← Акыда

Акыда · id 30834

رسالة في أسس العقيدة

محمد بن عودة السعوي

Полный текст (84 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة في العقيدة الإسلامية] رسالة في أسس العقيدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله العليم الأكرم، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على معلِّم الخير للبشر، الشافع المشفَّع في المحشر، وعلى آله وصحابته الغُرر، أما بعد: فإن المؤمن مأمور بأن يتزود من العلم الشرعي المستند إلى كتاب الله وسنَّة نبيه ﷺ ما فيه إقامة دينه، وحياة قلبه، وسعادته في الدارين، ويكفي في فضل طلب العلم قول النبي ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهَّل الله له به طريقا إلى الجنة» . وطالب العلم يدرك أهمية الازدياد من العلم؛ فهو يعرف أن العلم بحر لا ساحل له، كما يدرك أنه كلما ازداد علما ازداد هدى وبصيرة وخشية لله تعالى كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وهو يدرك أيضا أنه مأمور بطلب الازدياد من العلم كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] من هنا. . وانطلاقا من واجب وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في تيسير أسباب العلم الشرعي، ورفع مستويات التأهيل العلمي لمنسوبيها من الدعاة والأئمة والخطباء؛ فقد نظمت الوزارة دورات تدريبية شرعية لمن يحتاجها منهم، وذلك ضمن برنامج العناية بالمساجد ومنسوبيها. وهذا الكتاب هو في أصله ثمرة جهد مبارك قام به مشايخ فضلاء من أساتذة الجامعات كانت الوزارة قد عهدت إليهم بإعداد مناهج في مواد العلم الشرعي لمعهد الأئمة والخطباء، والوزارة الآن تعيد طباعته ليكون ضمن مقررات دورات برنامج العناية بالمساجد ومنسوبيها. وفق الله الجميع لطاعته وزادهم علما وعملا وهدى وتقى، والله أعلم، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وآله وصحبه. وكالة المطبوعات والبحث العلمي

стр. 2

مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فهذا كتاب مختصر في " أسس العقيدة الإسلامية " اشتمل على ما يلي: أولا: مقدمة تناولت تعريفا بمصطلح " العقيدة " وما في معناه، وأصول العقيدة الإسلامية، ومنزلة هذا العلم، ومصدر تلقيه، ومنهج أهل الحق في تقريره والاستدلال عليه، وما يجب على المكلف منه. ثانيا: شرح أصول الإيمان الستة. ثالثا: بيان مسائل الإيمان، وهي: مسمى " الإيمان "، وزيادته ونقصانه، وحكم مرتكب الكبيرة. رابعا: حقوق أهل بيت رسول الله ﷺ وصحابته ﵃ أجمعين -. أسأل الله أن ينفع به وأن يجعله خالصا لوجهه وأن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. د. محمد بن عودة السعودي

стр. 3

[تعريف العقيدة] تعريف العقيدة تدل مادة " عقد " في اللغة على التصميم والعزم والصلابة، يقال: عقدت الحبل والبيع والعهد فانعقد، واعتقد الشيء أي اشتد وصلب، واعتقد كذا بقلبه، والمعاقدة: المعاهدة. واصطلح على إطلاق " العقيدة " على ما يعمله الشخص ويعتقده بقلبه من أمور الدين. ويطلق على هذا العلم أيضا " أصول الدين " لأن غيره ينبني عليه و" التوحيد " لأن أعظم مسائله مسألة توحيد الله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته، و" الإيمان " حيث أجاب الرسول ﷺ جبريل ﵇ لما سأله عن الإيمان بذكر الأصول الستة، وهي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. [أصول العقيدة الإسلامية] أصول العقيدة الإسلامية أساس العقيدة الإسلامية هو أصول الإيمان الستة التي ذكرها الله سبحانه وذكرها رسول الله ﷺ في غير موضع. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (البقرة الآية: ١٧٧) . وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (البقرة الآية: ٢٨٥) ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] (النساء الآية: ١٣٦) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (القمر الآية: ٤٩) . وقال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب وأبو هريرة ﵄، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما حين سأله

стр. 4

جبريل ﵇ عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» . ولهذه الأصول تفصيلات وتفريعات. [منزلة علم العقيدة الإسلامية] منزلة علم العقيدة الإسلامية هذا العلم هو أشرف العلوم وأعظمها وأعلاها، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومنزلة العلم تقدّر بحاجة الناس إليه، وبما يحصل لصاحبه من الانتفاع به في الدنيا والآخرة. وحاجة العباد إلى علم العقيدة فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يجب له وما ينزه عنه، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه. وكلما كانت معرفة العبد بربه صحيحة تامة كان أكثر تعظيما واتباعا لشرع الله وأحكامه، وأكثر تقديرا للدار الآخرة. وإذا انطبعت في نفس العبد هذه المعاني الشريفة من العلم بالله وتوحيده ومحبته وخشيته وتعظيم أمره ونهيه، والتصديق بوعده ووعيده، سعد في الدنيا والآخرة، وسعد مجتمعه به، ذلك أن صلاح سلوك الفرد تابع لصلاح عقيدته وسلامة أفكاره، وفساد سلوك الفرد تابع لفساد عقيدته وانحرافها. قال تعالى في خبر إبراهيم ﵇ ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] (الأنعام الآية: ٨١) ، ثم قال تعالى فاصلا بين الفريقين مبينا الآمن منهما: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]

