← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30828

حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين

إسماعيل الأنصاري

Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[تقريظ صاحب السماحة العلامة الجليل الأثري الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز] حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين تأليف فضيلة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري

стр. 2

تقريظ صاحب السماحة العلامة الجليل الأثري الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله - آمين - لهذه الرسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد، فهذه الرسالة مهمة في حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد أهل الإسلام، جمعها العلامة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري الباحث في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - جزاه الله خيرا وزاده علما وتوفيقا (١) - ردا على ما نشرته بعض الجرائد المصرية في جواز إحداث الكنائس في البلاد الإسلامية. وقد قرأت هذه الرسالة من أولها إلى آخرها فألفيتها رسالة قيمة، قد ذكر فيها مؤلفها ما ورد في بناء الكنائس والبيع وسائر المعابد الكفرية من الأحاديث النبوية والآثار وكلام أهل العلم في المذاهب الأربعة، وقد أجاد وأفاد وختمها برسالتين جليلتين عظيمتي الفائدة للإمام العلامة أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ولا ريب أن موضوع الرسالة مهم جدا ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه اختلاط الكفار بالمسلمين ونشاط النصارى في بناء الكنائس في بعض البلاد الإسلامية ولا سيما بعض دول الجزيرة العربية.

стр. 3

وقد أجمع العلماء ﵏ على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية، وعلى وجوب هدمها إذا أُحدثت، وعلى أن بناءها في الجزيرة العربية كنجد والحجاز وبلدان الخليج واليمن أشد إثما وأعظم جرما؛ لأن الرسول ﷺ أمر بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، ونهى أن يجتمع فيها دينان، وتبعه أصحابه في ذلك. ولما استخلف عمر ﵁ أجلى اليهود من خيبر عملا بهذه السنة، ولأن الجزيرة العربية هي مهد الإسلام ومنطلق الدعاة إليه ومحل قبلة المسلمين فلا يجوز أن ينشأ فيها بيت لعبادة غير الله سبحانه كما لا يجوز أن يقر فيها من يعبد غيره. ولما حصل من التساهل في هذا الأمر العظيم رأيت أن نشر هذه الرسالة مفيد جدا إن شاء الله، بل من أهم المهمات ولهذا أمرت بطبعها ونشرها وتوزيعها على حساب رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نصحا للأمة وبراءة للذمة ومساهمة في إنكار هذا المنكر العظيم والدعوة إلى إنكاره والتحذير منه، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يطهر بلاد المسلمين عموما والجزيرة العربية خصوصا من جميع المعابد الشركية، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين إلى إزالتها والقضاء عليها طاعة لله سبحانه وامتثالا لأمر رسوله ﵊ وسيرا على منهج سلف الأمة وتحقيقا لما دعا إليه علماء الإسلام من إزالة الكنائس والمعابد الشركية المحدثة في بلاد المسلمين، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان. أملاه الفقير إلى عفو ربه: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز - الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. حرر في ليلة الخميس ٢٥ / ١٠ / ١٤٠٠ هجرية.

стр. 4

[مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد نشرت جريدة الشرق في عددها الصادر في يومي الثلاثاء والأربعاء ١٣ - ١٤ / ٢ / ١٩٧٩ أن الدكتور صوفي أبا طالب رئيس مجلس الشعب المصري صرح في ندوة جماهيرية عقدت لبحث تطبيق الشريعة الإسلامية بأن من أهم الأسس الدالة على عظمة الإسلام وسموه التي يجب أن تقوم عليها العلاقة بين الأغلبية الإسلامية والأقليات المسيحية عند تطبيق الشريعة الإسلامية في الدول الإسلامية المختلفة ومن بينها مصر إطلاق حرية الأقليات في السماح لهم ببناء الكنائس. وحيث إن إطلاق الحرية في ذلك لم يسوغه شرع قط بل جميع الشرائع متفقة على تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم إنشاء مكان يكفر فيه بالله تعالى، والكنيسة لا تتخذ إلا لذلك فقد تعقبنا رأيه ذلك بهذا الرد المرتب على ما يلي: ١ - بيان ما ورد من الأحاديث في منع ذلك. ٢ - ذكر ما ورد من الآثار عن الصحابة في ذلك. ٣ - إيراد نصوص المذاهب الأربعة في الموضوع. ٤ - تقسيم البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد وحكم الكنائس فيها.

стр. 5

٥ - خاتمة في تحقيقات لشيخ الإسلام ابن تيمية في الموضوع تحتوي عليها رسالتان له. والله أسأل التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 6

[بيان ما ورد في منع إحداث الكنائس في بلاد الإسلام من الأحاديث] بيان ما ورد في منع إحداث الكنائس في بلاد الإسلام من الأحاديث وردت أحاديث في منع إحداث الكنائس في بلاد الإسلام نذكرها فيما يلي: ١ - ما رواه أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان المعروف بأبي الشيخ في كتاب شروط الذمة، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، ثنا سليمان بن داود أبو أيوب، ثنا سعيد بن الحباب، ثنا عبيد بن بشار، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تُحدثُوا كنيسة في الإسلام ولا تُجددوا ما ذَهَب منها» . ومن طريق أبي الشيخ بهذا السند روى السبكي في فتوى له في منع ترميم الكنائس هذا الحديث في الباب الذي عقده للأحاديث الواردة في منع ذلك. ثم قال: " هكذا في هذه الطريق عبيد بن بشار وأظنه تصحيفا، فقد رواه أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ الجرجاني في كتابه (الكامل) في ترجمة سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر في معصية، ولا يمين في معصية، وكفارته كفارة يمين» ، قال ابن عدي وبإسناده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها» ثم قال السبكي: سعيد بن سنان ضعفه الأَكثرون ووثقه بعضهم، وكان من صالحي أهل الشام وأفضلهم وهو من رجال ابن ماجه، كنيته أبو المهدي، وذكره عبد الحق في الأحكام " (١) . ٢ - ما رواه أبو داود في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من سننه وهو من

стр. 7

أبواب كتاب الخراج والفيء والترمذي في كتاب الزكاة من جامعه. وقال أبو داود ج ٢ ص ١٤٨ (مطبعة مصطفى البابي الحلبي الأولى) : " حدثنا سليمان بن داود العتكي، ثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكون قبلتان في بلد واحد» . وقال الترمذي في: " باب ما جاء ليس على المسلمين جزية " حدثنا يحيى بن أكثم، ثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصلح قبلتان في أرض واحدة وليس على المسلمين جزية» قال: وحدثنا أبو كريب، أخبرنا جرير، عن قابوس بهذا الإسناد نحوه، وفي الباب عن سعيد بن زيد وجد حرب بن عبيد الله الثقفي قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا " اهـ. كلام الترمذي. قال السبكي في فتوى له في منع ترميم الكنائس، وهي ضمن الجزء الثاني من فتاويه، قال (ص ٣٧٤ - ٣٧٥) : " وهذا الحديث قد اختلف في إسناده وإرساله، فرواه العتكي وأبو كريب عن جرير عن قابوس كما رأيت، ورويناه مقتصرا على الفصل الثاني من شقيه (١) وهو قوله: «ليس على مسلم جزية» في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلّام الذي سمعناه على شيخنا الدمياطي بسماعه من ابن الجميزي، قال أبو عبيد، ثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان بن سعيد، عن قابوس، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا. وجرير وإن كان ثقة لكن سفيان أجل منه، فعلى طريقة المحدثين المرسل أصح، وعلى طريقة بعض الفقهاء في المسند زيادة، وقد ذكر

