يتوب على من تاب، وهو القائل سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (١) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] (٢) . فالتوبة لا بد منها، وهي لازمة للعبد دائما، والرسول ﷺ يقول: «التوبة تهدم ما كان قبلها» ، فاستقم عليها، فكلما وقعت منك زلة فبادر بالتوبة والإصلاح، وكن متفقها في دينك، لا تشغل بحظك في الدنيا، عن حظك من الآخرة، بل اجعل للدنيا وقتا، وللتعلم وللتفقه في الدين، والتبصر والمطالعة والمذاكرة، والعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وحضور حلقات العلم ومصاحبة الأخيار - غالب وقتك، فهذه الأمور هي أهم شأنك، وسبب سعادتك.
وهناك نوع آخر وهو: الشرك الأصغر، مثل: الرياء،
стр. 37
والسمعة في بعض العمل أو القول، ومثل أن يقول الإنسان: ما شاء الله وشاء وفلان، والحلف بغير الله، كالحلف بالأمانة والكعبة والنبي وأشباه ذلك، فهذه وأشباهها من الشرك الأصغر، فلا بد من الحذر من ذلك، «قال النبي ﷺ لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت: أجعلتني لله ندا؟ ما شاء الله وحده» ، وقال النبي ﷺ : «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» ، وقال ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ، وقال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» ، وقال ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك» ، إلى غير هذا من الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا المعنى، ومن ذلك قوله ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه، فقال: " الرياء» . وقد يكون
стр. 38
الرياء كفرا أكبر إذا دخل صاحبه في الدين رياء ونفاقا، وأظهر الإسلام لا عن إيمان ولا عن محبة، فإنه يصير بهذا منافقا كافرا كفرا أكبر.
وكذلك إذا حلف بغير الله، وعظم المحلوف به مثل تعظيم الله، أو اعتقد أنه يعلم الغيب، أو يصلح أن يعبد مع الله سبحانه، صار بذلك مشركا شركا أكبر. أما إذا جرى على اللسان الحلف بغير الله كالكعبة، والنبي وغيرهما، بدون هذا الاعتقاد فإنه يكون مشركا شركا أصغر فقط.
وأسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يرزقنا وإياكم الاستقامة عليه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ومن مضلات الفتن، إنه تعالى جواد كريم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 39
[توحيد المرسلين وما يضاده من الكفر والشرك]
توحيد المرسلين
وما يضاده من الكفر والشرك الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وآل كُل وسائر الصالحين. أما بعد:
فلما كان توحيد الله والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام، أهم الواجبات وأعظم الفرائض، والعلم بذلك أشرف العلوم وأفضلها، ولما كانت الحاجة إلى هذا الأصل الأصيل داعية إلى بيانه بالتفصيل - رأيت إيضاح ذلك في هذه الكلمة الموجزة لشدة الحاجة إلى ذلك، ولأن هذا الموضوع العظيم جدير بالعناية، وأسأل الله أن يوفقنا جميعًا لإصابة الحق في القول والعمل، وأن يعيذنا جميعًا من الخطأ والزلل. فأقول ومن الله سبحانه
стр. 40
وتعالى أستمد العون والتوفيق:
لا ريب أن التوحيد هو أهم الواجبات، وهو أول فريضة، وهو أول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو زبدة هذه الدعوة، كما بين ذلك ربنا في كتابه المبين، وهو أصدق القائلين، حيث يقول سبحانه عن جميع المرسلين: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) .
أوضح جل وعلا أنه بعث في جميع الأمم في كل أمة رسولا يقول لهم: اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت، هذه دعوة الرسل كل واحد يقول لقومه وأمته: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.
