بني إسرائيل لما عبدوا العجل أوضح لهم سبحانه فساد أمرهم، وبطلان ما فعلوه، فقال جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] (١) فبين لنا: أن الإله المستحق للعبادة يجب أن يكون متكلما، وأن يكون سميعا بصيرا، وأن يكون يهدي السبيل، وأن يكون بيده القدرة على كل شيء، والعلم لكل شيء، أما عجل جماد يعبد من دون الله، فهذا من فساد العقول: عجل لا يجيب الداعي، ولا يبين كلاما، ولا يرد جوابا، ولا ينفع ولا يضر، فكيف يعبَد من دون الله؟ ! .
وفي الآية الأخيرة، يقول جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] (٢) .
أي: أنه لا يرجع لهم قولا، ومعنى يرجع: يرد،
стр. 72
فإن رجعك الله: ردك الله، يعني: أن هذا العجل لا يرد قولا لمن كلمه وخاطبه، ولا يملك ضرا ولا نفعا، فكيف تصرف له العبادة لو كانت العقول سليمة وهذا المعنى في كتاب الله كثير جدا، يبين الله لعباده أنه المستحق للعبادة لكماله وقدرته العظيمة، وأنه المالك لكل شيء والقادر على كل شيء، الذي يسمع دعاء الداعين، ويقدر على قضاء حاجتهم ويجيب مضطرهم، ويملك الضر والنفع، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، .
وقد بعث الله نبينا محمدا ﷺ وهو سيد الخلق، وأفضلهم، وإمام المرسلين، بعثه بما بعث به المرسلين الأولين: من توحيد الله، والإخلاص له، والدعوة إلى ذلك، وبيان صفاته وأسمائه، وأنه المستحق لأن يعبد جل وعلا، فكانت دعوته دعوة كاملة، قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١) . وأنزل عليه
стр. 73
كتابا عظيما، وهو أشرف الكتب وأعظمها وأنفعها وأعمها، بين فيه أدلة التوحيد، وأنه الرب العظيم، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، النافع الضار، وأمر نبيه أن يبلغ الناس ذلك في آيات كثيرات، من تدبر القرآن عرفها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] (١) وقال سبحانه ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] (٢) فأمر الله نبيه ﷺ : أن يحتج عليهم بما أقروا به من أفعال الرب وقدرته، وأنه يحيي ويميت، وأنه المدبر الرزاق على ما جحدوا في توحيد العبادة وأنكروه.
والمعنى: إذا كنتم مقرين بأن هذا هو ربكم الذي يملك الضر والنفع، ويدبر الأمور، ويحيي ويميت، ويرزق عباده،
стр. 74
فكيف لا تتركون الإشراك به، وتعبدونه وحده دون ما سواه جل وعلا، ومن هذا قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] (١) والآيات بعدها.
فكل هذا تذكير من الله لعباده على يد رسوله محمد ﷺ بعظيم حقه، وبأسمائه وصفاته، وأنه المستحق لأن يعبد لكمال قدرته، وكمال علمه وكمال إحسانه، وأنه النافع الضار، وهو القادر على كل شيء، المتفرد في أفعاله وأسمائه وصفاته عن المشابه والنظير جل وعلا.
ولما بعث الله نبيه محمدا ﵊، بدأ دعوته بالتوحيد، كالرسل السابقين سواء، فقال لقريش: «يا قوم، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» . هكذا بدأهم، ما أمرهم بالصلاة أو الزكاة أولا، أو ترك الخمر أو الزنا أو شبه ذلك.
стр. 75
لا، بل بدأهم بالتوحيد لأنه الأساس، فإذا صلح الأساس جاء غيره بعد ذلك.
فبدأهم بالأساس العظيم: وهو توحيد الله والإخلاص له، والإيمان به وبرسله.