стр. 8

الترمذي الخلاف في إسناده وإرساله، وقابوس فيه لين مع توثيق بعضهم له، وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه، ويحيى لا يحدث إلا عن ثقة، وفي القلب منه شيء ولا يتبين لي قيام الحجة به وحده، وعدت الشيخ نور الدين البكري في مرضه فسألني عن هذا الحديث وقال: ما بقي إلا تصحيحه، وأفتى بهدم الكنائس وبإجلاء اليهود والنصارى " اهـ المراد من كلام السبكي. وقد ذكر شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في فتوى له، في الكنائس ذكرها ابن القيم في كتاب أحكام أهل الذمة (٢ ٦٨٥) ذكر أن حديث: «لا تكونُ قبلتانِ في بلدٍ واحد» رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، وجزم بأن شرط عمر في شروطه المشهورة أن لا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة ولا ديرا ولا قلاية؛ امتثال من عمر لهذا الحديث «لا تكون قبلتان في بلد واحد» . ٣ - ما رواه أبو داود في " باب الإقامة بأرض الشرك " من سننه قال (٢ ٨٤) قال: " حدثنا محمد بن داود بن سفيان، ثنا يحيى بن حسان قال: أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود قال: ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب: أما بعد قال رسول الله ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» (١) . قال السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس ص ٣٧٥ من الجزء الثاني من فتاوى السبكي قال: " لم يروه من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود، وبوَّب له " باب الإقامة في أرض الشرك "، وليس في سنده ضعف، فهو حديث حسن، ثم ذكر السبكي أن أبا الشيخ قال:

стр. 9

" حدثنا إسحاق بن بيان الواسطي، ثنا فضل بن سهل، ثنا مضر بن عطاء الواسطي، ثنا همام، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُسَاكِنُوا المشركينَ ولا تُجَامِعُوهم، فَمنْ سَاكَنَهُم أو جامعهم فَهو مِثلُهم» ، وذكر السبكي أن هذا الحديث هو معنى الحديث الأول، وأن الكتابي يسمى مشركا، فالحديث على ذلك يشمله عنده فيستدل به على تحريم مساكنته، ثم قال: " والمساكنة إن أخذت مطلقة في البلد يلزم أن لا يكون لهم في تلك البلد كنيسة؛ لأن الكنيسة إنما تبقى لهم بالشرط إذا كانوا فيها " اهـ. ٤ - ما رواه مالك في " ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة "، من الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: " كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب» . وروى مالك أيضا في ذلك الباب عن ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان بجزيرة العرب» . قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» . فأجلى يهود خيبر. قال مالك: " وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك. فأما يهود خيبر فخرجوا منها ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء. وأما يهود فدك فكان لهم نصف الثمر ونصف الأرض؛ لأن رسول الله ﷺ كان صالحهم على نصف الثمر ونصف الأرض فأقام لهم عمر نصف الثمر ونصف الأرض قيمة من ذهب وورق، وإبل وحبال وأقتاب، ثم أعطاهم القيمة ثم أجلاهم منها " اهـ. ومرسل ابن شهاب الذي ورد في رواية مالك الأخيرة وصله صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. أخرجه إسحاق في مسنده ورواه

стр. 10

عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، فذكره مرسلا. وزاد فقال عمر لليهود: " من كان منكم عنده عهد من رسول الله فليأت به وإلا فإني مجليكم ". ورواه أحمد في مسنده موصولا عن عائشة ولفظه عنها قالت: «آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن لا يترك بجزيرة العرب دينان» . أخرجه من طريق ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة. . أفاد جميع ذلك - أي ما ذكرناه في مرسل ابن شهاب الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه " تلخيص الحبير ". وأما أرض العرب وجزيرة العرب الواردتان في روايتي الموطأ، فقد قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الجزء الأول من " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ": وأما قوله: " أرض العرب " و " جزيرة العرب " في هذا الحديث، فذكر ابن وهب عن مالك قال: أرض العرب مكة والمدينة واليمن. وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام عن الأصمعي قال: جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من سائر البحر إلى أطراف الشام. وقال أبو عبيد: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما في العرض فمن بير يبرين إلى منقطع السماوة، قال أبو عمر: أخبرنا بذلك كله أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان وأبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، قالا: حدثنا محمد بن عيسى وأخبرنا أبو القاسم بن عمر بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال: حدثنا أحمد بن خالد، قالا جميعا: حدثنا علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه في شرح غريب الحديث، وبجميع الشرح المذكور.

стр. 11

وقال يعقوب بن شيبة: حفر أبي موسى على منازل من البصرة في طريق مكة خمسة منازل أو ستة. وقال أحمد بن المعذل: حدثني يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري قال: قال مالك بن أنس: جزيرة العرب المدينة ومكة واليمامة واليمن. قال: وقال المغيرة بن عبد الرحمن: جزيرة العرب المدينة ومكة واليمن وقرياتها. وذكر الواقدي عن معاذ بن محمد الأنصاري أنه حدثه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي أنه سمعه يقول: القرى العربية: الفرع وينبع والمروة ووادي القرى والجار وخيبر، قال الواقدي: وكان أبو وجزة السعدي عالما بذلك، قال أبو وجزة: وإنما سميت قرى عربية لأنها من بلاد العرب. وقال أحمد بن المعذل: حدثني بشر بن عمر قال: قلت لمالك: إننا لنرجو أن تكون من جزيرة العرب - يريد البصرة - لأنه لا يحول بينكم وبيننا نهر، فقال: ذلك أن كان قومك تبوءوا الدار والإيمان " قال أبو عمر ﵁: قال بعض أهل العلم: إنما سمي الحجاز لأنه حجز بين تهامة ونجد، وإنما قيل لبلاد العرب جزيرة لإحاطة البحر والأنهار بها من أقطارها وأطرافها، فصاروا فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر " اهـ. ما في التمهيد عن أرض العرب وجزيرة العرب. ٥ - ما رواه أحمد بن حنبل وأبو عبد القاسم بن سلام عن توبة بن نمر عمن أخبره: قال أحمد بن حنبل، ثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعد، عن توبة بن نمر الحضرمي (قاضي مصر) عمن أخبره، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا خِصَاء في الإسلام ولا كنيسة» (١) .