المعنى: وحَّدوا الله لأن الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة، وإلا فالأمم تقر بأن الله ربها وخالقها ورازقها، وتعرف كثيرا من أسمائه وصفاته، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا هذا في
стр. 41
توحيد الله بالعبادة، فالرسل تقول للناس: أخلصوا العبادة له، وحّدوه بها، واتركوا عبادة ما سواه، وأعداؤهم وخصومهم يقولون: لا، بل نعبده ونعبد غيره، ما نخصه بالعبادة.
هذا هو محل النزاع بين الرسل والأمم. الأمم لا تنكر عبادته بالجملة، بل تعبده، ولكن النزاع هل يخص بها أم لا يخص؟ . فالرسل بعثهم الله لتخصيص الرب بالعبادة، وتوحيده بها دون كل ما سواه؛ لكونه المالك، القادر على كل شيء، الخلاق، الرزاق للعباد، العليم بأحوالهم، إلى غير ذلك.
فلهذا دعت الرسل عليهم الصلاة والسلام جميع الأمم، إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له ، وترك عبادة ما سواه.
وهذا هو معنى قوله : ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) .
стр. 42
قال ابن عباس ﵄ في هذا المعنى: العبادة هي التوحيد. وهكذا قال جميع العلماء: إن العبادة هي التوحيد. إذ هو المقصود، والأمم الكافرة تعبد الله وتعبد معه سواه، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] (١) فتبرأ من معبوداتهم كلها إلا فاطره سبحانه: أي خالقه. فعلم أنهم يعبدونه، ويعبدون معه غيره.
فلهذا تبرأ الخليل من معبوداتهم سوى خالقه وفاطره ، وهو الله . وهكذا قوله : ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [مريم: ٤٨] (٢) فعلم أنهم يعبدون الله، ويعبدون معه غيره. والآيات في هذا المعنى كثيرة، فعلمنا بذلك
стр. 43
أن المقصود من دعوة الرسل: تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها، لا يدعى إلا هو جل وعلا، ولا يستغاث إلا به، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح إلا له، ولا يُصلى إلا له. . إلى غير ذلك من العبادات، فهو المستحق لها جل وعلا دون كل ما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله.
هذا هو معناها عند أهل العلم؛ لأن الآلهة موجودة بكثرة والمشركون من قديم الزمان: من عهد نوح يعبدون آلهة من دون الله، منها: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وغير ذلك.
وهكذا العربُ عندها آلهة كثيرة. وهكذا الفرسُ والرومُ وغيرهم كلهم عندهم آلهة يعبدونها مع الله. فعلم بذلك أن المقصود بقول: لا إله إلا الله هو المقصود بدعوة الرسل: وهو أن يوحد الله، ويخص بالعبادة دون كلِّ ما سواه جل وعلا، ولهذا يقول سبحانه
стр. 44
في كتابه المبين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] (١) . فاتضح بذلك أن المقصود: تخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه، وأنه سبحانه المعبود الحق جل وعلا، وأن ما عبد من دونه معبود باطل؛ ولهذا قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) . أي: وحدوا الله واجتنبوا الطاغوت، أي: اتركوا عبادة الطاغوت، وابتعدوا عنها.
والطاغوت: كل ما عُبد من دون الله من الإنس والجن والملائكة، وغير ذلك من الجمادات، ما لم يكن يكره ذلك ولا يرضى به.
والمقصود: أن الطاغوت: كل ما عبد من دون الله من الجمادات وغيرها، ممن يرضى بذلك، أما من لا يرضى بذلك؛ كالملائكة، والأنبياء، والصالحين
стр. 45
فالطاغوت: هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم، وزينها للناس.
فالرسل والأنبياء والملائكة، وكل صالح لا يرضى أن يعبد من دون الله أبدًا، بل ينكر ذلك ويحاربه، فليس بطاغوت، وإنما الطاغوت: كل ما عبد من دون الله ممن يرضى بذلك كفرعون، وإبليس وأشباههما ممن يدعو إلى ذلك، أو يرضى به. وهكذا الجمادات من الأشجار والأحجار والأصنام المعبودة من دون الله، كلها تسمى: طاغوتا؛ بسبب عبادتها من دون الله.
