← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30823

تلبيس مردود في قضايا حية

صالح بن حميد

Полный текст (113 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] تلبيس مردود في قضايا حية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. وبعد: - فقد وصلتْني أسئلة من أحد المراكز الإسلاميَّة في بلاد الغرب أثارتها مؤسسة صليبيَّة تنصيريَّة تُسمِّي نفسَها " الآباء البِيض "، وحينما اطَّلعتُ عليها ما وسعني إلاَّ القيام بالإجابة عليها. وطبيعة الأسئلة وما يُقرأ فيها ممَّا بين السطور في الظروف التي تعيشها التوجُّهات الإسلاميَّة في أوساط الشباب وغير الشباب أشعرتني بلزوم الإجابة، كل أنَّ هذا التوجُّه الكنسيّ في إثارة هذه الأسئلة وأمثالها له أبعاد لا تخفى، وحلقة في سلسلة لا تنقطع يُدركها القارئ للتاريخ والمعُايِش

стр. 3

للتحرّكات النصرانيَّة والتطويرات المتسارعة لجهودهم وتنوعُّ أساليب هجومهم على الأصعدة كافة. فاستعنت بالله الكريم ربِّ العرش العظيم على ذلك؛ نصرة لدين الله، وغيرةً على أهل الإسلام، وجهادًا بالقلم واللسان - إن شاء الله -. والقضايا المثارة في الأسئلة يمكن تصنيفُها حسب المواضع الرئيسة التالية: - المساواة. الحرِّية " حرِّية الدِّين - الرق ". المرأة تطبيق الشريعة الجهاد

стр. 4

[توطئة] توطئة ١ - هذه الأسئلة لم تكن وليدةَ الساعة، ولكنَّها أسئلة وشُبَهٌ قديمة قِدَمَ الهجوم على الإسلام. وإنَّ المطّلع عليها وعلى أمثالها ممَّا هو مبثوث هنا يدرك أنّ واضعيها على مختلف أعصارهم وأغراضهم لا يريدون الجواب ولا يقصدون تلمُّسَ الحقِّ، ولكنَّهم يُلقونها في وسط ضجيج كبير يثيرونه في عمق المجتمع وفي ساحاته الفكريَّة، ثمَّ ينطلقون بسرعة خاطفة وقد وضعوا أصابعهم في آذانهم؛ خوفًا مِن أن يسمعوا أو يدركوا جوابا سليما، فكأنَّ مبتغاهم إلقاء متفجِّرات موقوتة في أشدِّ الساحات ازدحامًا ثمَّ يفرُّون على عجل قبل أن تنفجر فيصيبهم شيء من شظاياها. ٢ - كم هو جميل أن يتَّفقَ على مُسَلَّمات بين

стр. 5

المتحاورين؛ ليكونَ منها المنطلق وإليها المرد. ولكن إحساس الباحث أنَّ المقصد من وراء إثارة هذه الأسئلة هو التشكيك وزرع الشبه، بل مِن أجل استعداء الآخرين باسم الانتصار للمرأة، ومحاربة التفرقة العنصريَّة، والدندنة حول المساواة وحقوق الإنسان، وغير ذلك من الدعاوى العريضة، وأنت خبير بأنَّها مبادئ بل دعاوى لها بريقها عند المستضعفين والمغلوب على أمرهم، ولكنَّها عند التحقيق والتدقيق سراب يحسبه الظمآن ماءً، حتَّى إذا جاءه لم يجدْه شيئًا، بل يجد كبيرًا مستكبرَا يحتضن صغيرًا محقورًا يُربِّت على كتفيه ليأكله حالًا أو يحتفظ به ليسمن فيأكله مآلًا، إنَّها شريعة الغاب مغلَّفةٌ بأغلفة رقيقة من القانون والمدنية أفرزتها التقنية المعاصرة في جملة ما أفرزتْه.

стр. 6

٣ - عند الحوار يجب أن يتقرَّر النموذج الأمثل الذي ينبغي أن يحتذى ليكون مرجعًا في التمثيل وهدفًا يُسعى إلى بلوغه. وحيث إنَّ هذه الأسئلة صدرت من مؤسسة تنصيريَّة اسمها " الآباء البِيض "، فهل تريد هذه المؤسسة أن تكون المبادئ النصرانيَّة هي الأنموذج المحتذَى؟ ، لا أظنُّ ذلك؛ لأنّ الجميع من النصارى وغيرهم يعلم واقعَ النصرانيَّة من خلال كتابها المقدس ومن لخلال ممارسات البابوات والرهبان في الماضي والحاضر، وفي ثنايا إجابتي هذه قد أُلمح إلى نموذج من الانحرافات النصرانيَّة والكنسية. وإن كانت اليهودية هي الأنموذج، فحقيقة النصرانية وبابواتها وأحبارها ومراجعها يرون أنَّ اليهوديَّة محرفَّة وغير صالحة.