стр. 5

(الأنعام الآية: ٨٢) . وقد ثبت في الصحيحين «عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ فسر الظلم هنا بالشرك» ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (لقمان الآية: ١٣) ، ومعنى الآية أن الذين أخلصوا العبادة لله وحدهم هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة. والشرك لا يغفره الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (النساء الآية: ٤٨) ، والشرك محبط للعمل كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] (الزمر الآية: ٦٥) ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] (الأنعام الآية: ٨٨) ، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (الفرقان الآية: ٢٣) . والتوحيد عاصم للدين والدم والمال، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» . وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» . ولهذا يجب على كل مسلم أن يعتني بالعقيدة تعلما وتعليما وفهما وتدبرا واعتقادا، ليبني دينه على أساس صحيح سليم، يحصل به سعادة دنياه وآخرته.

стр. 6

[مصدر تلقي العقيدة الإسلامية] مصدر تلقي العقيدة هو كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ يجب التمسك والاعتصام بهما، وقد تكفل الله لمن اتبعهما بأن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى - قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا - قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦] (طه الآيات: ١٢٣ - ١٢٦) . وامتن سبحانه على هذه الأمة بأن بعث فيهم رسولا من أنفسهم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (الجمعة الآية: ٢) . وأقسم سبحانه أنه لا يحصل الإيمان لأحد حتى يحكِّم الرسول ﷺ ويسلم لحكمه، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (النساء الآية: ٦٥) . ومنهج أهل الحق - وهم أهل السنة والجماعة - الاعتماد على الكتاب، والسنة، وتعظيم نصوصهما، فيعتصمون بها، ولا يعرضونها لتحريف أو تأويل يخرجها عن مراد الله أو مراد رسوله، كما يفعل أهل البدع والأهواء، ويقفون فلا يخوضون في آيات الله، وأحاديث رسوله بغير علم، بل يتدبرون كتاب الله وسنة رسوله كما أمرهم سبحانه بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] (النساء الآية: ٨٢) ، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] (المؤمنون الآية: ٦٨) ، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] (ص الآية: ٢٩) ، وقوله:

стр. 7

﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١] (يوسف الآية: ١) ، وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] (آل عمران الآية: ١٣٨) ، وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] المائدة الآية: ٩٢) ، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (النحل الآية: ٤٤) . ويستعينون في فهم مدلول نصوصهما بآثار صحابة رسول الله ﷺ وهم أهل السبق والفضل، وأقوال التابعين لهم بإحسان، وما عرف من لغة العرب، ويكلون ما لم يعلموه إلى عالمه . وهم في هذا الصدد لا يعارضون الكتاب والسنة بعقولهم وآرائهم، بل يقررون أن النقل والعقل لا يتعارضان، إذا كان النقل صحيحا، والعقل صريحا (١) . بل إن النقل تضمن أدلة عقلية على المطالب الدينية، ففي الاستدلال على وجود الله، قال سبحانه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] (الطور الآية: ٣٥) ، وفي الاستدلال على الوحدانية قال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] (المؤمنون الآية: ٩١) ، وفي الاستدلال على العلم قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (الملك الآية: ١٤) . والعقل يمكن أن يدرك جملا من مقررات علم العقيدة، مثل أن الله موجود، وواحد، وحي، وعال على مخلوقاته، عليم بهم، قادر، حكيم

стр. 8

مستحق للعبادة وحده دون سواه، ونحو ذلك، لكن لا يمكن أن يستقل بمعرفة وإدراك تفاصيل هذا العلم، إذ لا تدرك التفاصيل إلا من الكتاب والسنة. ولأننا اشترطنا لانتفاء التعارض بين النقل والعقل أن يكون العقل صريحا لم يطرأ عليه انحراف أو تغيير - نقول: إذا وجد ما يوهم التعارض بين النقل الثابت والعقل وجب تقديم النقل لسببين: الأول: أن النقل ثابت، والعقل متغير. الثاني: أن النقل معصوم، والعقل ليس كذلك. [الاعتقاد والعلم والواجب على المكلف] الاعتقاد والعلم والواجب على المكلف يجب على كل واحد من المكلفين أن يؤمن بما جاء به الرسول ﷺ إيمانا عاما مجملا، فيقر بجميع ما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وما أمر به الرسول ونهى عنه، فلا بد من تصديقه ﵊ فيما أخبر، والانقياد له فيما أمر به أو نهى عنه، وهذا الإيمان المجمل. وأما التفصيل فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده من خبر الرسول ﷺ أو أمره ونهيه. وما جاء به الرسول ﷺ ولم يبلغه، ولم يمكنه العلم به، فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلا، وهو داخل في إقراره بالمجمل العام. ومعرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض كفاية على مجموع الأمة، إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين. والذي يجب على أعيان الأمة من هذا العلم التفصيلي ليس شيئا واحدا، بل يتنوع تبعا لأمرين: القدرة والحاجة.