وفي هذا المعنى يقول : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (١) . وهذه الآية مثل الآية السابقة، يبين فيها سبحانه أن دعوةَ الرسل جميعا: هي الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده جل وعلا دون كل ما سواه، ولو كان
стр. 46
قوله: لا إله إلا الله يكفي مع قطع النظر عن تخصيص الله بالعبادة والإيمان بأنه هو المستحق لها، لما امتنع الناس من ذلك، ولكن المشركين عرفوا أن قولها يبطل آلهتهم، وأن قولها يقتضي: أن الله هو المعبود الحق، والمختص بذلك جل وعلا.
فلهذا أنكروها وعادَوها واستكبروا عن الاستجابة لها، فاتضح بهذا أن المقصود من ذلك: تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها دون جميع ما عبد من دونه ، من أنبياء، أو ملائكة، أو صالحين، أو جن أو غير ذلك؛ لأن الله سبحانه هو المالك الرازق القادر المحيي المميت، الخالق لكل شيء، المدبر لأمور العباد، فهو المستحق لأن يعبد جل وعلا، وهو العليم بأحوالهم ؛ فلذلك بعث الرسل لدعوة الخلق إلى توحيده والإخلاص له، ولبيان أسمائه وصفاته، وأنه المستحق لأن يعبد ويعظم؛ لكمال علمه، وكمال قدرته،
стр. 47
وكمال أسمائه وصفاته، ولأنه النافع الضار، العالم بأحوال عباده، السميع لدعائهم، الكفيل بمصالحهم جل وعلا، فهو المستحق لأن يعبد جل وعلا دون ما سواه ، وقد أخبر سبحانه عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠] (١) فهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) .
وقد أجاب قوم هود نبيهم ﵊ بقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] (٣) . فقد علموا المعنى وعرفوه وهو: أن دعوة هود ﵊ تقتضي إخلاص العبادة لله وحده، وخلع
стр. 48
الأوثان المعبودة من دونه، ولهذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] (١) . فاستمروا على العناد والتكذيب، حتى نزل بهم العذاب، نسأل الله العافية.
والله سبحانه أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ ليعبد وحده لا شريك له، وليبين حقه لعباده، ويذكر للعباد ما هو موصوف به سبحانه من أسمائه الحسنى وصفاته العلا؛ ليعرفوه جل وعلا بأسمائه وصفاته وعظيم إحسانه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه جل وعلا؛ وما ذاك إلا لأن توحيد الربوبية هو الأساس والأصل لتوحيد الإلهية والعبادة؛ فلهذا بعثت الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزلت الكتب السماوية من الله لبيان صفاته وأسمائه، وعظيم إحسانه، وبيان استحقاقه أن يعظم ويدعى ويسأل جل وعلا، حتى تخضع الأمم
стр. 49
لعبادته وطاعته، وحتى تنيب إليه، وحتى تعبده دون كل ما سواه جل وعلا، وهذا موجود كثيرا في كتاب الله ، وقد ذكر الله ذلك عن كثير من رسله ﵈، فقال سبحانه: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] (١) وقال جل وعلا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ - فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢] (٢) فبين ﵊ أنه معتمد على الله، وأنه متوكل عليه جل وعلا، وأنه لا يبالي بتهديدهم وتخويفهم، وأنه لا بد له من تبليغ رسالات الله، فقد بلغ فعلا ﵊، فعرَّفهم بقدرة ربه وعظمته، وأنه هو المحيط
стр. 50
بالجميع، والقادر على إنجائه، وعلى إهلاك أعدائه، كما أنه القادر على حفظ رسله وأنبيائه، وإحاطتهم بكلاءته، وإعانتهم على تنفيذ ما جاءوا به من الهدى، وأنزل في هذا سورة تتعلق بنوح ﵊، حيث قال جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ - يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا - فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا - وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا - ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا - ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا - فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا - وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا - مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا - وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١ - ١٤] (١) .