стр. 12

وقال أبو عبيد في كتاب الأموال: " حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال: حدثني توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر عمن أخبره قال: قال رسول الله ﷺ : «لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة» (١) . قال أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي في فتوى له في منع ترميم الكنائس في ج ٢ من فتاوى السبكي ص ٣٧٤ بعد إيراده هذا الحديث من طريقي الإمامين أحمد بن حنبل وأبي القاسم بن سلام: " استدلوا به على عدم إحداث الكنائس، ولو قيل إنه شامل للإحداث والإبقاء لم يبعد، ويخص منه ما كان بالشرط بدليل ويبقى ما عداه على مقتضى اللفظ، وتقديره: لا كنيسة موجودة شرعا " اهـ. [ذكر ما ورد في إحداث الكنائس في بلاد الإسلام من الآثار] ذكر ما ورد في إحداث الكنائس في بلاد الإسلام من الآثار ورد في منع إحداث الكنائس في أمصار المسلمين آثار نذكر منها ما يلي: أولا: ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال " قال: " حدثني أبو الأسود عن أبي لهيعة يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير قال: قال عمر بن الخطاب: " لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء " حدثني أحمد بن بكير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمر مثل ذلك، ولم يذكر عن أبي الخير " (٢) اهـ. ورواه علي بن عبد العزيز قال: " حدثنا أبو القاسم، حدثني أبو الأسود، عن ابن

стр. 13

لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: " لا كنسية في الإسلام ولا خصاء " (١) . وقد ورد في الشروط المشهورة عن عمر بن الخطاب ﵁: " أن لا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة راهب ولا قلاية ". وفيما يلي نص تلك الشروط التي جاء فيها ذلك الشرط. قال الخلال في كتاب " أحكام أهل الملل ": أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبو شرحبيل الحمصي عيسى بن خالد قال: حدثني عمر أبو اليمان وأبو المغيرة قالا: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم (٢) " إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا صومعة (٣) راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا

стр. 14

ولا ما كان منها في خطط المسلمين، وأن لا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، وأن لا نكتم غشا للمسلمين، وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا في سوق للمسلمين، وأن لا نخرج باعوثا - قال: والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر - ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير ولا يبيع الخمور، ولا نظهر شركا ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه أحدا، ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين، وأن لا نمنع أحدا من أقربائنا أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعه من أوسط ما نجد. ضمنا لك ذلك

стр. 15

على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق ". فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: " أن أمض لهم ما سألوا والحق فيهم حرفين اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: أن لا يشتروا من سبايانا، ومن ضرب مسلما فقد خلع عهده ". فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط (١) . وذكر سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوسا، ولا يكتموا غشا لمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجا، ولا يتقلدوا سيفا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا

стр. 16

ضربا خفيا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين. فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فل ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق. وقال الربيع بن تغلب: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن سفيان الثوري والوليد بن نوح والسري بن مصرف يذكرون عن طلحة بن مصرف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى أهل الشام: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا كنيسة ولا صومعة راهب، فذكر نحوه ". قال الإمام ابن القيم بعد أن أورد في كتابه " أحكام الذمة " تلك الشروط من الطرق التي ذكرناها قال: " وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها، فذكر أبو القاسم الطبري من حديث أحمد بن يحيى الحلواني: حدثنا عبيد بن جياد، حدثنا عطاء بن مسلم الحلبي، عن صالح المرادي، عن عبد خير قال: رأيت عليا صلى العصر فصف له أهل نجران صفين، فناوله رجل منهم كتابا فلما رآه دمعت عينه ثم رفع رأسه إليهم فقال: يا أهل نجران هذا والله خطي بيدي وإملاء رسول الله ﷺ ،

стр. 17

فقالوا: يا أمير المؤمنين، أعطنا ما فيه، قال: ودنوت منه فقلت: إن كان رادا على عمر يوما فاليوم يرد عليه، فقال: لست براد على عمر على عمر شيئا صنعه، إن عمر كان رشيد الأمر، وإن عمر أخذ منكم خيرا مما أعطاكم، ولم يجر عمر ما أَخذ منكم إلى نفسه إنما جره لجمعة المسلمين ". وذكر ابن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عليا ﵁ قال لأهل نجران: " إن عمر كان رشيد الأمر ولن أغير شيئا صنعه عمر " وقال الشعبي: قال علي حين قدم الكوفة: " ما جئت لأحل عقدة شدها عمر " اهـ. كلام ابن القيم، (١) وقد روى السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس من طريق أبي يعلى الموصلي رواية الربيع بن تغلب، عن يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن سفيان الثوري والربيع بن نوح والسري، عن طلحة بن مصرف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم، رواها بكاملها. وأجاب عن طعن بعض أئمة الحديث في يحيى بن عقبة بما يستفاد منه ما يلي: ١ - أنه روي عنه هذه الشروط يحيى بن سعيد القطان، ويحيى القطان لا يروي إلا عن ثقة، فروايته عنه توثيق له، ورواها عن القطان محمد بن المصفى، ورواها عن ابن مصفى حرب في مسائله عن أحمد وإسحاق قال: وكذلك رواها البيهقي موافقا في الإسناد والمتن، وكذلك ابن حزم موافقا في الإسناد والمتن، وفي سنده يحيى بن عقبة، ولم يتعرض لذكر شيء فيه مع سعة حفظ ابن حزم، وذكرها خلائق

стр. 18

كذلك. ٢ - أن عبد الحق ذكر هذه الشروط في الأحكام، ولم يذكر يحيى بن عقبة واقتصر على سفيان فمن فوقه، هكذا في الوسطى، والظاهر أنه ذكره في الكبرى، لا بد من ذلك، ولم أر في كلام ابن القطان اعتراضا عليه. ٣ - أن هذه الشروط ذكرها جماعة من الفقهاء تلقوها بالقبول واحتجوا بها منهم الشيخ أبو حامد الإسفرائيني، حتى رأيت في كتب الحنابلة أنه عند الإطلاق يحمل على شروط عمر كأنها صارت معهودة شرعا. وفي كلام أبي يعلى منهم أن ما فيها يثبت بالشرع من غير شرط، وهو قريب من الأول لكنه أحسن؛ لأنه يجعل هذه أحكاما شرعية. واشتراط عمر لها لأنها ثابتة بالشرع وإن لم تشترط، وذكر السبكي من كلام الشافعي في " الأم " ما يشهد لكلام الحنابلة. ٤ - أن هذه الشروط رواها جماعة بأسانيد ليس فيها يحيى بن عقبة لكنها أو أكثرها ضعيفة أيضا، وبانضمام بعضها إلى بعض تقوى، وجمع فيها الحافظ بن عبد الله بن زير جزءا اهـ. ثانيا: ما رواه عبد الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وأبو عبيد عن ابن عباس ﵄. قال عبد الرزاق في " المصنف " (٦ / ٦٠) عن ابن التيمي، عن أبيه، عن شيخ من أهل المدينة يقال له حنش أبو علي، عن عكرمة مولي ابن عباس قال: سئل ابن عباس هل للمشركين أن يتخذوا الكنائس في أرض العرب؟ فقال ابن عباس: " أما ما مصر المسلمون فلا ترفع فيه كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار ولا صليب ولا ينفخ فيه بوق ولا يضرب فيه ناقوس ولا يدخل فيه خمر ولا