стр. 7

أمَّا إذا كان الأنموذج هو الحضارة الغربيَّة المعاصرة، فما شأن البابوات وأتباعهم بها؟ ، وإن كانوا معجبين بها وعندهم قناعة ليعرضوها على الناس ويدعوهم إليها، فهذه تبعية مخجلة؛ لأنَّ هذه الحضارة - كما يعلم القاصي والداني - من أهمِّ الأسباب المقرّرة في ازدهارها بعدُها عن الكنيسة ورجالاتها، وقد شردت هاربةً منها هروبًا لا رجعَ بعده إلاَّ إذا أرادت هذه الحضارة أن تنتكس في رجعية القرون الوسطى كما يقولون. أمَّا الكاتب هنا، فلا يرى نموذج هذه الحضارة صالحًا ليكونَ المحتذَى؛ إذ أنَّ فيه انحرافًا ظاهرًا وبؤسًا على البشريَّة يحيط العالم بسببه خوف وإرهاب وتوتُّر وقلقٌ يوشك أن ينتهي إلى تدمير حقيقيٍّ شامل يعمُّ الحضارة وصُنَّاعها، وفيه

стр. 8

غير الانحراف مبادئ جوفاء من حقوق الإنسان والمساواة لا واقع لها، وإن كان لها شيء من الواقعيَّة، فهو مختص بالرجل الأبيض، أمَّا من عداه فليس إلاَّ قانون الغاب أو مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) . وبهذا يتقرَّر - مع الأسف - أنَّه ليس ثمَّة أرضيَّة مشتركة مقنعة ننطلق منها لنصل إلى نتيجة مقنعة. ٤ - جميع الأسئلة المثارة لا يوجد لها جواب في الديانة النصرانيَّة والعقيدة المسيحيَّة، فكيف تثيرها مؤسسة تنصيريَّة؟ . فقضايا الرقِّ وقضايا المرأة والحروب المقدَّسة والتفرقة بين معتنقي النصرانية وغيرهم كلها مقررة في الديانة النصرانيَّة، ومن حقِّ القارئ أن يعرف ما هو جواب المسيحيَّة على ذلك.

стр. 9

وحيث إنَّ الجواب بالسلب، فلماذا لا يتركون الدعوة إلى النصرانيَّة لأنها تتبنّىَ كلَّ هذه القضايا المثارة؟ . ولكنَّها أثيرت هذه الأيَّام باعتبارها معايب ونقائص يُقصد منها النيل من الإسلام والمسلمين. ٥ - وأمر أدهى وأمرُّ وهو شعور المطَّلع على هذه الأسئلة بعدم التجرُّد من قِبل واضعيها. فاتباع الهوى فيها هو المسيطر على مجريات الأسئلة مع تبنِّي أحكام وتصوُّرات مسبَقة لديهم. ٦ - إنَّه ليحزنني أن تكون هذه هي المقدِّمة التي أدخل بها إلى هذا الموضوع وأجوبته، ومع هذا فليعلم كلُّ مطَّلع وليستيقن كلُّ ناظر أنِّي سأبذل قُصارى الجهد في قصد الحقِّ والتِماسه؛ خوفًا من الله ، ورجاءً فيما عنده، وأداءً

стр. 10

للأمانة، ونُصحًا للبشريَّة كلِّها. ٧ - وأنبِّه المطَّلع الكريم أنَّ هذه الإجابة قصد بها خطاب غير المسلمين ممَّن لا يدينون بالاستدلال بالنصوص الشرعيَّة - كتابًا وسنَّة -، ومِن ثمَّ جاءت المناقشة والحوار أقرب لمخاطبة العقل ومحاورة الفكر، والنظر مِن أيِّ شيءٍ آخر. على أنَّه قد جرى إيراد حشدٍ من النصوص الشرعيَّة حين اقتضى الأمر ذلك، كما يلحظ في موضوع الرِّقَ وغيره. وأقول بكلِّ ثقة واعتزاز إنَّ ديني هو الإسلامٍ، وإيماني به لا يتزعزع، والقرآن كلام الله حقيقة، ومحمَّد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو رسول الله إلى الناس كافَّةً، وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ من أنبياء الله ومن أولي العزم من الرسل، والله قد بعث في كلِّ أمَّة رسولًا، والإسلام هو دين

стр. 11

الله الخاتم الذي لا يقبل دينًا غيره. والله المسُتعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم. هذا وقد أجريتُ تغييرًا في ترتيب الأسئلة، وصنَّفتُها حسب موضوعاتها، ولم ألتزم ترتيبها الأصليَّ، وسوف أُثبت في آخر الأجوبة مجموعة الأسئلة حسبَ ترتيب واضعيها.