فأساس الملة وأساس الدين في شريعة كل رسول: توحيد الله، والإخلاص له، فتوحيد الله والإخلاص هو دين جميع المسلمين، وهو محل دعوتهم جميعا، وزبدة رسالتهم عليهم الصلاة والسلام كما سلف، ولما قال الرسول ﵊ لقومه: «قولوا: لا إله إلا الله» ، استنكروا ذلك، واستغربوه لأنه خلاف ما هم عليه وآباؤهم، فقد ساروا على الشرك، وعبادة الأوثان من دهر طويل، بعدما غير عليهم دينهم عمرو بن لحي الخزاعي الذي كان رئيسا في مكة، فيقال: إنه سافر إلى الشام، ووجد الناس يعبدون الأصنام هناك فجاء إلى مكة ودعا الناس إلى عبادة الأصنام؛ تقليدا
стр. 76
للكفار هناك، ويقال: إنه قيل له: إيت جدة، تجد فيها أصناما معدة، فخذها ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب.
فاستخرجها ونشرها بين العرب فعبدوها وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، التي كانت معبودة في قوم نوح، فاشتهرت بين العرب، وعبدت من دون الله؛ بسبب عمرو بن لحي المذكور، ثم أوجدوا أصناما وأوثانا أخرى، في سائر القبائل يعبدونها مع الله، يسألونها قضاء الحوائج، ويجعلونها آلهة مع الله، ويتقربون إليها بأنواع القربات كالذبح، والنذر، والدعوات، والتمسح، وغير ذلك. ومن ذلك العزى: لأهل مكة، ومناة: لأهل المدينة ومن حولهم، واللات: لأهل الطائف ومن حولهم، إلى غير ذلك من الأوثان والأصنام الكثيرة في العرب، فلما دعاهم هذا النبي الكريم رسولنا ﵊ إلى توحيد الله وترك آلهتهم، أنكروا عليه
стр. 77
ذلك، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (١) .
وقال جل وعلا عنهم في سورة الصافات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] (٢) . فانظر يا أخي، كيف غلب عليهم الجهل حتى جعلوا الدعوة إلى توحيد الله أمرا عجابا، واستكبروا عنه، واستغربوه، وعادوا من دعاهم إليه حتى قاتلوه، وانتهى الأمر أن جمع رأيهم على قتله، فأنجاه الله من مكرهم، وهاجر من بين أظهرهم إلى المدينة ﵊، ثم حاولوا قتله أيضا يوم بدر فلم يفلحوا، وحاولوا ذلك يوم أْحد بأشد مما قبل، فكفاه الله مكرهم وكيدهم، ثم حاولوا يوم الأحزاب استئصال الدعوة والقضاء على الرسول وأصحابه، فأبطل
стр. 78
الله كيدهم، وفرق شملهم، وأنجاه الله من شرهم ومكائدهم، ونصر دينه، وأيد دعوته، وأعانه على جهاد أعدائه حتى أقر الله عينه قبل وفاته ﵊ بانتصار دين الله وظهور الحق، وانتشار التوحيد في الأرض، والقضاء على الأوثان والأصنام، بعدما فتح الله عليه مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجا بسبب فتح الله عليه مكة، ودخول قريش في الإسلام، ثم تتابعت العرب في الدخول في دين الله، وقبول ما دعا إليه عليه أفضل الصلاة والسلام، من توحيد الله، والإخلاص له جل وعلا، والتمسك بشريعته .
والمقصود: أن رسولنا ونبينا محمدا ﵊ دعا إلى ما دعت إليه الرسل قبله - من نوح ومن بعده - إلى توحيد الله، والإخلاص له، وترك عبادة ما سواه.
стр. 79
هذه أول دعوته، وهذه زبدتها، وهي أهم واجب، وأول واجب، وأعظم واجب، وكان بنو آدم على التوحيد من عهد آدم إلى عهد نوح ﵇ عشرة قرون، كما قال ابن عباس وجماعة، فلما اختلفوا بسبب الشرك الذي وقع في قوم نوح، بعث الله الرسل، قال الله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] (١) المعنى: كان الناس أمة واحدة على التوحيد والإيمان، فاختلفوا بعد ذلك، كما قال في آية أخرى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] (٢) .