стр. 19

خنزير. وما كان من أرض صولحت صلحا فعلى المسلمين أن يفوا لهم بصلحهم ". قال: تفسير " ما مصر المسلمون ": ما كانت من أرض العرب أو أخذت من أرض المشركين عنوة. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (١) حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: أللعجم أن يحدثوا في أمصار المسلمين بناء أو بيعة؟ فقال: أما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بناء - أو قال بيعة - ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا أو يدخلوا فيه. وأما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا (يعني عليهم) فللعجم ما في عهدهم، وللعجم على العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟ فقال: " أيُّما مِصر مَصَّرَتْهُ العربُ فَلَيسَ للعَجمِ أن يبنوا فيهِ ولا يضربُوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيهِ خمرا ولا يتخِذُوا فيه خنزيرا، وأيما مصر مصرتهُ العجمُ ففتحه الله على العرب فنزلوا فيهِ فإن للعجم ما في عهدهمِ وعلى العربِ أن يوفُوا بعهدهم ولا يُكلفوهم فوق طاقتهم (٢) .

стр. 20

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال " ص ٩٧: " سمعت علي بن عاصم يحدث عن أبي علي الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " أيما مصر مصرته العرب ليس لأحد من أهل الذمة أن يبنوا فيه بيعة، ولا يباع فيه خمر، ولا يقتنى فيه خنزير، ولا يضرب فيه بناقوس، وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يوفوا لهم به " (١) . وقد أجاد الإمام أبو عبيد في شرح هذا الحديث حيث قال في كتاب الأموال ص ٩٧ - ١٠٠ فقوله: " كل مصر مصرته العرب " يكون التمصير على وجوه: فمنها: البلاد التي يسلم عليها أهلها مثل المدينة والطائف واليمن، ومنها: كل أرض لم يكن لها أهل فاختطفها المسلمون اختطاطا ثم نزلوها مثل الكوفة والبصرة وكذلك الثغور. ومنها: كل قرية افتتحت عنوة فلم ير الإمام أن يردها إلى الذين أخذت منهم، ولكنه قسمها بين اللذين افتتحوها كفعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر. فهذه أمصار المسلمين التي لاحظ لأهل الذمة فيها، إلا أن رسول الله ﷺ كان أعطى خيبر اليهود معاملة لحاجة المسلمين كانت إليهم، فلما استغنى عنهم

стр. 21

أجلاهم عمر وعادت كسائر بلاد الإسلام. فهذا حكم أمصار العرب، وإنما نرى أصل هذا من قول رسول الله ﷺ : «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» . وفي ذلك آثار. حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر قال: «أمر رسول الله ﷺ بإخراج اليهود من جزيرة العرب» . حدثنا يزيد عن حماد عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما» . قال: فأخرجهم عمر. حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ومحمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: أجلى عمر المشركين من جزيرة العرب وقال: " لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ". وضرب لمن قدم منهم أجلا قدر ما يبيعون سلعهم. حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء أهل نجران إلى علي ﵁ فقالوا: شفاعتك بلسانك وكتابك بيدك، أخرجنا عمر من أرضنا فردها إلينا صنيعة، فقال: ويلكم إن عمر كان رشيد الأمر فلا أغير شيئا صنعه عمر. حدثنا أبو معاوية قال الأعمش: كانوا يقولون: لو كان في نفسه عليه شيءٌ لاغتنم هذا. وحدثنا أبو معاوية عن حجاج عمن سمع الشعبي يقول: قال علي ﵁ لما قدم هاهنا - قال أبو عبيد: يعني الكوفة - ما قدمت لأحل عقدة شدها عمر. قال أبو عبيد: وإنما نرى عمر استجاز إخراج أهل نجران - وهم أهل صلح - لحديث يروى عن النبي ﷺ فيهم خاصة، يحدثونه عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن ابن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي ﷺ أنه كان آخر ما تكلم

стр. 22

به أن قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز، وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب» . قال أبو عبيد: وإنما نراه قال ذلك ﷺ لنكث كان منهم أو لأمر أحدثوه بعد الصلح، وذلك بين في كتاب كتبه عمر إليهم قبل إجلائه إياهم منها. حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون قال: قال لي محمد بن سيرين: انظر كتابا قرأته عند فلان بن جبير فكلم فيه زياد بن جبير قال: فكلمته فأعطاني، فإذا في الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر أمير المؤمنين إلى أهل رعاش كلهم، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنكم زعمتم أنكم مسلمون ثم ارتدتم بعد، وإنه من يتب منكم ويصلح لا يضره ارتداده، ونصاحبه صحبة حسنة، فادكروا ولا تهلكوا، وليبشر من أسلم منكم، فمن أبى إلا النصرانية فإن ذمتي بريئة ممن وجدناه بعد عشر تبقى من شهر الصوم من النصارى بنجران. أما بعد: فإن يعلى كتب يعتذر أن يكون أكره أحدا منكم على الإسلام أو عذبه عليه إلا أن يكون قسرا جبرا ووعيدا لم ينفذ إليه منه شيء. أما بعد: فقد أمر يعلى أن يأخذ منكم نصف ما عملتم من الأرض وإني لن أريد نزعها منكم ما أصلحتم. قال أبو عبيد: فهذه الأمصار التي ذكرنا في صدر هذا الباب - أي: باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا، إلخ. . . - وأشباهها مما مصر المسلمون هي التي لا سبيل لأهل الذمة فيها إلى إظهار شيء من شرائعهم. وأما البلاد التي لهم فيها السبيل إلى ذلك فما كان منها صلحا صولحوا عليه، فلن ينتزع منهم، وهو تأويل قول ابن عباس الذي ذكرناه، قوله: " وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يوفوا لهم به ". فمن بلاد الصلح: أرض هجر والبحرين وأيلة ودومة الجندل وأذرح، فهذه القرى

