديم الأشراط، ودلالة الناس عليها، تنبيه الناس من رقدتهم وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة، قد نظروا لأنفسهم وانقطعوا عن الدنيا واستعدوا للساعة الموعود بها - والله أعلم (٢) . وقد وفقني الله للكتابة في هذا الموضوع المهم، وكان الفضل في ذلك لله أولا ثم لوزارة الشؤون الإسلامية ممثلة في إدارة التأليف والترجمة، التي قامت مشكورة بالموافقة على الكتابة في هذا الموضوع، الذي تظهر أهمية الكتابة فيه في الأمور التالية: ١ - حاجة الناس - خاصة في هذا العصر - لمعرفة أشراط الساعة، لعل ذلك يسهم في توجيه سلوكهم إلى سبيل الخير، والاستعداد ليوم المعاد.

стр. 5

٢ - وجود بعض الكتاب في هذا العصر، الذين أخذوا يشككون في بعض الأمور الغيبية، التي أخبر بها الرسول ﷺ ومنها أشراط الساعة، زاعمين أن هذا ينافي العقل ويصادمه، وهذه حجة واهية تدل على عدم الإيمان بالغيب، وعلى عدم تعظيم أمر الله وأمر رسول الله ﷺ . من أجل هذا كله استعنت بالله في إعداد هذا البحث وفق الخطة التالية: مقدمة: وتشتمل على أسباب اختيار الموضوع وخطة البحث والمنهج الذي سأسير عليه في كتابة البحث. تمهيد: ويشمل المباحث الآتية: المبحث الأول: أهمية الإيمان بالغيبيات. المبحث الثاني: وجوب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ . المبحث الثالث: الكتب المصنفة في أشراط الساعة. الفصل الأول: معنى أشراط الساعة وعلاماتها وأدلتها من الكتاب والسنة. وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة. المبحث الثاني: الأشراط والعلامات اصطلاحا. المبحث الثالث: الأدلة من الكتاب على أشراط الساعة وعلاماتها. المبحث الرابع: الأدلة من السنة على أشراط الساعة وعلاماتها. الفصل الثاني: أقسام أشراط الساعة. وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: أشراط الساعة الصغرى. وفيه المطالب الآتية: المطلب الأول: بعثة الرسول ﷺ .

стр. 6

المطلب الثاني: انشقاق القمر. المطلب الثالث: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصري لها. المطلب الرابع: الفتن. المطلب الخامس: خروج الدجالين الكذابين أدعياء النبوة. المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها، وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان. المطلب السابع: قبض العلم وظهور الجهل. المطلب الثامن: تكليم السباع والجماد للإنس. المطلب التاسع: قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد. المطلب العاشر: كثرة الزلازل وظهور الخسف والقذف والمسخ، الذي يعاقب الله به بعض هذه الأمة. المبحث الثاني: أشراط الساعة الكبرى. وفيه المطالب الآتية: المطلب الأول: خروج المهدي. المطلب الثاني: فتنة المسيح الدجال. المطلب الثالث: نزولا عيسى ابن مريم ﵇. المطلب الرابع: خروج يأجوج ومأجوج. المطلب الخامس: طلوع الشمس من مغربها. المطلب السادس: خروج الدابة. المطلب السابع: الدخان الذي يكون في آخر الزمان. المطلب الثامن: الخسوفات الثلاثة. المطلب التاسع: النار التي تحشر الناس. الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث.

стр. 7

وسوف أتبع في هذا البحث المنهج الآتي: ١ - أجمع المادة العلمية المتعلقة بالبحث وأوزعها على حسب فصول خطة البحث ومباحثها مع التحقيق في القضايا والجمع والترجيح. ٢ - تنظيم المادة العلمية وتنسيقها بأسلوب علمي مع بذل الجهد في جودتها وحسنها. ٣ - عزو الآيات القرآنية التي ترد في البحث إلى سورها وأرقامها في كتاب الله تعالى. ٤ - تخريج الأحاديث النبوية الواردة في البحث من كتب السنة المعتمدة، مع بذل الجهد في الإشارة إلى درجة الحديث، من خلال أقوال المحدثين إذا كان الحديث في غير الصحيحين أو أحدهما؛ لأن مجرد العزو إلى الصحيحين أو أحدهما معلم بالصحة. ٥ - تخريج الآثار مع الحكم عليها من خلال كلام أهل العلم حسب استطاعتي. ٦ - الترجمة للأعلام الذين يرد ذكرهم في البحث ما عدا المشهورين؛ فإني لن أترجم لهم لعدم خفاء حالهم ككبار الصحابة والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة وغيرهم. ٧ - التعريف بالفرق والطوائف التي يرد ذكرها في البحث. ٨ - شرح المفردات الغريبة الواردة في البحث من كتب الغريب والمعاجم اللغوية. ٩ - توثيق النقول التي هي من كلام أهل العلم من مصادرها. ١٠ - التعليق على القضايا التي ترد في البحث حسب الحاجة. ١١ - وضع فهارس علمية عامة تجعل القارئ يصل إلى بغيته بيسر وسهولة، وهذه الفهارس هي:

стр. 8

ا- فهرس الآيات القرآنية. ب - فهرس الأحاديث النبوية. ج - فهرس الآثار. د - فهرس الأعلام. هـ - فهرس الفرق والطوائف. و فهرس المصادر والمراجع. ز - فهرس الموضوعات. وفي الختام أسأل الله ﵎ أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وأن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 9

[تمهيد] [المبحث الأول أهمية الإيمان بالغيبيات] تمهيد ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: أهمية الإيمان بالغيبيات المبحث الثاني: وجوب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ المبحث الثالث: الكتب المصنفة في أشراط الساعة

стр. 10

المبحث الأول: أهمية الإيمان بالغيبيات علم الغيبيات من الأمور التي استأثر الله تعالى بها، واختص بها نفسه جل وعلا، دون من سواه من ملك مقرب أو نبي مرسل، وهو يطلع من يرتضيه من رسله على بعض الغيب متى شاء وإذا شاء، وبذلك جاءت الآيات والأحاديث، قال : ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] (١) . وقال تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠] (٢) . وقال : ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] (٣) . وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (٤) . وقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] (٥) يقول الإمام الطبري (٦) ﵀ في تفسير هذه الآية: " قل لهؤلاء المنكرين نبوتك: لست أقول لكم إني الرب الذي له خزائن السماوات والأرض، فأعلم غيوب الأشياء الخفية، التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء، فتكذبوني فيما أقول من ذلك؛ لأنه لا ينبغي أن يكون ربا إلا من له ملك كل شيء، وبيده كل شيء، ومن لا يخفى عليه خافية، وذلك هو الله الذي لا إله غيره " (٧) .

стр. 11

ومن الآيات في هذا المعنى قوله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] (١) . يقول الإمام القرطبي في تفسيرها: " فإنه لا يجوز أن ينفي الله شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه، ثم يكون له في ذلك شريك، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] (٢) فكان هذا كله مما استأثر الله بعلمه لا يشركه فيه غيره " (٣) . ومن أصرح الآيات دلالة قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٤) الآية، وتفسيرها في سورة لقمان، قال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] (٥) يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير آية سورة لقمان: هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علم الملائكة الموكلون بذلك ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه الله تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى أو شقيا أو سعيدا، علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدا في دنياها وأخراها، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه - أي الآية - شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس: مفاتيح الغيب (٦) .

стр. 12

عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» (١) . فالآيات والأحاديث المذكورة وغيرها مما لم أذكره، تدل دلالة قاطعه على اختصاصه بعلم الغيب دون سواه من الأنبياء والرسل والملائكة والأولياء. والإيمان بأشراط الساعة جزء من الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان. والإيمان بالغيب هو أساس الإيمان كله؛ لأن أركان الإيمان كلها من الأمور الغيبية، وقد بين الله في كتابه المبين أن الإيمان بالغيب من صفات المؤمنين المتقين فقال : ﴿الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥] (٢) . ومعلوم - من الدين بالضرورة - أن علم الغيب من خصائص الله وحده - كما سبق بيان ذلك - ولقد شاء الله ﵎ أن يجعل علم الساعة غيبا من جملة علم الغيب الذي استأثر بعلمه فلم يطلع عليه أحدا من خلقه لا نبيا مرسلا، ولا ملكا مقربا، وذلك ليبقى الناس من الساعة على حذر دائم، وتوقع مستمر واستعداد كامل لاتخاذ الزاد المناسب لها، فهي الموعد المرتقب للجزاء الكامل، والإيمان بذلك من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر. والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنهم أفضل الخلق وأحبهم إلى الله ، وقد خصهم الله بمزايا كثيرة وأكرمهم

стр. 13

بمعجزات عديدة لم يدع أحد منهم علم الغيب، بل جميعهم كانوا يتبرؤون من ذلك، ويردون علم الغيب إلى الله ، فنوح ﵇ قال لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] (١) . ورسولنا محمد ﷺ وهو سيد الرسل والأنبياء أجمعين، ينفي عن نفسه معرفة العيب، فقد قال الله في كتابه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (٣) . وعن مسروق قال: «كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية (٤) وذكرت منها: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] » (٥) (٦) . وعلى الرغم من هذه الأدلة القاطعة الواضحة، عن عدم علم الرسول ﷺ بالغيب، نجد من ينسب إلى الرسول ﷺ معرفة الغيب ويستدلون على ذلك بالاستثناء الوارد في قوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] (٧) وليس في ذلك حجة لأحد؛ لأن المراد بالغيب هنا ما يتعلق بالوحي خاصة.