стр. 9

فمن ناحية القدرة يجب على القادر على سماع العلم وفهم دقيقه ما لا يجب على العاجز عن ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والحاكم والعالم ما لا يجب على آحاد العامة. ومن ناحية الحاجة يجب على المكلف أن يعلم ما يتعين عليه الإيمان به واعتقاده وما يتعين عليه امتثاله أو اجتنابه، فمن عنده مال تجب فيه الزكاة يجب عليه معرفة تفاصيل زكاة ماله، ولا تجب معرفة هذا على من ليس عنده مال، والمستطيع للحج تجب عليه معرفة صفته، وهكذا. وأما القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعين فهو داخل في فرض الكفاية.

стр. 10

[أصول الإيمان] [الأصل الأول الإيمان بالله] [وجود الله تعالى] أصول الإيمان الأصل الأول: الإيمان بالله وهو العلم والتصديق والإقرار والاعتقاد الجازم بأن الله موجود، وأنه واحد في أفعاله، واحد في عبادته، واحد في أسمائه وصفاته. فهذه أربعة أمور: الأول: وجود الله تعالى: إن الإقرار بوجود الخالق أمر فطري، جبلت القلوب وفطرت على الإقرار به، وهو أمر ضروري من المعلومات الظاهرة المشتركة بين الناس، والحاصلة لكل أحد بدون كسب أو نظر أو تفكير، أو هو حاصل بأدنى نظر. وغالب الأمم اعترفوا بوجود الخالق، وأن الخالق واحد، كما قال سبحانه: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] (إبراهيم الآية: ١٠) ، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] (الزخرف: ٨٧) ، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] (الزخرف الآية: ٩) . والله سبحانه فطر عباده على معرفته وتوحيده وتعظيمه ومحبته، وهذه هي الحنيفية التي خلق عباده عليها، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢] (الروم الآية: ٣٠ - ٣٢) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:

стр. 11

«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعا، هل تحسون فيها من جدعاء؟ . .» الحديث. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال فيما يرويه عن ربه أنه قال: «. . . وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (١) عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» . فالفطرة الإنسانية تشهد بوجود خالق قادر عليم حكيم مستحق للعبادة، ولكن هذه الفطرة قد تنحرف، كما دلت النصوص السابقة. ويوجد في الناس من ينازع في كثير من القضايا الضرورية البديهية والمعارف الفطرية، وبنو آدم لا ينضبط ما يخطر لهم من الآراء والإرادات، فإنهم جنس عظيم التفاوت، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] (الأعراف الآية: ١٧٩) ، وقال تعالى ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] (الفرقان الآية: ٤٤) . ولهذا وجد من أنكر الخالق قديما وحديثا، إما في الظاهر دون الباطن كحال فرعون ونحوه، وإما ظاهرا وباطنا. قال الله مخبرا عن فرعون: ٣٠ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] (الشعراء الآية: ٢٣) ، وهذا استفهام إنكار وجحد (٢) ولذا قال

стр. 12

له موسى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ - قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ - قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ - قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ - قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٤ - ٢٨] (الشعراء الآية: ٢٤ - ٢٨) . وأخبر سبحانه أن موسى قال له أيضا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] (الإسراء الآية: ١٠٢) ، وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] (النمل الآية: ١٤) . الأدلة على وجود الخالق: كما أن الإقرار بالخالق - جل وعز - والاعتراف بوجوده مركوز في الفطر، مستقر في القلوب فبراهينه وأدلته متعددة، وأساس هذه الأدلة أن المخلوقات تدل على الخالق، سواء نظر إلى المخلوقات بعامة أو إلى أجزائها، فنحن نشاهد الحوادث من الإنسان والحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه. قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] (الطور الآية: ٣٥) . يقول سبحانه: أخلقوا من غير خالق؟ أم هم الخالقون لأنفسهم؟ والجواب عن السؤالين واضح، ولذا لم يذكر في الآية، إذ يتعين أن لهم خالقا خلقهم، فالمحدث لا يوجد نفسه، بل إن حصل ما يوجده وإلا كان معدوما. وهذا الدليل العقلي يمكن تحريره بوجوه من الصور، والنصوص القرآنية دلت عليه، ولم تقتصر عليه، لكنها دلت على معان تجمع هذا

стр. 13

المعنى وغيره من صفات الكمال، مثل كونه تعالى قادرا عالما حكيما رحيما عظيما غنيا قيوما صمدا ونحو ذلك. والنظر في آيات الله المنزلة والمخلوقة يؤيد هذا، فالأفعال الحادثة تدل على قدرته سبحانه، وإحكامها وإتقانها يدل على علمه، والعواقب الحميدة في خلقه وأمره يدل على حكمته، وما تضمنه الخلق والأمر من نفع العبادة والإحسان إليهم يدل على رحمته، وعظم المخلوقات يدل على عظم الخالق لها، وفقرها وحاجتها إليه يدل على غناه وقيوميته وصمديته. وقد دعا الله سبحانه في كتابه إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض، وليس هذا من أجل إثبات الخالق فحسب، ولكن لإثبات أن الخالق موصوف بصفات الكمال التي لا يشركه فيها غيره، منزه عن صفات النقص، ولإثبات صدق الوحي الذي بلغه رسله ﵈ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ - وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ - وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ - تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٦] (الجاثية الآية: ٣ - ٦) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (آل عمران الآية: ١٩٠) ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] (الأعراف الآية: ١٨٥) ، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] (فصلت الآية: ٥٣) .

