← Акыда

Акыда · id 30834

رسالة في أسس العقيدة

محمد بن عودة السعوي

Полный текст (84 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢ - التوسل إلى الله سبحانه بالإيمان والعمل الصالح واجبا أو مستحبا: بأن يتقرب المتوسل إلى الله بإيمانه به، وتوحيده ومحبته وتعظيم أمره ونهيه، وكذا إيمانه برسوله ومحبته وطاعته واتباعه وتوقيره، ومحبة أوليائه، ومعاداة أعدائه، والتوسل بذلك على وجهين: ١ - أن يتوسل بذلك إلى حصول رضاء الله وجنته. ٢ - أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء. فمن الأول قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] (آل عمران الآية: ٥٣) ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦] (آل عمران الآية: ١٦) . ومن الثاني قصة الثلاثة الذين أووا المبيت إلى غار فانحدرت صخرة من الجبل فسدَّته عليهم، فقالوا: «إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. . .» إلخ رواه البخاري ومسلم. ٣ - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح: بأن يطلب من رجل صالح حي حاضر أن يدعو الله له، ومن ذلك توسل الصحابة إلى الله بدعاء الرسول ﷺ في حياته، وكذا توسل الناس بشفاعته يوم القيامة. والتوسل المبتدع: ما يفعله بعض الناس من توسلات لم تثبت بدليل صحيح ولا فهم قويم للنصوص، مثل التوسل بذوات الأشخاص وجاههم وحقهم، وهذه ليست مشروعة، ولهذا الصحابة ﵃ لما التحق الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 37

بالرفيق الأعلى عدلوا عن التوسل به، وتوسل عمر بن الخطاب ﵁ بعمه العباس ﵁ وهذا دليل على أن التوسل أولا كان بدعاء الرسول ثم بدعاء عمه، ولو كانوا يسألون الله سبحانه بجاه الرسول ﷺ لما عدلوا عن ذلك، لأن جاهه أعظم من جاه العباس، وجاهه لا ينقطع بوفاته. وقول السائل: " أسألك يا الله بحق فلان " فيه محذور من وجهين: أحدهما: أنه قسم بغير الله وهذا لا يجوز. الثاني: اعتقاد السائل أن لأحد من المخلوقين على الله حقا، والحال أنه ليس لأحد على الله حق، إلا ما أحقه سبحانه على نفسه نعمة منه وفضلا، وإذا كان لأحد على الله حق أحقه على نفسه بوعده الصادق فهو خاص لصاحب الحق، وليس سببا صالحا للتوسل إذ كأن الداعي يقول: " يا رب لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي " ولا مناسبة ولا رابط، وإنما هو من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (الأعراف الآية: ٥٥) . والمقصود أن الدعاء من أعظم أنواع العبادة كما تقدم، والعبادة مبناها على الاتباع لا على الابتداع. [وسائل الشرك] وسائل الشرك: سبق بيان أن الدين كله داخل في العبادة، وذكر شيء من أنواعها، وأن صرف شيء منها لغير الله شرك، وهناك أمور ليست شركا ولكنها وسائل وذرائع إلى الشرك، ولذا نهى عنها، فقد حرص الرسول ﷺ على حماية حمى التوحيد، وسد كل طريق يفضي بأمته إلى الشرك.

стр. 38

ومن تلك الوسائل: ١ - الغلو في الصالحين: قال ﷺ «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم "، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» ، رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁. والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. وقد كان سبب شرك قوم نوح هو الغلو في الصالحين وتصوير تماثيلهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (نوح الآية: ٢٣) ، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت ". قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. ٢ - اتخاذ القبور مساجد: في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال عند موته: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا» ، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله أن النبي ﷺ قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» ، واتخاذ المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك فحرمه ﷺ وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده، لأن ذلك وسيلة إلى

стр. 39

الشرك، فقد يفضي إلى دعاء صاحب القبر وعبادته. ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية: أن يكون مقصود الزائر صلة الرحم، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، ونحو ذلك. والزيارة البدعية نوعان: الأول: أن يقصد الزائر دعاء الميت أو طلب الشفاعة وقضاء الحوائج منه، وهذا شرك أكبر. الثاني: أن يقصد دعاء الله عند القبر؛ لاعتقاده أن ذلك أرجى لقبول دعائه، وذلك محرم لأنه من أسباب الشرك ووسائله. كما نهى رسول الله ﷺ عن تعلية القبور لما في ذلك من الفتنة بأهلها وتعظيمهم، ففي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» . وورد النهي عن إسراجها أيضا، فعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن. [توحيد الأسماء والصفات] الأمر الرابع: توحيد الأسماء والصفات: وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ نفيا وإثباتا فيثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه

стр. 40

وما نفاه عنه رسوله من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل (١) . [الأسس التي يقوم عليها توحيد الأسماء والصفات] الأسس التي يقوم عليها توحيد الأسماء والصفات: الأول: أسماء الله حسنى، أي بالغة في الحسن غايته وتمامه، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] (الأعراف الآية: ١٨٠) وصفاته عليا كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] (النحل الآية: ٦٠) يعني الوصف الأعلى الأكمل الأحسن. الثاني: أسماء الله وصفاته توقيفية، المرجع فيها القرآن والسنة، فيجب الوقوف على ما جاء فيهما، فلا يزاد ولا ينقص. الثالث: الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، والإثبات بلا تمثيل، والنفي بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى الآية: ١١) . الرابع: معاني أسماء الله وصفاته معلومة، وكيفيتها مجهولة لا يعلمها إلا الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (طه الآية: ١١٠) . [أسماء الله وصفاته] أسماء الله وصفاته: في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» . ومعنى أحصاها حفظها ورعاها وعَبَدَ الله بمقتضاها.

стр. 41

ولكن أسماء الله ليست محصورة بهذا العد، بل لله أسماء استأثر بعلمها غير ما وردت به النصوص، فقد أخرج الإمام أحمد وابن حبان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «. . . اللهم أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. .» إلخ ". وأسماء الله جل وعلا كثيرة، وهي أسماء وأوصاف، فهي أسماء باعتبار دلالتها على ذاته سبحانه، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من صفات كماله. ونذكر هنا بعضا من أسمائه وصفاته. فمن أسمائه: الله، الرب، الرحمن، الرحيم، قال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣] (الفاتحة الآية: ٢ - ٣) . والله: هو المألوه المعبود. والرب: هو الخالق والرزاق والمالك والمتصرف، ومربي جميع الخلق بالنعم. والرحمن الرحيم: اسمان يدلان على الرحمة، والرحمن دال على الصفة القائمة به، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم. والرحمة قسمان: عامة لكل أحد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] (الحج الآية: ٦٥) وخاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] (الأحزاب الآية: ٤٣) . الأحد، الصمد: قال تعالى في سورة الإخلاص، وهي تعدل ثلث

стр. 42

القرآن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] (الإخلاص الآية: ١ - ٢) . والأحد: هو المنفرد بالكمال الذي لا نظير له ولا مثيل ولا شريك. والصمد: الكامل في أوصافه، الذي تصمد إليه الخلائق وتقصده في حوائجها. الحي، القيوم، العلي، العظيم، قال تعالى في آية الكرسي، وهي أعظم آية، وقد أخبر الرسول ﷺ أن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقرة الآية: ٢٥٥) . والحي: ذو الحياة الباقية الكاملة من جميع الوجوه فلا يأخذه نعاس ولا نوم ولا موت، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] (الفرقان الآية: ٥٨) . والقيوم: القائم بنفسه المقيم لغيره، فهو الغني عن غيره، ولا قيام لغيره إلا به. والعلي: الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات. علو القدر: فله صفات الكمال ونعوت الجلال. وعلو القهر: فهو القاهر لجميع المخلوقات المتصرف فيها. وعلو الذات: فهو فوق جميع المخلوقات على العرش استوى. قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] (الأعلى الآية: ١) ، وقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] (آل عمران الآية: ٥٥) ، وقال:

стр. 43

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ - أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] (الملك الآية: ١٦ - ١٧) ، والسماء يراد بها العلو، وإن أريد بها السماء المخلوقة فهو عليها أي فوقها. والعظيم: الجامع صفات العظمة والجلال والكبرياء. * الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العليم، قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] (الحديد الآية: ٣) . وقد فسر الرسول ﷺ الأسماء الأربعة بقوله: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» رواه مسلم. والعليم: الذي أحاط علمه بكل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (الأنعام الآية: ٥٩) . * السميع البصير: قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى الآية: ١١) . فهو السميع، والسمع صفته، وهو البصير، والبصر صفته، يسمع كل الأصوات ويرى كل الأشياء، لا تخفى عليه خافية. * الحكيم، الخبير، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١] (سبأ الآية: ١) . الحكيم: هو الحاكم بين خلقه بأمره الكوني وأمره الشرعي في الدنيا والآخرة يحكم بما يشاء لا معقب لحكمه، وهو ذو الحكمة فأمره وخلقه في غاية الإحكام والإتقان والحسن.

