المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة منه بمنزلة كان في الدنيا» رواه البخاري.
واختلف في القنطرة فقيل هي من تتمة الصراط، وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل إنهما صراطان.
[الحوض]
الحوض: هو حوض النبي ﷺ ففي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي ﷺ : «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيسانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا» .
ووردت في الحوض أحاديث أخرى كثيرة في الصحيحين وغيرهما.
[الجنة والنار]
الجنة والنار: وهم الداران اللتان يستقر فيهما الخلائق، أعدهما الله جزاء للعباد على أعمالهم.
فالجنة دار النعيم والكرامة لأولياء الله المؤمنين المتقين، الذين آمنوا بالله وبرسوله وبما جاء به، وقاموا بطاعة الله ورسوله مخلصين العبادة لله، والمتابعة لرسوله ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ - جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧ - ٨] (البينة الآية: ٧ - ٨) .
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (آل عمران الآية: ١٣٣) .
стр. 72
وفي الجنة من أنواع النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] (السجدة الآية ١٧) .
وأعظم نعيم الجنة رؤية أهلها لربهم جل وعز عيانا بأبصارهم كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] (القيامة الآية: ٢٢ - ٢٣) ، وكما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المتواترة.
أما النار فهي دار العذاب والإهانة أعدها الله لأعدائه الكافرين، الذين كفروا به وعصوا رسله، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] (آل عمران الآية: ١٣١) .
وفي النار أنواع العذاب والنكال، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] (الكهف الآية ٢٩) .
وقد استفاضت نصوص القرآن والسنة في وصف الجنة والنار وأنهما مخلوقتان موجودتان الآن، وبيان ما أعده الله فيهما من النعيم المقيم أو العذاب الأليم.
والجنة والنار باقيتان لا تفنيان، قال تعالى عن الجنة ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] (الرعد الآية: ٣٥) ، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] (ص الآية / ٥٤) ، وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: ٨] (البينة الآية: ٨) ، وقال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] (الدخان الآية: ٥٦) ، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] (الحجر الآية: ٤٨) .
وقال سبحانه عن النار: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] (المائدة الآية: ٣٧) ، وقال:
стр. 73
﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] (فاطر الآية: ٣٦) ، وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩] (النساء الآية ١٦٩) .
[الشفاعة]
الشفاعة: أول من يستفتح باب الجنة نبينا محمد ﷺ وأول من يدخلها من الأمم أمته.
وهذه الشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، والشفاعة العظمى في أهل الموقف حتى يقضي الله بينهم، وشفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب، شفاعات ثلاث خاصة بنبينا محمد ﷺ .
وهناك شفاعات أخرى يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين منها:
١ - الشفاعة فيمن استحق النار من عصاة الموحدين أن لا يدخلها.
٢ - الشفاعة فيمن دخل النار من هؤلاء العصاة أن يخرج منها.
٣ - الشفاعة في رفع درجات بعض أهل الجنة.
وهذه الشفاعات لا تتحقق إلا بشرطين:
١ - إذن الله للشافع، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقرة الآية: ٢٥٥) .
٢ - رضا الله عن المشفوع له، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (الأنبياء الآية: ٢٨) .
وكل هذه الأمور الأخروية، ما يكون في البرزخ، وما يكون في مواقف القيامة، وما يكون في الجنة والنار، نعلم منها ما أخبرنا الله ورسوله عنه من أحوالها وصفاتها ونؤمن به، ولا نعلم كيفيته.
стр. 74
[الأصل السادس الإيمان بالقدر خيره وشره]
الأصل السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره القدر: تقدير الله جل وعلا للكائنات.
والأدلة من القرآن والسنة على إثبات القدر ووجوب الإيمان به كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (القمر الآية: ٤٩) ، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (الأحزاب الآية: ٣٨) ، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] (التغابن الآية ١١) .
وفي صحيح مسلم «أن عبد الله بن عمر بن الخطاب لما نقل له أن أناسا يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم (١) وأنهم يزعمون أن لا قَدَرَ وأن الأمر أُنُف (٢) قال: " فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر "، ثم روى عن أبيه عن رسول الله ﷺ حديث جبريل» .
وفي صحيح مسلم عن طاوس بن كيسان أنه قال: «أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : " كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز " (٣) » .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن
стр. 75
القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» .
