← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30836

شبهات حول السنة

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (78 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأنه مثار تهمة فلا نعملُ به حتى يتأيد بغيره (١) وقد ورد مثل هذا عن علي بن أبي طالب ﵁ في أعرابي. * الجواب على هذه الشبهة: وهذا وأمثاله يُرد عليه بأمرين: الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب لم يكذبه إنما أراد: ١ - أن يتثبت من جهة. ٢ - وإلى جانب التثبت: خاف عمر بن الخطاب ﵁ أن يجترئ الناس على سنة الرسول ﷺ ، فأظهر لهم القوة حتى يحتاطوا لأنفسهم عند البلاغ فلا يبلغ إلا وهو واثق مما يتكلمِ به، هذا جانب بدليل أنه قَبلَ خبر الواحد في مرات أخر: - قبل خبر الواحد في إملاص المرأة.

стр. 37

- ثم الرسول ﷺ قد اعتمد خبر الواحد، فكان يُرسل رسولا واحدًا بكتابه (١) وما أدرى أولئك أن هذا صادق في أن هذا كتاب الرسول ﵊، وليس عندهم بصمة له، ولا عندهم صورة لخاتمه. ما الذي يدريهم بأن دحية الكلبي (٢) رسول رسول الله ﷺ ؟ وكيف لزمهم البلاغ؟ وكيف أصيب كسرى (٣) بعذاب من عند الله حينما مزق الكتاب؛ كيف لزمتهم الحجة؛ فالرسول ﷺ لم يرسل الواحد؛ إلا وهو يعتقد أن الحجة تقوم به، وهذا أمر معلوم بالضرورة من إرسال الرسول ﷺ أفرادًا إلى جهات لنشر الدعوة وإقامة الحجة، وقد أرسل

стр. 38

معاذ بن جبل ﵁ ليقضي، ويكون أميرًا في اليمن، وأرسل عليًّا ﵁ وأرسل أبا موسى الأشعري ﵁. القصد: أن إرسال الواحد من الرسول ﷺ قد تكرَّر مرات، وَهو لا يرسله إلا إذا كان يعتقد أن الحجة تقوم به، وأن خبرهُ يجبُ أن يُصَدَّق. والمهم فيه أن يتخير عدلا، أمينًا، صادقًا، وأنه يقوى على البلاغ. وليس من المهم أن يكون عددًا بدليل أنه أرسل فردًا فردًا إلى دول، وليس إلى أفراد، وفى أصل الدين وهو العقيدة وليس في الفروع فقط. فهذا بيان من النبي ﷺ يُحتج به على قبول خبر الواحد، ضد هؤلاء الذين يتهمون الراوي إذا كان واحدًا، وإن كان: - عدلا، ضابطًا. - مع اتصال الإسناد.

стр. 39

- ومع عدم مخالفة من هو أوثق منه. - ومع عدم الوقوف على علة قادحة يُرَدُّ بها الحديث. هذا العمل من الرسول ﷺ يرد عليهم، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ قَبلَ خبر الواحد عدة مرات، فلماذا يتمسكون بهذه القصة، ولا يتمسكون بغيرها وغيرها أكثر منها. الأمر الثاني: في عمر بن الخطاب ﵁. عمر بن الخطاب ﵁ كان عنده قوة في التثبت وكان يجتهد ويستوثق أكثر، لا لأنه مُتَّهم لمن استوثق في خبره، كما جاء في حادث التحقيق مع سعد بن أبي وقاص ﵁ لما كان- في العراق- أميرًا وقاضيا وقائد السرية، وإمامًا في الصلاة وخطيبًا في الجمعة، اشتكاه واحد من العراقيين إلى عمر بن الخطاب ﵁، وكتب إليه كتابا؛ يقول فيه: " إنه لا يخرج بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يحسن الصلاة "، فأرسل شخصًا يُحقِّقُ في الموضوع، مع أنه واثق من سعد بن أبي وقاص ﵁، لكن لا يريد

стр. 40

الفتن ولا القلاقل، ويريد أن يستوثق أكثر، وفعلا حقَّقَ داخل المساجد ومرَّ على أناس هنا وهناك، فكلهم يثنون خيرا على سعد بن أبي وقاص ﵁، إلا المكان الذي فيه بؤرة الفساد والرجل الذي بلَّغ فانتصَبَ له، فحكى نفس الكلمة وسعد يسمع، فقال: " اللهم إن كان كاذبًا فأطل عمره، وأدم فقره، وأكثر عياله، وعرّضه للفتن " (١) أربع دعوات نظير أربع تهم وجهها الرجل إلى سعد بن أبي وقاص ﵁، فطال عمر الرجل، وكثر عياله، ودام فقره، وكبر في السن حتى صار وهو يمشي في الطريق ينظر إلى النساء بعين خائنة، وقد سقط حاجبه على عينه، فيقال له: ما بك وقد شبت؟ فيقول: مسكين، أصابتني دعوة سعد. أقول: عمر بن الخطاب (لما استخلفَ ستة) (٢) حينما طُعن، وأيس من أن يبقى، فقالوا: استخلف؟ فقال: لا أحملكم حيًّا وميتًا، ولما ألحوا عليه استخلف ستة يختارون

