المواقف المفضوحة في بلاد الحرِّيَّات - فرنسا وبريطانيا وأمريكا - من المسلمين الذين بدأوا يُظهرون تمسُّكًا بدينهم وظهورهم بالزِّيِّ المحتشِم رجالًا ونساءً ممَّا أثار حفائظهم، وبخاصَّة الفرنسيِّين في قضيَّة الحجاب، على الرغم مِن أنَّ قوانينهم فيها نصوص تعطي الحقَّ لأهل كلَ ديانة أن يلتزموا بدياناتهم، ولكنَّهم بحجَّة الأمن والحِفاظ على النظام العام كانت لهم تلك المواقف المكشوفة، ومن حقِّنا كذلك أن نتذكَّر ما يجري لكثير من الأقليات المسلمة في روسيا وبلغاريا ممَّا هو معلنٌ، فكيف بغير المعلن.
ثمَّ إنَّ عقوبة الإعدام موجودة في كثير من القوانين المعاصرة، سواء لمهرِّبي المخدِّرات أو غيرهم، وهم لم يقولوا بها إلاَّ لجدواها في القضاء
стр. 37
على الجريمة والتخفيف منها، وحماية لعموم المجتمع من سوئها، ولم يقل أحد أنَّ تشريع عقوبة الإعدام في حقِّ هؤلاء المفسدين مصادم لحرَيَّتهم إذا كانوا قد تجاوزوا في حرِّيَّاتهم، حتَّى سطوا على حريات الآخرين أو نغصوا عليهم حياتهم الطبيعية الآمنة السويَّة.
وهناك إعدام مِن أجل الخيانة العظمى أو ما يشبهها، ولم يكن هذا مصادمًا للحرِّيَّة أو محلَّ نقد لدى هذه المؤسسة التنصيريَّة وأشباهها، ممَّا يُذكِّر بما قلناه أول الحديث من الشكِّ في حسن النيَّة في إثارة مثل هذه التساؤلات.
وفي ختام هذه الفقرة عن حرِّيَّة الديانة والارتداد أنقل بعض الوقائع من مواقف الديانات
стр. 38
الأخرى نحو المسلمين، والتعسُّف والتعصُّب والحقد الدفين الذي يظهر واقعًا حيًّا حين تُتاح له فرصةُ الظهور.
يقول الكاتب " جيبون ": (إنَّ الصليبيِّين خدَّام الربِّ يومَ استولوا على بيت المقدس في ١٥ ٧ ١٠٩٩ م رأوا أن يُكرموا الربَّ بذبح سبعين ألف مسلم، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحة استمرَّت ثلاثة أيَّام بلياليها، حطَّموا رءوسَ الصبيان على الجدران، وألقَوا الأطفال الرضَّع من سطوح المنازل، وشووا الرجال والنساء بالنار، وبقروا البطون ليروا هل ابتلع أهلها الذهب. . .) ، ثمَّ يقول الكاتب: (كيف ساغ لهؤلاء بعد هذا كلِّه أن يضرعوا إلى الله طالبين البركة والغفران) (١) .
стр. 39
ويقول " جوستاف لوبون " عن فعل الصليبيِّين بمسَلمي الأندلس: (لماَّ أُجلي العرب - يعني: المسلمين - سنة ١٦١٠م اتُّخِذَت جميعُ الذرائع للفتك بهم فقُتل أكثرهم، وكان من قتل إلى ميعاد الجلاء ثلاثة ملايين من الناس، في حين أنَّ العرب لمّاَ فتحوا أسبانيا تركوا السكَّان يتمتَّعون بحرِّيَّتهم الدِّينيَّة محتفظين بمعاهدهم ورئاستهم. . . وقد بلغ مِن تسامح العرب طوالَ حكمهم في أسبانيا مبلغًا قلَّما يصادف الناس مثله هذه الأيام) (١) .
وفي أيَّامنا هذه نقرأ في وثائق اليهود نحو أهل فلسطين: (يا أبناء إسرائيل، اسعدوا واستبشروا خيرا، لقد اقتربت الساعة التي سنحشر فيها هذه الكُتل الحيوانيَّة في إصطَبلاتِها، وسنخضعها
стр. 40
لإرادتنا ونُسخِّرها لخدمتنا) (١) .
وفي روسيا الشيوعيَّة أغلقت الحكومة أربعة عشر ألف مسجد في مقاطعة تركستان وفي منطقة الأورال سبعة آلاف مسجد، وفي القوقاز أربعة آلاف مسجد، وكثير من هذه المساجد حوِّلت إلى دور للبغاء وحوانيت خمر وإصطبلات خيول وحظائر بهائم، وفوق ذلك التصفية الجسديَّة للمسلمين. ويكفي أن نعلم أنَّهم قتلوا في ربع قرن ستَّةً وعشرين مليون مسلم، مع تفنّن في طرق التعذيب والقتل.