[مراتب الإيمان بالقدر]
والإيمان بالقدر يشتمل على أربع مراتب:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، وأنه تعالى قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم جميع أحوالهم وأعمالهم من الأرزاق والآجال والطاعات والمعاصي وغيرها.
* المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
ومن الأدلة على هاتين المرتبتين قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (الحج الآية ٧٠) .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» .
وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا فالأول تقدير عام لجميع المخلوقات وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، والثاني خاص مفصل للعام وهو ثلاثة تقادير:
١ - التقدير العمري: عند تخليق النطفة في الرحم، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود
стр. 76
عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد» .
٢ - التقدير الحولي: في ليلة القدر، إذ يقدر فيها ما يكون في السنة من أمور ووقائع، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] (الدخان الآية: ٤) .
٣ - التقدير اليومي: وهو ما يقدر من حوادث اليوم من حياة وموت وعز وذل وغير ذلك، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] (الرحمن الآية: ٢٩) .
المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه، فلا يكون في ملكه إلا ما يريد وهو على كل شيء قدير، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] (القصص الآية: ٦٨) ، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] (هود الآية: ١٠٧) ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] (البقرة الآية: ٢٠) .
ولكن الإرادة نوعان:
١ - إرادة كونية قدرية: وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، ولا يلزم منها المحبة والرضا، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] (الأنعام الآية: ١٢٥) .
стр. 77
٢ - إرادة دينية شرعية: تتضمن المحبة والرضا كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (البقرة الآية: ١٨٥) ، فإذا وقعت الطاعة فقد أرادها الله إرادة كونية بمعنى قدرها وشاءها، وأرادها إرادة شرعية بمعنى أنه يحبها ويرضاها، وإذا وقعت المعصية فقد أرادها سبحانه إرادة كونية، وإلا فهو يبغضها ولا يرضاها.
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، فما سواه مخلوق، والله خالقه وخالق فعله وحركته وسكونه، لا خالق غيره، ولا رب سواه، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] (الزمر الآية: ٦٢) .
وقال عن نبيه إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] (الصافات الآية: ٩٦) .
والعباد فاعلون حقيقة ولهم قدرة وإرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] (التكوير الآية: ٢٨ - ٢٩) .
فأثبت سبحانه لهم مشيئة، ولكنها لا تنفذ إلا أن يشاء الله.
ولأن للعباد قدرة ومشيئة كلفوا، وأرسلت لهم الرسل، وأنزلت الكتب، وبهذا يحصل البيان وتقوم الحجة، وعلى أعمالهم يثابون ويعاقبون ولهذا وجب على العبد الإيمان بقدر الله والامتثال لشرعه وسؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، كما ينبغي اتخاذ الأسباب لجلب ما ينفع ودفع ما يضر في سائر أمور الدنيا والآخرة، مع التوكل على الله، وسؤاله التوفيق والتيسير في تحقيق المرغوب، ودفع المكروه، وإذا نفعت الأسباب حمد الله وشكره، وإذا لم تنفع اطمأن لأنه بذل ما يقدر عليه، وصبر واحتسب الأجر
стр. 78
وسأل الله العوض.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] (البقرة الآية: ٢٨٦) .
وقال النبي ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ، رواه البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁.
وقال ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» رواه مسلم.
стр. 79
[مسائل الإيمان]
[مسمى الإيمان]
مسائل الإيمان مسمى الإيمان: لفظ الإيمان في نصوص القرآن والسنة يذكر مفردا، ويذكر مقرونا بالإسلام، فإذا ذكر مقرونا بالإسلام كما في حديث سؤالات جبريل، أريد بالإسلام ما في الظاهر وهو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده، وأركانه خمسة: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، وأريد بالإيمان ما في الباطن وهو معرفة القلب وتصديقه وإقراره وأركانه ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره» .
وإذا ذكر مفردا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٢ - ٣] (الأنفال الآية: ٢ - ٣) ، وكما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ، أريد به الدين كله، كما أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه أصل الإيمان وهو ما في القلب.
ومن هنا قلنا: الإيمان قول وعمل.
والمراد قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام.
وعمل القلب: وهو النية والإخلاص ونحو ذلك، وعمل الجوارح كالصلاة والزكاة ونحوهما.
стр. 80
[زيادة الإيمان ونقصانه]
زيادة الإيمان ونقصانه: الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد دلت على ذلك الأدلة كما في الآية السابقة وحديث شعب الإيمان.