стр. 41

من بينهم خليفة، واستجاب لهم في الجملة، ثم جعل من الستة سعدًا ﵁، ثم قال: اعلموا أني لم أعزله لشكِّي فيه ولا اتهامًا له، ولهذا رضي به خليفة باختيارهم إياه، ثم إذا لم تصبه نصحهم بأن يستشيروه، وأن يرجعوا إليه فيما يبرمون من أمور الدولة. فهذا يدل على اتجاه عمر بن الخطاب ﵁ في قبول خبر الآحاد. والقصد أن هذا جواب لاعتمادهم على طلب عمر من أبي موسى الأشعري ﵄، أن يأتيه بآخر يثبت أن الرسول ﷺ قال هذا الحديث وأسأل الله أن يوفقني، وإياكم لما فيه رضاه، وأن يشرح صدورنا بالعلم النافع، وأن يجعل لنا بصيرة في إصابة الحق، وأن يوفقنا للعمل بما علَّمنا، فإنه مجيب الدعاء.

стр. 42

[الشبهة الثالثة دندنة البعض بأن السنة لم تدوَّن والجواب عنها] الشبهة الثالثة دندنة البعض بأن السنة لم تدوَّن س١: يدندن بعض المعارضين لحجية السنَّة بأن أسانيد الأحاديث لم تدون إلا بعد قرن من وفاة الرسول ﷺ ، فما رأي سماحتكم في ذلك؟ * الجواب على هذه الشبهة: هذا صحيح من أحد الجوانب، فإن السنَّة لم تدون أسانيدها إلا في وقت متأخر، أما متون الأحاديث فمن المفروغ منه أنه دونها بعضهم، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ دوَّن وكتب بعض الأحاديث لنفسه، وقد أمر النبي ﷺ بالكتاب لبعض الوفود فكتبوا لهم كتابًا ببعض أحاديث رسول الله ﷺ ، وهذا علي بن أبي طالب ﵁ كان عنده صحيفة لما سُئل: ما عندكم غير الوحي عن رسول الله ﷺ ؟ قال: ما عندنا إلا كتاب الله

стр. 43

وهذه الصحيفة وفيها جملة أحكام أخرجه البخاري (١١١) ، (١٨٧٠) . وعلى هذا فقد كان بعض السنَّة مدونًا في آخر حياة الرسول ﵊؛ لكن هذا ليس بصفة عامة، حيث إن أغلب السنَّة كان غير مدون، ومن دوَّن فقد دوّن لنفسه، أو لجماعة خاصة بأمر النبي ﷺ . إلا أن أذهان أولئك كانت أذهانًا سيَّالة تغنيهم عن التقييد والكتابة، وقد مُنعوا من الكتابة ابتداءً مخافة أن تلتبس السنَّة بالقرآن، وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة في كتاب العلم في صحيح البخاري (١) وغيره من دواوين

стр. 44

السنّة، أما الأسانيد فلم تكن طويلة في القرن الأول حتى يحتاج المسلمون إلى تدوين هذه الأسانيد، وقد انتهت خلافة عمر بن عبد العزيز ﷺ على رأس المائة والحال هذه؛ في قوة الدولة الإسلامية، وفي تماسك المسلمين، وحرصهم على الدين، وبقاء عدد من الصحابة ﵁ يأخذ عنهم التابعون، ومن وُجد إلى عهد عمر بن عبد العزيز فقد التقى ببعض الصحابة فهو تابعي، إلا أنه يوجد تابعون كبار وأوساط تابعين وصغار تابعين، فمن أين علم هؤلاء المعارضون أن الذين نقلوا عن الصحابة لم يدونوا لأنفسهم ولم يكتبوا اسم الصحابي الذي روى لهم، إنما الذي تأخر بعد المائة جمع المتون والأحاديث في دواوين مختلطة بالآثار والفقهيات أولا، ثم جُرِّد هذا من هذا في بعض الكتب كما جُرِّد صحيح مسلم من الآثار والفقهيات، وبقي الوضع على هذا في بعض الدواوين؛ مثل صحيح البخاري، وكذلك موطأ مالك الذي فيه ما بين مالك والصحابي رجل واحد أحيانًا كنافع - مولى ابن عمر -، وأحيانًا يكون غيره.