стр. 12

[المساواة] المساواة المساواة في البشر ترجع إلى مدى تطابقها وتماثلها في الصفات الخلقية والخلقية فكلما تطابقت هذه الصفات أو تقاربت، كانت المساواة والمماثلة أدق وأقرب، وإذا تفاوتت لزم التفاوت في الآثار. وأخذًا من هذه المقدمة فمن المتعذر الجزم بالتساوي المطلق بين بني البشر، غير أننا نقول أن الاصل في التساوي في الحقوق والواجبات؛ لوجود الحد الأدنى من التماثل في القدرات البدنية والكفاءات الذهنية التي تجعلهم قادرين على فهم النظم والقوانين، واستيعابها وتطبيقها والاستجابة لها والمحاسبة عليها، ولكن المعلوم أن أصل

стр. 13

خلقة البشر جاءت على التفاوت في المواهب والأخلاق، ممَّا تجعل هناك موانع جِبِلِّيَّة واجتماعية وسياسية على نحو ما هو مثار في الأسئلة. وبعض هذه الموانع قد يكون مؤقَّتًا وقد يكون دائمًا، وبعضها قد يكون قليل الحصول وقد يكون أغلبَيَّا. غير أنَّ أثر كلَ مانع مقصور على نفسه، فلا يمنع المساواة في الحقوق الأخرى. فصاحب الخُلُق الفاضل لا يساوي دنيء الخلق في مجاله، لكنَّه لا يمنع التساوي معه في الحقوق الأخرى، والذكيُّ لا يساوي الغبي، والمرأة ليست كالرجل في صفاتها ومواهبها وقدراتها، (وسيأتي للكلام عن المرأة موضع مستقل إن شاء الله) . هذه بعض الموانع الجِبِلِّيَّة الخَلقية. ومن الموانع الاجتماعيَّة - أي: الموانع التي

стр. 14

اتَّفق عليها المجتمع نتيجةً للتجارب وممارسة الحياة، وهي في حقيقتها راجعة إلى القناعة العقليَّة المؤكدة للتفاوت في هذه الصفات - منع التساوي بين العالم والجاهل، فإنَّ الناس متفقون على أنَّ الجاهل لا يستحقّ الصدارة في المسئوليات، والاعتماد عليه في قضايا الأمة وشئون المجتمع. ومن الموانع السياسيَّة ما يتَّفق عليه أهل الحكم والإدارة من منع بعض الفئات من تولَي مسئوليَّات في الدولة لأسباب سياسيَّة أو عسكريَّة، وهو أمر معترف به بين الأمم مِن غير إنكار. وذلك كمنع الأجنبي من تولِّي مسئولية من مسئوليات الحكم في الدولة، حيث تقصر هذه الولايات والوظائف على المواطنيين. ومثله حقُّ الانتخاب والمنع من بعض الحِرف

стр. 15

والاستثمار والتنظيم الخاصّ بالعسكريين والدبلوماسيين، ومنعهم من الزَّواج بالأجنبيَّات، وأمثال ذلك كثير. ويندرج في ذلك منع الذمِّيين في دولة الإسلام من تولي بعض الولايات، ومثله منع أهل الذِّمَّة من الزَّواج بالمسلمات، ممَّا سيأتي له مزيد تفصيل. ويمكن اعتبار المثالين الأخيرين من الموانع الشرعيَّة؛ لأنَّ هذه أحكام مقرَّرة في الشريعة الإسلاميَّة، وهي ترجع - كما يلاحظ القارئ - إلى أمور منطقيَّة وأعراف اجتماعيَّة صحيحة. هذه أمثلة يمكن من خلالها فهم الضوابط، ومن ثمَّ القناعة بعدم إمكان المساواة المطلقة بين الناس، بل لو قيل بالمساواة المطلقة، لترتَّب على ذلك أمور لا يطيقها البشر، ولأَدَّى بالناس إلى إهمال مواهبهم وإهدار طاقاتهم، وذلك فساد

стр. 16

قبيح ظاهرِّ يئول إلى اختلال نظام العالم في إلغاء المميزات والحقوق التي تقود إلى البناء والإصلاح وَتقَدُّم العالم، وانهيار الشيوعيَّة الذي نشهده هذه الأيَّام برهان ماثل لأهل العقل والحكمة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ التفاوت في المواهب واستغلالها وطريقة الاستفادة منها يترتَّب عليه تفاوت مادِّيا فيما يستحقُّه كلّ صاحب موهبة يفيد منها أهله ولمجتمعه، ومِن أجل هذا برز الترتيب الوظيفي في رؤساء المصالح ومديريها ومَن دونهم. والشريعة الإسلاميَّة - وتمشِّيا مع الفطرة السليمة - لا يمكن أن تدعو إلى مساواة تُلغِي فيها هذه الفروق الفرديَّة والمواهب الشخصيَّة والتمايز الموجود بين الإنسان مما له أثر في صلاح العالم أفرادًا ومجموعات، وذلك الصلاح والإصلاح هو