فالمعنى: أنهم كانوا على التوحيد والإيمان، هذا هو القول الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك بينهم بسبب دعوة الشيطان، إلى عبادة: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. فلما وقع الشرك في قوم نوح
стр. 80
بسبب غلوهم في الصالحين، وتزيين الشيطان لهم عبادتهم من دون الله، بعث الله إليهم نوحا ﵊، فدعاهم إلى توحيد الله والإخلاص له، وترك عبادة ما سواه جل وعلا.
فكان نوح ﵊ أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بعدما وقع الشرك فيها، أما آدم فجاءت أحاديث ضعيفة تدل على أنه نبي ورسول مكلم، لكنها لا يعتمد عليها لضعف أسانيدها، ولا شك أنه أوحي إليه بشرع، وأنه على شريعة من ربه ﵊، وكانت ذريته على شريعته وعلى توحيد الله، والإخلاص له، ثم بعد ذلك بعشرة قرون أو ما شاء الله من ذلك، وقع الشرك في قوم نوح في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، كما تقدم.
وقد جاء في الآثار المشهورة عن ابن عباس وغيره:
أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا رجالا
стр. 81
صالحين، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت من دون الله : أي لما ذهب العلم وقل العلماء المتبصرون جاء الشيطان إلى الناس فقال لهم: إن هذه الأصنام إنما صورت لأنها كانت تنفع، وكانت تدعى ويستغاث بها، ويستسقى بها، فوقع الشرك في الناس بسبب ذلك.
وبهذا يعلم: أن نوحا ﵊ أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، بعد وقوع الشرك فيها، كما جاء في الصحيحين وغيرهما: «. . من أن أهل الموقف يوم القيامة يقولون: يا نوح، أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، فاشفع لنا إلى ربه. . . .» الحديث.
أما آدم فقد ثبتت نبوته قبل ذلك ﵊ بدلائل أخرى. وجاء في حديث أبي ذر عن أبي
стр. 82
حاتم بن حبان وغيره أنه سأل النبي ﷺ عن الرسل وعن الأنبياء فقال النبي ﷺ : «الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر» وفي رواية أبي أمامة: «ثلاثمائة وخمسة عشر» . ولكنهما حديثان ضعيفان عند أهل العلم، ولهما شواهد ولكنها ضعيفة أيضا، كما ذكرنا آنفا، وفي بعضها أنه قال ﵊: «ألف نبي فأكثر» ، وفي بعضها: «أن الأنبياء ثلاثة آلاف» ، وجميع الأحاديث في هذا الباب ضعيفة، بل عد ابن الجوزي حديث أبي ذر من الموضوعات، والمقصود: أنه ليس في عدد الأنبياء والرسل خبر يعتمد عليه، فلا يعلم عددهم إلا الله ، لكنهم جم غفير، قص الله علينا أخبار بعضهم ولم يقص علينا أخبار البعض الآخر لحكمته البالغة جل وعلا، والفائدة العظمى: أن نعرف أنهم جميعهم دعوا إلى توحيد الله، والإخلاص له سبحانه
стр. 83
وتعالى، وأنهم دعوا أممهم إلى ذلك " فمنهم من قبل هذه الدعوة، ومنهم من ردها، ومنهم من لم يتبعه إلا القليل، ومنهم من لم يجبه أحد بالكلية، كما أخبر بذلك نبينا محمد ﵊.
ونبينا وهو خاتمهم وأفضلهم ﵊ قد عُلِم ما جرى له مع قومه من الخصومة والنزاع في مكة المكرمة " وقد أوذي كثيرا هو وأصحابه حتى أجمعوا على قتله " فأنجاه الله من بين أظهرهم، وفي المدينة جرى ما جرى من الغزوات والجهاد العظيم حتى نصره الله وأيده عليهم ﵊.