стр. 14

قال الحافظ ابن حجر ﵀: فإن بعض من لم يرسخ في الإيمان، كان يظن ذلك، حتى كان يرى أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي ﷺ على جميع المغيبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق (١) أن ناقة النبي ﷺ ضلت، فقال زيد بن لصيت (٢) يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال النبي ﷺ : «إن رجلا يقول كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا، قد حبستها شجرة» ، فذهبوا فجاءوه بها. فأعلم النبي ﷺ أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] (٣) . فهذا الرجل - زيد بن لصيت - عندما قال هذا كان مشركا، وكان يعتقد أن النبوة لا تصح إلا إذا كان النبي يعلم الغيب. ولكن ما بال بعض المسلمين

стр. 15

اليوم، وما عذرهم بعد هذا البيان الشافي من الرسول ﷺ مع وضوح الأدلة في هذه المسألة، وأما ما ثبت بالقرآن أن عيسى ﵇ كان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] (١) وأن يوسف ﵇ كان ينبئهم بتأويل الطعام قبل أن يأتي إليهم. والذي حدث لرسولنا ﷺ منه الكثير، مثل ما مر علينا قبل قليل من خبر الناقة وغيره كل ذلك من باب المعجزات، فكما جاء في الآية السابقة على لسان عيسى ﵇ نفسه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] فالآية هي المعجزة. وبهذا تظهر لنا أهمية الإيمان بالغيب ومكانته في الإسلام، فهو صفة المؤمنين المتقين، وكل من يدعي علما بشيء من الغيب من تلقاء نفسه، يكون ضالا ومكذبا لخبر الله . ونصوص الكتاب والسنة تبين أن علم الغيب من خصائص المولى ﵎، وهذا يبين لنا حكم الذين يزعمون أنهم يخبرون عما سيقع في المستقبل من حوادث، أو يزعمون علم ما في نفس الإنسان، وغير ذلك من كذب ودجل وشعوذة، مما نجد له صورا في بعض الصحف والمجلات التي تحتوي على زاوية لقراءة حظ الإنسان، أو معرفة ما يقع له في المستقبل خلال معرفة الأبراج والكواكب، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 16

[المبحث الثاني وجوب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ ] المبحث الثاني: وجوب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ رسالة الرسول ﷺ التي جاء بها من عند الله أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده أجمعين، والسعادة والفلاح والصلاح في الدنيا والآخرة لمن أطاعه ﷺ واتبع هديه وسار على نهجه، وحاجة البشر إلى هذه الشريعة التي جاء الرسول بها ﷺ أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب. يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن الرسول ﷺ : أرسله الله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون جنته الطرق، فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عمه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره (١) وقد أوجب الله على جميع الخلق، طاعة الرسول ﷺ فيما أمر به واجتناب ما نهى عنه، وحذرهم من مخالفة أمره، وجعل طاعته طاعة للرسول ﷺ ، ذلك أن التصديق الجازم بالرسول ﷺ يقتضي التسليم المطلق والتام لما جاء له ويستلزم طاعته فيما بلغه عن الله تعالى، وهذا من أعظم لوازم محبته ﷺ والإيمان به، وهو من مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، وقد جاءت نصوص كثيرة في القرآن والسنة توجب طاعة الرسول ﷺ وتبين العلاقة بينها وبين طاعة الله تعالى، وتحذر من معصيته ومخالفة أمره ﵊. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] (٢) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] (٣) .

стр. 17

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] (١) . وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٢) . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧] (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٤) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] (٧) . والآيات في الأمر بطاعته والتحذير من معصيته كثيرة في كتاب الله . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن بين مخالفته ومخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه فلا يذكر الله إلا ذكر معه " (٨) . ومن الأحاديث الدالة على وجوب طاعته ﷺ ، ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله» (٩) الحديث.