стр. 51
فأوضح سبحانه على لسان نبيه نوح ﵊ شيئا من صفاته ، وأنه الذي يمدهم بما يمدهم به من الأرزاق، والخير الكثير، والنعم العظيمة، وأنه المستحق لأن يعبد ويطاع، ويعظم جل وعلا.
وقال عن هود ﵊، وعن قومه في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ - أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ - وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ - أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ - وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٣٥] (١) .
فأوضح الله جل وعلا على لسان نبيهم هود ﵊ كثيرا من النعم التي أنعم بها عليهم
стр. 52
جل وعلا، وأنه رب الجميع، وأن الواجب عليهم: الخضوع له، وطاعة رسوله وتصديقه، ولكنهم أبوا واستكبروا فنزل بهم عذاب الله من الريحِ العقيم.
وقال عن صالح ﵇: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ - أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ - فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ - وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ - الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٤١ - ١٥٢] (١) . الآيات.
فبين صالح ﵊ ما يتعلق بالله، وأنه رب العالمين، وأنه أعطاهم ما أعطاهم من النعم. فكان الواجب عليهم: الرجوع إليه، وتصديق رسوله صالح، وطاعته فيما جاء به، وأن لا يطيعوا
стр. 53
المسرفين المفسدين في الأرض، ولكنهم لم يبالوا بهذه النصيحة، ولم يبالوا بهذا التوجيه، بل استمروا في عنادهم وضلالهم وكفرهم حتى أهلكهم الله بالصيحة والرجفة، نسأل الله العافية.
وذكر أيضا عن خليله: إبراهيم ﵊ شيئا من صفاته ، وأنه ذكرها لقومه لينيبوا إلى الله، وليعبدوه ويعظموه، حيث قال في سورة الشعراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ - قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ - قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧٣] (١) .
ينبغي الوقفة عند هذا فإن الله سبحانه بهذا يبين لهم أن هذه الأصنام لا تصلح للعبادة لأنها لا تسمع ولا تجيب الداعي، ولا تنفع ولا تضر لأنها جماد
стр. 54
لا إحساس لها بحاجة الداعين وسؤالهم، وما لديهم من ضرورات، فكيف تدعى من دون الله، فلهذا قال: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٣] (١) . ماذا أجابوا؟ حاروا وحادوا عن الجواب؛ لأنهم يعلمون أن هذه الآلهة ليس عندها نفع ولا ضر، وليست تسمع دعاء الداعين ولا تجيبه.
فلهذا قالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤] (٢) ولم يقولوا: إنهم يسمعون أو ينفعون أو يضرون، بل حادوا عن الجواب، وأتوا بجواب يدل على الحيرة والشك، بل والاعتراف بأن هذه الآلهة لا تصلح للعبادة، فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤] (٣) يعني: سرنا على طريقتهم وسبيلهم من غير نظر فيما قلت لنا. وهذا معنى قوله في الآية
стр. 55
الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (١) هذه طريقتهم الملعونة الخبيثة التي سلكوها واحتجوا بها، وساروا عليها، نسأل الله السلامة، ثم قال لهم الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] (٢) . مراده بذلك معبوداتهم من الأصنام ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] (٣) . فقوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] يدلنا على أنه كان ﵊ يعلم أنهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، ولهذا استثنى ربه، فقال: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] كما في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] (٤) فعلم بذلك: أن المشركين يعبدون الله، ويعبدون معه
стр. 56
سواه، ولكن النزاع بينهم وبين الرسل في تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها دون كل ما سواه جل وعلا.