стр. 17

غاية الشريعة ومقصدها. إذًا هذا هو التفاوت المؤثِّر والمقتضي للمنع من المساواة عند وجوده. أمَّا التمايز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة، فهو غير مؤثِّر في شريعة الإسلام ألبتَّةَ لكنَّه مشار إليه في الشريعة على أنَّه آية من آيات الله الدالَّة على عظمته وكمال قدرته، واستحقاقه للعبادة سبحانه. ولهذا النوع من التمايز وظيفة أخرى نبَّه إليها الإسلام، وهي وظيفة التعارف والتآلف، وفي النصِّ القرآنيِّ الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] الحجرات الآية ١٣. يؤكد هذا في دين الإسلام أنه من المتقرِّر عند المسلمين أنَّ الله لم يخلق شعبًا فوق الشعوب ولم يميِّز قومًا على قوم، وقيمة الإنسان عند الله وعند

стр. 18

الناس ما يحسنه ويقوم به من عمل صالح وجهد طيِّب في طاعة الله واتِّباع أمره، وهو ما يصطلح في الشريعة (التقوى) ، وفي النصِّ القرآني: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] الحجرات ١٣ ويقرِّر ذلك نبيُّ الإسلام محمِّد ﷺ بقوله: «أيُّها الناس، إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحد، كلّكم لآدم وآدم من تراب، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربيٍّ على عجميٍّ ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمر على أبيض ولا أبيض على أحمر فضل إلاَّ بالتقوى. . .» أخرجه أحمد والترمذي عن أبي نضرة، وقال الهيثميُّ: رجاله رجال الصحيح. وقد «سُئل النبيُّ ﷺ : أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟ ، قال: " أنفع الناس للناس» أخرجه الطبرانيُّ وغيره بألفاظ متقاربة، وهذا لفظ الطبراني من حديث ابن عمر (١) ". [الحرية مقدِّمة حرية الفكر لا حرية الكفر] مقدِّمة حرية الفكر لا حرية الكفر

стр. 19

الحرية سوف يكون الكلام في هذا المقام من عدة جوانب: ١ - لا إكراه في الدين. ٢ - الحرية الدينيَّة لغير المسلمين في بلاد الإسلام. ٣ - حكم الردَّة. ٤ - الرق. مقدِّمة حرية الفكر لا حرية الكفر جاء في صيغة السؤال حول الحرية العبارة التالية: " كيف يمكن التوفيق بين حرية التفكير والاعتقاد التي منحها الله للإنسان. . . إلخ ".

стр. 20

والذي نقوله: إنَّ حرية التفكير مكفولة، وقد منح الله الإنسان الحواسَّ من السمع والبصر والفؤاد؛ ليفكِّر ويعقل ويصل إلى الحقِّ، وهو مسئول عن التفكير الجادِّ السليم، ومسئول عن إهمال حواسِّه وتعطيلها، كما أنَّه مسئول عن استخدامها فيما يضرُّ. أمَّا حرية الاعتقاد، فلم يمنحْها الله سبحانه مطلقةً بحيث يعتقد كلُّ إنسان كما يشاء، بل الله سبحانه يلزم العقلاء البالغين من البشر باعتقاد ربوبيَّته وألوهيَّته، وطاعته والخضوع له وحده، ولا يقبل منهم غير ذلك. برهان ذلك: أنَّ هذا العالم الرحب الذي نعيش فيه لم تُبنَ جنباتُه كيفما اتَّفق، ولم تُركَم موادُّه بعضُها فوق بعض بطريق الجزاف، بل هو مخلوق

стр. 21

مصنوع وفقَ نظام محكَم وقانون دقيق، فما يطير في الجوِّ انخفاضَاَ وارتفاعًا محكومٌ بقانون، وما يُلقى في الماء من أجسام غوصًا وطفوًا وسبحًا مضبوطٌ بقانون، وما ينبت في الأرض من نبات فيختلف طعمه ولونه وثمره خاضع لقانون، فكلُّ ما في السماء وما في الأرض قد خُلق مقرونًا بالحقِّ، وما على من يَنشد الحقَّ والحقيقة إلاَّ أن يتصفَّح صفحات هذا الكون الفسيح؛ ليعرف من حقائقه ما يزيده بالخالق إيمانًا، وبصنع هذا العالم دقَّة وإتقانًا. والإنسان لا يولَد عالمًا ولا عارفًا، ولكنَّه يولَد مزوَّدًا بوسائل العلم والمعرفة، عقلًا وسمعًا وبصرًا، خُلق ليعرف الحقَّ ويستدِلَّ له ويستدلَّ عليه، لا ليعيش على الباطل ويسير في مسالكه