وبذلك يتضح للجميع: أن دعوة الرسل جميعهم: هي دعوة إلى توحيد الله والإخلاص له، وأن الأنبياء جميعا، والمرسلين كلهم دعوا إلى توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه سبحانه واحد في ربوبيته، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في استحقاقه العبادة دون كل ما سواه جل وعلا،
стр. 84
فلا يستحقها غيره لا نبي ولا ملك ولا صالح ولا غيرهم من المخلوقات، فالعبادة حق الله جل وعلا، ولها خلق الخلق ، وبها أرسل الرسل، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) فلعبادة الله وتوحيده خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ - أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ١ - ٢] (٣) وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] (٤) .
وقد أبان الله سبحانه في كتابه العزيز من آياته ومخلوقاته ما يدل على قدرته العظيمة، وألوهيته وربوبيته، وأنه المستحق للعبادة .
стр. 85
ومن تدبر كتاب الله ومخلوقاته وجد من الآيات المتلوة والحسية والأخبار المنقولة - ما يدل على أنه سبحانه المستحق للعبادة جل وعلا، وأن الرسل كلهم بلغوا ذلك ودعوا إليه، وأن الشرك الذي وقع في قوم نوح لم يزل في الناس إلى يومنا هذا، فلم يزل في الناس من يعبد الأصنام والأوثان، ويغلو في الصالحين والأنبياء، يعبدهم مع الله، كما هو معلوم عند كل من نظر في أخبار العالم من عهد نوح إلى يومنا هذا.
وبما ذكرنا من كتاب الله ، ومن كلام رسوله محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ومن واقع العالم يتضح أن التوحيد أقسام، وقد عرف ذلك أهل العلم بالاستقراء لكتاب الله، وسنة رسوله ﵊.
فهو أقسام ثلاثة: الأول: توحيد الربوبية: وهو الإيمان بأن الله
стр. 86
عز وجل واحد في أفعاله، وخلقه وتدبيره لعباده، وأنه المتصرف في عباده كما شاء ، بعلمه وقدرته جل وعلا.
والثاني: توحيد الأسماء والصفات، وأنه موصوف بالأسماء الحسنى والصفات العلا، وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله جل وعلا، وأنه لا شبيه له، ولا نظير له، ولا ند له .
الثالث: توحيد العبادة، وأنه يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، دون ما سواه جل وعلا.
وإن شئت قلت: توحيد الله : هو الإيمان بأنه رب الجميع وخالق الجميع، ورازق الجميع، وأنه لا شريك له في جميع أفعاله ، لا شريك له في خلقه ورزقه للعباد، لا شريك له في تدبير الأمور، وهو المالك لكل شيء جل وعلا، كما قال سبحانه
стр. 87
وتعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] (١) فهو المالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء جل وعلا، له الأمر كله، وله الخلق كله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٢) وهو الموصوف بصفات الكمال، والمسمى بالأسماء الحسنى، فلا شبيه له من خلقه في شيء، بل هو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المستحق أن يعبد ويخص بالعبادة من الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والصلاة والصوم والذبح والنذر وغير ذلك.
هذا كله داخل في مسمى التوحيد، توحيد الله ، توحيد الأنبياء والمرسلين، وهو التوحيد الذي جاء به خاتمهم وسيدهم وإمامهم نبينا محمد ﵊.
стр. 88
ويمكن أن نأتي بعبارة أخرى فنقول: توحيد الله الذي جاءت به الرسل جميعهم ينقسم إلى قسمين:
الأول: توحيد في المعرفة والإثبات، فمعناه: الإيمان بأسماء الله وصفاته وذاته جل وعلا، وخلقه للعباد ورزقه لهم، وتدبيره لشئونهم .