والدول الشيوعيَّة الدائرة في فلك روسيا حذتْ حذوها، ففي يوغوسلافيا أباد " تيتو " ما يقارب مليون مسلم.
стр. 41
وفي سنواتنا الحاضرة هذه تنصب الملاحقة والمتابعة لجميع الحركات الإسلاميَّة والتوجّهات الإسلاميَّة في الفلبِّين وإندونيسيا وشرق أفريقيا بصور ظاهرة مفضوحة، فضلًا عن الطرق الخفيَّة في كثير من البلاد.
فيا ترى أين الحرِّيَّة، ويا ترى مَن المتعصِّب ومَن هو المتسامح.؟ ؟
[الرِّق]
الرِّق ما معنى الدفاع عن تفوّق الإنسان الحرِّ على العبد دون إدانة للعبوديَّة أو القضاء عليها؟ .
الخوض في الحديث عن الرِّقِّ وإثارة الأسئلة حوله من قبل دعاة التنصير والصادِّين عن دين الإسلام ممَّا يثير حفيظة المتعقِّل، ومماَّ يشير بأصابع
стр. 42
الاتهام نحو الأغراض المستترة وراء هذه التساؤلات.
ذلك أنَّ الرِّقَّ في اليهوديَّة والنصرانيَّة مقرَّر ثابت على صور ظالمة، وكتبهم بتفاصيل الحديث عنه والاستحسان له طافحة، وعليه فإنَّ أوَّل ما يستلفت النظر: كيف يسعى الكنسيُّون للدعوة إلى التنصير، والنصرانيَّة تقول بالرِّقِّ ومشروعيَّته؟ ، وبمعنى آخر: كيف يثيرون أمرًا هم غارقون فيه إلى الأذقان؟
أمَّا أمر الرِّقِّ في الإسلام فمختلف تمامًا إذا ما قورن بين النظرتين، وإذا ما قورن كذلك بما عليه حال الرِّقَ حين مجيء الإسلام.
ولا يسع الباحث وهو ينظر في مثل هذه التساؤلات وقد بسط فيها دعاة التنصير ألسنتهم لينالوا من الإسلام ما وسعهم النيل، أقول: لا
стр. 43
يسعه إلاَّ أن يبسط القول في هذا الموضوع مشيرًا إلى ما عند اليهوديَّة والنصرانيَّة والحضارة المعاصرة، ثمَّ نذكر ما في الإسلام، وإنَّ الإسلام قد تعرَّض في هذا لإفك كثير على حين نجا مجرمون عرقيون في الإجرام، لم تشر إليهم مع الأسف - أصابع الاتهام!
[الإسلام والرِّقُّ]
الإسلام والرِّقُّ يقرر الإسلام أنَّ الله خلق الإنسان كامل المسئولية، وكلَّفه بالتكاليف الشرعيَّة، ورتب عليها الثواب والعقاب على أساس من إرادته واختياره، ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة أو سلب ذلك الاختيار بغير حقِّ، ومن اجترأ على ذلك، فهو ظالم جائر.
стр. 44
هذا مبدأ ظاهر من مبادئ الإسلام في هذا الباب، وحينما يثار التساؤل: كيف أباح الإسلام الرقَ؟ .
نقول بكلِّ قوَّة وبغير استحياء: إنَّ الرِّقَّ مباح في الإسلام، ولكن نظرة الإنصاف مع التجرُّد وقصد الحقِّ توجب النظر في دقائق أحكام الرِّق في الإسلام مِن حيثُ مصدره وأسبابُه، ثمَّ كيفية معاملة الرِّقِّ ومساواته في الحقوق والواجبات للحر، وطرق كسب الحرِّيَّة وكثرة أبوابها في الشريعة، وبخاصَّة إذا ما قورنت بغيرها، مع الأخذ بالاعتبار نوع الاسترقاق الجديد في هذا العالم المتدثِّر بدِثار الحضارة والعصريَّة والتقدُّميَّة، وسوف يلاحظ القارئ أنَّني سوف أستعين بكثير من نصوص القرآن الكريم وأقوال الرسول ﷺ وتوجيهاته في هذا
стр. 45
الموضوع؛ نظرًا لأهميَّة ذلك، والتأكيد على أنَّ الممارسات الخاطئة لا يجوز أن تحسب على الإسلام. وفي هذا الصدد نقول: إنَّ الإسلام يقف من الرقيق موقِفًا لم يقفْه غيره من الملل والنحل، ولو سارت الأمور على وجهها بمقتضى ذلك النهج، لما كانت تلك الإشكالات، وعلى رأسها استرقاق الأحرار عن طريق الخطف والغصب والاستيلاء بقوَّة أو بخدعة في القديم وفي الحديث، ممَّا استفحل معه الرِّقّ بطريقة شائنة ووجه قبيح، وما انتشر الرِّقُّ ذلك الانتشار الرهيب في قارات الدنيا إلاَّ عن طريق هذا الاختطاف، بل كان المصدر الأعظم كما أوربَّا وأمريكا في القرون الأخيرة.