стр. 44

والخبير: المحيط ببواطن الأشياء وظواهرها. ومن صفاته أيضا بالإضافة إلى ما تضمنته الأسماء السابقة: * الوجه: قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] (الرحمن الآية: ٢٧) . * اليدان: قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] (المائدة الآية: ٦٤) . * العينان: قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] (الطور الآية: ٤٨) ، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] (طه الآية: ٣٩) ، والجمع لإضافتها إلى ضمير الجمع، والإفراد لإضافتها إلى ضمير المفرد، وإلا فهما عينان، ولذا قال الرسول ﷺ «إن ربكم ليس بأعور» . وهذه الصفات الثلاث صفات ذاتية. * الاستواء على العرش، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (طه الآية: ٥) ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (الأعراف الآية: ٥٤) ، والاستواء له أربعة معان: العلو والارتفاع والصعود والاستقرار، والاستواء من الصفات الفعلية. * المعية، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] (الحديد الآية: ٤) . وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] (المجادلة الآية ٧) ، وقال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] (التوبة الآية: ٤٠) ، وقال:

стр. 45

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] (النحل الآية: ١٢٨) . والمعية نوعان: معية عامة كما في آيتي الحديد والمجادلة وهي المتضمنة لعلمه سبحانه بخلقه وإحاطته بهم. ومعية خاصة كما في آية التوبة والنحل - وهذه لأوليائه - ومقتضاها النصر والتأييد والحفظ. * المجيء، والإتيان، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] (الفجر الآية: ٢٢) ، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] (البقرة الآية: ٢١٠) . والمراد مجيء الله وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، وهما من الصفات الفعلية. * النزول إلى السماء الدنيا، في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ، وهذا الحديث فيه إثبات نزول الله سبحانه كل ليلة، والنزول من الصفات الفعلية. * الكلام، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] (الأعراف الآية: ١٤٣) ، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦] (المائدة الآية: ١١٦) ، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] (التوبة الآية: ٦) . فكلام الله صفة من صفاته، لم يزل الله سبحانه متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وكلام الله صفة ذات باعتبار أصله، وصفة فعل باعتبار آحاده.

стр. 46

والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] (الأنعام الآية: ١٥٥) ، والكلام صفة من صفاته، وصفاته غير مخلوقة. * المحبة: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] (البقرة الآية: ١٩٥) ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] (التوبة الآية: ٤) . * الرضا، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] (المائدة الآية: ١١٩) . * الغضب، قال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦] (الفتح الآية: ٦) . وهذه الأسماء والصفات تثبت لله تعالى كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسول الله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث، فلا تصرف عن ظاهرها وتأول بمعان أخرى، لأن ذلك عدول عن الظاهر بلا دليل، ولا تكيف أو تمثل بصفات المخلوقين، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى الآية: ١١) ، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (مريم الآية: ٦٥) ، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] (الصمد الآية: ٤) .

стр. 47

[الأصل الثاني الإيمان بالملائكة] الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة وهو الاعتقاد الجازم بأن لله ملائكة خلقهم من نور، ووكلهم بأعمال يقومون بها، ومنحهم الطاعة التامة لأمره والقوة على تنفيذه. والإيمان بهم تفصيلي وإجمالي. تفصيلي بمن سمى الله أو رسوله منهم، وما ورد من صفاتهم وأعمالهم، وإجمالي بما وراء ذلك. ففي مادة خلقهم روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» . ومن صفات خلقهم أن لهم أجنحة، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] (فاطر الآية: ١) . وأخبر الرسول ﷺ «أنه رأى جبريل على صفته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح» . وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما جاء جبريل ﵇ إلى مريم فتمثل لها بشرا سويا، وجاء إلى رسول الله ﷺ بصفة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله إلى إبراهيم ولوط ﵉ كانوا على صورة بشر. وفي عبادتهم وكمال طاعتهم وانقيادهم قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] (الأعراف الآية: ٢٠٦) ، وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ - يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]

стр. 48

(الأنبياء الآية: ١٩ - ٢٠) ، وقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] (الأنبياء الآية: ٢٦ - ٢٨) ، وقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (التحريم الآية: ٦) . ووردت النصوص بذكر بعض أسماء الملائكة وأنواعهم وما وكلوا به من أعمال. مثل جبريل الموكل بالوحي، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] (البقرة الآية: ٩٧) ، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] (الشعراء الآية: ١٩٢ - ١٩٤) . وورد في بعض النصوص أن ميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة. وقد جمع الرسول ﷺ هؤلاء الثلاثة في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل بقوله: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» أخرجه مسلم. ورد ذكر مالك وهو خازن النار، قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] (الزخرف الآية: ٧٧) . ومن أصناف الملائكة: حملة العرش، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]

стр. 49

(غافر الآية: ٧) ، وقال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] (الحاقة الآية: ١٧) . الحفظة الموكلون بحفظ بني آدم، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] (الرعد الآية: ١١) . الكتبة الموكلون بكتابة أفعال بني آدم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ - كِرَامًا كَاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] (الانفطار الآية: ١٠ - ١٢) ، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ - مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] (ق الآية: ١٧، ١٨) ملكان: صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات. الملائكة الموكلون بالأجنة في الأرحام، كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: «حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» . الملائكة الموكلون بقبض الأرواح عند الموت، وهم ملك الموت وأعوانه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] (السجدة الآية: ١١) ، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] (الأنعام الآية: ٦١) . وغير ذلك من أصناف الملائكة.