стр. 23

التي أدت إلى رسول الله ﷺ الجزية فهي على ما أقرهم عليه، وكذلك ما كان بعده من الصلح منه: بيت المقدس، افتتحه عمر بن الخطاب صلحا، وكذلك مدينة دمشق افتتحها خالد بن الوليد صلحا (١) وعلى هذا مدن الشام كانت كلها صلحا دون أرضها على يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، وكذلك بلاد الجزيرة يروى أنها كلها صلح صالحهم عليها عياض بن غنم، وكذلك قبط مصر صالحهم عمرو بن العاص، وكذلك بلاد خراسان يقال إنها أو أكثرها صلح على يدي عبد الله بن عامر بن كريز، وكان منتهى ذلك إلى مرو الروذ، وهذا في دهر عثمان. وأما ما وراء ذلك فإنها افتتحت بعد على يدي سعيد بن عثمان بن عفان والمهلب بن أبي صفرة وقتيبة بن مسلم وغيرهم. قال أبو عبيد: فهؤلاء على شرطهم لا يحال بينهم وبينها، وكذلك كل بلاد أخذت عنوة فرأى الإمام ردها إلى أهلها وإقرارها في أيديهم على ذمتهم ودينهم، كفعل عمر بأهل السواد، وإنما أخذ عنوة على يدي سعد. وكذلك بلاد الشام كلها عنوة ما خلا مدنها على يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد. وكذلك الجبل أخذ عنوة في وقعة جاولاءَ ونهاوند على

стр. 24

يدي سعد بن أبي وقاص والنعمان بن مقرن، وكذلك الأهواز أو أكثرها، وكذلك فارس على يدي أبي موسى الأشعري وعثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ ، وكذلك المغرب على يدي عبد الله بن سعد بن أبي سرح. حدثنا عبد الله بن صالح عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال: المغرب كله عنوة. قال أبو عبيد: وكذلك الثغور، حدثنا هشام بن عمار عن يزيد بن سمرة، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي العصماء الخثعمي، وكان ممن شهد فتح قيسارية، قال: حاصرها معاوية سبع سنين إلا أشهرا ثم فتحوها وبعثوا بفتحها إلى عمر بن الخطاب فقام عمر فنادى: ألا إن قيسارية فتحت قسرا. قال أبو عبيد: " فهذه بلاد العنوة وقد أقر أهلها فيها على مللهم وشرائعهم، ولكل هذه قصص وأنباء تأتي بما علمنا منها إن شاء الله " اهـ. المراد من كلام أبي عبيد في الأموال على أثر ابن عباس. وقد قال السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس (٢ / ٣٩٣) : الذي اقتضاه أنه لا شيء يبقى من الكنائس إلا بعهد حيث يجوز العهد " كما ذكر في كلامه على أثر ابن عباس هذا (٢ / ٣٩١) ما نصه: " قد أخذ العلماء بقول ابن عباس هذا وجعلوه مع قول عمر وسكوت بقية الصحابة إجماعا " اهـ. ثالثا - قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء ". ذكر هذه الرواية بسندها ومتنها شمس الدين بن القيم في " أحكام أهل الذمة " (٢ / ٦٧٦) وقد روى عبد الرزاق في مصنفه

стр. 25

(٦ / ٥٩) تحت عنوان " هدم كنائسهم وهل يضربوا بناقوسهم " هذا الأثر عن عمه وهب بن نافع بلفظ: " كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة بن محمد أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: فشهدت عروة بن محمد ركب حتى وقف عليها ثم دعاني فشهدت على كتاب عمر وهدم عروة إياها فهدمها ". ولا يناقض هذا ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن حفص بن غياث عن أبي بن عبد الله النخعي قال: جاءنا كتاب عمر: " لا تهدم بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار صولحوا عليه " (١) ؛ لأن قوله: " صولحوا عليه " قيد لا بد منه (٢) ؛ لأنه لم يقل أحد بإبقائها من غير صلح ولم يقل فيه ببلاد الإسلام فهو عام، والذي تقدم - أي كتابة عمر بن عبد العزيز على عروة بن محمد بهدمها - خاص ببلاد الإسلام ويكون هذا - أي قول عمر في رواية ابن عبد الله النخعي: " لا تهدم بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار صولحوا عليه " في بلاد المجوس ولذلك ذكر فيه بيت النار أو في بلادهم وبلاد النصارى التي صولحوا عنها وكانوا منفردين فيها فلا تنافي بين الروايتين اللتين نقلتا عن عمر

стр. 26

بن عبد العزيز ﵁. والمقصود من ذلك إذا صحت الرواية الأولى أنه يعلم بها أنه لا صلح لهم على إبقائها في فتح بلاد الإسلام التي كانت تحت حكمه وأقربها الشام؛ لأنها سكنه ومصر والعراق يكتنفانها. والرواية الثانية عن عمر بن عبد العزيز كتاب إلى قوم مخصوصين في بلاد مخصوصة، والرواية الأولى لفظ عام في بلاد الإسلام فهي خاصة بدار الإسلام عامة في الأحكام، بهذا جمع السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس ج٢ من فتاوى السبكي ص٣٩٠-٣٩١ بين الروايتين المنقولتين عن عمر بن عبد العزيز. وقال شمس الدين بن القيم في أحكام أهل الذمة (٢ / ٦٩٠) : " وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار " ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس، فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام اهـ. رابعا: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (٦ / ٦٠) قال: " أخبرنا معمر عن رجل عمن سمع الحسن قال: " من السنة أن تهدم الكنائس التي بالأمصار القديمة والحديثة ". وعن عبد الرزاق رواه الإمام أحمد بن حنبل كما في " أحكام أهل الذمة " (٢ / ٦٧٦) قال أحمد: " قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة " اهـ. وقد ورد في هدم الكنائس مرفوعا ما أخرجه أبو الشيخ ابن حبان قال: ثنا ابن رستة وثنا أبو جعفر محمد بن علي بن مخلد قالا: ثنا أبو أيوب سليمان بن داود، ثنا محمد بن دينار، ثنا أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «اهدموا الصوامع واهدموا البيع» . ولكن قال السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس ج٢ من الفتاوى ص٣٧٣ - ٣٧٤ بعد أن رواه من طريق ابن حبان المذكور قال: " إسناده