والإسلام يقف بنصوصه من هذا موقِفًا حازمًا حاسمًا، جاء في حديث قدسيٍّ: «ثلاثة أنا
стр. 46
خصمهم يومَ القيامة، ومَن كنتُ خصمَه خصمْتُه، رجل أعطى بي ثمَّ غدر، ورجل باع حُرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره» أخرجه البخاري.
والنبي ﷺ يقول: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاةً: مَن تقدَّم قومًا وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارًا - بمعنى بعد خروج وقتها -، ورجل اعتبد محرَّرًا» رواه أبو داود وابن ماجه، كلاهما من رواية عبد الرحمن بن زياد الإفريقيّ.
ومن الطريف أنَّك لا تجد في نصوص القرآن والسنَّة نصًّا يأمر بالاسترقاق، بينما تحفل آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ بالمئات من النصوص الداعية إلى العتق والتحرير.
كانت مصادر الرِّقَ ومنابعه كثيرة عند ظهور
стр. 47
الإسلام، بينما طرق التحرُّر ووسائله تكاد تكون معدومةً، فقلب الإسلام في تشريعاته النظرة، فأكثر من مصارف الحرِّيَّة والتحرّر وسدِّ مسالك الاسترقاق، ووضع من الوصايا ما يسدُّ تلك المسالك.
ولقد كان الأسر في الحروب من أظهر مظاهر الاسترقاق، وكلُّ حرب لا بدَّ فيها من أسرى، وكان العرف السائد يومئذٍ أنَّ الأسرى لا حرمةَ لهم ولا حقَّ، وهم بين أمرين، إمَّا القتل وإمَّا الرقّ.
ولكنَّ الإسلام حث على طريق ثالث من حسن معاملة الأسير وفكِّ أسره.
في القرآن الكريم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا - إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩] الإنسان: ٨ - ٩
стр. 48
والآية في رقَّتها وحثِّها لا تحتاج إلى تعليق، ونبيُّ الإسلام ﵇ في ميدان مكارم الأخلاق يقول: «عودوا المريض، وأَطعِموا الجائع، وفُكُّوا العاني» رواه البخاري.
وفي أوَّل مواجهة بين المسلمين وأعدائهم في معركة بدر انتصر فيها المسلمون، ووقع فيها أسرى من كبراء العرب، لقد سقطوا في الأسر كما يسقط الكبراء والأشراف في معارك الدول الكبرى من القياصرة والأكاسرة، لو عوقبوا بعقاب شديد لكانوا له مستحقِّين، فقد آذوا المسلمين أشدَّ الإيذاء في أوَّل قيام الدعوة الإسلاميَّة، غيرَ أنَّ القرآن الكريم يوجِّه النبيَّ ﷺ وصحبه بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠ - ٧١] الأنفال: ٧٠ - ٧١.
стр. 49
لقد كان هؤلاء الأسرى قبل هذه المعركة ومن أوَّل عهد البعثة يوقعون المظالم الفاجعة بجمهور المسلمين، يريدون إفناءهم أو احتلالهم، فهل يا تُرى من حسن السياسة أن يطلق سراح الأسرى فورًا؟ ؟ .
معلوم أنَّ هذا يتعلَّق بمصالح الدولة العامَّة العليا، ولهذا تجد أنَّ المسلمين في بدر (١) قبلوا الفداء، وفي الفتح قيل لأهل مكَّة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، وفي غزوة بني المصطلق تزوَّج الرسول أسيرةً من الحيِّ المغلوب ليرفع مكانتها، كما كانت ابنة أحد زعمائه، فما كان من المسلمين إلاَّ أن أطلقوا
стр. 50
سراح جميع هؤلاء الأسرى.
ومن هذا تدرك الصور المحدودة وِالمسالك الضيِّقة التي يلجأ الإسلام إليها في الرِّق، وهو لم يلغِه بالكلِّيَّة، لأنَّ هذا الأسير الكافر المناوئ للحقَ والعدل كان ظالمًا أو معينًا على ظلم أو أداة في تنفيذه أو إقراره كانت حرِّيَّته فرصةً لفشوِّ الطغيان والاستعلاء على الآخرين.
ومع كلِّ هذا فإنَّ فرصة استعادة الحرِّيَّة لهذا وأمثاله في الإسلام كثيرة وواسعة، كما أنَّ قواعد معاملة الرقيق في الإسلام تجمع بين العدالة والرحمة.
فمن وسائل التحرير: فرض نصيب الزكاة لتحرير العبيد وكفَّارات القتل الخطأ والظهار والأيمان والفطر في رمضان، إضافةً إلى مناشدة عامَّة في إثارة للعواطف من أجل العتق والتحرير؛
стр. 51
ابتغاء وجه الله.