ثم قال بعد ذلك في بيان صفات الرب: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ - وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ - وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ - وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨١] (١) . هذه أفعال الرب جل وعلا: يشفي المرضى، ويميت ويحيي، ويطعم ويسقي، ويهدي من يشاء، وهو الخلاق القادر على مغفرة الذنوب وستر العيوب فلهذا استحق العبادة على عباده جل وعلا، وبطلت عبادة كل ما سواه لأنهم لا يخلقون ولا يرزقون، ولا ينفعون ولا يضرون، ولا يعلمون المغيبات، ولا يستطيعون لداعيهم أن يقدموا شيئا، نفعا أو ضرا، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤] (٢)
стр. 57
فبين عجزهم، وبين أن دعوتهم من دون الله شرك بالله ، ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] (١) فبين سبحانه: عجز هذه الآلهة جميعها، وبين أنهم بهذا الدعاء قد أشركوا بالله . وهنا قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] (٢) يعني: أطمع أنه سبحانه يغفر لي خطيئتي يوم الدين، فهو جل وعلا ينفع في الدنيا، وينجي في الآخرة، أما هذه الأصنام فلا تنفع لا في الدنيا ولا في الآخرة. بل تضره ولهذا قال عن خليله: إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ - رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ - وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ - وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٢ - ٨٥] (٣) .
هذا كله يدل على: الإيمان بالآخرة، والدعوة إلى ذلك، وتنبيه العباد على أن هناك آخره لا بد من المصير إليها،
стр. 58
وهناك جزاءً وحسابا، ولهذا قال بعده: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ - وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٥ - ٨٦] (١) دعا له بالمغفرة قبل أن يعلم حاله، فلما علم حاله تبرأ منه، كما قال في سورة العنكبوت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦ - ١٧] (٢) فبيَن ﵊: أن العبادة حق الله، وأنه يجب أن يُتقى ويعبدَ ، وأن الذي فعلوه إفك لا أساس له، وأن معبوداتهم لا تملك لهم رزقا أبدأ، كما أنها لا تنفعهم ولا تضرهم، فهي أيضا لا تملك لهم رزقا، بل الله جل وعلا هو الرزاق، ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] (٣) فهو سبحانه الذي يعبَد، ويطلب الرزق منه
стр. 59
جل وعلا، دون كل ما سواه : ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] (١) فالمرجع إليه، وهو سبحانه المالك لكل شيء، وان القادر على كل شيء، والمستحق لأن يشكر لكمال إنعامه وإحسانه، وهو الذي يطلب الرزق جل وعلا، ولهذا قال في آيات أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] (٢) وقال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] (٣) .
والآيات الدالة على أن الله سبحانه أمر الرسل أن يوجهوا العباد إليه، وأن يعرفوهم بخالقهم ورازقهم وإلههم سبحانه - كثيرة جدا، موجودة في كتاب الله من تأمل القرآن وجد ذلك واضحا بينا، فالرسل أفصح الناس وأعرف الناس بالله عليهم الصلاة والسلام،
стр. 60
وأكملهم نشاطا في الدعوة إليه، فليس هناك من هو أصبر منهم على الدعوة ولا أعلم منهم بالله، ولا أحب لهداية الأمم منهم عليهم الصلاة والسلام. ولهذا بلغوا رسالات الله أكمل تبليغ وأتمه، وبينوا للناس صفات الخالق المعبود وأسماءه سبحانه وأفعاله، وفصلوها كي يعلم العباد ربهم، وحتى يعرفوه بأسمائه وصفاته وعظيم حقه على عباده، وحتى ينيبوا إليه عن بصيرة وعلم. ومن هذا ما ذكره الله عن موسى ﵊، حيث قال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ - قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ - وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ - وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ - قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ - فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١٦] (١) .