стр. 14

[توحيد الربوبية] الثاني: توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله، بمعنى الإقرار بأن الله وحده الخالق لكل شيء، الرب، المالك، المحيي، المميت، الرازق، المدبر، النافع، الضار، إلى غير ذلك من خصائص الربوبية. وهذا النوع من التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، فلم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له خالقان متماثلان في الصفات والأفعال، بل هذا ممتنع لذاته، كما سيتبين - إن شاء الله -. بل ولا نقل عن أحد من بني آدم إثبات شريك مشارك لله في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل لله في جميع الصفات، بل عامة المشركين بالله يعتقدون أن الشريك مملوك لله، سواء كان ملكا أو نبيا أو كوكبا أو صنما، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك» رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» . وقد أخبر سبحانه عن المشركين من العرب الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ أنهم يعترفون بتوحيد الربوبية على وجه العموم، وذكر ذلك في غير آية من كتابه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] (لقمان الآية: ٢٥) ، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] (العنكبوت الآية: ٦١) ، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] (العنكبوت الآية: ٦٣) ، وقال تعالى:

стр. 15

﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] (يونس الآية: ٣١) ، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] (المؤمنون الآية: ٨٤ - ٨٩) . ولكن ذهب بعض الناس إلى نسبة بعض الخلق لغير الله كما تقول الثانوية من المجوس في الظلمة، وكما تقول القدرية في أفعال الحيوان، وقد يظن بعض المشركين من العرب وغيرهم في آلهته أنها تنفع وتضر بدون أن يخلق الله ذلك. ولما كان الشرك في الربوبية موجودا في الناس بيَّن القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] (المؤمنون الآية: ٩١) . وهذا دليل عقلي في نفي وجود خالقين، وبيانه أن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا قادرا، فلو كان معه سبحانه إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل وقدرة، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك فعل، وإن لم يقدر انفرد بخلقه وذهب به. فلا بد من أحد أمرين: ١ - إما أن يذهب كل إله بخلقه. ٢ - وإما أن يعلو أحد الشريكين على الآخر (١) .

стр. 16

والواقع المشاهد ينفي تعدد الخالقين، فإن انتظام أمر العالم - سمائه وأرضه علوه وسفله - وإحكامه وإتقانه وارتباطه بعضه ببعض دليل على أن مدبره إله واحد جل وعز. [توحيد الألوهية] الثالث: توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد، بمعنى الإقرار بأن الله وحده الإله المستحق للعبادة دون سواه، وهذا معنى قول لا إله إلا الله، فمعنى هذه الشهادة العظيمة لا معبود بحق إلا الله، فالإله هو المألوه أي المعبود يقال: ألَه يألَه إلاهةً وألوهية، أي عَبَدَ يعبُد عبادة وعبودية " وقد اتفق على هذا علماء اللغة والشرع. قال الجوهري في " الصحاح " مادة " أله ": " أله بالفتح إلَاهَةً، أي عبد عبادة ومنه قولنا " الله " وأصله إلاه، على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه أي معبود، كقولنا: إمام، فعال بمعنى مفعول، لأنه مؤتم به، فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا، والتأليه: التعبيد، والتأله: التنسك والتعبد. ونقل عن عبد الله بن عباس ﵄ قوله في معنى " الله ": " الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين "، وقوله: " هو الذي يأله كل شيء ويعبده كل خلق، وروي عنه أيضا أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] (الأعراف الآية: ١٢٧) ، بكسر الهمزة أي وعبادتك وكان يقول: إن فرعون كان يُعبد في الأرض، ونقل مثل هذا عن مجاهد وغيرهما.

стр. 17

وهذا التوحيد هو أول دعوة الرسل، وأول واجب على المكلف، ولأجله خلق الله الجن والإنس، وأرسل رسله، وأنزل كتبه، وهو الذي وقع النزاع فيه بين الرسل وأقوامهم، وبه افترق الناس إلى مؤمن وكافر، وسعيد وشقي. قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (الذاريات الآية: ٥٦) ، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (الإسراء الآية: ٢٣) ، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] (البينة الآية: ٥) . وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» . وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» . وفي الصحيحين عن عتبان بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (النحل الآية: ٣٦) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (الأنبياء الآية: ٢٥) . وذكر الله عن رسله نوح وهود وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]

стр. 18

(الأعراف الآية: ٥٩، ٦٥، ٧٣) . وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] (الشورى الآية: ١٣) . فأمر الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه، ودين الرسل واحد كما قال ﷺ : «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (١) فأصل دينهم واحد وهو الإسلام وإن اختلفت فروع الشرائع. والإسلام بمعناه العام هو الاستسلام لله وحده بعبادته وحده دون سواه، وجميع الأنبياء على دين الإسلام بهذا المعنى قال تعالى عن نوح ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] (يونس الآية: ٧٢) . وقال عن إبراهيم ويعقوب: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢] (البقرة الآية: ١٣٠ - ١٣٢) . وقال في خبر عيسى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] (المائدة الآية: ١١١) .