стр. 22

المعوجَّة. والحرية في هذا الميدان مطلقة ما دام أنَّها في الكون وآياته، وفيما تناوله وسائل الإنسان وقدراته. وبهذا الضابط نقول: إنَّ حرية الفكر والتفكير مكفولة مطلقة، ولكن حرية الشهوة مقيَّدة، فمِن غير المقبول في العقول الاندفاع وراء الرغبات والغرائز؛ لأنَّ طاقة الإنسان محدودة، فإذا استُنفِذت في اللهو والعبث والمجون، لم يبق فيها ما يدفعها إلى الطريق الجادِّ ويدلها على مسلك الحقِّ والخير. وبناءً عليه فإنَّ ما يُرى في عالمنا المعاصر وحضارته المادِّية من إيجابيات خيّرة، فهي مِن حسن استخدام حرية الفكر والنظر، وما يرى من أضرار وانتكاسات وقلاقل نفسية

стр. 23

وغير نفسيَّة، فهي من إطلاق حريَّة الهوى والعبث. ومِن أجل هذا فإنَّنا نقول بكلِّ قوَّة وثقة: " في الوقت الذي يطلق فيه للفكر حريته يجب أن تُحجز النفوس عن أهوائها ". فعلينا ونحن نتحدَّث عن الحريَّة أن نفرِّق بين الأمرين ونُميِّز بين النهجين. [الحرية الحقيقيَّة] الحرية الحقيقيَّة حينما قلنا إنَّ الإنسان ليس حرًّا في الاعتقاد، بل يجب أن ينحصر اعتقاده في الله وحده ربًّا ومعبودًا، لا يجوز أن يخضع لغيره أو يطيع سواه فيما يخالف أمر الله. نقول ذلك؛ لأنَّ هذا هو ضامن الحريَّة الحقيقيَّة على هذه الأرض. . . لماذا؟ لأنَ البشريَّة منذ القدم وحتَّى اليوم وهي تعاني

стр. 24

في كثير من دِيارها من طواغيت متنوِّعة خضعت لها رءوسها، وذلَّت لها رقابها، حتَّى اندثر كلُّ معنًى للحرية، وغاب كلُّ أثرٍ للكرامة الإنسانيَّة في نفوس هؤلاء الخاضعين لغير الله. فالخضوع والخوف والرهبة والانقياد والاستسلام لا يكون إلاَّ لله الذي له صفات الكمال المطلق، فهو وحده الغنيُّ القادر المسيطر القاهر الحكم العدل الذي لا يجوز عليه الظلم؛ لأنَّ الظلم أثر من آثار الضعف والحاجة والله منزه كلِّ ذلك. أمَّا من خضع لغير الله، فقد انتقص من حرية نفسه بمقدار خضوعه وذِلَّته لغير ربه. والطواغيت التي سلبت الناس حريَّاتِهم كثيرة، من أمثال علماء السوء والأحبار والرهبان

стр. 25

والكهان والحكَّام والدرهم والدِّينار. وترقَّى الأمر عند هذه الفئات حتَّى حرَّفوا الكتب المنزَّلة على الرسل؛ لتتمشَّى مع أهوائهم، وأدخلوا فيها ما ليس منها، وترقَّى بهم الأمر إلى أن جعلوا لأنفسهم صلاحيَّةَ منح الثواب وإنزال العقاب، وإعطاء صكوك غفران بمحو الذنوب ودخول الفردوس الأعلى. ومِن صور ذلك في وقتنا المعاصر الطغيان المادِّي والتفسير المادِّي للتاريخ والحوادث، واستعباد الشهوات والملذَّات. ومن هنا فإنَّ الدعوة إلى التوحيد والخضوع لله وحده دعوة لإقامة صرح الحرية، ورفض رفع قيود الظالمين عن أعناق البشر، وبهذا تُحمى حريَّة الإنسان من أن يسلبها أولئك المتطاولون المغرورون،

стр. 26

فلا يحني الإنسان رأسه أو تذلُّ هامته لأحد من بني البشر، أيا كان على الإطلاق، لأنَّه خضوع للباطل وتعدٍّ على الحريَّة. [لا إكراهَ في الدِّين] لا إكراهَ في الدِّين الإكراه في الإسلام على الدِّين والعقيدة منفي من عدَّة جهات: الأولى: أنَّ من آمن مُكرَهًا فإنَّ إيمانَه لا ينفعه ولا أثرَ له في الآخرة، فلا بدَّ في الإيمان أن يكون عن قناعة واعتقاد صادقٍ واطمئنان قلب. وقد جاء في القرآن الكريم عن فرعون حين أدركه الغرق أنَّه أعلن الإيمان والتصديق بالله ربًّا ومعبودًا، ولكن ذلك لم ينفعْه:

стр. 27

﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ - آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١] يونس: ٩٠ - ٩١ وجاء في حكاية قومٍ آخرين: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ - فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] غافر: ٨٤ - ٨٥ بل التوبة من الذنوب والمعاصي لا تكون مقبولةً إلاَّ إذا كانت عن اختيارٍ وعزم صادق. الثانية: وظيفة الرسل والدعاة من بعدهم مقصورة على البلاغ وإيصال الحقِّ إلى الناس، وليسوا مسئولين عن هدايتهم واعتناقهم للدِّين واعتقادهم الحقَّ، فالمهمَّة هي البلاغ والإرشاد والمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما

стр. 28

الاهتداء والإيمان، فليس إلى الرسل ولا الدعاة. وهذا يؤكِّد جانبًا من جوانب الحريَّة، ألا وهو تحرُّر الإنسان من كلِّ رقابة بينه وبين خالِقه، فالعلاقة مباشرة بين الإنسان وربِّه مِن غير واسطة أو تدخُّلِ من أن أحدٍ مهما كانت منزلتُه، سواء أكان ملًكَا أو نَبِيًّا أو غير ذلك. وممَّا يؤكِّد ذلك في القرآن الكريم ما جاء في حقِّ محمَّد ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ - لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] الغاشية: ٢١ - ٢٢ الثالثة: واقع غير المسلمين في بلاد المسلمين: عاش الذِّمِّيُّون وغيرهم في كنَفِ الدولة الإسلاميَّة دونَ أن يتعرَّضَ أحد لعقائدهم ودياناتهم، بل لقد جاء في الكتاب الذي كتبه النبيُّ محمَّد ﷺ في أوَّل قدومه المدينة؛ ليرسم به منهجًا

стр. 29

ودستورًا في التعامل:. . ومن تبعنا من يهود فإنَّه له النّصرة والأسوة. . . لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. . . وإنَّ الجار كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم. . (١) وأقرَّهم على دينهم وأموالهم كما كان الحال مُشابِهًا مع نصارى نجران. وصحابة الرسول من بعدِه ساروا على طريقه في معاملة غير المسلمين، فكان من أقوال خليفته أبي بكر ﵁ لبعض قُوَّاده: (. . . أنتم سوف تمرُّون بأقوام قد فرَّغوا أنفسَهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له. . . .) . ومن وصايا الخليفة الثاني عمر: (. . . أُوصي بأهلِ الذِّمَّة خيرًا أن يُوفَى لهم بعهدِهم، وأن يقاتَل من ورائهم، وألا يكلَّفوا فوقَ طاقتِهم. . .) .

стр. 30

ومِن أقوالِ الخليفة الرابع عليٍّ: (. . . من كانت له ذمَّتنا، فدمُه كدمِنا ودِيتُه كدِيتنا. . .) (١) . وتاريخ الإسلام الطويل شاهدٌ على أنَّ الشريعة وأهلَها قد كفلوا لأتباع الأديان الَّذين يعيشون في ظلِّ الإسلام البقاء على عقائدهم ودياناتهم، ولم يُرغَمْ أحد على اعتناق الإسلام. ومعلوم لدى القاصي والداني أنَّ هذا لم يكن موقفَ ضعْفٍ مِن دولة الإسلام، بل كان هذا هو مبدأها، حتَّى حين كانت في أوج قوَّتها أمَّة فتيَّةً قادرةً، ولو أرادتْ أن تفرضَ على الأفراد عقيدتَها بالقوَّة القاهرة، لكان ذلك في مقدورها، لكنَّها لم تفعل. الرابعة: المسلم إذا تزوَّج كتابيَّة، فإنَّه لا يلزمها بالتخلَي عن دِينها والدخول في الإسلام، بل لها الحق الكامل في البقاء على ديانتها

стр. 31

وحقوق الزَّوجيَّة محفوظةٌ لها كاملة. [حكم الرِّدة] حكم الرِّدة الكلام عن الردة ينتظم عدة جوانب: أولها: الإيمان بالإسلام المبنيُّ على الإكراه والجبر غير معتَدِّ به - كما سبق -، أي: أنَّه لا يدخل الداخل فيه حقيقةً، إلاَّ إذا كان عن اقتناع ورِضًا وتبصُّر؛ ذلك أنَّ النظرة العاقلة المنصفة تؤكِّد كمالَ هذا الدِّين، وتنزُّهه عن الباطل، وتحقيقَه لحاجات البشر، وتوافُقَه مع الطبائع السليمة التي فَطَر الله الناسَ عليها. الثاني: في تاريخ الإسلام الطويل لا يكاد يُذكر مرتد ارتدَّ عن هذا الدَين رغبةً عنه وسخطا عليه، وإن وُجد فلا يخلو مِن أحد رجلين: - إمَّا أن يكونَ لمكيدةٍ يُقصَد بها الصَّدُّ عن