أمره أن يبين له: أنه رسول رب العالمين لعله يتذكر فينيب إلى الحق، لكنه لم يتذكر، بل
стр. 61
أعرض عن ذلك، وقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ - وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ - قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ - فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ - وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ - قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ - قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ - قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ - قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ - قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ - قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨ - ٢٨] (١) فانظروا كيف يبين له موسى ﵊ صفات الرب ، وأنه رب العالمين، ورب السماوات، ورب الأرض وما بينهما ورب الخلائق كلها، ورب المشرق والمغرب، حتى يعلم عدو الله هذه الصفات لعله يرجع إلى الحق والصواب ولكن سبق في علم الله أنه يستمر على طغيانه وضلاله، ويموت على كفره وعناده، نسأل الله العافية.
стр. 62
وبين الله لهارون وموسى أنه معهما يسمع ويرى، وأنه حافظهما وناصرهما ومؤيدهما؛ فلهذا أقدما على دعوة هذا الجبار العنيد المتكبر المتغطرس الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] (١) فصانهما وحماهما من شره وكيده.
ولا شك أن هذا كله من حفظ الله وعنايته برسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام: رجل متكبر طاغية، ملك لعين يدعي أنه رب العالمين، ومع هذا أقدما على دعوته وبيان حق الله عليه، وأن الواجب عليه: أن ينيب إلى الله، ولكنه أبى واستكبر، ثم دعا إلى ما دعا إليه من جمع السحرة والسحر إلى غير ذلك، حتى أبطل الله كيده، وأظهر عجزه، ونصر موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - عليه وعلى سحرته، ثم صارت العاقبة - لما استمر في الطغيان - أن أغرقه الله وجميع جنده في
стр. 63
البحر، وخلص موسى وهارون ومن معهما من بني إسرائيل.
هذه من آيات الله البالغة، في انتقام الله من أعدائه، ونصره لأوليائه: رجلان ليس معهما إلا جماعة مستعبدون لفرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويسومهم سوء العذاب، يقدمان على دعوة ملك جبار، وبيان الحق له، وإنكار ما هو عليه من الباطل، فيحميهما الله من ظلمه وبطشه، بل ويثبتهما ويؤيدهما جل وعلا، وينطقه بما يقيم الحجة عليه، ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى - قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى - قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى - قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى - كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٥] (١) .
стр. 64
والمقصود: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بينوا الحق وأوضحوه، وبينوا أسماء الرب وصفاته الدالة على قدرته العظيمة واستحقاقه العبادة، وأنه الخالق المالك الرازق المحيي المميت المدبر لكل شيء جل وعلا، وبينوا أيضا علو الله وفوقيته على خلقه.
ولهذا قال فرعون لوزيره هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ - أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] (١) أخبره: أن الله فوق السماء جل وعلا.
ولهذا أراد هذا الجبار أن يتطاول بهذا الكلام القبيح الساقط الذي لا قيمة له. ومن هذا ما ذكره الله جل وعلا عن عيسى ﵊ والحواريين في سورة المائدة، حيث قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ - قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ - قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٥] (٢) .
стр. 65
ففي هذا بيان شيء من قدرة الله جل وعلا، وأنه سبحانه القادر على كل شيء، وأنه سبحانه في العلو لأن الإنزال يكون من الأعلى إلى الأسفل، فإنزال المائدة وطلب إنزالها، كل ذلك دليل على: أن القوم قد عرفوا أن ربهم في العلو، فهم أعرف بالله، وأعلم به من الجهمية وأضرابهم ممن أنكر العلو. فالحواريون طلبوا ذلك، وعيسى بين لهم ذلك، والله بين ذلك أيضا، ولهذا قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥] (١) .
فدل ذلك على: أن ربنا جل وعلا يطلب من أعلى، وأنه في العلو فوق السماوات، وفوق جميع الخلائق، وفوق العرش، قد
стр. 66
استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته، لا يشابه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا.