حكم مرتكب الكبيرة: الإيمان شعب متفاوتة كما دل الحديث المتقدم، منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى، وكما أن شعب الإيمان إيمان، فكذا شعب الكفر كفر.
ولهذا قال أهل السنة: إن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] (النساء الآية: ٣١) .
والكبائر على درجتين: منها ما هو مخرج عن الملة، كما تقدم من الكفر الأكبر والشرك الأكبر، ومنها ما ليس كذلك، مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك.
وهذه الدرجة الثانية هي المقصودة عند الإطلاق، ومذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وله في الدنيا من الموالاة بقدر ما معه من الإيمان، أما في الآخرة فهو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له بسبب منه مثل الأعمال الصالحة أو من غيره من دعاء أو شفاعة، أو بدون سبب بل بفضل الله ورحمته، وإن شاء عذبه بعدله وحكمته، لكنه لا يخلده في النار.
والدليل على ثبوت اسم الإيمان قوله تعالى في آية القصاص:
стр. 81
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة الآية: ١٧٨) فجعل القاتل وولي المقتول أخوين في الإيمان، وقوله ﷺ في شارب الخمر: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» رواه البخاري عن أبي هريرة.
والدليل على أن إيمانه ليس كاملا قوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر، وقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي ﷺ ولم يحكم فيهم بحكم المرتد ولا أمر بقطع الموالاة بينهم وبين جمهور المسلمين، بل أقام عليهم الحدود الشرعية.
والدليل على أنه في الآخرة تحت مشيئة الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (النساء الآية: ٤٨) .
والدليل على أنه إن أدخل النار لا يخلد قوله ﷺ : «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق» رواه البخاري ومسلم عن أبي ذر، وقوله ﷺ : «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) » رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري.
[حقوق أهل بيت رسول الله ﷺ وصحابته]
حقوق أهل بيت رسول الله ﷺ وصحابته: لأهل بيت رسول الله ﷺ وصحابته ﵃ حقوق يجب القيام بها، فعلينا أن نحب آل بيت رسول الله ونتولاهم ونذب عنهم امتثالا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] (الشورى الآية: ٢٣)
стр. 82
وقوله ﷺ : «أذكركم الله في أهل بيتي» رواه مسلم عن زيد بن أرقم، وقد أمرنا الرسول ﷺ بالصلاة عليهم مع الصلاة عليه، فقال لنا قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. . .» الحديث.
وأهل بيته أقاربه الذين حرمت عليهم الصدقة، ومن أهل بيته أمهات المؤمنين زوجاته في الدنيا وهن زوجاته في الآخرة.
وكذا نحب صحابة رسول الله ﷺ ونتولاهم ونترضى عنهم ونعتقد عدالتهم ونقبل ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم ومراتبهم، ونشهد بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ منهم.
ونؤمن بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
ونمسك عما شجر بينهم فلا نخوض فيه، فهم صفوة هذه الأمة التي هي خير الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠) ، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (التوبة الآية: ١٠٠) ، وقال ﷺ : «خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» الحديث في الصحيحين عن عدد من الصحابة، وقال ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» رواه البخاري ومسلم.
وما ينسب إليهم في بعض الكتب من مساوئ، فأكثره كذب افتراه أعداؤهم، ومنه ما قد زيد فيه ونقص وغيره عن وجهه الصحيح، وما ثبت منه فهم فيه معذورون، لأنه إما أن يكون صدر عن اجتهاد أصابوا فيه أو أخطأوا، أو تابوا منه، إذ هم غير معصومين، بل تجوز عليهم الذنوب في
стр. 83
الجملة، لكن لهم من الرسوخ في الخيرات والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من أسباب الغفران ما ليس لمن بعدهم، وبكل حال فما يذكر في هذا السبيل فهو قليل مغمور في بحر فضائلهم ومحاسنهم.
نسأل الله أن يجعلنا ممن ذكرهم بقوله - بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (الحشر الآية: ١٠) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
стр. 84
[المراجع]
المراجع ١ - العبودية.
٢ - العقيدة الواسطية. كلاهما لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية.
٣ - مدارج السالكين للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية.
٤ - شرح العقيدة الطحاوية للقاضي أبي الحسن علي بن علي بن محمد بن أبي العز.
٥ - كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بشرحه فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.
٦ - معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي.
٧ - نبذة في العقيدة الإسلامية لفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين.
٨ - شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الدكتور / صالح بن فوزان الفوزان.