وهذه إشارات سريعة لبعض قواعد المعاملة المطلوبة عدلًا وإحسانًا لهؤلاء:
١ - ضمان الغذاء والكساء مثل أوليائهم: وروى أبو داود عن المعرور بن سويد قال: «دخلنا على أبي ذرٍّ بالربذة (١) فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله فقال: يا أبا ذرٍّ، لو أخذتَ برد غلامك إلى بردك فكانت حلَّةً، وكسوته ثوبًا غيره؟ ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمْه ممَّا يأكل، وليكسُه مماَّ يكتسي، ولا يكلِّفه ما يغلبه، فإنْ كلَّفه ما يغلبه فليُعِنْه» البخاري.
стр. 52
٢ - حفظ كرامتهم: روى أبو هريرة قال: قال أبو القاسم نبيُّ التوبة: «من قذف مملوكَه بريئًا ممَّا قال، أقيم عليه الحدُّ يوم القيامة، إلاَّ أن يكونَ كما قال» البخاري.
وأعتق ابن عمر مملوكًا له، ثمَّ أخذ من الأرض عودًا أو شيئًا فقال: ما لي فيه من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَن لطم مملوكًا له أو ضربه، فكفَّارته عتقه» أبو داود ومسلم.
٣ - يتقّدَم العبد علي الحرِّ فيما يفضله من شئون الدِّين والدنيا: وقد صحَّت إمامته في الصلاة، وكان لعائشة أمِّ المؤمنين عبد يؤمُّها في الصلاة. . . بل لقد أمر المسلمون بالسمع والطاعة إذا ملك أمورهم عبد ما دام أكفأ من غيره.
стр. 53
إنَّ الحرِّيَّة حق أصيل للإنسان، ولا يُسلب امرؤ هذا الحقّ إلاَّ لعارض نزل به، والإسلام - عندما قبل الرِّقَّ في الحدود التي أوضحناها - فهو قيَّد على إنسان استغلَّ حرَيَّته أسوأ استغلال. . . فإذا سقط أسيرًا إثر حرب عدوان انهزم فيها، فإنَّ إمساكه مدَّةَ أسره تصرُّف سليم.
وإذا حدث لأمر ما أن استُرِقَّ ثمَّ ظهر أنَّه أقلع عن غيره، ونسي ماضيَه وأضحى إنسانًا بعيدَ الشرِّ قريبَ الخير، فهل يجاب إلى طلبه بإطلاق سراحه؟ .
الإسلام يرى إجابته إلى طلبه، ومن الفقهاء من يوجب ذلك، ومنهم مَن يستحبُّه؟ ؟ .
وقد أوصى النبيُّ ﷺ بالرقيق كثيرًا، فقد ثبت أنه لما وزع أسرى بدر على الصحابة قال لهم:
стр. 54
«استوصُوا بالأسرى خيرًا» .
وروي أنَّ عثمان بن عفَّان ﵁ دَعَك أُذنَ عبدٍ له على ذنبٍ فعله، ثمَّ قال له بعد ذلك: تقدَّمْ ثمَّ اقرِصْ أُذني، فامتنع العبد، فألحَّ عليه، فبدأ يقرص بخفَّة، فقال له: اقرِصْ جيِّدًا، فإنِّي لا أتحمَّل عذابَ يومِ القيامة، فقال العبد: وكذلك يا سيِّدي، اليوم الذي تخشاه أنا أخشاه أيضًا.
وكان عبد الرحمن بن عوف إذا مشى بين عبيده لا يميِّزه أحد منهم؛ لأنَّه لا يتقدَّمهم ولا يلبس إلاَّ من لباسهم.
ومر عمر يوما بمكَّة فرأى العبيد وقوفًا لا يأكلون مع سادتهم، فغضب وقال لمواليهم: ما لقومٍ يستأثرون على خدَّامهم؟ ، ثمَّ دعا الخدَّام
стр. 55
فأكلوا معهم.
ودخل رجل على سلمان ﵁، فوجده يعجن، فقال له: يا أبا عبد الله ما هذا؟ ، فقال: بعثنا الخادم في شغل، فكرهنا أن نجمع عليه عملين.
هذا ما أسداه الإسلام للرقيق من أيادٍ! .
[موقف اليهود من الرَّقيق]
موقف اليهود من الرَّقيق ينقسم البشر عند اليهود إلى قسمين: بنو إسرائيل قسم، وسائر البشر قسم آخر.
فأمَّا بنو إسرائيل، فيجوز استرقاق بعضهم حسب تعاليم معيَّنة نصَّ عليها العهد القديم.