стр. 45

* ففي رد هذه الشبهة يراعى ما يلي: أولا: أنه لم يكن هناك بعد السند الطويل الذي يحتاج إلى تدوين وإلى كتابة الدواوين. ثانيًا: أنه ليس في تأخر تدوين دواوين الحديث إلى ما بعد ذلك دليل على أن أولئك الأتباع لم يكتبوا عمن رووا عنه، من شيخ أو شيخ شيخ، والسند في ذلك الوقت لم يكن فيه سوى راو واحد أو اثنين. ثالثًا ثم الشروط التي اشترطت من جهة الضبط وعدالة الراوي وأمانته واتصال السند كفيلة ببعث الثقة في النفس بأن هذا ثابت عن الرسول ﷺ .

стр. 46

[استفسار وبياناته] استفسار وبياناته س٢: هل في السنَّة شرع مبتدأ ليس له أصل في القرآن أو زيادة على هذا القرآن، فإذا كان الأمر كذلك فكيف نفرق قول الشاطبي في الموافقات بأثره، ومن تفرع من الراجح من كبار العلماء العز بن عبد السلام في كتابه الفوائد؟ * الجواب: أما سؤال: هل في السُّنة أحاديث ليست في القرآن أو أصلها ليس في القرآن؟ فهذا فيه خلاف ذكره الشاطبي (١) في الموافقات وكذلك غيره، والخلاف في هذا يكاد يكون لفظيًّا؛ لأن الذين اختاروا أنه ليس في السنَّة شيء زائد على ما في القرآن، وإنما كل ما وجد في السنَّة فهو بيان لأصل في القرآن، فهؤلاء يتأولون ما قال مخالفوهم بأنه ليس في القرآن بل زائد. فمثلا في الحديث الذي فيه النهي عن الجمع بين المرأة

стр. 47

وخالتها أو عمتها (١) علل فيه الرسول ﵊ هذا النهي، فقال: " إن تفعلوا ذلك تقطعوا أرحامكم "، فبيّن ﷺ أن هذا وسيلة لقطيعة الرحم. وهذا التعليل جعله الشاطبي (٢) وجماعة أصلا من الأصول، وبين أن هذا الأصل من القرآن، وهو الذي بني عليه تحريم الأم، وتحريم الزواج بالبنت، وتحريم الزواج بالأخت، لأنه يصير فيه جانبان متقابلان متعارضان؛ حقوقِ الزوجية للزوج، وحق أمه عليه، وهي أقوى من حُرِّم نكاحه، ولذلك جاء في أول المحرمات في الآية، وكلما تأخر كان أخف في المفسدة، وفي تعارض الحقوق. فلمَّا بيّن الله تعالى في القرآن الأصل الذي بُني عليه تحريم نكاح الأمهات والأخوات؛ وهو أن ذلك يؤدي إلى تعارض الحقوق وتقطع الأرحام أشار النبي ﷺ إلى هذا في حديث

стр. 48

النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. وعلى هذا يكون حديث النهي بيانا للتعليل الذي بني عليه تحريم من حرم نكاحه في نص القرآن، وقد فهمه النبي ﷺ وعلل به، وبهذا لم يكن الحديث زائدا عن التقعيد الذي في القرآن، إنما هو استنباط من ذلك التعقيد. وكان التحريم فيه أخف، لأن تقطيع الرحم فيه أقل، وتعارض الحقوق فيه أقل، فجاء التحريم في الجمع دون التحريم في أصل الزواج، فله أن يطلِّق المرأة ويتزوج عمتها أو يطلِّق المرأة ويتزوج خالتها، وكذلك فإن أصل هذا التقعيد الذي فيه خفة في المفسدة موجود في تحريم الجمع بين الأختين، لأن الضرة من شأنها أن يقع بينهِا وبين ضرتها الخصومة، فحُرِّم الجمع بينهما مخافة المضارّة التي هي من شأن البشر، وخاصة النساء، فحُرِّم الجمع دون أن يحرم تزوج الأخت بعد وفاة أختها، أو بعد طلاق أختها. ومن أجل هذا يقول الشاطبي ومن وافقه: إنه مبني