стр. 19

وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائدة الآية: ٤٤) . فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده بعبادته وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر. وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين وإنما تنوع بعض صور الفعل، وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة والمنهج، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد. والله تعالى جعل من دين الرسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] (آل عمران الآية: ٨١) . أخرج ابن جرير الطبري عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵄ قالا: «لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه» .

стр. 20

وجعل الله الإيمان بالرسل متلازما، وسيأتي لهذا زيادة بيان في الأصل الرابع - إن شاء الله -. [شروط لا إله إلا الله] شروط لا إله إلا الله: هذه الكلمة العظيمة التي هي سبب لدخول الشخص في الإسلام لها شروط سبعة يعلق انتفاع قائل هذه الكلمة بها، وقد دلت على هذه الشروط نصوص الكتاب والسنة، وليس المراد حفظها وذكر ألفاظها، ولكن المقصود مراعاتها والتزامها، فقد تجتمع في شخص ولا يحسن تعدادها، وقد يحفظها شخص آخر ويقع بما يناقضها. الأول: العلم المنافي للجهل: والمراد العلم بمعناها المراد منها نفيا وإثباتا، قال الله سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] (محمد الآية: ١٩) ، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] (الزخرف الآية: ٨٦) أي إلا من شهد بلا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] (آل عمران الآية: ١٨) . الثاني: اليقين المنافي للشك: بأن يكون قائلها مستيقنا بمدلول هذه الكلمة يقينا جازما، لا يدخل فيه الظن أو الشك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] (الحجرات الآية: ١٥) ، فاشترط سبحانه في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا أي لم يشكوا. وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله

стр. 21

صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» . الثالث: القبول المنافي للرد: والمراد القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه وعمله، ورد ما سوى ذلك مما ينافي هذه الكلمة، خلافا لمكذبي رسل الله الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (الزخرف الآية: ٢٣) ، وقال تعالى في وصف الكافرين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] (الصافات الآية: ٣٥ - ٣٦) . وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» . الرابع: الانقياد المنافي للترك: والمراد الانقياد لما دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه، قال ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] (الزمر الآية: ٥٤) . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] (لقمان الآية: ٢٢) ، أي بلا إله إلا الله، ومعنى يسلم وجهه ينقاد وهو محسن.

стр. 22

الخامس: الصدق المنافي للكذب: وهو أن يقولها صادقا من قلبه يواطئ قلبه لسانه، قال تعالى: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] (العنكبوت الآية: ١ - ٢) . وقال عن المنافقين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ - يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٨ - ١٠] (البقرة الآية: ٨ - ١٠) . وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صادقا من قلبه إلا حرمه الله على النار» . السادس: الإخلاص المنافي للشرك: وهو تصفية العلم بالنية الصالحة عن جميع شوائب الشرك، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] (البينة الآية: ٥) ، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] (الزمر الآية: ٢ - ٣) . وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» . السابع: المحبة المنافية للبغض: والمراد المحبة لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه والمحبة لأهلها العاملين بها الملتزمين شروطها، وبغض ما ناقض ذلك من الشرك وأهله، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]

стр. 23

(البقرة الآية: ١٦٥) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» . وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» .

стр. 24

[العبادة] [معنى العبادة لغة وشرعا] العبادة معنى العبادة لغة وشرعا: أصل معنى العبادة والعبودية في اللغة الذل والخضوع، والتعبيد: التذليل، يقال: طريق مُعبَّد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، والعبادة: الطاعة، والتعبد: التنسك. والعبودية لله نوعان: قسرية واختيارية، فالعبد يراد به المعبد الذي عبَّده الله، فذلله ودبره وصرفه سواء أقر العبد بذلك أو أنكره، وبهذا الاعتبار فالمخلوقون كلهم عباد الله المؤمنون والكفار، الأبرار والفجار، أهل الجنة وأهل النار، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم لا يخرجون عن مشيئته وقدرته كما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] (آل عمران الآية: ٨٣) ، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] (مريم الآية: ٩٣) . ويراد به العابد، وهو الذي يقر بأن الله خالقه ومالكه ومدبره، وأنه المستحق للعبادة وحده دون سواه، فيعبده بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك، فيطيع أمره وأمر رسوله. وهذه العبادة المتعلقة بالإلهية لله تعالى، ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله إلا الله، بخلاف من يقر بربوبيته ولا يعبده، أو يعبد معه إلها آخر. وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها، وخلق الخلق لها، وبعث بها رسله، ووصف بها المصطفين من خلقه. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مفتتح كتابه

стр. 25

" العبودية " تعريفا للعبادة الشرعية يستوعب مجالاتها وتفصيلاتها، ويبين أن الدين كله داخل في العبادة، فقال: " العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ". [الأصول التي تبنى عليها العبادة] الأصول التي تبنى عليها العبادة: عرفنا أن أصل العبادة الذل وأن عبادة الله لا بد أن تتضمن مع كمال الذل له كمال الحب والخوف والرجاء، فهذه ثلاثة أصول: المحبة، الخوف، الرجاء. ١ - المحبة: وهي أعظم الأصول الثلاثة، والله وحده يستحق أن يحب لذاته، ومحبة المؤمنين لربهم تتضاعف إذا دخلوا دار النعيم، بينما الخوف ينقطع بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقد أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ عن محبة المؤمنين لله فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (البقرة الآية: ١٦٥) ، وقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] (المائدة: ٥٤) . وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» (١) . وقد جعل الله سبحانه مقياسا لصدق مدعي محبة الله فقال:

стр. 26

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (آل عمران الآية: ٣١) ، فبين سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول ﷺ وأن اتباع الرسول يوجب محبة الله للعبد. فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب، وبغض ما يبغض. وكان المشايخ العاملون يكثرون التحذير ممن يدعي المحبة من غير خشية ولا خوف، لما في ذلك من الفساد الذي وقع فيه طوائف من المتصوفة، ووقع فيه قبل ذلك اليهود والنصارى حينما قالوا ما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (المائدة الآية: ١٨) ، وهم مع ذلك يخالفون شريعته. ٢ - الخوف: أوجب الله الخوف على كل أحد فقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] (آل عمران الآية: ١٧٥) ، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] (البقرة الآية: ٤٠) ، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائدة: ٤٤) . ومدح أهل الخوف وأثنى عليهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١] (المؤمنون الآية: ٥٧ - ٦١) . وفي سنن الترمذي ومسند أحمد «عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] هو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: " لا، يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه ". »

стр. 27

٣ - الرجاء: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] (البقرة الآية: ٢١٨) ، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] (العنكبوت الآية: ٥) ، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (الكهف الآية: ١١٠) . وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه ". » وفي الصحيح عنه ﷺ : " يقول الله «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» . وقد مدح الله سبحانه الجامعين بين الخوف والرجاء كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] (الإسراء الآية: ٥٧) . وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] (الزمر الآية: ٩) ، وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] (السجدة الآية: ١٦) . ولهذا فعلى المسلم أن يجمع بينهما فيكون خائفا راجيا، قال أحد العبَّاد (١) " الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت ". فالخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا، والرجاء

стр. 28

يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان أمنا. وهذه مقامات مذمومة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (يوسف الآية: ٨٧) ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] (الحجر الآية: ٥٦) ، وقال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (الأعراف الآية: ٩٩) . والخوف المحمود ما حال بين صاحبه ومحارم الله، والرجاء المحمود نوعان: ١ - رجاء رجل عمل بطاعة الله، على نور من الله، فهو راج لثواب الله. ٢ - رجاء رجل أذنب ذنوبا ثم تاب منها إلى الله فهو راج لمغفرته وعفوه وإحسانه. ففيه الاستبشار بجود الله وفضله، وفيه النظر إلى سعة رحمة الله. [شرطا قبول العبادة] شرطا قبول العبادة: يشترط لقبول العبادة شرطان: ١ - أن لا يُعبد إلا الله. ٢ - أن لا يُعبد إلا بما شرع. كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (الكهف الآية: ١١٠) ، وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] (البقرة الآية: ١١٢) ، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] (النساء الآية: ١٢٥) . وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله.

стр. 29

في الأولى: أن لا نعبد إلا إياه. وفي الثانية: أن محمدا هو رسول الله المبلغ عنه، فعلينا تصديقه في خبره، وطاعته في أمره ونهيه. [أنواع العبادة] أنواع العبادة: للعبادة أنواع كثيرة، فالدين كله عبادة، ومن أنواعها الخوف والخشية والرجاء والمحبة، وتقدم أدلتها. ومن أنواعها أيضا: الدعاء، قال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (غافر الآية: ٦٠) ، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (الأعراف الآية: ٥٥) ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (البقرة الآية: ١٨٦) . وفي سنن الترمذي عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة "، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] » ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفيه أيضا عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الدعاء مخ العبادة» ، قال عنه الترمذي غريب، ومعنى مخ العبادة: أي خالصها. ومنها الاستعانة وهي طلب العون من الله قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] (الفاتحة الآية: ٥) ، وقال ﷺ لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» ، وهو حديث حسن صحيح رواه الترمذي.

стр. 30

ومنها الاستعاذة وهي الالتجاء والاعتصام بالله، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] (النحل الآية: ٩٨) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] (الفلق الآية: ١ - ٢) ، وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٤] (الناس الآية: ١ - ٤) . ومنها الاستغاثة وهي طلب الغوث من الله وإزالة الشدة، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] (الأنفال الآية: ٩) ، ومنه دعاء رسول الله ﷺ : «يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا بديع السماوات والأرض برحمتك أستغيث» . ومنها التوكل: وهو اعتماد القلب على الله وثقته به وأنه كافيه، قال الله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] (المائدة الآية: ٢٣) ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١١] (إبراهيم الآية: ١١) وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢] (إبراهيم الآية: ١٢) . ومنها الذبح، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (الأنعام الآية: ١٦٢ - ١٦٣) ، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] (الكوثر الآية: ٢) . وغير ذلك من أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، فهو حق لله ، وصرف شيء منها لغير الله شرك. [الكفر والشرك والنفاق] الكفر والشرك والنفاق: هذه الأسماء تضاد اسم الإيمان والتوحيد، وهي تتنوع إلى أكبر وأصغر. فالأكبر في الإيمان والتوحيد بالكلية، والأصغر ينافي كمالهما،