стр. 18

وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: " من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (١) . فهذه الآيات والأحاديث توجب طاعة الرسول ﷺ وامتثال ما جاء به، وذلك بفعل ما أمر به وتجنب ما نهى عنه، وتبين أن طاعة الرسول ﷺ هي مفتاح الجنة وسبيل النجاة، فلا فلاح ولا سعادة ولا نجاة للعبد إلا بطاعة الرسول ﷺ ، فمن أطاعه فيما جاء به من الحق المبين، فقد نجا وزحزح نفسه عن النار، ومن أبى وتكبر وعصى، ولم يتبع الرسول ﷺ فيما جاء به فقد خسر خسرانا مبينا، وعرض نفسه لعذاب الله ، فإنه ما من خير يوصل إلى الجنة إلا ودلنا عليه، وما من شر يوصل إلى النار إلا وحذرنا منه ﵊. فيجب على كل مسلم طاعة النبي ﷺ واتباعه، واقتفاء أثره والسير على هديه، وعدم مخالفة أمره ونهيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] (٢) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٣) . فعبادة الله وطاعته لم تترك للأهواء والأفكار، بل هي مقيدة باتباعه ﷺ فيما شرعه لأمته، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ . وقد رتب الله على اتباعه والاقتداء بسنته، الاهتداء والمغفرة، وجعله علامة على صدق المحبة لله تعالى، قال : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٤) ولما ادعى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، أنزل آية المحبة، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢] (٥) .

стр. 19

ولا شك أن مما يجب على العباد، محبة ربهم الذي خلقهم وأنعم عليهم، ولكن حصول هذه المحبة وقبولها متوقف على اتباع هذا النبي الكريم ﷺ ، فقد جعل الله من ثواب اتباعه محبة الله تعالى لمن اتبعه ومغفرته له، ولكن علامة هذا الاتباع طاعته ﷺ والسير على نهجه، والاقتداء به في سيرته وأعماله وقرباته، وتجنب كل ما نهى عنه، والحذر من مخالفته التي نهايتها الخروج عن التأسي به؛ لأن الله إنما تعبدنا بطاعته واتباع رسوله ﷺ بما شرع لنا من هذا الدين الكامل، ولهذا رد رسول الله ﷺ على الذين أعرضوا عن الطيبات التي أنعم الله بها على عباده وهجروها تعبدا لله وتقربا إليه، وقال لهم ﷺ : «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) . والمتأمل في حال كثير من المسلمين اليوم يرى أنهم تركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها، واستبدلوا ذلك بالبدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فاتخذوها دينا يدينون به، فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة، حتى وصل الحال إلى الوقوع في الشرك كما هو مشاهد في كثير من بلاد المسلمين، وذلك بصرف ما هو حق لله ، لأصحاب القبور وإشراكهم مع الله فيما لا يستحقه ولا يقدر عليه إلا الله، وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله أبدا. ومن أصول الإيمان ولوازمه، التصديق الجازم بكل ما أخبر به النبي ﷺ والتسليم بصحة كل ما أخبر به، وبأنه بلغ الرسالة؛ لأن ما جاء به وحي من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) .

стр. 20

وقد قال الله تعالى في الرسول ﷺ : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] (١) . وقد كان الرسول ﷺ يلقب قبل بعثته بالصادق الأمين، وكانت قريش تدعوه بذلك. لذا يجب علينا تصديقه ﷺ في كل ما أخبر به، ومن رد شيئا مما أخبر به ﵊ وكذبه فيه فهو كافر، سواء كان رده اتباعا للهوى، أو لشريعة منسوخة، أو لفلسفة موروثة، أو لعلم وضعي، والنبي ﷺ يقول: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (٢) فكل ما صح عن النبي ﷺ أنه أخبر بوقوعه فالإيمان به واجب على كل مسلم، وذلك من تحقيق الشهادة بأنه رسول الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٣) . وكل شيء أخبر النبي ﷺ أنه سيكون بعده، فوقع الأمر فيه طبق ما أخبر به ﷺ ، فهو من معجزاته وأعلام نبوته ﵊. يقول الموفق أبو محمد المقدسي (٤) ﵀: " ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ ، وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ وقتله له، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل " (٥) .

стр. 21

[المبحث الثالث الكتب المصنفة في أشراط الساعة] المبحث الثالث: الكتب المصنفة في أشراط الساعة من خلال النظر في بعض المؤلفات المستقلة في أشراط الساعة، يتبين أن التأليف في هذا الموضوع على وجه الاستقلال بدأ في وقت مبكر مع بداية حركة التأليف، إلى جانب تناول كبار المحدثين للموضوع، وإيرادهم للأحاديث الواردة فيه تحت كتب وأبواب خاصة به في كتبهم، كالكتب الستة. ثم استمر التأليف فيه متواصلا إلى العصور المتأخرة دون كلل أو ملل من قبل العلماء والأئمة، وهذا يدل على أهمية التأليف والتصنيف في هذا الموضوع. وفيما يلي أشير إلى بعض من ألف في هذا الموضوع حسب الأقدمية في الوفاة: ١ - الإمام عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) له كتاب " السنة والفتن " (١) . ٢ - الإمام نعيم بن حماد المروزي أبو عبد الله الخزاعي (ت ٢٢٨ هـ) له كتاب " الفتن " (٢) وهو مطبوع في مجلدين. ٣ - إسماعيل بن عيسى العطار (ت ٢٣٢ هـ) له كتاب " الفتن " (٣) . ٤ - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) له كتاب " الفتن " (٤) . ٥ - أخوه عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٣٩ هـ) له أيضا كتاب " الفتن " (٥) . ٦ - حنبل بن إسحاق - ابن عم الإمام أحمد بن حنبل - (ت ٢٧٣ هـ) وله كتاب " الفتن " (٦) وهو مطبوع. ٧ - أبو داود سليمان بن الأشعث (ت ٢٧٥ هـ) له كتاب " الملاحم " (٧) .