стр. 49

على تقعيد مستنبط من القرآن فهو بيان لا تأصيل. أما غيرهم فنظر إلى الظاهر، وأن هذا الحكم لم يكن موجودًا نصًّا، إذًا هو زائد على ما في القرآن، وهذا التعليل موجود في الموافقات للشاطبي ومن أحب فليرجع إليه. س٣: في حديث الرسول ﷺ عن الداء والدواء في جناحي الذباب (١) هل جناح الذباب الذي فيه دواء موافق لهذا الداء الذي في الجناح الآخر؟ أو داء أو مرض غيره؟ وهل الذباب المذكور في الحديث هو الذباب المعروف؟ * الجواب على هذا يتضح مما يلي: أولا: المعروف بالذباب في لغة العرب هو هذا النوع الذي يسقط على القاذورات والأوساخ، والذي يسقط في الطعام أو الشراب، وبهذا الفهم أيضًا هو ما يقصده الأطباء، فهو ليس عامًّا إذن في كل ما يطير بجناحيه.

стр. 50

ثانيا: أن الرسول ﷺ أخبرنا في هذا الحديث أن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر دواءً، وهذا يدلنا على أن المراد بالجناح جناح هذا الذباب الذي ذكره الرسول ﵊، والرسول ﷺ لم يخبر في هذا عن كونه دواءً لغير هذا الداء، لأنه يعلل ما ذُكر في كلامه بالغمس ولم يجعل ﷺ هذا تعليلا عامًّا لعلاج كل داء، إنما ذكره بمناسبة الداء الذي في جناح الذبابة، يقول: «فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء» . إذن فقوله ﷺ عن دواء في الجناح هو دواء للداء الذي ينزل من الجناح الآخر، ولا يصح أن يقال: إن هذا يتعدى إلى علاج داء آخرإلا بدليل. فالأصل أن ذلك يخص ما ذُكر في الخبر ولا يجوز تعديه إلى غيره، مثل أي طبيب يقول هذا الدواء دواء لهذا الداء، فلو ذهبت إلى الصيدلية لوجدتها مملوءة بالأدوية وكل ما فيها يقال: إنه دواء لكن لا يستعمل كل

стр. 51

دواء في الصيدلية لكل داء أيًّا كان، بل الأدوية التي في الصيدلية موزعة على الأدواء والأمراض، وفق خاصية الداء وخاصية الدواء. وعلى هذا فلا بد للإنسان أن يقف عند ما أخبر به الرسول ﵊ دون أن يتجاوزه بجعل هذا الدواء دواءً لكل داء.

стр. 52

[الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم] الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم س٤: كيف نجمع بين حديث الذباب وبين قول ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (١) . * الجواب: كان الرسول ﷺ في أرض عربية، والبلاد بلاد نخيل، وهو يعرف شيئًا ما عن هذا في الجملة، ولا أقول: إنه يعرف كمعرفة الزراع أو أرباب النخيل والثمار، لكنه مطّلع على ذلك في الجملة، والرسول ﵊ ما قال: أنا أعلم بأمور دنياكم، بل نفى أنه أعلم بأمور الدنيا منهم، نفى هذا في مسألة النخيل وفي غيرها، فالشؤون التي تتصل بالدنيا هم فيها أعلم، وإنما يعلم منها ما أوحى الله به إليه.

стр. 53

وحيث إن الشيء الذي قاله الرسول ﵊ وأشباهه مما رجع عنه مثل هذه الأمور الاجتهادية، فهذا يدلنا على أنه قال باجتهاده، ولهذا رجع عنها، أما الذي لا مدخل للاجتهاد فيه مثل حديث الذباب إنما مثله يقال من طريق الوحي، بدليل التعليم الذي أشعر بذلك كما تقدم في السؤال السابق. وحيث إنه لم يقل فيه ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» ، ولم يرجع عنه، ولم يعارضه أحد، فهذا محمول على أنه وحي من الله. أما ما كان في مسألة النخيل فهو من الأمور التي تؤخذ بالتجارب، وكذلك مسألة النزول على غير ماء في بدر، حين قال الصحابة ﵁: «أهو الرأي أو هو من الله؟ فقال ﷺ : هذا هو الرأي. قالوا: لا، الرأي أن ننزل على الماء» (١) وهذا يبين أنه أمر اجتهادي.