وأمَّا غيرهم، فهو أجناس منحطَّة يمكن استعبادها عن طريق التسلّط والقهر؛ لأنَّهم سلالات كُتبت
стр. 56
عليها الذلَة باسم السماء مِن قديم، جاء في الإصحاح الحادي والعشرين مِن سفر الخروج (٢ - ١٢) ونصُّه:
(إذا اشتريتَ عبدًا عبرانيًّا فستّ سنين يخدم، وفي السابعة يخرج حُرًّا مجانًا، إن دخل وحده، فوحده يخرج، إن كان بعلَ امرأةٍ، تخرج امرأته معه، إن أعطاه سيِّده امرأةً وولدت له بنين وبنات، فالمرأة وأولادُها يكونون للسيِّد، وهو يخرج وحده، ولكن إذا قال العبد: أحب سيِّدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حُرًّا، يقدِّمه سيِّده إلى الله، ويقرِّبه إلى الباب أو إلى القائمة، ويثقِّب سيِّده أذنه بالمثقب يخدمه إلى الأبد، وإذا باع رجل ابنته أمة، لا تخرج كما يخرج العبيد، إن قبحت في عين سيِّدها الذي خطبها لنفسه يدعها تفكّ، وليس له سلطان أن
стр. 57
يبيعها لقوم أجانب لغدره بها، وإن خطبها لابنه، فبحسب حقِّ البنات يفعل لها، إن اتَّخذ لنفسه أخرى لا ينقص طعامها وكسوتها ومعاشرتها، وإن لم يفعل لها هذه الثلاث، تخرج مجّانًا بلا ثمن.
أما استرقاق غير العبراني، فهو بطريق الأسر والتسلط؛ لأنهم يعتقدون أن جنسهم أعلى من جنس غيرهم، ويلتمسون لهذا الاسترقاق سندًا من توراتهم فيقولون: إنَّ حام بن نوح - وهو أبو كنعان - كان أغضبَ أباه؛ لأنَّ نوحًا سكر يومًا ثمَّ تعرَّى وهو نائم في خبائه، فأبصره حام كذلك، فلمَّا علم نوح بهذا بعد استيقاظه غضب، ولعن نسله الذين هم كنعان، وقال - كما في التوراة في سفر التكوين إصحاح ٩ / ٢٥ - ٢٦ / -: " ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك الربِّ إله سام،
стр. 58
وليكن كنعان عبدًا لهم ". وفي الإصحاح نفسه / ٢٧ /: " ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدًا لهم ".
وقد اتَّخذت الملكة " أليزابيث " الأولى من هذا النصِّ سندًا يبرِّر تجارتها في الرَّقيق التي كانت تُسهم فيها بنصيبٍ كبير كما سيتبيَّن قريبًا.
[موقف النصرانيَّة من الرَّقيق]
موقف النصرانيَّة من الرَّقيق جاء الدِّين المسيحيُّ فأقرَّ الرِّقَّ الذي أقرَّه اليهود من قبل، فليس في الإنجيل نصر يحرمه أو يستنكره.
والغريب أنَّ المؤرِّخ " وليم موير " يعيب نبيَّنا محمَّدًا ﷺ بأنَّه لم يبطل الرِّقَّ حالًا، مع تغاضيه عن موقف الإنجيل من الرِّقَ، حيث لم ينقل عن
стр. 59
المسيح ولا عن الحواريِّين ولا الكنائس شيئًا في هذه الناحية.
بل كان " بولس " يوصي في رسائله بإخلاص العبيد في خدمة ساداتهم، كما قال في رسالته إلى أهل أفسس.
وأضاف القدِّيس الفيلسوف " توما الأكويني " رأي الفلسفة إلى رأي الرؤساء الدِّينيين، فلم يعترض على الرِّقِّ بل زكَّاه؛ لأنَّه على رأي أستاذه " أرسطو " حالة من الحالات التي خُلق عليها بعض الناس بالفطرة الطبيعيَّة.
وأقرَّ القدِّيسون أنَّ الطبيعة جعلت بعض الناس أرقَّاء.
وفي المعجم الكبير للقرن التاسع عشر " لاروس ": " لا يعجب الإنسان من بقاء الرِّقِّ
стр. 60
واستمراره بين المسيحيِّين إلى اليوم، فإنَّ نواب الدين الرسميِّين يُقرُّون صحَّته ويسلمون بمشروعيَّته ".
وفيه: " الخلاصة أنَّ الدِّين المسيحيَّ ارتضى الاسترقاق تمامًا إلى يومنا هذا، ويتعذَّر على الإنسان أن يثبت أنَّه سعى في إبطاله ".
وجاء في قاموس الكتاب المقدَّس للدكتور " جورج يوسف ": " إنَّ المسيحيَّة لم تعترضْ على العبوديَّة من وجهها السياسيّ ولا من وجهها الاقتصاديِّ، ولم تحرض المؤمنين على مُنابذة جيلهم في آدابهم من جهة العبوديَّة، حتَّى ولا المباحثة فيها، ولم تقلْ شيئًا ضدَّ حقوق أصحاب العبيد، ولا حرَّكت العبيد إلى طلب الاستقلال، ولا بحثت عن مضارِّ العبوديَّة، ولا عن قساوتها، ولم تأمر
стр. 61
بإطلاق العبيد حالًا، وبالإجماع لم تغيِّر النسبة الشرعيَّة بين المولى والعبد بشيء، بل بعكس ذلك فقد أثبتت حقوق كلٍّ من الفريقين وواجباته ".