стр. 22

٨ - أبو الحسين أحمد بن جعفر - بن المنادي - (ت ٣٣٦ هـ) له كتاب " الملاحم " (١) . ٩ - محمد بن الحسين أبو بكر الآجري (ت ٣٦٠ هـ) له كتاب " الفتن " (٢) . ١٠ - أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان - المعروف بأبي الشيخ - (ت ٣٦٩ هـ) له كتاب " الفتن " (٣) . ١١ - أبو الحسن علي بن محمد القابسي (ت ٤٠٣ هـ) له " المنبه للفطن من غوائل الفتن " (٤) . ١٢ - أبو عمر عثمان بن سعيد المقرئ الداني (ت ٤٤٤ هـ) له كتاب " السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها " وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٤١٦ هـ في ستة أجزاء. ١٣ - أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي - المعروف في وقته بابن رندقه - (ت ٥٢٠ هـ) له كتاب " الفتن " (٥) . ١٤ - عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦٠٠ هـ) له كتاب " أشراط الساعة " (٦) . ١٥ - يوسف بن يحيى بن علي المقدسي السلمي (ت ٦٨٥ هـ) له كتاب " عقود الدرر في أخبار المنتظر "، تحدث فيه عن أشراط الساعة الكبرى. ١٦ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت ٦٧١ هـ) له كتاب " التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة " ذكر فيه المؤلف كثيرا من أشراط الساعة وأمور الآخرة، وهو كتاب مطبوع في جزأين.

стр. 23

١٧ - أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي المعروف بابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) له كتاب " النهاية في الفتن والملاحم " وهو مطبوع عدة طبعات ويحتاج مع هذا إلى خدمة؛ لأن أغلب طبعاته غير لائقة بالكتاب ومكانته كما أن بعضها أفسدتها بعض أيدي التحقيق والتخريج لما ارتكبت من تصرفات سيئة في نص الكتاب وتأويله بتأويلات مخالفة لما عليه منهج أهل السنة والجماعة. ١٨ - أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) له كتاب " القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة " وهو مطبوع. ١٩ - جمال الدين يوسف بن عبد الهادي المقدسي الدمشقي (ت ٩٠٩ هـ) له كتاب " أشراط الساعة " (١) . ٢٠ - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ) له كتاب " الحصر والإشاعة في أشراط الساعة " ذكره بنفسه أثناء ترجمته (٢) . ٢١ - شمس الدين محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي الدمشقي (ت ٩٥٣ هـ) له كتاب " درر البراعة في أشراط الساعة " (٣) . ٢٢ - محمد بن رسول البرزنجي (ت ١١٠٣ هـ) له كتاب " الإشاعة لأشراط الساعة " وهو كتاب مطبوع في جزء واحد. ٢٣ - محمد صديق حسن القنوجي (ت ١٣٠٧ هـ) له " الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة " وهو كتاب مطبوع. ٢٤ - نصر الله بن عبد الله بن عبد المنعم التنوخي، مختصر في الملاحم والفتن، له نسخة خطية في الظاهرية. ذكره صلاح الدين المنجد (٤) .

стр. 24

٢٥ - الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀ له كتاب " إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة " وهو كتاب مطبوع في ثلاثة أجزاء. ٢٦ - عبد الله بن الشيخ سليمان المشعلي. له " مختصر الأخبار المشاعة في الفتن وأشراط الساعة وأخبار المهدي " وهو مطبوع. ٢٧ - الشيخ يوسف بن عبد الله الوابل له كتاب " أشراط الساعة "، وهو كتاب مطبوع في مجلد واحد. ٢٨ - مصطفي أبو النصر الشلبي له كتاب " صحيح أشراط الساعة ووصف ليوم البعث وأهوال يوم القيامة " وهو كتاب مطبوع في مجلد واحد. ٢٩ - محمود عطية محمد علي له كتاب " فقد جاء أشراطها " وهو كتاب مطبوع في مجلد واحد. هذا بالإضافة إلى تناول العلماء بعضا من أشراط الساعة بالتأليف على وجه الانفراد مثل: خروج المهدي ونزول عيسى ﵉ والدجال وغيرها. ومنها: ١ - كتاب " نزول عيسى ابن مريم آخر الزمان " لجلال الدين السيوطي المتوفي سنة (٩١١ هـ) ، وهو كتاب مطبوع. ٢ - " عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇ " لأبي الفضل عبد الله محمد صديق الغماري، وهو كتاب مطبوع. ٣ - " التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح " للشوكاني المتوفي سنة (١٢٥٠ هـ) ، وهو كتاب مخطوط، ويوجد صورة منه في مكتبة شيخنا الشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله تعالى - في المدينة النبوية. ٤ - كتاب " التصريح بما تواتر في نزول المسيح " لمحمد أنور شاه الكشميري الهندي المتوفي سنة (١٣٥٢ هـ) ، وهو كتاب مطبوع.