стр. 54

فالأمور التي فيها مجال للاجتهاد ومنها تأبير النخل يمكن أن يقول فيها باجتهاده، فإذا أخطأ قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم، والأمور التي لا مجال لمثله للاجتهاد فيها يتبين لنا أنها وحي من الله، ويؤيد هذا التعليل أنه ﷺ أمي ولا عهد لأمته بالطب الذي من هذا الجنس ولا تجارب عندهم في هذا وخوضه فيه لا يليق برسالته لأنه يكون مجازفًا إذ بنى شيئًا على غير تجربة، ولا مجال لأمثاله في أن يجرب في مثل هذا، ثم قال ﷺ : «فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» ، وهذا أمر لا يعلم إلا عن طريق تحليل جناح الذباب، فمن أجل هذا قلت: إن هذا وحي من السماء. أما مسألة تأبير النخل في الحديث المذكور، ففيها نوع من الاجتهاد قد أخطأ فيه ﷺ ، فهو يخطئ في الأمور الاجتهادية من شئون الدنيا، ويهيئ الله له من يتكلم معه ويناقشه فيرجع عن خطئه إلى ما هم عليه صواب، فمن أجل ذلك قال ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وهذا في الأمور

стр. 55

التي تكتسب بالخيرة وغيرها. * ومن جهة أخرى: مسألة الذباب لم ينته الأطباء، وأهل الاختصاص فيها إلى رأي واحد، بل مازالت إلى اليوم محل بحث ومحل تجربة، وأكثر ما فيها الاستقذار لسقوط الذباب على الأوساخ وعلى الأذى، وأن النفس تعاف الطعام أو الشراب الذي سقط فيه؛ وقد قلنا: إن الرسول ﵊ لم يأمر المسلم أن يأكل أو يشرب ما وقع فيه الذباب، وعلى ذلك فهو حر إن شاء أكله أو شربه وإن شاء أعطاه غيره، فلا إشكال في الأمر، وكل ما أمره به أن يغمسه؛ لأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء. * س٥: ما حكم من ابتلع من الشراب أو من الأكل الذي وقع عليه الذباب ثم قاءه مع إيمانه بالحديث؟ * الجواب: هذا أشرت إليه في الجواب السابق، وقلت: إن الرسول ﵊ ما أمر أحدًا بأن يأكله، إنما بيَّن لهم الفائدة في غمسه وأن ما فيه من داء يعالَج

стр. 56

بما فيه من دواء، ولم يأمر مَنْ غَمَسَه بأكله فهذا إليه إن استقذره فهو غير ملزم بأكله لكنه يعطيه من يطعمه ولا يستقذره ولا يضيّع ماله. س٦: هل تصح نسبة كتاب النبوات لابن تيمية؟ الجواب، في نظري أنه لابن تيمية، فالأسلوب أسلوبه، وأنا لم أحكم أن نسبته لابن تيمية تثبت بخطوط، فهذا لا أستند إليه ولا أجعله دليلا لي لأني لا أعرف الخطوط، ولا أعرف خط ابن تيمية حتى أطبق على المخطوط، وكذلك لم أحكم من جهة سلسلة موثوق بها من عهد ابن تيمية إلى يومي هذا، فليس عندي ذلك السند إنما الذي أستند إليه في هذا معرفتي بأسلوب ابن تيمية، فإنني إذا قرأت في كتاب الطبري لابن جرير الطبري أو كتب ابن تيمية أعرف طريقته في الاستدلال، وأعرف دورانه وجدله حول الموضوع، وذلك بكثرة قراءتي لكتبه، وأنا قرأت كتاب النبوات وأعرف أن الأسلوب أسلوبه وأن كثيرًا منه موجود في كتب أثق بأنها كتب ابن تيمية غير هذا الكتاب.

стр. 57

[حكم من رد السنة جملة وتفصيَلا] حكم من رد السنة جملة وتفصيَلا س٧: كيف ترون التعامل مع من يرد سنَّة النبي ﷺ سواء كان ذلك جملة أو تفصيلا، خاصة وأن من هؤلاء من يتولون الحكم في بعض بلاد المسلمين اليوم؟ * الجواب: الحكم فيمن رد السنَّة جملة- أي كلها- فهو كافر؛ فمن لم يقبل منها إلا ما كان في القرآن فهو كافر لأنه معارض للقرآن، فهو كافر مناقض لآيات القرآن، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ويقول تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .

стр. 58

فقوله: فَاتَّبِعُونِي هذا عام، فحد المفعول طريق من طرق إفادة العموم، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وَمَا من صيغ العموم، وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩] أي: تنازع الرعية، وأولو الأمر من العلماء والحكام فِي شَيْءٍ فردوه إلى الله والرسول، فلم يجعله إلى الله وحده، بل جعله إلى الله وإلى الرسول، ورده إلى الله رده إلى كتاب الله، ورده إلى الرسول بعد وفاته رده إلى سنته ﵊، فدعواه أنه يعمل بالقرآن عقيدة وعملا خلقًا ويرد السنَّة جملة- هذه الطائفة التي تسمى نفسها (القرآنية) - دعوى باطلة، وهو مناقض لنفسه لأنه كذّب آيات القرآن التي فيها الأمر باتباع الرسول ﷺ ، وأخذ ما جاء به، وطاعته فيما جاء به من عند الله عمومًا دون أن يخص آيات القرآن، ثم هو في الوقت نفسه كيف يصلي؟ ، وكيف يحدد أوقات الصلوات؟ ، وكيف يصوم؟ ، وعن أي شيء يصوم؟ ، وتفاصيل الصيام