وندعو جميع " الآباء البِيض " النصارى والقارئ الكريم ليقارنوا بين تعاليم الإسلام وبين هذه التعاليم.
[أوربَّا المعاصرة والرَّقيق]
أوربَّا المعاصرة والرَّقيق من حقِّ القارئ أن يسأل وهو في عصور النهضة والتَّقدُّم عن رائدة التقدُّم في هذه العصور - كما يقال - ماذا صنعتْ بالرَّقيق؟ ؟ .
عندما اتَّصلت أوربَّا بإفريقيا السوداء، كان هذا الاتِّصال مأساة إنسانيَّة تعرض فيها زنوج هذه القارَّة لبلاء عظيم طِوالَ قرون خمسة، لقد نظَّمت
стр. 62
دول أوربَّا وتفتَّقت عقليَّتها عن طرق خبيثة في اختطاف هؤلاء واستجلابهم إلى بلادهم ليكونوا وقودَ نهضتها، وليكلِّفوهم من الأعمال ما لا يُطيقون، وحينما اكتُشفت أمريكا، زاد البلاء لينوؤا بعبء الخدمة في قارَّتين بدلًا من قارَّة واحدة.
تقول دائرة المعارف البريطانيَّة ج ٢ / (٧٧٩) مادَّة slavery: " إنَّ اصطياد الرقيق من قراهم المحاطة بالأدغال كان يتمّ بإيقاد النار في الهشيم الذي صنعت منه الحظائر المحيطة بالقرية، حتَّى إذا نفر أهل القرية إلى الخلاء تصيدهم الإنجليز بما أعدُّوا لهم من وسائل ".
وعدا من كانوا يموتون بسبب طرق الاصطياد هذه وفي الطريق إلى الشواطئ التي ترسو عليها مراكب الشركة الإنجليزيَّة وغيرها، فإن ثلث
стр. 63
الباقين يموتودن بسبب تغير الطقس، ويموت ٤٥% أثناء الشحن، و ١٢% أثناء الرحلة، فضَلاَ عمَّن يموتون في المستعمرات. . .
ومكثت تجارة الرَّقيق كما أيدي شركات إنجليزيَّة التي حصلت على حقِّ احتكار ذلك بترخيص من الحكومة البريطانيَّة، ثمَّ أطلقت أيدي جميع الرعايا البريطانيين في الاسترقاق، ويقدِّر بعض الخبراء مجموع ما استولى عليه البريطانيون من الرَّقيق واستعبدوه في المستعمرات من عام ١٦٨٠ - ١٧٨٦ م حوالي ٢١٣٠٠٠٠ شخص.
ومن قوانينهم السوداء في ذلك: مَن اعتدى على سيِّده قُتل، ومن هرب قُطعتْ يداه ورجلاه وكُوي بالحديد المحمى، وإذا أبق للمرَّة الثانية قُتل، ولا أدري كيف سيهرب بعد ما نُكل به
стр. 64
وقُطعتْ رِجلاه؟ ؟
ولكن الذي يبدو أنَّ الجحيم الذي يعيشه أشدُّ عليه من قطع يديه ورِجليه، ممَّا يدعوه إلى محاولة الهرب مرَةً أخرى.
ومِن قوانينهم يحرم التعليم على الرجل الأسود، ويحرم على الملوَّنين وظائف البِيض.
وفي قوانين أمريكا: إذا تجمَّع سبعة من العبيد عد ذلك جريمة، ويجوز للأبيض إذا مر بهم أن يبصق عليهم ويجلدهم عشرين جلدةً.
ونصَّ قانون آخر: أنَّ العبيد لا نفس لهم ولا روح، وليست لهم فطانة ولا ذكاء ولا إرادة، وأنَّ الحياة لا توجد إلاَّ في أذرعهم فقط. والخلاصة في ذلك أنَّ الرقيق من جهة الواجبات والخدمة والاستخدام عاقلَ مسئول يعاقَب عند التقصير،
стр. 65
ومن جهة الحقوق شيء لا روحَ له ولا كيان، بل أذرعة فقط.
وهكذا لم تستفق ضمائرهم إلاَّ في هذا القرن الأخير، وأيُّ منصف يقارن بين هذا وبين تعاليم دين محمَّد ﷺ الذي مضى له أكثر من ١٤ قرنًا يرى أنَّ إقحام الإسلام في هذا الموضوع أحقُّ بالمثل السائر: " رمتني بدائها وانسلَّت ".
стр. 66
[المرأة]
المرأة ما يقال في الرِّقِّ يقال في المرأة، فليس مِن حقِّ اليهوديَّة ولا النصرانيَّة الحديث عن المرأة، فما في دياناتهم في حقِّ المرأة هو شيء نكُر، فقد هضموها حقوقَها، واعتبروها مصدر الخطيئة في الأرض، وسلبت حقَّها في الملكيَّة والمسئوليَّة، فعاشت بينهم في إهانة وإذلالٍ واحتقارٍ، واعتبروها مخلوقًا نجسًا.