стр. 25

٥ - " عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر " لفضيلة شيخنا الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر - حفظه الله -، وهو كتاب مطبوع. بالإضافة على ما تناوله علماء الحديث في كتبهم من ذكر أشراط الساعة في كتاب ضمن كتبهم، فالإمام البخاري ﵀ ضمن كتاب الصحيح كتاب الفتن ذكر فيه بعض أشراط الساعة، والإمام أبو داود في سننه: كتاب المتن، وكتاب المهدي، وكتاب الملاحم، والإمام الترمذي في سننه: كتاب الفتن، ذكر فيه باب ما جاء في أشراط الساعة. وهكذا لا يكاد يخلو كتاب من كتب الحديث أو العقيدة عن ذكر أشراط الساعة أو بعض منها. وما سبق ذكره من المؤلفات في أشراط الساعة هو قليل من الكثير من الكتب التي لم أهتد إليها، وهذا يدل على اتصال حركة التأليف في الفتن وأشراط الساعة.

стр. 26

[الفصل الأول معنى أشراط الساعة وعلاماتها وأدلتها من الكتاب والسنة] [المبحث الأول معنى الأشراط والعلامات لغة] الفصل الأول: معنى أشراط الساعة وعلاماتها وأدلتها من الكتاب والسنة وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة المبحث الثاني: معنى الأشراط والعلامات اصطلاحا المبحث الثالث: الأدلة من الكتاب على أشراط الساعة وعلاماتها المبحث الرابع: الأدلة من السنة على أشراط الساعة وعلاماتها

стр. 27

المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة الأشراط جمع شرط بالتحريك، والشرط العلامة، وأشراط الساعة أي علاماتها، وأشراط الشيء أوائله، ومنه شرط السلطان وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من مجموع جنده. قال الجوهري (١) " أشراط الساعة علاماتها وأسبابها التي دون معظمها وقيامها " (٢) . وقال ابن الأثير (٣) " الأشراط: العلامات، واحدها شرط بالتحريك، وبه سميت شرط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها " (٤) . وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] (٥) . " أشراطها أي أماراتها وعلاماتها، وقيل: أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها، وفيه يقال للدون من الناس الشرط. . . إلى أن قال: وواحد الأشراط شرط، وأصله الأعلام، ومنه قيل الشرط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، ومنه الشرط في البيع وغيره " (٦) .

стр. 28

فتبين من هذا أن الأشراط في اللغة هي علامات الشيء المتقدمة عليه والدالة عليه، ومما يدل على تسمية هذه الأشراط في السنة بالعلامات ما جاء في حديث جبريل المشهور عند النسائي، قال: «يا محمد، أخبرني متى الساعة، قال: فنكس، فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ورفع رأسه فقال: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن لها علامات تعرف بها. . .» الحديث (١) . والساعة: هي جزء من أجزاء الليل أو النهار وجمعها ساعات وساع (٢) . والساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وقد سميت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفاجئ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة (٣) . قال ابن منظور في لسان العرب: " وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] (٤) يعني بالساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، فلذلك ترك أن يعرف أي ساعة هي، فإن سميت القيامة ساعة فعلى هذا، والساعة القيامة ". وقال الزجاج (٥) " الساعة اسم للوقت الذي تصعق فيه العباد، والوقت الذي يبعثون فيه وتقوم فيه القيامة. سميت ساعة لأنها تفاجئ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم عند الصيحة الأولى. . . والساعة في الأصل تطلق بمعنيين: أحدهما: أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءا هي مجموع اليوم والليلة. والثاني: أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل. قال الزجاج: معنى الساعة في كل القرآن الوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة " (٦) .