стр. 31

والأكبر يخرج من ملة الإسلام، والأصغر لا يخرج من الإسلام، والأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، والأصغر يغفره الله - إن شاء - من غير توبة. وقال بعض العلماء: إن الشرك الأصغر كالأكبر لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] (النساء الآية: ١١٦) . والأكبر يوجب الخلود في النار، والأصغر يوجب استحقاق الوعيد. الكفر نوعان: الأول: الكفر الأكبر: ومن صوره: ١ - كفر التكذيب والجحود: بأن يجحد ما جاء به الرسول ﷺ جملة أو يجحد شيئا خاصا، كأن يجحد وجوب واجب من واجبات الإسلام، أو يجحد تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسول الله ﷺ أو خبرا أخبر الله به أو أخبر به رسوله ﷺ ، ويكون ذلك عمدا لا جهلا أو خطأ أو اشتباها أو تأويلا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] (العنكبوت الآية: ٦٨) ، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] (النمل الآية: ١٤) ، وقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١] (الشمس الآية: ١١) ونحو ذلك. ٢ - كفر الإباء والاستكبار مع التصديق: ككفر إبليس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] (البقرة آية: ٣٤) ، ويدخل في هذا كفر من عرف الرسول ولم يَنْقَدْ له إباءً واستكبارًا، كما قال تعالى عن اليهود: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] (البقرة الآية: ٨٩) .

стр. 32

٣ - كفر الإعراض: وهو أن يعرض بسمعه وقلبه عما جاء به رسول الله ﷺ فلا يتعلمه ولا يعمل به كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] (السجدة الآية: ٢٢) ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] (١) (الأحقاف الآية: ٣) . الثاني: الكفر الأصغر: وهو الذنوب العملية التي وردت النصوص الشرعية بإطلاق الكفر عليها ولم تصل إلى حد الأكبر، مثل قوله ﷺ «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود. وقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر. وقوله: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر وأبي هريرة. وقوله: «ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» أخرجه مسلم. وينبغي أن يلاحظ أنه لو استحل الشخص فعل المحرمات أو ترك الواجبات أو استهزأ بالواجبات أو استهزأ بمن أوجبها وهو الله سبحانه أو رسوله ﷺ فإن كفره يكون من الكفر الأكبر.

стр. 33

الشرك نوعان: الشرك الأكبر: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، كما أخبرنا الله عن المشركين أنهم يقولون لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] (الشعراء الآية: ٩٧ - ٩٨) . وهو نوعان: الأول: الشرك بالربوبية والأسماء والصفات: وهو الشرك المتعلق بذات الله سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإن الرب سبحانه هو الخالق المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد لغيره بشيء من ذلك فقد أشرك في الربوبية والأسماء والصفات. الثاني: الشرك في الإلهية: وهو أن يتخذ العبد ندا من دون الله يعبد الله، فيحبه كما يحب الله، ويخافه كما يخاف الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويسأله كما يسأل الله (١) وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ مشركي العرب، لأنهم أشركوا في الإلهية، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (البقرة الآية: ١٦٥) ، وأخبر سبحانه عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (الزمر الآية: ٣) ، وقالوا:

стр. 34

﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (ص الآية: ٥) . الشرك الأصغر: مثل يسير الرياء، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ونحو ذلك. كما قال ﷺ : «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر "، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: " الرياء» رواه أحمد عن محمود بن لبيد. وقال ﷺ : «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل» رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري. وقوله ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك» ، وفي رواية «فقد كفر» ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر. وعن ابن عباس ﵄ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ يراجعه الكلام فقال: " ما شاء الله وشئت "، فقال رسول الله ﷺ : " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده» رواه أحمد وابن ماجه. وقال ﷺ : «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد» رواه أحمد وابن ماجه عن الطفيل بن سخبرة وحذيفة بن اليمان. النفاق نوعان: النفاق الأكبر: وهو النفاق الاعتقادي، وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، فهذا صاحبه في الدرك الأسفل من النار، تحت سائر الكفار، كما قال تعالى:

стр. 35

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] (النساء الآية: ١٤٥) . النفاق الأصغر: ويسمى النفاق العملي أيضا، وله صور منها ما ورد في قوله ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وقوله ﷺ : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو. [التوسل] التوسل: التوسل لغة: التقرب والتوصل إلى المطلوب المرغوب. والوسيلة القربة والواسطة التي يتقرب ويتوصل بها إلى تحصيل المطلوب المرغوب. والتوسل إلى الله سبحانه نوعان: توسل مشروع، وتوسل مبتدع. والتوسل المشروع ثلاثة أنواع: ١ - التوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا: بأن يدعو الداعي بها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] (الأعراف الآية: ١٨٠) . فيقول الداعي: يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، وكان من أدعيته ﷺ : «يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا بديع السماوات والأرض برحمتك أستغيث» .