стр. 50

[الأصل الثالث الإيمان بالكتب] الأصل الثالث: الإيمان بالكتب والمراد الكتب التي أنزلها الله سبحانه على رسله ﵈ إلى خلقه بالصدق والحق والهدى. فنؤمن تفصيلا بما سمى الله تعالى منها في كتابه، وهي بالإضافة إلى: * القرآن العظيم الذي أنزل على نبينا محمد ﷺ . * التوراة التي أنزلت على موسى ﵇، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائدة الآية: ٤٤) . الإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] (المائدة الآية: ٤٦) . الزبور الذي أوتيه داود ﵇، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] (الإسراء الآية: ٥٥) . الصحف التي أنزلها الله على إبراهيم وموسى، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى - وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧] (النجم الآية: ٣٦ - ٣٧) ، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩] (الأعلى الآية: ١٨ / ١٩) . ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبا أنزلها على رسله ﵈. وأما الإيمان بالقرآن فيزيد على الإيمان بغيره من الكتب، بأنه لا بد من اتباع ما فيه، وأن الله خصه بمزايا عما سبقه من الكتب.

стр. 51

[الأصل الرابع الإيمان بالرسل] الأصل الرابع: الإيمان بالرسل وهو التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (النحل: ٣٦) ، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] (فاطر الآية: ٢٤) . وعلينا أن نؤمن تفصيلا بمن سمى الله في كتابه منهم، وهم خمسة وعشرون: آدم، ونوح، وإدريس، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ولوط، وشعيب، ويونس، وموسى، وهارون، وإلياس، وزكريا، ويحيى، واليسع، وذو الكفل، وداود، وسليمان، وأيوب، وعيسى، ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -. ونؤمن بأن ثمة رسلا آخرين غيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] (النساء الآية: ١٦٤) ، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] (غافر الآية: ٧٨) . ونؤمن بأنهم جميعا بارون، صادقون، أتقياء، أمناء، وأنهم بلغوا كل ما أرسلهم الله به على وفق ما أمرهم، وبينوه بيانا شافيا كافيا، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] (النحل الآية: ٣٥) ، وقال: ﴿تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (النور: ٥٤، العنكبوت: ١٨) . والإيمان بالرسل متلازم، من كفر بواحد منهم فقد كفر بالله تعالى وبجميع الرسل، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ - فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧]

стр. 52

(البقرة الآية: ١٣٦ - ١٣٧) ، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (البقرة الآية: ٢٨٥) ، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] (النساء الآية: ١٥٠ - ١٥١) . وأما الإيمان بمحمد ﷺ فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالا وتفصيلا. [أولو العزم] أولو العزم: أولو العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم - وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] (الأحزاب الآية: ٧) ، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] (الشورى الآية: ١٣) . [عموم رسالة نبينا محمد ﷺ ] عموم رسالة نبينا محمد ﷺ : بُعث رسولنا محمد ﷺ إلى الجن والإنس جميعا. أما كونه مبعوثا إلى عامة الجن فدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ - قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ - يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١]

стр. 53

(الأحقاف الآية: ٢٩ - ٣١) ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢] (الجن الآية: ١ - ٢) . وثبت أن الجن أتوا إليه، وخاطبهم، وقرأ عليهم القرآن. وأما بعثته إلى جميع الناس فقد دلت عليها نصوص كثيرة في القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (سبأ الآية: ٢٨) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (الأعراف الآية: ١٥٨) ، وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] (الأنعام الآية: ١٩) ، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] (النساء الآية ٧٩) ، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (الفرقان الآية: ١) ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (الأنبياء الآية: ١٠٧) ، وقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] (آل عمران الآية: ٢٠) . وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن الله أحدا قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة» أخرجاه في الصحيحين. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا

стр. 54

يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» أخرجه مسلم. كما بعث رسول الله ﷺ كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر الملوك يدعوهم إلى الإسلام. ومن صدق من اليهود والنصارى برسالة محمد ﷺ ولكن قال: " إنه رسول إلى العرب " خاصة فقوله باطل لأنه لما صدق بالرسالة لزمه تصديقه في كل ما يخبر به، وقد أخبر ﵊ أنه رسول إلى الناس كافة. أما من كذب برسالته فتبين له دلائل نبوته ﵊ وهي كثيرة. [ختم النبوة به ﷺ ] ختم النبوة به ﷺ : رسولنا محمد ﷺ خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (الأحزاب الآية: ٤٠) . ومعنى الآية أن النبيين ختموا بمحمد ﷺ فهو آخرهم. وقد اختلف العلماء في الفرق بين النبي والرسول، فمنهم من قال: إنه لا فرق فكل نبي رسول، وكل رسول نبي، ومنهم من قال: إن هناك فرقا بينهما، وأصحاب الرأي الثاني أجمعوا على أن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى. وبهذا تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ من ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه

стр. 55

اللبنة؟ قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» . وما أخرجه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : " إن لي أسماء: محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» . وما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» . وما أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي» . إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة الصريحة في أن النبوة ختمت بنبينا محمد ﷺ ، قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: " وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل ".