وما الزواج عندهم إلاَّ صفقة مبايعة تنتقل فيه المرأة لتكون إحدى ممتلكات الزوج، حتَّى انعقدت بعض مجامعهم لتنظر في حقيقة المرأة وروحها هل هي من البشر أو لا؟ !
بل لعلَّ الجاهليَّة العربيَّة الأولى كانت أخفَّ وطأةً على المرأة من هذه النظرة اليهوديَّة والنصرانيَّة
стр. 67
المنسوبة إلى تعاليم السماء - معاذ الله -.
ومن هنا يثور عجبنا من النصارى ليسألوا عن المرأة في الإسلام وموقعها من تشريعه ومجتمعه؟ !
فحضارة الغرب وما فيها من بهارج وبوارق تخدع الناظرين، ليس للنصرانيَّة ولا لليهوديَّة صنع فيها.
ومع هذا فنحن المسلمين لا نجري خلف كلِّ ناعقٍ، ولسنا بالراضين على ما عليه المرأة المعاصرة.
إنَّ المرأة في ديانتنا محلُّ التقدير والاحترام من حيث هي الأُمّ والأخت والبنت، ونصوص الديانة عندنا صحيحة صريحة في بيان موقع المرأة وموضعها، جاءت واضحةً جليَّةً منذُ أكثرَ من أربعةَ عشرَ قرنَاَ حين كانت الجاهليَّات تعمُّ الأرضَ شرقًا وغربًا على نحو مظلم، وبخاصَّة ما بخس المرأة حقَّها، بل عدم اعترافه بأيِّ حقٍّ لها.
стр. 68
ويتأكَّد هنا ما قلتُه في مقدِّمة الإجابة على هذه التساؤلات، ما هو الأنموذج الذي نتَّفق عليه؟ .
اليهوديَّة والنصرانيَّة معلوم ما فيهما، وهو غير مرضيٍّ من الجميع؛ لأنَّ الأسئلة المثُارة ليس في الديانتين إجابة عنها.
أما الحضارة المعاصرة، ففيها وبخاصة فيما يتعلق بالمرأة شر كثير غير موجود في ديننا، وما فيها من أمور مُستحسَنة فديننا لا يعارضها.
ومن أجل مزيدٍ من الإيضاح لنخُضْ في ميدان التعليم.
إنَّ من أكثرِ ما تميَّزتْ به هذه الحضارات الاهتمام بالعلم والتعليم والدعوة إلى ذلك، والإكثار من البرامج والوسائل ممَّا هو معروف، ونقول بكلِّ صراحة إنَّ التعليم في ديننا محمود مطلوب، بل منه ما هو فرض عين يأثم تاركُه،
стр. 69
سواء كان ذكرًا أو أنثى.
المرأة في التعليم كالرجل ممّاَ يحقِّق وظيفة كلِّ جنس على نحو ما ذكرنا في الكلام على المساواة. ولكن من حقِّنا أن نتساءل: ما هي العلاقة بين التعليم والتبرُّج وإبداء الزينة وإظهار المفاتن، وكشف الصدور والأفخاذ؟ ، هل من وسائل التعليم لبس الملابس الضيِّقة والشفَّافة والقصيرة؟
ميدان آخر: أيَّة كرامة حين توضع صور الحسناوات في الدعاية والإعلان وفي كلِّ ميدان، ولا يروج عندهم إلاَّ سوق الحسناء، فإذا استنفَدَتْ السنون جمالها وزينتها أُهمِلتْ كأيِّ آلة انتهى مفعوُلها.
ما نصيب قليلة الجمال في هذه الحضارة؟ ، وما نصيب الأم المسنَّة والجدَّة العجوز؟ ، ملجؤها دور الملاجئ حيثُ لا تُزار ولا يُسألُ عنها، وقد
стр. 70
يكون لها نصيب من راتب تقاعد أو تأمين اجتماعي تأكل منه حتَّى تموت، ولا رَحِمَ ولا صداقةَ ولا وليّ حميم.
ولكنَّ المرأة في الإسلام إذا تقدَّم بها السنّ زاد احترامُها وعظُم حقُّها، أي أنَّها أدَّت ما عليها، وبقي الذي لها عند أبنائها وأحفادها وأهلها والمجتمع.
أمَّا حقها في المال والملك والمسئوليَّة والثواب والعقاب الدنيويّ والأخروي فيستوي فيه الرجال والنساء، وأمَّا ما اختلف فيه الرجل والمرأة في بعض الأحكام، فأمرٌ طبيعي متقرِّر فيما قلناه في الحديث عن المساواة، على أنَّنا سوف نفصل هنا في بعض ما أُثير من أسئلة في قضايا الميراث والوصايا وغيرهما؟ ؟ .