стр. 27

ضعيف ولو صح لكان يمكن التمسك بعمومه فيما حدث في الإسلام وفيما قدم " اهـ. خامسا: ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في باب " ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في أرض العنوة وفي أمصار المسلمين وما لا يجوز " من " كتاب الأموال " قال: وحدثني أبو نعيم، عن شبل بن عباد، عن قيس بن سعد قال: سمعت طاوسا يقول: " لا ينبغي لبيت رحمة أن يكون عند بيت عذاب " قال أبو عبيد: أراه يعني الكنائس والبيع وبيوت النيران يقول: " لا ينبغي أن تكون مع المساجد في أمصار المسلمين " (١) اهـ. ومن طريق أبي عبيد في " كتاب الأموال " هذا بسنده المذكور، أورد السبكي هذا الأثر في باب الأحاديث الواردة في منع ترميم الكنائس، وأورد معه تفسير أبي عبيد المذكور (٢) . [إيراد نصوص المذاهب الأربعة في الموضوع] إيراد نصوص المذاهب الأربعة في الموضوع قال الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: " لا ينبغي أن تترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة، ولا يباع فيها خمر وخنزير، مصرا كان أو قرية ". نقل ذلك عنه الإمام شمس الدين ابن القيم في " أحكام أهل الذمة " (٢ / ٦٩٤) ، وأما ما يعزى إلى الإمام أبي حنيفة من القول بأحداث الكنائس في القرى فيقول السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس، يقول حول ذلك (٢ / ٣٨٧ - ٣٨٨) ما

стр. 28

نصه: " لعل أبا حنيفة إنما قال بإحداثها في القرى التي ينفردون بالسكنى فيها على عادتهم في ذلك المكان، وغيره من العلماء يمنعها لأنها في بلاد المسلمين وقبضتهم، وإن انفردوا فيها فهم تحت يدهم فلا يمكنون من إحداث الكنائس لأنها دار الإسلام، ولا يريد أبو حنيفة أن قرية فيها مسلمون فيمكن أهل الذمة من بناء كنيسة فيها. فإن هذه في معنى الأمصار فتكون محل إجماع وتكون الألف واللام في القرى التي جرت عادتهم بسكنهم فيها لاشتغالهم بأعمال المسلمين من الفلاحة وغيرها. أو لما يرجى من إسلامهم صاغرين باذلين للجزية، فإنا لو لم نبقهم في بلاد الإسلام لم يسمعوا محاسنه فلم يسلموا، ولو بقيانهم بلا جزية ولا صغار غروا وأنفوا، فبقيناهم بالجزية لا قصدا فيها بل في إسلامهم. ولهذا إذا نزل عيسى ﵇ لا يقبلها لأن مدة الدنيا التي يرجى فيها إسلامهم فرغت والحكم يزول بزوال علته، فزوال حكم قبول الجزية بزوال علته وهو انتظار إسلامهم، وذلك حكم من أحكام شريعة النبي ﷺ وليس حكما جديدا، فإن عيسى ﵇ إنما ينزل حاكما بشريعة النبي ﷺ . قال السبكي: وبعد أن كتبت هذا وقفت على شرح " مجمع البحرين " لابن الساعاتي من كتب الحنفية فقال: " وهذا المذكور إنما هو في الأمصار دون القرى؛ لأن الأمصار محل إقامة الشعائر، وقال صاحب " الهداية ": والمروي في ديارنا يمنعون عن إظهار ذلك في القرى أيضا؛ لأن لها بعض الشعائر، والمروي عن صاحب الهداية ﵀ في قرى الكوفة لأن أكثر أهلها أهل الذمة، وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارهم وقراهم، وفي " الكافي " من كتب الحنفية لحافظ الدين قريب من ذلك " اهـ. هكذا ذكر السبكي هنا. وقد قال في موضع آخر من هذه الفتوى في الباب الذي عقده لما في هذا الباب

стр. 29

من الآثار قال ص ٣٨٨: " وقول أبي حنيفة بإبقائها في القرى بعيد لا دليل عليه، ولعله أخذه من مفهوم قول ابن عباس الذي سنحكيه في المصر، ونحن نقول: إنما يعني بالمصر أي موضع كان مدينة أو قرية " اهـ. وقد وفى السبكي بوعده أن يأتي بقول ابن عباس الذي أشار إليه حيث قال (٢ ٣٩١) من الفتاوى: " وأما قول ابن عباس فاشتهر اشتهارا كثيرا سنذكره، وهو ما رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: أللعجم أن يحدثوا في أمصار المسلمين بناء أو بيعة، فقال: أما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بناء - أو قال بيعة - ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا، ولا يتخذوا فيه خنزيرا أو يدخلوا فيه. وأما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا - يعني عليهم - فللعجم ما في عهدهم، وللعجم على العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم " قال السبكي: " وقد أخذ العلماء بقول ابن عباس هذا وجعلوه مع قول عمر وسكوت بقية الصحابة إجماعا " اهـ. وأما أصحاب مالك فقال في الجواهر: " إن كانوا في بلدة بناها المسلمون فلا يمكنون من بناء كنيسة، وكذلك لو ملكنا رقبة بلدة من بلادهم قهرا، وليس للإمام أن يقر فيها كنيسة بل يجب نقض كنائسهم بها. أما إذا فتحت صلحا على أن يسكنوها بخراج ورقبة الأبنية للمسلمين وشرطوا إبقاء كنيسة جاز. وأما إن افتتحت على أن تكون رقبة البلد لهم وعليهم خراج ولا تنقض كنائسهم فذلك لهم ثم يمنعون من رمها، قال ابن الماجشون: ويمنعون من رم كنائسهم القديمة إذا رثت إلا أن يكون ذلك شرطا في عقدهم فيوفى لهم، ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة. ونقل الشيخ أبو عمر أنهم لا يمنعون من إصلاح ما وهي منها وإنما منعوا من إصلاح كنيسة فيما بين المسلمين لقوله ﷺ : «لا يُرفع فيكم يهودية ولا نصرانية» فلو صولحوا على أن يتخذوا الكنائس إن شاءوا.

стр. 30

فقال ابن الماجشون: لا يجوز هذا الشرط ويمنعون منها إلا في بلدهم الذي يسكنه معهم المسلمون فلهم ذلك وإن لم يشترطوه، قال: وهذا في أهل الصلح. وأما أهل العنوة فلا تترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت ثم لا يمكنون من إحداث كنيسة بعد وإن كانوا معتزلين عن بلاد الإسلام " اهـ. ما نقله ابن القيم عن المالكية في حكم الأمصار التي وجدت فيها الكنائس، ومن المالكية الذين بحثوا في موضوع الكنائس الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي في كتابه " سراج الملوك " قال في حكم الكنائس: " أمر عمر بن الخطاب ﵁ أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة، وأمر أن لا تظهر عليه خارجة من كنيسة ولا يظهر صليب خارج من الكنيسة إلا كسر على رأس صاحبه، وكان عروة بن محمد يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال قديمة ولا حديثة. وهكذا قال الحسن البصري قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب " اهـ كلام الطرطوشي في " سراج الملوك " وما ذكره عن عروة بن محمد بن عبد العزيز والحسن البصري رواه عنهما الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق كما في " أحكام أهل الذمة " لابن القيم، فقد قال ابن القيم: قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين. قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها في صنعاء. قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة " اهـ. وقال الشافعي في المختصر: " ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة ولا