هذا هو التوحيد في المعرفة والإثبات: أن تؤمن وتصدق بأن الله سبحانه واحد في ربوبيته، واحد في أسمائه وصفاته وتدبيره لعباده "، وهو الخالق لهم والرازق لهم والموصوف بصفات الكمال المنزه عن النقص والعيب لا شريك له في ذلك " ولا شبيه له، ولا ند له جل وعلا.
الثاني: توحيد القصد والطلب: وهو:
إفراد الله سبحانه في قصدك وطلبك وصلاتك وصومك، وسائر عباداتك، لا تقصد بها إلا وجهه جل وعلا، وهكذا صدقاتك، وسائر أعمالك التي تتقرب بها، لا تقصد بها إلا وجهه جل وعلا، فلا تدعو إلا إياه،
стр. 89
ولا تنذر إلا له، ولا تتقرب بأنواع القربات إلا له سبحانه، ولا تطلب شفاء المرضى والنصر على الأعداء إلا منه ، توحده في كل ذلك.
فهذه أنواع التوحيد، لك أن تعبر عنها بنوعين، ولك أن تعبر عنها بثلاثة أنواع، ولك أن تعبر عنها بنوع واحد كما تقدم فيما ذكرنا آنفا. ولا مشاحة في الاصطلاح والتعبير، وإنما المقصود:
أن نعرف ما هو التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، ووقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم، وهو توحيد العبادة.
أما كونه سبحانه رب الجميع وخالق الخلق ورازقهم، وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه لا شبيه له، ولا ند له " ولا مثيل له، فهذا لم يقع فيه الخلاف بين الرسل والأمم، بل جميع المشركين من قريش وغيرهم مقرون به، وما وقع من إنكار فرعون
стр. 90
وادعائه الربوبية فمكابرة، يعلم في نفسه أنه مبطل، كما قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] (١) وقال سبحانه فيه وفي أمثاله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] (٢) وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] (٣) وهكذا ما ادعته الثانوية من إلهية النور والظلمة، فمكابرة أيضا، وهم مع ذلك لم يقولوا: إنهما متساويان، فليس في العالم من يقول: إن هناك إلهين متساويين في التصرف والتدبير، وأما إنكار الملاحدة لرب العالمين كليا، وإنكارهم للآخرة، فليس هذا بمستغرب من أعداء الله لفساد عقولهم بسبب استيلاء الشياطين عليهم حتى اجتالتهم عن فطرة الله التي فطر عليها الناس،
стр. 91
وهؤلاء الملاحدة، وإن أنكروا بألسنتهم فقلوبهم تقر بذلك، كما أقر بذلك الجمادات، وكل شيء، كما قال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] (١) وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] (٢) والمقصود: أن من أنكر رب العالمين من الكفرة المجرمين، فهو في الحقيقة مكابر لفطرته وعقله، فإن الفطرة والعقل يشهدان بوجود رب متصرف في الكون، مدبر للعباد، لا شبيه له، ولا شريك له، ولا ند له سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ولهذا
стр. 92
قلنا: إن المشركين قد أقروا بتوحيد الربويية والأسماء والصفات، ولم ينكروا ذلك لأنهم يعلمون أن الله جل وعلا خالق العباد ورازقهم، ومدبر أمورهم، منزل المطر، المحيي المميت، الرزاق للعباد وغير ذلك، كما تقدم بيانه.
فالواجب عليك: يا عبد الله - إذا عرفت ما تقدم - أن تبذل وسعك في بيان هذا الأصل الأصيل، ونشره بين الناس، وإيضاحه للخلق، حتى يعلمه من جهله، وحتى يعبد الله وحده، من أشرك به وخالف أمره، وحتى تكون بذلك قد اتبعت الرسل، وسرت على منهاجهم في الدعوة إلى الله، أداءً للأمانة التي حملتها فيكون لك مثل أجور من هداه الله على يديك إلى يوم القيامة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (١) .
стр. 93
وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) وقال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٢) وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» ، رواه مسلم في صحيحه، وقال لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر: «فو الله لئن يهدي الله بك رجلا وحدا خير لكم من حمر النعم» متفق على صحته.