стр. 59

كيف يعرفها؟ ، وكيف يحج بيت الله الحرام؟ فليس هناك إلا أركان محدودة من الحج في سورة البقرة، وكذلك أين نصب الزكاة؟ وكيف يزكي؟ ! فمن يدّعي هذا مغالط ومناقض لنفسه، ومناقض للقران؛ لأنه رد آياته الكثيرة التي ورد فيها الأمر بطاعة الرسول ﵊ والأخذ بما جاء به، ومناقض لإجماع المسلمين ولإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم جميعًا لم يشذ واحد منهم عن الأخذ بالسنَّة، فإذًا هو كافر بالقرآن وإن ادّعى أنه مؤمن به، والكافر بآية منه كالكافر بكل آياته، كافر بالإجماع منكر له، أي: إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فما فيهم واحد شذَّ عن السنة وأنكرها جملة، وإذا أنكر أحدهم شيئًا فإنما ينكر حديثًا من جهة الراوي لا من جهة أنه كلام الرسول ﵊، أي: السنَّة. وهذا أيضًا لا يقوى على أن يقوم بالصلوات الخمس على وجهها المعلوم من الدين بالضرورة، فصلاة العصر

стр. 60

أربع ركعات، وصلاة الصبح ركعتان، لا يجد هذا في كتاب الله فمن أين جاء هذا؟ ما جاء إلا من تعليم جبريل للرسول ﵊ (١) وتعليم الرسول ﵊ لأصحابه، فمن أين يأتي بهذا؟ فهذا مجمل الرد عليه، وإثبات أنه كافر بالقرآن كافر بالإجماع اليقيني، كافر بالمعلوم من الدين بالضرورة، من مثل أن ركعات الظهر أربع، والعصر أربع، والعشاء أربع، والمغرب ثلاث، والصبح ركعتان، وكافر أيضًا بتفاصيل الصيام لأنها ليست في القرآن، وهي معلومة من الدين بالضرورة، فلذلك كان كافرًا. [الاجتهاد شيء ورد الأحاديث شيء آخر] الاجتهاد شيء ورد الأحاديث شيء آخر: أما الذي ينكر حديثًا لعلّة في سنده يختلف فيها مع غيره من رجال الحديث، فهذا نوع من الاجتهاد يقال فيه: أخطأ وأصاب، ولا يقال فيه: آمن وكفر.

стр. 61

وكذلك إذا رد ظاهر الحديث متأولا له تأويلا تُسوِّغهُ اللغة العربية، ففسره بمعنى مختلف عن المعنى الذي فسره به غيره، فهذا حمله على الظاهر وهذا تأوله، فهذا لا يقال فيه: آمن وكفر، إنما يقال فيه: أخطأ وأصاب، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد، ويلزمه العمل بما اعتقده، وإن كان خطأ في نفسه، ودليل ذلك حدث زمن الرسول ﷺ في الذهاب إلى بني قريظة، حين قال: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (١) فاختلفوا على أنفسهم فمنهم من أخّر العصر على ظاهر الحديث مثل ما يقول ابن حزم: لو كنت معهم ما صليت العصر إلا في بني قريظة لأنه ظاهري، وغيرهم قال: إن النبي ﷺ لم يرد منا هذا ولكن أراد منا السرعة والمبادرة، ولم يرد منا أن نترك الصلاة في وقتها هذا فرض وذاك فرض، وفريضة الصلاة لا يسقطها الجهاد، فنصلي ثم نسرع ولا نتمهل، وصلوا في الوقت، ولما اجتمعوا عند النبي ﷺ لم يعنف طائفة من الطائفتين،

стр. 62

لا المخطئة ولا المصيبة، لا التي أخرَّت ولا التي عجَّلت. هذا دليل على أن الأحاديث التي هي مجال للاجتهاد يقال في الخلاف فيها: أخطأ وأصاب، لا آمن وكفر، ويُعذَر من أخطأ، وبناؤه عمله على اجتهاده الخاطئ صحيح. والثاني المصيب معلوم أيضًا معروف واضح أنه يُؤجَر أجرين ويجب عليه العمل باجتهاده. القصد أن من ينكر الحديث من جهة سنده للاختلاف بينه وبين غيره في توافر أسباب القبول وعدم توافرها، هذا لا نقول له: إنك آمنت أو كفرت، بل نقول له: أخطأت أو أصبت، وكذلك لو تأول متنًا وفيه مجال للاجتهاد يقال فيه: أخطأ وأصاب. [حكم من خالف معلوما من الدين بالضرورة] حكم من خالف معلوما من الدين بالضرورة: أما أن يأتي بصريح السنَّة مثل صلاة أربع ركعات، ويقول: هذه تصلى ركعتين، نقول له: لا، أنت خالفت معلومًا من الدين بالضرورة، فأنت كافر، وكذلك من