стр. 29

[المبحث الثاني معنى الأشراط والعلامات اصطلاحا] المبحث الثاني: معنى الأشراط والعلامات اصطلاحا أشراط الساعة اصطلاحا: هي العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل على قدومها. يقول الحليمي (١) " أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة وهي أعلامها " (٢) . ويقول البيهقي (٣) في تحديد المراد من الأشراط: " أي ما يتقدمها من العلامات الدالة على قرب حينها " (٤) . ويقول الحافظ ابن حجر المراد بالأشراط: " العلامات التي يعقبها قيام الساعة " (٥) .

стр. 30

[المبحث الثالث الأدلة من الكتاب على أشراط الساعة وعلاماتها] المبحث الثالث: الأدلة من الكتاب على أشراط الساعة وعلاماتها موعد قيام الساعة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] (١) . وإذا كان الله قد أخفى الساعة عن الخلق، فقد جعل لها علامات تدل على قرب وقوعها، ومن الآيات الدالة على ذكر الأشراط قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] (٢) . قال ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هذه الآية: " فقد جاء أشراطها أي أمارات اقترابها كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى - أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٦ - ٥٧] (٣) وكقوله جلت عظمته: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (٤) وكقوله : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] (٥) وقوله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] (٦) فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين وأقام به الحجة على العالمين، وقد أخبر ﷺ بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله. . . " (٧) . وقد ورد في القرآن الكريم ذكر الأدلة على بعض أشراط الساعة مثل: خروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، وغيرها، وسيأتي ذكر هذه الأدلة في موضعها عند ذكر هذه الأشراط مفصلة في المباحث القادمة إن شاء الله تعالى.

стр. 31

[المبحث الرابع الأدلة من السنة على أشراط الساعة وعلاماتها] المبحث الرابع: الأدلة من السنة على أشراط الساعة وعلاماتها وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ فيها ذكر جملة من أشراط الساعة وعلاماتها، ومن ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁، المشهور بحديث جبريل، حيث سئل فيه ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان ووقت الساعة، وفيه قال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ : «. . . فأخبرني عن الساعة؟ فقال ﷺ : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ ، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان» (١) . ومنها حديث عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة أدم فقال: " اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان (٢) يأخذ فيكم كقعاص الغنم (٣) ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر (٤) فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٥) تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» (٦) .

стр. 32

ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (١) . ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: «طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: " ما تذاكرون "؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ". فذكر الدخان والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث، وهي كثيرة جدا. وهذه العلامات منها ما هو قريب من قيام الساعة، وهو ما يسمى بعلامات الساعة الكبرى، مثل: نزول عيسى ﵇، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها وغيرها، ومنها ما يكون قبل ذلك وهو ما يسمى بعلامات الساعة الصغرى. وهذه الأشراط والعلامات الواردة في الأحاديث السابقة وغيرها مما لم يرد سيأتي تفصيلها والكلام عليها وتوضيحها فيما يأتي ـ إن شاء الله تعالى.

стр. 33

[الفصل الثاني أقسام أشراط الساعة] الفصل الثاني: أقسام أشراط الساعة لقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى عن أشراط الساعة وقسموها إلى عدة أقسام: ١ - فبعضهم اعتبر خروج الأشراط وزمانها فقسمهما إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول من الأشراط: ظهر وانقضى وفق ما أخبر به رسول الله ﷺ ، ومنها: بعثته ﵊ وموته، وفتح بيت المقدس، وظهور نار الحجاز، وغيرها من الأشراط التي وقعت وانقضت. القسم الثاني: أشراط ظهرت ولا تزال تتابع باستمرار وهي كثيرة منها: كثرة الزلازل، وتضييع الأمانة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، واتخاذ المساجد طرقا، ورفع العلم، وكثرة الجهل، وغيرها من الأشراط الكثيرة. القسم الثالث: العلامات العظام والأشراط الجسام التي لم تظهر بعد والتي يعقبها قيام الساعة، ومنها: خروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، والدابة، وخروج الشمس من مغربها، ونحو ذلك. وممن سار على هذا التقسيم الحافظ ابن حجر حيث قال: " ما أخبر النبي ﷺ بأنه سيقع قبل أن تقوم الساعة على أقسام: أولها: ما وقع على وفق ما قال. الثاني: ما وقعت مباديه ولم يستحكم. والثالث: ما لم يقع منه شيء ولكنه سيقع " (١) .