стр. 56

[الأصل الخامس الإيمان باليوم الآخر] الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر اليوم الآخر هو يوم القيامة، حيث يبعث الله العباد من قبورهم للحساب والجزاء، ويقضى بينهم، ففريق في الجنة، وفريق في السعير. وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا، وقد أخبرنا الله عن هذا اليوم العظيم، وما يكون فيه، وما يكون قبله من علاماته حتى لا تكاد سورة من سور القرآن الكريم تخلو عن شيء من ذلك. فأقسم سبحانه به وعليه، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] (القيامة الآية: ١) ، وأمر نبيه أن يقسم على البعث فقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] (التغابن الآية: ٧) . ومدح المؤمنين به، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] (البقرة الآية: ٤) . وذم المكذبين به، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] (يونس الآية: ٤٥) . وأخبر عن قربه، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (القمر الآية: ١) . واستدل على إمكانه بأدلة حسية وعقلية: أما الحسي فقد أخبر الله سبحانه عمن أماتهم ثم أحياهم في هذه الدنيا فذكر ستة أمثلة هي: الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ - ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦]

стр. 57

(البقرة الآية: ٥٥ - ٥٦) ، فهؤلاء قوم موسى لما قالوا هذه المقالة أماتهم الله ثم أحياهم. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ - فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٣] (البقرة الآية: ٧٢ - ٧٣) . فهؤلاء بنو إسرائيل لما اختصموا في أمر القتيل أمروا أن يذبحوا بقرة فيضربوه بعضو منها فحي وأخبر بقاتله ثم عاد ميتا. الثالث: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] (البقرة الآية: ٢٤٣) . وهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ففروا هاربين فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم. الرابع: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] (البقرة الآية: ٢٥٩) . فهذا مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله تعالى فأماته سبحانه مائة سنة ثم أحياه. الخامس: قوله تعالى:

стр. 58

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (البقرة الآية: ٢٦٠) . فهذا إبراهيم ﵇ سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، فأمره تعالى بذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن فتجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض ويأتين إليه سعيا. السادس: قصة أصحاب الكهف، قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] (الكهف الآية: ٢٥) ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩] (الكهف الآية: ١٩) ، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١] (الكهف الآية / ٢١) . [العقل ودلالته على البعث] أما العقل فدلالته على البعث من وجوه: الأول: الاستدلال على النشأة الثانية بالنشأة الأولى، والقادر على الابتداء لا يعجز عن الإعادة، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] (يس الآية: ٧٨ - ٧٩) . الثاني: الاستدلال بخروج الشيء من ضده، كإخراج النار الحارة اليابسة من الشجر الأخضر البارد الرطب قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] (يس الآية: ٨٠) . الثالث: الاستدلال بخلق الأكبر على إيجاد الأصغر، قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١] (يس الآية: ٨١) .

стр. 59

الرابع: الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الأموات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] (فصلت الآية ٣٩) . الخامس: الاستدلال على البعث بحصول اليقظة بعد النوم، فإن النوم أخو الموت، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] (الأنعام الآية ٦٠) . السادس: الاستدلال بأن حكمة الله وعدله يقتضيان البعث والجزاء، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] (المؤمنون الآية ١١٥) . [وقت الساعة] أما وقت الساعة: فهو مما استأثر الله بعلمه، وهي إنما تقع بغتة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] (الأعراف الآية: ١٨٧) . وقد قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، ويشير بأصبعيه - رواه البخاري ومسلم. وكان ﷺ إذا سئل عن موعدها ينفي علمه بها، ويرشد إلى ما هو أصلح للسائل وهو الاستعداد لها قبل وقوعها، وربما أشار إلى القيامة الصغرى وهي الموت، إذ لما قال له جبريل ﵇: «أخبرني عن الساعة "، قال الرسول ﷺ : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» رواه البخاري ومسلم، وفيهما «أن أعرابيا قال له: متى الساعة؟ قال ﷺ : " ويحك إن الساعة