стр. 32

دين الله، كما حصل من بعض اليهود في أوَّل عهد الدعوة حينما تمالأ نفر منهم بأن يؤمنوا أوَّلَ النهار ثمَّ يكفروا آخره مِن أجل إحداث البلبلة في المؤمنين؛ لأنَّ اليهودَ أهلُ كتاب، فإذا حصل منهم هذا، يختلج في بعض النفوس الضعيفة أنَّ هؤلاء اليهود لو لم يتبيَّنوا خطأً في هذا الدِّين الجديد لما رجعوا عنه، فكان مقصدهم الفتنةَ والصدَّ عن دين الله. - وإمَّا أن يكون هذا المرتدُّ رجلًا يريد أن يُطلق لشهواته العنان، ويتحلَّل من ربقة التكاليف. الثالث: الخروج عن الإسلام يعتبر خروجًا على النظام العام؛ ذلك أنَّ الإسلام دينٌ كامل، كما يهتمُّ بعلاقة الإنسان بربِّه فهو

стр. 33

يهتمُّ بعلاقته بغيره مِن بني جنسه، بين المرء وزوجه، وبينه وبين أقربائه وجيرانه، وفيما بينه وبين أعدائه حربًا وسلمًا في شمولٍ منقطعِ النظير عبادةً ومعاملةً وجنايةً وقضاءً إلى سائر ما تنقسم إليه قوانينُ الدنيا، بل أوسع من ذلك. وبناءً على هذا فيجب النظر إلى الإسلام ككلٍّ متكامل، وليس قاصرًا فقطْ على علاقة العبد بربِّه كما يظنُّه غير المسلمين. وإذا كان ذلك كذلك، فالرِّدَّة تعني الخروج تعني الخروج عن النظام. الرابع: في جعل العقوبة على الرِّدَّة إباحة دم المرتدِّ زاجر لمن يريد الدخول في هذا الدِّين مشايعةً ونفاقًا للدولة أو لأهلها،

стр. 34

وباعث له على التثبُّت في أمره، فلا يعتنقه إلاَّ على بصيرة وسلطانٍ بيِّن، فالدِّين تكاليف وشعائر يتعسَّر الاستمرار عليها مِن قبل المنافقين وأصحاب المآرب المدخولة. الخامس: للإنسان قبل أن يؤمن بالإسلام الحقُّ في أن يؤمن أو يكفر، فإذا آثر أيَّ ديانة من الدِّيانات، فلا اعتراضَ عليه، ويبقى له حقُّ الحياة والأمن والعيش بسلام، وإذا آثر الإسلام ودخل فيه وآمن به، فعليه أن يُخلص له ويتجاوب معه في أمرِه ونهيِه وسائر هدْيِه في أصوله وفروعِه. ثمَّ بعد ذلك نقول: هل مِن حرِّيَّة الرأي أن يمكن صاحبها من الخروج على هذا المجتمع ونبذ

стр. 35

قواعده ومُشاقَّة أبنائه؟ ، هل خيانة الوطن أو التجسُّس لحساب الأعداء من الحرِّيَّة؟ ، هل إشاعة الفوضى في جنباته والاستهزاء بشعائره ومقدَّساته من الحرَيَّة؟ ، إنَّ محاولة إقناع المسلمين بقبوله هذا الوضع سفَه، ومطالبة المسلمين بتوفير حقِّ الحياة لمن يريد نقض بناء دينهم وتنكيس لوائه شيءٌ عجيب! ! ونقول بكلِّ قوَّة إنَّ سرقة العقائد والنيل من الأخلاق والمثل أضحتْ حرفةً لعصابات وطوائف من دعاة التنصير الكارهين للإسلام وكِتابه ونبيِّه وأتباعه، وما فتئوا يثيرون الفتن وأسبابها في كلِّ ناحية من أجل هزَ كيان المجتمع وقلبه رأسًا على عقب. ويؤكد حقنا في رفع الصوت عاليًا ما نرمقه من