стр. 34

وعلى هذا التقسيم درج البرزنجي (١) في الإشاعة (٢) والسفاريني (٣) في لوامع الأنوار (٤) والشيخ صالح الفوزان في الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (٥) . وهناك من العلماء من اعتبر مكان وقوع الأشراط فقسمها إلى أشراط سماوية وأشراط أرضية. فمن الأشراط السماوية: انشقاق القمر في زمن النبي ﷺ ، وانتفاخ الأهلة بحيث يرى الهلال لليلة فيقال هو ابن ليلتين، ومنها طلوع الشمس من مغربها. أما الأشراط الأرضية فهي كثيرة جدا ومنها: خروج المسيح الدجال، والدابة، وخروج النار، والريح التي تقبض أرواح المؤمنين وغيرها. وقد أشار إلى هذا التقسيم الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - حيث قال: " فأما خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف، ومخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر، فأمر خارج عن مجاري العادات وذلك أول الآيات الأرضية ". " كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية " (٦) كما أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه الفتح (٧) .

стр. 35

والبعض الآخر اعتبر الأشراط نفسها فقسمها إلى قسمين: ١ - أشراط صغرى: وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة كقبض العلم وظهور الجهل والتطاول في البنيان وغيرها من الأشراط الصغرى. ٢ - أشراط كبرى: وهي العلامات الكبيرة التي تظهر قرب قيام الساعة مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من العلامات الكبرى التي سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في المباحث القادمة. وقد درج على هذا التقسيم الحافظ البيهقي ﵀ حيث قال: " وبهذه الأشراط صغار وكبار، فأما صغارها فقد وجد أكثرها، وأما كبارها فقد بدت آثارها، ونحن نفرد بعضها بالذكر مفصلا في أبواب، ليكون أقرب إلى الإدراك " (١) . وعلى هذا التقسيم درج كثير من الذين تكلموا عن أشراط الساعة، وهو التقسيم الذي سرت عليه في هذا البحث. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 36

[المبحث الأول أشراط الساعة الصغرى] [المطلب الأول بعثة الرسول ﷺ ] المبحث الأول: أشراط الساعة الصغرى وفيه المطالب الآتية: المطلب الأول: بعثة الرسول ﷺ المطلب الثاني: انشقاق القمر المطلب الثالث: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى لها المطلب الرابع: الفتن المطلب الخامس: خروج الدجالين الكذابين أدعياء النبوة المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان المطلب السابع: قبض العلم وظهور الجهل المطلب الثامن: تكليم السباع والجماد للإنس المطلب التاسع: قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد المطلب العاشر: كثرة الزلازل وظهور الخسف والقذف والمسخ الذي يعاقب الله به بعض هذه الأمة

стр. 37

المطلب الأول: بعثة الرسول ﷺ أخبر رسول الله ﷺ أن بعثته علامة من علامات الساعة ودليل على قرب قيامها، حيث إنه ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده. وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة عنه ﵊. منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين - يعني أصبعين -» (١) . ومنها حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى» (٢) . ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين، كفضل أحدهما على الأخرى "، وضم السبابة والوسطى» (٣) . فهذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها تدل على أن بعثته ﷺ أول أشراط الساعة، فهو خاتم النبيين وآخر المرسلين ولا نبي بعده، وإنما يليه قيام الساعة، كما يلي في الأصابع السبابة الوسطى، كما ورد هذا التشبيه في الأحاديث الماضية. قال القرطبي ﵀ وهو يتحدث عن أشراط الساعة أولها النبي ﷺ ، لأنه نبي آخر الزمان وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي (٤) . وقال الحافظ ابن رجب ﵀ وقد فسر قوله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» فقرن بين السبابة والوسطى، بقرب زمانه من الساعة كقرب السبابة من الوسطى، وبأن زمن بعثته تعقبه الساعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين

стр. 38

الساعة كما قال في الحديث الصحيح: «أنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب. . .» (١) . فالحاشر الذي يحشر الناس يوم القيامة على قدمه، يعني أن بعثهم وحشرهم يكون عقب رسالته، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم، والعاقب الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم وليس بعده نبي، فكان إرساله ﷺ من علامات الساعة (٢) .

стр. 39

[المطلب الثاني انشقاق القمر] المطلب الثاني: انشقاق القمر قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] (١) . قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره عند هذه الآية ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] " قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات " (٢) . وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى -: وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة (٣) . وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن القمر انشق في زمن النبي ﷺ ، منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ : " اشهدوا» (٤) . ومنها حديث أنس ﵁: «أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر» (٥) .

стр. 40

قال القاضي عياض (١) ﵀: " انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ﷺ ، وقد رواها عدة من الصحابة ﵃ مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها. قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين لمخالفي الملة، وذلك لما أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره في آخر أمره " (٢) . وقال الحافظ ابن حجر: " وقد أنكر جمهور الفلاسفة (٣) انشقاق القمر متمسكين بأن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك، وجواب هؤلاء: إن كانوا كفارا، أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام، ثم يشركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المعلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض، ولا سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في القيامة، فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزة لنبي الله ﷺ " (٤) .
следующие страницы →