стр. 60

آتية، فما أعددت لها» وفيهما عن عائشة ﵂ قالت: «كان رجال من الأعراب يأتون النبي ﷺ فيسألونه متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: " إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» يعني موتهم. لكن وردت الأخبار في القرآن والسنة بذكر علاماتها وأشراطها، فمما ذكره الله سبحانه من علاماتها الكبار، الدخان، ونزول عيسى بن مريم ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة. وقد بين الرسول ﷺ تفاصيل هذه الأمور، وذكر أيضا أمورا أخرى منها: خروج الدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم وأخبر ﵇ أنه لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى ". وهذه العلامات وغيرها تنقسم إلى قسمين: صغرى وكبرى، والصغرى أقسام: منها ما وقع وانقضى، ومنها ما وقع واستمر، ومنها ما لم يقع، أما الكبار فلم تقع، وهي متتابعة، إذا وقعت أولاها تبعها الباقي. والإيمان باليوم الآخر يتناول الإيمان بكل ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة من أحوال الموت وما بعده، والإيمان بالموت يتضمن أمورا: أ - أن الموت حتم لازم لجميع الخلق في هذه الدنيا، قال تعالى:

стр. 61

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] (العنكبوت الآية: ٥٧) ، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] (القصص الآية: ٨٨) . ب - أن كُلًّا له أجل محدود، لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، فقد سبق به علم الله سبحانه، وقد قدره وقدر السبب الذي يموت به، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] (آل عمران الآية: ١٤٥) ، وقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] (الأعراف الآية: ٣٤) . جـ - أن ذلك الأجل غيب استأثر الله به، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] (لقمان الآية: ٣٤) . د - أن للشخص إذا نزل به الموت أحوالا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] (الأنعام الآية: ٦١) ، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥] (الواقعة الآية: ٨٣ - ٨٥) . والمقصود أن الروح إذا بلغت الحلقوم حال احتضار الميت، ومن حوله ينظرون إليه، والله أقرب إليه منهم بعلمه وملائكته ولكن لا يبصرون. والمفرط الظالم إذا حضره الموت يندم ويطلب الرجوع إلى الدنيا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ - لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] (المؤمنون الآية: ٩٩ - ١٠٠) . قد وصف الله حال إخراج روح الكافر، قال تعالى: ٣٠ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٩٣]

стр. 62

(الأنعام الآية: ٩٣) ، أي باسطو أيديهم إليهم بالضرب وأنواع العذاب. وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان "، قال: " فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها ". قال: " وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح (١) فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود (٢) من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها. .» الحديث. أما ما بعد الموت فجليل وخطير، منه ما هو في القبر، ومنه ما يكون بعد البعث من القبور.

стр. 63

فالذي في القبر شيئان: أ - فتنة القبر: فإن الميت يمتحن إذا وضع في قبره، إذ يأتيه ملكان ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، وعن الرجل الذي بعث فيهم يقول: هو عبد الله ورسوله. ويقول الكافر: هاه، هاه، لا أدري، ويقول المنافق أو المرتاب: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. ب - نعيم القبر وعذابه: بعد فتنة القبر يبقى الميت إما في نعيم أو عذاب إلى أن تقوم القيامة وهذا يحصل لروحه وبدنه جميعا، ويحصل للروح منفردة عن البدن. وقد تضافرت الأدلة من القرآن والسنة في ثبوت سؤال الملكين ونعيم القبر وعذابه، فيجب اعتقاده والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته. فمن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (إبراهيم الآية: ٢٧) . وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦] (غافر الآية: ٤٥ - ٤٦) . وفي الصحيحين عن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول

стр. 64

الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] » (إبراهيم الآية: ٢٧) . وفي رواية أخرى فيهما زاد ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] نزلت في عذاب القبر وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن البراء (وقد تقدم أوله) بعد ذكر صعود الملائكة بروح المؤمن وإعادتها إلى الأرض: قال: «فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر ". وقال عن الكافر: " فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه. .» . وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من

стр. 65

حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» . وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين ثم غرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ فقال: " لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا» . وكان النبي ﷺ يتعوذ من عذاب القبر، ويأمر بالتعوذ منه، والأحاديث في هذا كثيرة. [نعيم القبر وعذابه] وعذاب القبر نوعان: فمنه ما هو دائم، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] (غافر الآية: ٤٦) ، ومنه ما هو منقطع، وهو عذاب بعض عصاة المسلمين، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه، وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء أو صدقة، ونحو ذلك من الأسباب النافعة. وقد أنكر قوم من الضلال نعيم القبر وعذابه، وشبهتهم أنهم لا يدركونه ولا يرون الميت يُسأل ولا ينعم ولا يعذب. والجواب من وجوه: ١ - أن هذه الأمور ثبتت بالخبر الصادق، وواجب المسلم التصديق بها وإثباتها، وبهذا يتميز المؤمنون بالغيب، المهتدون بهدي الرسول ﷺ عن غيرهم. ٢ - أن للآخرة أحكاما تختص بها لا تقاس على أحوال الدنيا، ولذا نحن لا نشعر بما يكون للميت، وقدرة الله سبحانه أعظم وأوسع، وقد اقتضت حكمته جل وعز أن لا يشاهد ذلك الناس ولا يسمعوه، لأن طاقتهم لا