стр. 36

المواقف المفضوحة في بلاد الحرِّيَّات - فرنسا وبريطانيا وأمريكا - من المسلمين الذين بدأوا يُظهرون تمسُّكًا بدينهم وظهورهم بالزِّيِّ المحتشِم رجالًا ونساءً ممَّا أثار حفائظهم، وبخاصَّة الفرنسيِّين في قضيَّة الحجاب، على الرغم مِن أنَّ قوانينهم فيها نصوص تعطي الحقَّ لأهل كلَ ديانة أن يلتزموا بدياناتهم، ولكنَّهم بحجَّة الأمن والحِفاظ على النظام العام كانت لهم تلك المواقف المكشوفة، ومن حقِّنا كذلك أن نتذكَّر ما يجري لكثير من الأقليات المسلمة في روسيا وبلغاريا ممَّا هو معلنٌ، فكيف بغير المعلن. ثمَّ إنَّ عقوبة الإعدام موجودة في كثير من القوانين المعاصرة، سواء لمهرِّبي المخدِّرات أو غيرهم، وهم لم يقولوا بها إلاَّ لجدواها في القضاء

стр. 37

على الجريمة والتخفيف منها، وحماية لعموم المجتمع من سوئها، ولم يقل أحد أنَّ تشريع عقوبة الإعدام في حقِّ هؤلاء المفسدين مصادم لحرَيَّتهم إذا كانوا قد تجاوزوا في حرِّيَّاتهم، حتَّى سطوا على حريات الآخرين أو نغصوا عليهم حياتهم الطبيعية الآمنة السويَّة. وهناك إعدام مِن أجل الخيانة العظمى أو ما يشبهها، ولم يكن هذا مصادمًا للحرِّيَّة أو محلَّ نقد لدى هذه المؤسسة التنصيريَّة وأشباهها، ممَّا يُذكِّر بما قلناه أول الحديث من الشكِّ في حسن النيَّة في إثارة مثل هذه التساؤلات. وفي ختام هذه الفقرة عن حرِّيَّة الديانة والارتداد أنقل بعض الوقائع من مواقف الديانات

стр. 38

الأخرى نحو المسلمين، والتعسُّف والتعصُّب والحقد الدفين الذي يظهر واقعًا حيًّا حين تُتاح له فرصةُ الظهور. يقول الكاتب " جيبون ": (إنَّ الصليبيِّين خدَّام الربِّ يومَ استولوا على بيت المقدس في ١٥ ٧ ١٠٩٩ م رأوا أن يُكرموا الربَّ بذبح سبعين ألف مسلم، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحة استمرَّت ثلاثة أيَّام بلياليها، حطَّموا رءوسَ الصبيان على الجدران، وألقَوا الأطفال الرضَّع من سطوح المنازل، وشووا الرجال والنساء بالنار، وبقروا البطون ليروا هل ابتلع أهلها الذهب. . .) ، ثمَّ يقول الكاتب: (كيف ساغ لهؤلاء بعد هذا كلِّه أن يضرعوا إلى الله طالبين البركة والغفران) (١) .

стр. 39

ويقول " جوستاف لوبون " عن فعل الصليبيِّين بمسَلمي الأندلس: (لماَّ أُجلي العرب - يعني: المسلمين - سنة ١٦١٠م اتُّخِذَت جميعُ الذرائع للفتك بهم فقُتل أكثرهم، وكان من قتل إلى ميعاد الجلاء ثلاثة ملايين من الناس، في حين أنَّ العرب لمّاَ فتحوا أسبانيا تركوا السكَّان يتمتَّعون بحرِّيَّتهم الدِّينيَّة محتفظين بمعاهدهم ورئاستهم. . . وقد بلغ مِن تسامح العرب طوالَ حكمهم في أسبانيا مبلغًا قلَّما يصادف الناس مثله هذه الأيام) (١) . وفي أيَّامنا هذه نقرأ في وثائق اليهود نحو أهل فلسطين: (يا أبناء إسرائيل، اسعدوا واستبشروا خيرا، لقد اقتربت الساعة التي سنحشر فيها هذه الكُتل الحيوانيَّة في إصطَبلاتِها، وسنخضعها

стр. 40

لإرادتنا ونُسخِّرها لخدمتنا) (١) . وفي روسيا الشيوعيَّة أغلقت الحكومة أربعة عشر ألف مسجد في مقاطعة تركستان وفي منطقة الأورال سبعة آلاف مسجد، وفي القوقاز أربعة آلاف مسجد، وكثير من هذه المساجد حوِّلت إلى دور للبغاء وحوانيت خمر وإصطبلات خيول وحظائر بهائم، وفوق ذلك التصفية الجسديَّة للمسلمين. ويكفي أن نعلم أنَّهم قتلوا في ربع قرن ستَّةً وعشرين مليون مسلم، مع تفنّن في طرق التعذيب والقتل. والدول الشيوعيَّة الدائرة في فلك روسيا حذتْ حذوها، ففي يوغوسلافيا أباد " تيتو " ما يقارب مليون مسلم.
следующие страницы →