وقد دل على هذا المعنى: آيات كثيرات مصرحة بعلو الله على خلقه، ومن ذلك آيات الاستواء السبع المعروفة التي فيها قوله سبحانه في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١) وفي هذه الآية يبين علوه، وأنه الخلاق الرزاق، وأنه صاحب الخلق والأمر ، وأنه الذي يغشي الليل النهار، وأنه خالق الشمس والقمر، وخالق النجوم ليعلم العباد عظيم شأنه، وكمال قدرته، وكمال علمه سبحانه، وأنه العالي فوق جميع خلقه، المستحق لأن يعبد .
стр. 67
ومن هذا الباب قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٨] (١) فانظر كيف بين هذه الصفات العظيمة لله ، الداعية إلى عبادته وحده، دون كل ما سواه، وأنه علام الغيوب، وأنه العزيز الحكيم، وأنه الرقيب على عباده، والشهيد عليهم، وأنه يعلم ما في نفس نبيه عيسى، وعيسى لا يعلم ما في نفسه .
стр. 68
وفي هذا أيضا دلالة على إثبات الصفات، وأن الأنبياء جاءوا بإثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق به ، وأنه جل وعلا يوصف بأن له نفسا تليق به لا تشابه نفوس المخلوقين كما أنه سبحانه له وجه وله يد وله قدم وله أصابع لا تشابه صفات المخلوقين، جاء بعض هذا في الكتاب العزيز، وجاء في السنة المطهرة ذكر الوجه واليد والقدم والأصابع، كل ذلك دليل على: أنه سبحانه موصوف بصفات الكمال، وأنه لا يلزم من ذلك مشابهته للخلق، ولهذا قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١) . . فنفى عن نفسه المماثلة، ثم أثبت لنفسه السمع والبصر، فدل ذلك على: أن صفاته وأسماءه لا شبيه له فيها، ولا مثيل له فيها، بل هو جل وعلا الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المستحق
стр. 69
لأن يعبد ويعظم جل وعلا. أما المخلوقون فصفاتهم ضعيفة وناقصة، أما هو جل وعلا فهو الكامل في كل شيء، فعلمه كامل وصفاته كاملة كلها ولا شك أن صفات المخلوقين لا تماثل صفاته أبدا بوجه من الوجوه، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] (١) وقال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] (٢) . وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣)
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما ورد في كتاب الله وما صح عن رسول الله ﷺ من أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق به جلا وعلا من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا زيادة ولا نقصان، بل يثبتونها كما جاءت، ويمرونها كما جاءت
стр. 70
مع الإيمان بأنها حق، وأنها ثابتة لله سبحانه على الوجه اللائق به ، لا يشابه فيها خلقه، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١) .
وهذه مسائل من مسائل التوحيد، وهي من أهم المسائل، والله بين في كتابه العزيز أسماءه وصفاته، وكرر ذلك في مواضع كثيرة حتى يعرف الله بعظيم أسمائه، وعظيم صفاته وعظيم أفعاله جل وعلا، فأفعاله كلها جميلة، وأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها عُلى، وبذلك يعلم العباد ربهم وخالقهم فيعبدونه على بصيرة، وينيبون إليه على علم، وأنه يسمع دعاءهم، ويجيب مضطرهم، وأنه على كل شيء قدير .
ومن هذا ما ذكره الله جل وعلا عن قوم موسى من
стр. 71
بني إسرائيل لما عبدوا العجل أوضح لهم سبحانه فساد أمرهم، وبطلان ما فعلوه، فقال جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] (١) فبين لنا: أن الإله المستحق للعبادة يجب أن يكون متكلما، وأن يكون سميعا بصيرا، وأن يكون يهدي السبيل، وأن يكون بيده القدرة على كل شيء، والعلم لكل شيء، أما عجل جماد يعبد من دون الله، فهذا من فساد العقول: عجل لا يجيب الداعي، ولا يبين كلاما، ولا يرد جوابا، ولا ينفع ولا يضر، فكيف يعبَد من دون الله؟ ! .
وفي الآية الأخيرة، يقول جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] (٢) .