стр. 66

تحتمله، وخشية أن لا يتدافنوا، وليتميز المؤمن عن غيره. ٣ - أن الإنسان لا يدرك كل شيء، فكان جبريل ﵇ ينزل إلى النبي ﷺ ويكلمه، ومن عنده لا يراه ولا يسمعه، وكل شيء يسبح بحمد الله، ولكننا لا نفقه تسبيحه، وهكذا. ٤ - أن الله سبحانه أرانا في هذه الدنيا نماذج تقرب هذه المعاني، فهذا النائم يرى في منامه أمورا سارة مفرحة، وأخرى بخلافها، هو في فراشه بعيدا عما رأى، ومن حوله لا يحسون به. وكذلك ما وجد من الاختراعات الحديثة وخصائصها، فهذه أسلاك الكهرباء لا نحس فيها شيئا، ومع ذلك لها هذا التأثير، ومعلوم ما يحدث لمن يمسها وهي عارية، وفرق بين من يمسها بحديدة أو خشبة. أما البعث من القبور: فيكون عند النفخ في الصور، والنافخ فيه هو إسرافيل ﵇ وقد دل القرآن على أن له ثلاث نفخات: ١ - نفخة الفزع: ويكون بها اضطراب هذا العالم وفساد نظامه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] (النمل الآية: ٨٧) . ٢ - نفخة الصعق: وفيها هلاك كل شيء في هذا العالم، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] (الزمر الآية: ٦٨) . ٣ - نفخة البعث والنشور: حيث يقوم الناس من قبورهم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] (الزمر الآية: ٦٨) .

стр. 67

[الحشر] الحشر: يقوم الناس من قبورهم على صفة بينها الرسول ﷺ ، ففي الصحيحين عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا أي غير مختونين» . وفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم من العرق. . .» الحديث. وفي هذا الموقف يشفع النبي ﷺ للناس في أن يأتي الله سبحانه لفصل القضاء بعد أن يعتذر عنها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود. [العرض والحساب] العرض والحساب: العرض: عرض الخلائق على الله ، قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨] (الكهف الآية: ٤٨) ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] (الحاقة الآية: ١٨) . والحساب: تعريف الله الخلائق بأعمالهم خيرا أو شرا، وتذكيرهم ما قد نسوه منها قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] (المجادلة الآية: ٦) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦] (الغاشية الآية: ٢٥ - ٢٦) ، وقال ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ - يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ - وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ - سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ - لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم: ٤٧ - ٥١] (إبراهيم الآية: ٤٧ - ٥١) .

стр. 68

وفي هذا الموقف تنشر الصحف، ويسأل الجميع، الرسل وأممهم، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] (الأعراف: ٦) . ولكن الناس متفاوتون في السؤال والمحاسبة، فالمؤمنون تعرض عليهم ذنوبهم ويقرون بها ويسترون، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من نوقش الحساب عُذِّب "، فقلت: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] (الانشقاق الآية: ٨) ، قال: " ذلك العرض ".» وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه (١) فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم» . «ومن المؤمنين من يدخل الجنة بلا حساب كالسبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب» ، كما ثبت في حديث ابن عباس، أخرجه البخاري ومسلم. أما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، لأنه لا حسنات لهم قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (الفرقان الآية: ٢٣) لكن حسابهم عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها. [الميزان] الميزان: وهو ميزان ينصب يوم القيامة لوزن أعمال العباد وتمييزها وإظهار مقاديرها، والوزن يكون بعد الحساب، لأن المحاسبة هي لتقرير الأعمال،

стр. 69

والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها. وقد استفاضت النصوص من الكتاب والسنة على ثبوت الميزان، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] (الأنبياء الآية: ٤٧) . وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩] (القارعة الآيات: ٦ - ٩) ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده» . [صحائف الأعمال] صحائف الأعمال: بعد الانتهاء من الحساب والميزان، يأخذ كل كتابه، ويقرأ ما فيه، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله ومن وراء ظهره، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ - إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ - قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ - كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ - وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ - وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ - يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ - مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ - هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٩] (الحاقة الآيات: ١٩ - ٢٩) . [الصراط] الصراط: وهو جسر على متن جهنم يمر عليه الأولون والآخرون فمن جازه سلم من النار، ووقت المرور عليه بعد مفارقة الناس لموقف الحساب، فإن الصراط ينجو عليه المؤمنون من النار إلى الجنة، ويسقط منه أهل النار فيها،

стр. 70

قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] (مريم الآيتان: ٧١ - ٧٢) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ «أن ناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ وفيه قوله ﷺ : " ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان " (١) . هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم» . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ : «. . . ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم " قيل يا رسول الله وما الجسر؟ قال: " دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم. . .» . [القنطرة] القنطرة: بعد عبور المؤمنين على الصراط ونجاتهم من النار، وقبل دخولهم الجنة يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا، فإذا هذبوا أذن لهم بدخول الجنة فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخلص

стр. 71

المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة منه بمنزلة كان في الدنيا» رواه البخاري. واختلف في القنطرة فقيل هي من تتمة الصراط، وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل إنهما صراطان. [الحوض] الحوض: هو حوض النبي ﷺ ففي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي ﷺ : «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيسانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا» . ووردت في الحوض أحاديث أخرى كثيرة في الصحيحين وغيرهما. [الجنة والنار] الجنة والنار: وهم الداران اللتان يستقر فيهما الخلائق، أعدهما الله جزاء للعباد على أعمالهم. فالجنة دار النعيم والكرامة لأولياء الله المؤمنين المتقين، الذين آمنوا بالله وبرسوله وبما جاء به، وقاموا بطاعة الله ورسوله مخلصين العبادة لله، والمتابعة لرسوله ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ - جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧ - ٨] (البينة الآية: ٧ - ٨) . وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (آل عمران الآية: ١٣٣) .

стр. 72

وفي الجنة من أنواع النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] (السجدة الآية ١٧) . وأعظم نعيم الجنة رؤية أهلها لربهم جل وعز عيانا بأبصارهم كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] (القيامة الآية: ٢٢ - ٢٣) ، وكما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المتواترة. أما النار فهي دار العذاب والإهانة أعدها الله لأعدائه الكافرين، الذين كفروا به وعصوا رسله، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] (آل عمران الآية: ١٣١) . وفي النار أنواع العذاب والنكال، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] (الكهف الآية ٢٩) . وقد استفاضت نصوص القرآن والسنة في وصف الجنة والنار وأنهما مخلوقتان موجودتان الآن، وبيان ما أعده الله فيهما من النعيم المقيم أو العذاب الأليم. والجنة والنار باقيتان لا تفنيان، قال تعالى عن الجنة ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] (الرعد الآية: ٣٥) ، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] (ص الآية / ٥٤) ، وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: ٨] (البينة الآية: ٨) ، وقال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] (الدخان الآية: ٥٦) ، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] (الحجر الآية: ٤٨) . وقال سبحانه عن النار: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] (المائدة الآية: ٣٧) ، وقال:

стр. 73

﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] (فاطر الآية: ٣٦) ، وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩] (النساء الآية ١٦٩) . [الشفاعة] الشفاعة: أول من يستفتح باب الجنة نبينا محمد ﷺ وأول من يدخلها من الأمم أمته. وهذه الشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، والشفاعة العظمى في أهل الموقف حتى يقضي الله بينهم، وشفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب، شفاعات ثلاث خاصة بنبينا محمد ﷺ . وهناك شفاعات أخرى يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين منها: ١ - الشفاعة فيمن استحق النار من عصاة الموحدين أن لا يدخلها. ٢ - الشفاعة فيمن دخل النار من هؤلاء العصاة أن يخرج منها. ٣ - الشفاعة في رفع درجات بعض أهل الجنة. وهذه الشفاعات لا تتحقق إلا بشرطين: ١ - إذن الله للشافع، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقرة الآية: ٢٥٥) . ٢ - رضا الله عن المشفوع له، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (الأنبياء الآية: ٢٨) . وكل هذه الأمور الأخروية، ما يكون في البرزخ، وما يكون في مواقف القيامة، وما يكون في الجنة والنار، نعلم منها ما أخبرنا الله ورسوله عنه من أحوالها وصفاتها ونؤمن به، ولا نعلم كيفيته.

стр. 74

[الأصل السادس الإيمان بالقدر خيره وشره] الأصل السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره القدر: تقدير الله جل وعلا للكائنات. والأدلة من القرآن والسنة على إثبات القدر ووجوب الإيمان به كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (القمر الآية: ٤٩) ، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (الأحزاب الآية: ٣٨) ، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] (التغابن الآية ١١) . وفي صحيح مسلم «أن عبد الله بن عمر بن الخطاب لما نقل له أن أناسا يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم (١) وأنهم يزعمون أن لا قَدَرَ وأن الأمر أُنُف (٢) قال: " فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر "، ثم روى عن أبيه عن رسول الله ﷺ حديث جبريل» . وفي صحيح مسلم عن طاوس بن كيسان أنه قال: «أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : " كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز " (٣) » . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن

стр. 75

القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» . [مراتب الإيمان بالقدر] والإيمان بالقدر يشتمل على أربع مراتب: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، وأنه تعالى قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم جميع أحوالهم وأعمالهم من الأرزاق والآجال والطاعات والمعاصي وغيرها. * المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ. ومن الأدلة على هاتين المرتبتين قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (الحج الآية ٧٠) . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» . وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا فالأول تقدير عام لجميع المخلوقات وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، والثاني خاص مفصل للعام وهو ثلاثة تقادير: ١ - التقدير العمري: عند تخليق النطفة في الرحم، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود
следующие страницы →