стр. 31

مجتمعا لصلواتهم، ولا يظهرون فيها حمل الخمر ولا إدخال خنزير، ولا يحدثوا بناء يطولون به على بناء المسلمين، وأن يفرقوا بين هيئاتهم في المركب والملبس وبين هيئات المسلمين، وأن يعقدوا الزنار على أوساطهم، ولا يدخلوا مسجدا، ولا يسقوا مسلما خمرا ولا يطعموه خنزيرا، وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين لم يعرض لهم في مرهم وخنازيرهم هم ورفع بنيانهم، وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسة أو بناء طويل كبناء المسلمين لم يكن للمسلمين هدم ذلك وترك على ما وجد ومنعوا من إحداث مثله. وهذا إذا كان المصر للمسلمين أحيوه أو فتحوه عنوة. وشرط هذا على أهل الذمة. وإن كانوا فتحوا بلادهم على صلح منهم على تركهم وإياه خلوا وإياه، ولا يجوز أن يصالحوا على أن ينزلوا بلاد الإسلام يحدثون فيها ذلك ". قال صاحب " النهاية " في شرحه: " البلاد قسمان: بلدة ابتناها المسلمون فلا يمكن أهل الذمة من إحداث كنيسة فيها ولا بيت نار فإن فعلوا نقض عليهم. فإن كان البلد للكفار وجرى فيه حكم المسلمين فهذا قسمان: فإن فتحه المسلمون عنوة وملكوا رقاب الأبنية والعراص تعين نقض ما فيها من البيع والكنائس، وإذا كنا ننقض ما نصادف من الكنائس والبيع فلا يخفى أنا نمنعهم من استحداث مثلها، ولو رأى الإمام أن يبقي كنيسة ويقر في البلد طائفة من أهل الكتاب فالذي قطع به الأصحاب منع ذلك. وذكر العراقيون وجهين: أحدهما: أنه يجوز للإمام أن يقرهم ويبقي الكنيسة عليهم.

стр. 32

والثاني: لا يجوز ذلك وهو الأصح الذي قطع به المراوزة: هذا إذا فتحنا البلد عنوة. فإن فتحناها صلحا فهذا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يقع الفتح على أن رقاب الأراضي للمسلمين ويقرون فيها بمال يؤدونه لسكناها سوى الجزية، فإن استثنوا في الصلح البيع والكنائس لم ينقض عليهم. وإن أطلقوا وما استثنوا بيعهم وكنائسهم ففي المسألة وجهان: الوجه الأول: أنها تنقض عليهم؛ لأن المسلمين ملكوا رقاب الأبنية والبيع، والكنيسة تغنم كما تغنم الدور. الوجه الثاني: لا نملكها؛ لأن شرطنا تقريرهم وقد لا يتمكنون من المقام إلا بتبقية مجتمع لهم فيها يرونه عبادة. وحقيقة الخلاف: ترجع إلى أن اللفظ في مطلق الصلح هل يتناول البيع والكنائس مع القرائن التي ذكرناها؟ . القسم الثاني: أن يفتحها المسلمون على أن تكون رقاب الأرض لهم، فإذا وقع الصلح كذلك لم يتعرض للبيع والكنائس. ولو أرادوا إحداث كنائس: فالمذهب أنهم لا يمنعون فإنهم متصرفون في أملاكهم، وأبعد بعض أصحابنا فمنعهم من استحداث ما لم يكن، فإنه إحداث بيعة في بلد هي تحت حكم الإسلام " (١) .

стр. 33

وأما الحنبلية: فقد قال الخلال في كتاب " أحكام أهل الملل " باب " الحكم فيما أحدثته النصارى مما لم يصالحوا عليه ": أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: كان المتوكل لما حدث من أمر النصارى ما حدث كتب إلى القضاة ببغداد يسألهم أبي حسان الزيادي وغيره، فكتبوا إليه واختلفوا، فلما قرئ عليه قال: اكتب بما أجاب به هؤلاء إلى أحمد بن حنبل ليكتب إلي ما يرى في ذلك. قال عبد الله: ولم يكن في أولئك الذين كتبوا أحد يحتج بالحديث إلا أبا حسان الزيادي، واحتج بأحاديث عن الواقدي، فلما قرئ على أبي عرفه وقال: هذا جواب أبي حسان، وقال: هذه أحاديث ضعاف، فأجابه أبي واحتج بحديث ابن عباس ﵄ فقال: ثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟ . فقال: " أيما مصر مصرته العرب. . . " فذكر الحديث (١) قال: وسمعت أبي يقول: ليس لليهود ولا للنصارى أن يحدثوا في مصر مصره المسلمون بيعة ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس إلا فيما كان لهم صلحا. وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين على حديث ابن عباس: " أيما مصر مصره المسلمون ". أخبرنا حمزة بن القاسم وعبد الله بن أحمد بن حنبل وعصمة قالوا: حدثنا حنبل قال: قال أبو عبد الله: " وإذا كانت الكنائس صلحا تركوا على ما صالحوا عليه. فأما العنوة فلا. وليس لهم أن يحدثوا بيعة ولا كنيسة لك تكن، ولا يضربوا

стр. 34

ناقوسا، ولا يرفعوا صليبا، ولا يظهروا خنزيرا، ولا يرفعوا نارا ولا شيئا مما يجوز لهم فعله في دينهم يمنعون من ذلك ولا يتركون. قلت: للمسلمين أن يمنعوهم من ذلك؟ . قال: نعم، على الإمام منعهم من ذلك. السلطان يمنعهم من الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوة. وأما الصلح فلهم ما صولحوا عليه يوفى لهم وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى ولا يظهرون خمرا. قال الخلال: كتب إلي يوسف بن عبد الله الإسكافي: ثنا الحسن بن علي بن الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن البيعة والكنيسة تحدث قال: يرفع أمرها إلى السلطان (١) . [تقسيم البلاد التي تفرق فيها أهل العهد والذمة وحكم الكنائس فيها] تقسيم البلاد التي تفرق فيها أهل العهد والذمة وحكم الكنائس فيها قسم الإمام ابن القيم في " أحكام أهل الذمة " (٢ / ٦٦٩) البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد إلى ثلاثة أقسام: أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام. الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها. الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحا. ثم قال ابن القيم: أما القسم الأول: فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة. أما البصرة والكوفة فأنشئتا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 35