هذا وأسأل الله أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والاستقامة على ما يرضيه، وأن يعيذنا جميعا من أسباب غضبه، ومن مضلات الفتن، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين ويولي عليهم خيارهم، إنه جواد كريم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 94
[توضيح معنى الشرك بالله]
توضيح معنى الشرك بالله السؤال: ما هو الشرك، وما تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (١) الآية؟
الجواب: الشرك على اسمه: هو تشريك غير الله مع الله في العبادة، كأن يدعو الأصنام أو غيرها، يستغيث بها، أو ينذر لها، أو يصلي لها، أو يصوم لها، أو يذبح لها، ومثل: أن يذبح للبدوي، أو للعيدروس، أو يصلي لفلان، أو يطلب المدد من الرسول ﷺ ، أو من عبد القادر، أو من العيدروس في اليمن، أو غيرهم من الأموات والغائبين فهذا كله يسمى شركا، وهكذا إذا دعا الكواكب، أو الجن أو استغاث بهم، أو طلبهم المدد، أو ما أشبه ذلك، فإذا فعل شيئا من هذه العبادات مع الجمادات، أو مع الأموات، أو الغائبين صار هذا
стр. 95
شركا بالله ، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] (٢) ومن الشرك: أن يعبد غير الله عبادةً كاملة، فإنه يسمَّى: شركا، ويسمى: كفرا، فمن أعرض عن الله بالكلية وجعل عبادته لغير الله كالأشجار، أو الأحجار، أو الأصنام، أو الجن، أو بعض الأموات من الذين يسمونهم بالأولياء يعبدهم أو يصلي لهم أو يصوم لهم وينسى الله بالكلية فهذا أعظم كفرا وأشد شركا، نسأل الله العافية، وهكذا من ينكر وجود الله، ويقول: ليس هناك إله والحياة مادة؛ كالشيوعيين، والملاحدة المنكرين لوجود الله، هؤلاء أكفر الناس وأضلهم وأعظمهم شركا وضلالا نسأل الله العافية، والمقصود: أن أهل هذه الاعتقادات وأشباهها كلها تسمى: شركا، وتسمى: كفرا بالله ،
стр. 96
وقد يغلط بعض الناس لجهله فيسمي دعوة الأموات والاستغاثة بهم: وسيلة، ويظنها جائزة، وهذا غلط عظيم؛ لأن هذا العمل من أعظم الشرك بالله، وإن سماه بعض الجهلة أو المشركين: وسيلة، وهو دين المشركين الذي ذمهم الله عليه وعابهم به، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لإنكاره والتحذير منه، وأما الوسيلة المذكورة في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (١) .
فالمراد بها: التقرب إليه سبحانه بطاعته، وهذا هو معناها عند أهل العلم جميعا، فالصلاة قربة إلى الله فهي وسيلة، والذبح لله وسيلة؛ كالأضاحي، والهدي، والصوم وسيلة، والصدقات وسيلة، وذكر الله وقراءة القرآن وسيلة، وهذا هو معنى قوله جل وعلا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة: ٣٥] (٢) يعني: ابتغوا القربة إليه بطاعته،
стр. 97
هكذا قال ابن كثير وابن جرير والبغوي وغيرهم من أئمة التفسير، والمعنى: التمسوا القربة إليه بطاعته واطلبوها أينما كنتم مما شرع الله لكم، من صلاة وصوم وصدقات وغير ذلك، وهكذا قوله في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] (١) هكذا الرسل وأتباعهم يتقربون إلى الله بالوسائل التي شرعها من جهاد وصوم وصلاة وذكر وقراءة قرآن إلى غير ذلك من وجوه الوسيلة، أما ظن بعض الناس أن الوسيلة هي التعلق بالأموات والاستغاثة بالأولياء فهذا ظن باطل، وهذا اعتقاد المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] (٢) فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (٣)