стр. 36

٢ - التوسل إلى الله سبحانه بالإيمان والعمل الصالح واجبا أو مستحبا: بأن يتقرب المتوسل إلى الله بإيمانه به، وتوحيده ومحبته وتعظيم أمره ونهيه، وكذا إيمانه برسوله ومحبته وطاعته واتباعه وتوقيره، ومحبة أوليائه، ومعاداة أعدائه، والتوسل بذلك على وجهين: ١ - أن يتوسل بذلك إلى حصول رضاء الله وجنته. ٢ - أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء. فمن الأول قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] (آل عمران الآية: ٥٣) ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦] (آل عمران الآية: ١٦) . ومن الثاني قصة الثلاثة الذين أووا المبيت إلى غار فانحدرت صخرة من الجبل فسدَّته عليهم، فقالوا: «إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. . .» إلخ رواه البخاري ومسلم. ٣ - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح: بأن يطلب من رجل صالح حي حاضر أن يدعو الله له، ومن ذلك توسل الصحابة إلى الله بدعاء الرسول ﷺ في حياته، وكذا توسل الناس بشفاعته يوم القيامة. والتوسل المبتدع: ما يفعله بعض الناس من توسلات لم تثبت بدليل صحيح ولا فهم قويم للنصوص، مثل التوسل بذوات الأشخاص وجاههم وحقهم، وهذه ليست مشروعة، ولهذا الصحابة ﵃ لما التحق الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 37

بالرفيق الأعلى عدلوا عن التوسل به، وتوسل عمر بن الخطاب ﵁ بعمه العباس ﵁ وهذا دليل على أن التوسل أولا كان بدعاء الرسول ثم بدعاء عمه، ولو كانوا يسألون الله سبحانه بجاه الرسول ﷺ لما عدلوا عن ذلك، لأن جاهه أعظم من جاه العباس، وجاهه لا ينقطع بوفاته. وقول السائل: " أسألك يا الله بحق فلان " فيه محذور من وجهين: أحدهما: أنه قسم بغير الله وهذا لا يجوز. الثاني: اعتقاد السائل أن لأحد من المخلوقين على الله حقا، والحال أنه ليس لأحد على الله حق، إلا ما أحقه سبحانه على نفسه نعمة منه وفضلا، وإذا كان لأحد على الله حق أحقه على نفسه بوعده الصادق فهو خاص لصاحب الحق، وليس سببا صالحا للتوسل إذ كأن الداعي يقول: " يا رب لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي " ولا مناسبة ولا رابط، وإنما هو من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (الأعراف الآية: ٥٥) . والمقصود أن الدعاء من أعظم أنواع العبادة كما تقدم، والعبادة مبناها على الاتباع لا على الابتداع. [وسائل الشرك] وسائل الشرك: سبق بيان أن الدين كله داخل في العبادة، وذكر شيء من أنواعها، وأن صرف شيء منها لغير الله شرك، وهناك أمور ليست شركا ولكنها وسائل وذرائع إلى الشرك، ولذا نهى عنها، فقد حرص الرسول ﷺ على حماية حمى التوحيد، وسد كل طريق يفضي بأمته إلى الشرك.

стр. 38

ومن تلك الوسائل: ١ - الغلو في الصالحين: قال ﷺ «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم "، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» ، رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁. والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. وقد كان سبب شرك قوم نوح هو الغلو في الصالحين وتصوير تماثيلهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (نوح الآية: ٢٣) ، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت ". قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. ٢ - اتخاذ القبور مساجد: في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال عند موته: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا» ، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله أن النبي ﷺ قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» ، واتخاذ المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك فحرمه ﷺ وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده، لأن ذلك وسيلة إلى

стр. 39

الشرك، فقد يفضي إلى دعاء صاحب القبر وعبادته. ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية: أن يكون مقصود الزائر صلة الرحم، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، ونحو ذلك. والزيارة البدعية نوعان: الأول: أن يقصد الزائر دعاء الميت أو طلب الشفاعة وقضاء الحوائج منه، وهذا شرك أكبر. الثاني: أن يقصد دعاء الله عند القبر؛ لاعتقاده أن ذلك أرجى لقبول دعائه، وذلك محرم لأنه من أسباب الشرك ووسائله. كما نهى رسول الله ﷺ عن تعلية القبور لما في ذلك من الفتنة بأهلها وتعظيمهم، ففي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» . وورد النهي عن إسراجها أيضا، فعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن. [توحيد الأسماء والصفات] الأمر الرابع: توحيد الأسماء والصفات: وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ نفيا وإثباتا فيثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه

стр. 40

وما نفاه عنه رسوله من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل (١) . [الأسس التي يقوم عليها توحيد الأسماء والصفات] الأسس التي يقوم عليها توحيد الأسماء والصفات: الأول: أسماء الله حسنى، أي بالغة في الحسن غايته وتمامه، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] (الأعراف الآية: ١٨٠) وصفاته عليا كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] (النحل الآية: ٦٠) يعني الوصف الأعلى الأكمل الأحسن. الثاني: أسماء الله وصفاته توقيفية، المرجع فيها القرآن والسنة، فيجب الوقوف على ما جاء فيهما، فلا يزاد ولا ينقص. الثالث: الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، والإثبات بلا تمثيل، والنفي بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى الآية: ١١) . الرابع: معاني أسماء الله وصفاته معلومة، وكيفيتها مجهولة لا يعلمها إلا الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (طه الآية: ١١٠) . [أسماء الله وصفاته] أسماء الله وصفاته: في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» . ومعنى أحصاها حفظها ورعاها وعَبَدَ الله بمقتضاها.
следующие страницы →