أي: أنه لا يرجع لهم قولا، ومعنى يرجع: يرد،
стр. 72
فإن رجعك الله: ردك الله، يعني: أن هذا العجل لا يرد قولا لمن كلمه وخاطبه، ولا يملك ضرا ولا نفعا، فكيف تصرف له العبادة لو كانت العقول سليمة وهذا المعنى في كتاب الله كثير جدا، يبين الله لعباده أنه المستحق للعبادة لكماله وقدرته العظيمة، وأنه المالك لكل شيء والقادر على كل شيء، الذي يسمع دعاء الداعين، ويقدر على قضاء حاجتهم ويجيب مضطرهم، ويملك الضر والنفع، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، .
وقد بعث الله نبينا محمدا ﷺ وهو سيد الخلق، وأفضلهم، وإمام المرسلين، بعثه بما بعث به المرسلين الأولين: من توحيد الله، والإخلاص له، والدعوة إلى ذلك، وبيان صفاته وأسمائه، وأنه المستحق لأن يعبد جل وعلا، فكانت دعوته دعوة كاملة، قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١) . وأنزل عليه
стр. 73
كتابا عظيما، وهو أشرف الكتب وأعظمها وأنفعها وأعمها، بين فيه أدلة التوحيد، وأنه الرب العظيم، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، النافع الضار، وأمر نبيه أن يبلغ الناس ذلك في آيات كثيرات، من تدبر القرآن عرفها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] (١) وقال سبحانه ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] (٢) فأمر الله نبيه ﷺ : أن يحتج عليهم بما أقروا به من أفعال الرب وقدرته، وأنه يحيي ويميت، وأنه المدبر الرزاق على ما جحدوا في توحيد العبادة وأنكروه.
والمعنى: إذا كنتم مقرين بأن هذا هو ربكم الذي يملك الضر والنفع، ويدبر الأمور، ويحيي ويميت، ويرزق عباده،
стр. 74
فكيف لا تتركون الإشراك به، وتعبدونه وحده دون ما سواه جل وعلا، ومن هذا قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] (١) والآيات بعدها.
فكل هذا تذكير من الله لعباده على يد رسوله محمد ﷺ بعظيم حقه، وبأسمائه وصفاته، وأنه المستحق لأن يعبد لكمال قدرته، وكمال علمه وكمال إحسانه، وأنه النافع الضار، وهو القادر على كل شيء، المتفرد في أفعاله وأسمائه وصفاته عن المشابه والنظير جل وعلا.
ولما بعث الله نبيه محمدا ﵊، بدأ دعوته بالتوحيد، كالرسل السابقين سواء، فقال لقريش: «يا قوم، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» . هكذا بدأهم، ما أمرهم بالصلاة أو الزكاة أولا، أو ترك الخمر أو الزنا أو شبه ذلك.
стр. 75
لا، بل بدأهم بالتوحيد لأنه الأساس، فإذا صلح الأساس جاء غيره بعد ذلك.
فبدأهم بالأساس العظيم: وهو توحيد الله والإخلاص له، والإيمان به وبرسله.
فأساس الملة وأساس الدين في شريعة كل رسول: توحيد الله، والإخلاص له، فتوحيد الله والإخلاص هو دين جميع المسلمين، وهو محل دعوتهم جميعا، وزبدة رسالتهم عليهم الصلاة والسلام كما سلف، ولما قال الرسول ﵊ لقومه: «قولوا: لا إله إلا الله» ، استنكروا ذلك، واستغربوه لأنه خلاف ما هم عليه وآباؤهم، فقد ساروا على الشرك، وعبادة الأوثان من دهر طويل، بعدما غير عليهم دينهم عمرو بن لحي الخزاعي الذي كان رئيسا في مكة، فيقال: إنه سافر إلى الشام، ووجد الناس يعبدون الأصنام هناك فجاء إلى مكة ودعا الناس إلى عبادة الأصنام؛ تقليدا