стр. 63

يقول: إن الصلوات في اليوم والليلة صلاتان فقط، صلاة في النهار، وصلاة في الليل، ويذكر القرآن، لأن فيه الصلاة أول النهار وآخر النهار، وصلاة من الليل ففيه ثلاث صلوات، واحدة في الليل بنص القرآن، وواحدة في الغدو، وواحدة في الآصال، فيصلي ثلاث صلوات بنص القرآن، ويُضيِّع صلاة الظهر لأنها ليست في الغدو، ويُضيِّع واحدة من الصلاتين اللتين بالليل، فهذا نقول له: أنت أنكرت معلومًا من الدين بالضرورة، وإن لم يكن في القرآن لكنه ثابت متواتر تواترًا عمليًّا وتواترًا قوليًّا، فإنكارك إيَّاه مثل إنكارك للقرآن، فهذا نقول له: إنه كافر، لأنه خالف معلوما من الدين بالضرورة. وأما إن أنكر شيئًا واحدًا؛ أنكر حديثًا واحدًا، أو عملا واحدًا، مثل من ينكر صلاة الوتر-ولا أقول هذا في الفرائض- سواء قلنا: إن الوتر واجب والواجب أقل من الفرض، أو قلنا: إن الوتر سنَّة مؤكدة، من ينكر صلاة الوتر فهو

стр. 64

كافر، أنكر سنَّة عن النبي ﷺ معلومة من الدين بالضرورة، وأنا ما أخص هذا بالفرائض الخمس، يعني الكلام ليس على درجة أهو فرض أو سنَّة، فمن ينكر أن هناك رواتب للفرائض، ركعتان قبل، وركعتان بعد، من ينكر أن هناك تهجد الليل هذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، بعضه في القرآن وبعضه في السنَّة، فيقال: كافر. فما كان فيه مجال للاجتهاد، يقال فيه: أخطأ وأصاب ولا يقال فيه: آمن وكفر، وما لم يكن فيه مجال للاجتهاد وهو ثابت ثبوتًا قطعيًّا أو معلومٌ من الدين بالضرورة فهو كافر، وإن كان الذي أنكره شيئًا واحدًا وإن لم يكن أصله في القرآن، هذا هو حكم الصنفين من أنكر الجملة ومن أنكر البعض. . هذا هو التفصيل. س٨: هل يجوز للمسلم أن يتمسك برأيه إذا كان مخطئًا ولكنه مجتهد في ذلك؟ وهل يقبل منه ذلك شرعا بحجة أنه مجتهد؟

стр. 65

* الجواب المجتهد إذا رأى رأيًا ولو خطأ وله وجهة من جهة اللغة، ومن جهة مقاصد الشرع- فله أن يتمسك برأيه، لو كان خطأ في الواقع لكنه لم يتبين له خطؤه، وما قامت عليه الحجة، أما إذا تبينت له الحجة، فيجب عليه أن يرجع عن رأيه، ولو كان مجتهدًا، والحق أحقُّ أن يُتبع، أما الذي لا دراية له ولا قدرة له على الاجتهاد إنما هو في تفكيره في دنياه وآخرته على غيره، فهذا ليس له أن يتعصب لمذهب، أو أن يتعصب لرأي، بل عليه أن يضع يده كالأعمى على كتف غيره ممن يثق بهم، يعني يجتهد في اختيار الشخصيات المأمونة المعروفة بالعدل، والمعروفة بالاجتهاد والإصابة في الجملة، عليه أن يجتهد في اختيار الأفراد لا أن يجتهد في النصوص، وليست عنده تلك القوة التي تؤهله للاستنباط من كتاب الله أو سنة رسوله الصحيحة.