стр. 71
[الميراث]
الميراث إن نصيب الذكر في الميراث يختلف عن نصيب الأنثى، وذلك يرجع لعدَّة أمور:
١ - الميراث من جملة النظام العامّ في الإسلام، فهو خاضع لعموم المسئوليات والأحكام المنُاطة بالذكر والأنثى، وما اختلف فيه من أحكام فهو راجع إلى القاعدة العامَّة في عدم لزوم اطِّراد المساواة بين العاملين؛ لأنَّ لهم حسب أعمالهم ومسؤلياتهم، فالرجال وهم جنس واحد ليسوا بمتساوي الدخول والمرتَّبات لدى الجهات الحكوميَّة أو غيرها في جميع الأنظمة، وإنَّما التفاوت راجع إلى طبيعة أعمالهم ومؤهَّلاتهم وكفاءاتهمِ، ولا تقوم الحياة إلاَّ بهذا، ولا يُعتبر هذا مؤثِّراَ في أصل المساواة.
٢ - زيادة الذكر في نصيبه راجعة إلى طبيعة
стр. 72
التكاليف المنُاطة به في النظام الإسلاميّ، فهو المسئول وحده عن تكاليف الزواج من مهر ومسكن.
ومن أجل مزيد إيضاح لهذا النظام لنفرضْ أن رجلا مات وخلف ابنا وبنتا، وكان للابن ضِعف نصيب أخته، ثمَّ أخذ كل منهما نصيبه وتزوَّجا، فالابن مُطالَب بالتكاليف السابقة من المهر والسكن والنفقة مدى الحياة، أمَّا أخته فسوف تأخذ المهر من زوجها حين زواجها وليست محتاجة إلى شيء من نصيبها لتصرفه في زواجها أو نفقة بيتها.
ثمَّ إنَّ دية قتل الخطأ يتحمَّل الرجال من العصبة والأقارب مساعدة القاتل في دفعها دون النساء.
ومن هذا يتَّضح ما على الرجال من تكاليفَ
стр. 73
ماليَّة ليست على النساء في نظام الإسلام، من أجل هذا يجب أن نعلم أنَّ الشريعة الإسلاميَّة تختلف عن أنظمة البشر الجائرة التي تحكم كثيرا من بقاع العالم اليوم، حيث فيها يتبرأ الأب من ابنته حين تبلغ السنَّ الثامنة عشرة؛ لتخرج باحثةً عن لُقمة العيش، وكثيرا ما يكون ذلك على حساب الشرف ونبيل الأخلاق.
أمَّا الفتاة في الإسلام، فهي مرعيَّة في كنف أبيها أو من يقوم مقامه شرعًا حتَّى تتزوج.
إنَّ منهجَ الإسلام أحكامًا وأخلاقًا لا يجوز أن يكون تأمين العيش فيه على حساب العرض والشرف فما ضياع الشرف إلا ضياع للعالم كله ولئن وجد الشاب والشابة في نزواته وصبواته وفترة طيشه لذة عاجلة فإن عاقبتها الدمار والتشتت الأسري وتقطيع الأرحام وانتشار الفساد في الأرض، وما نساء
стр. 74
الشوارع وفتيات المجلات والأفلام في أوربا وأتباع أوربا إلا نتائج ذلك النظام الخاسر، فهن إفرازات أخطاء البيوت الخربة والمسئولية الضائعة حينما ألقاها الرجال عن كواهلهم فوقعن حيث وقعن وتبع ذلك التنصل من مسئولية النسل والتربية الصحيحة، وأصبح الفرد ذكرًا أو أنثى لنفسه، لا لأمته ولشهواته القريبة، لا للهمم العليا، وبهذه يسرع الفساد إلى المجتمع ويعم الخراب الديار.
٣ - الميراث ملحوظ فيه الجانب المادِّيّ، فهو مرتَّب على نظام الزواج، فهو كعمليَّة الطرح بعد عمليَّة الجمع لإخراج نتيجة صحيحة، أي: أن الزيادة في الميراث ليست تفضيلًا، ولكنَّها تعويض مادِّيّ بحت.
وبالنسبة للسؤال حولَ حقِّ المرأة في الزواج من غير المسلم، فهذا خاضع لعموم النظام التشريعيّ
стр. 75
الإسلاميّ، وكما قلنا في المساواة أنَّ بعضَ الفئات من المجتمع قد تمنع من الزواج من فئات أخرى كالعسكريّ والدبلوماسيّ لأسباب تتعلَّق بالمصلحة العامَّة، فلا غرابة في أنظمة الدنيا أن تشتمل على نوعٍ من التفرقة في الحكم والتي لا تعني الإخلال بعموم مبدأ المساواة، كما هو مشروح مفصَّل في جوابنا عن المساواة.
[الطلاق]
الطلاق لم يعدْ أحد ينازع في العصر الحاضر بفاعلية الطلاق وحاجة الزوجين إليه حينما يتعذر بينهما العيش تحت سقف واحدٍ بعد المحاولات الجادة في الإصلاح والتوفيق.
ويكفي الإسلام فخرًا ومنقبة أنَّه شرع الطلاق وفصَّل أحكامه وأعطى فرص الرجعة في طلاقٍ