قال يزيد بن هارون: أخبرنا زياد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن نافع بن الحارث قال: كان أمير المؤمنين قد هم أن يتخذ للمسلمين مصرا، وكان المسلمون قد غزوا من قبل البحر وفتحوا الأهواز وكابل وطبرستان، فلما افتتحوها كتبوا إليه: أنا وجدنا بطبرستان مكان لا بأس به، فكتب إليهم: إن بيني وبينكم دجلة ولا حاجة لي في شيء بيني وبينكم فيه دجلة أن نتخذه مصرا. قال: فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت فقال له: يا أمير المؤمنين، إني مررت بمكان دون دجلة به بادية يقال لها الخريبة ويقال للأرض البصرة، وبينها وبين دجلة فرسخ فيه خليج يجري فيه الماء وأجمة قصب، فأعجب ذلك عمر ﵁ فدعا عتبة بن غزوان فبعثه في أربعين رجلا فيهم نافع بن الحارث زياد أخوه لأمه. قال سيف بن عمرو: مصرت البصرة سنة ست عشرة واختطت قبل الكوفة بثمانية أشهر. وقال قتادة: أول من مصر البصرة رجل من بني شيبان يسمى المثنى بن حارثة، وإنه كتب إلى عمر ﵁: " إني نزلت أرضا بصرة " فكتب إليه: " إذا أتاك كتابي هذا فاثبت حتى يأتيك أمري ". فبعث عتبة بن غزوان معلما وأميرا فغزا الأبلة. وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: إن عمر بن الخطاب ﵁ مصر البصرة والكوفة. قال: وأما واسط فبناها الحجاج بن يوسف سنة ست وثمانين من الهجرة في السنة التي مات فيها عبد الملك بن مروان. وأما بغداد فقال سليمان بن المجالد وزير أبي جعفر: " خرجت مع أبي جعفر

стр. 36

يوما - قبل أن نبتني مدينة بغداد - ونحن نرتاد موضعا نبني فيه مدينة يكون فيها عسكره، قال: فبصرنا بقس شيخ كبير ومعه جماعة من النصارى فقال: اذهب بنا إلى هذا القس نسأله، فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلم عليه ثم قال: يا شيخ أبلغك أنه يبنى هنا مدينة؟ قال: نعم، ولست بصاحبها، قال: وما علمك؟ قال القس: وما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله، قال: فلست بصاحبها، قال: فما اسم صاحبها؟ قال: مقلاص. قال: فتبسم أبو جعفر وصغا إلي فقال: أنا والله مقلاص، كان أبي يسميني وأنا صغير مقلاصا، فاختط موضع مدينة أبي جعفر. وتحول أبو جعفر من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها، ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع وأربعين ومائة وفرغ من بنائها ونزلها مع جنده وسماها مدينة السلام سنة خمس وأربعين ومائة، وفرغ من بناء الرصافة سنة أربع وخمسين ومائة. وقال سليمان بن مجالد: الذي تولى الوقوف على خط بغداد: الحجاج بن أرطاة وجماعة من أهل الكوفة، وكذلك سامرا بناها المتوكل، وكذلك المهدية التي بالمغرب وغيرها من الأمصار التي مصرها المسلمون، فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة أو يظهروا فيها خمرا أو خنزيرا أو ناقوسا لم يجز، وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسدا، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع ". قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعد، عن توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر عمن أخبره قال: قال رسول الله ﷺ : «لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة» . وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، فذكره بإسناده

стр. 37

ومتنه وقد روي موقوفا على عمر بغير هذا الإسناد. قال علي بن عبد العزيز: حدثنا أبو القاسم، حدثني أبو الأسود، عن أبي لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: " لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء ". وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟ . فقال: " أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم ". قال عبد الله بن أحمد: وسمعت أبي يقول: " ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصر مصره المسلمون بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس إلا في مكان لهم صالح، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين ". وقال المروذي: قال لي أبو عبد الله: سألوني عن الديارات في المسائل التي وردت من قبل الخليفة فقلت: أي شيء تذهب أنت؟ فقال: ما كان من صلح يقر وما كان أحدث بعد يهدم. وقال أبو طالب: سألت عبد الله عن بيع النصارى ما كان في السواد وهل أقرها عمر؟ . فقال: السواد فتح بالسيف فلا يكون فيه بيعة، ولا يضرب فيه ناقوس، ولا يتخذ

стр. 38

فيه الخنازير ولا يشرب الخمر ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم إلا الحيرة وبانقيا ودير صلوبا، فهؤلاء أهل صلح صولحوا ولم يحاربوا، فما كان منها لم يخرب وما كان غير ذلك فكله محدث يهدم. وقد كان أمر بهدمها هارون، وكل مصر مصرته العرب فليس لهم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا. وما كان من صلح صولحوا عليه فهو على صلحهم وعهدهم. وكل شيء فتح عنوة فلا يحدثوا فيه شيئا من هذا، وما كان من صلح أقروا على صلحهم واحتج فيه بحديث ابن عباس ﵄. وقال أبو الحارث: سئل أبو عبد الله عن البيع والكنائس التي بناها أهل الذمة وما أحدثوا فيها مما لم يكن. قال: تهدم وليس لهم أن يحدثوا شيئا من ذلك فيما مصره المسلمون، يمنعون من ذلك إلا مما صولحوا عليه. قيل لأبي عبد الله: إيش الحجة في أن يمنع أهل الذمة أن يبنوا بيعة أو كنيسة إذا كانت الأرض ملكهم وهو يؤدون الجزية وقد منعنا من ظلمهم وأذاهم؟ . قال: حديث ابن عباس ﵄: " أيما مصر مصرته العرب ". وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين. قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء. قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة. ذكره أحمد عن عبد الرزاق. وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده، فإن

стр. 39

إحداث هذه الأمور إحداث شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق. ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث مواضع الكفر والشرك؟! فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون؟ قيل: هي على نوعين: أحدهما: أن تحدث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر، فهذه تزال اتفاقا (١) . الثاني: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض ثم يمصر المسلمون حولها المصر، فهذه لا تزال والله أعلم. القسم الثاني: من البلاد - حسبما أوضحه ابن القيم - الأمصار التي أنشأها المشركون ومصروها ثم فتحها المسلمون عنوة وقهرا بالسيف، قال: فهذه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس، وأما ما كان من ذلك قبل الفتح فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه؟ فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره. القول الأول: تجب إزالته وتحرم تبقيته؛ لأن البلاد قد صارت ملكا للمسلمين فلم يجز أن يقر فيها أمكنة شعار الكفر، كالبلاد التي مصرها المسلمون ولقول النبي

стр. 40

صلى الله عليه وسلم: «لا تصلح قبلتان ببلد» . وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير، ولأن أمكنة البيع والكنائس قد صارت ملكا للمسلمين فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك، ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره. وهذا القول هو الصحيح. والقول الثاني: يجوز إبقاؤها لقول ابن عباس ﵄: " أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم "، ولأن رسول الله ﷺ فتح خيبر عنوة وأقرهم على معابدهم فيها ولم يهدمها، ولأن الصحابة ﵃ فتحوا كثير من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس التي بها، ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة، ومعلوم قطعا أنها ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح. وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: " أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار ". ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس، فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام، ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير. وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة - لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين
следующие страницы →