стр. 66

[الشبهة الرابعة شبهة أخرى والجواب عليها] الشبهة الرابعة شبهة أخرى والجواب عليها س٩: ما حكم من يقول: إن بعض الأحاديث تنكر بعضها؟ * الجواب: الرسول ﵊ ليس برجل بدوي يخبط خبطا عشوائيا وهو أمّي وأمته أميَّة فلا يمكن أن يتكلم بتخمين؛ فكونه يخبر بأن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، لا يمكن أن يتكلم به عن طريق اجتهاده في أمر لا يعنيه وليس من شأنه، إنما يتكلم فيه عن وحي ولذلك علل وقال: في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، فالمسألة ليست مسألة اجتهاد قال بمقتضاه في أمر ليس من شأنه، إنما هو وحي من الله، فمثله لا يمكن أن يدخل فيه باجتهاده، وهو أمي في أمة أمية يقول في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر دواء، وليس هناك من أمته من العرب من يدري عن

стр. 67

خواص الذباب ولا خواص ما في أجنحته، هذا ما يمكن أن يقوله رسول من عند نفسه في شأن من شؤونه، إنما هو وحي من الله أوحى به إلى رسوله فتكلم به. أما موضوع التلقيح فهم رجال نخل في بلاد العرب، وهم رجال التمور، وقد يدخل في مثل هذا باجتهاده، كما دخل في مسألة النزول في ميدان القتال واجتهد، ولما أراد أن يصطلح مع قريش والأحزاب لما جاءت إلى المدينة في غزوة الأحزاب، وأن يبرم معهم صلحًا وأن ينزل لهم عن بعض الشيء فأبى الأنصار فرجع إلى رأي الأنصار الذي أشاروا به وكانت الحرب، هذا فيه مجال للاجتهاد فيمكن أن يقول فيه برأيه، ويمكن أن يظهر له خطؤه وأن يرجع عنه. أما الذي لا يحق لمثله الدخول فيه أصلا وهو من الأمور الغيبية بالنظر له ولأمته فمثل ما جاء في قوله: في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، هذا لا يمكن أن

стр. 68

يكون منه، ولا يجترئ عليه وهو أمي، بل لا بد أن يكون بوحي من الله. فالذين يقولون هذا الكلام ينظرون إلى كلمات المشوشين في الموضوع، الذين يقولون: إنما بُعث للتشريع وهذا صحيح، ولكن أيضًا أحيانًا يخبر بأمور غيبية فيها مصلحة المسلمين وفيها علاج مثل العلاج بالرقية (١) وهذا لا يقول به الأطباء، فالأطباء لا يقولون بالكي وهم يكوون، أي يعالجون بالكي وهم ينكرون الكي ويسجنون من كوى وسلم نفسه للكي، فهم يعالجون بعض الأدواء بالكي لكنه لا يسلخ الجلد وذلك بالكهرباء، والعرب يعالجونه بالكي، فهم يعالجون بالكي وهو أسرع- من جهة السبب- في العلاج، والعلاج بالكهرباء بطئ، وذلك مثل الشلل فهو يعالج بالكي وهم يعالجونه بالكهرباء، فهذا فقط نوع من العلاج لا يسلخ الجلد ولا يُوجد جرحًا، وذلك نوع من

стр. 69

العلاج البدائي أخبر به الرسول ﵊، يقول: «إن كان الشفاء في شيء ففي ثلاث وذكر منها الكي» (١) هل أتبع أولئك وأقول هذا ليس من فنه؟ أم أن التجربة أيضًا أثبتت أن هذا يعالج به، فأتخير الشخص الذي يكوي. *

стр. 70

كذلك الرقية هل يؤمن بها الأطباء؟ ! هم يتبعون الفرنجة الكفرة فلا يعملون بالرقية، والرقية ثابتة شرعًا، وهي نوع من العلاج، نوع من التشريع، ورسول الله ﷺ جاء للتشريع، ولا يقال: ما الذي أدخله في الرقية والعلاج؟ وما الذي يدخله في حل السحر؟ وما الذي يدخله في الإثمد وأنه خير أنواع العلاج للعين؟ فهذه الأمور دخل فيها بحالتين: أ- منها ما يرجع إلى التجربة في قومه. ب- ومنها ما يرجع إلى الوحي. فالتي قامت القرائن على أنه من الوحي نؤمن به

стр. 71

ونكذب الأطباء، فالآن السرطان هل اكتشف الأطباء ميكروب السرطان؟ لم يكتشف الأطباء ميكروب السرطان إلى اليوم، ويوجد كثير من الأشياء ما وصلوا إليها في الوقت الحاضر، وآفات كثيرة ما وصلوا إلى علاجها، وقد يكشف طبيب أو جملة من الأطباء ويشخّصون مرضًا ويتبين أن المرض على خلاف ما شخصوا، وهم جملة، فهم يخطئون. القصد أنني أتهم الأطباء، ولا أتهم الله، ولا أتهم رسوله، ولا أتهم علماء المسلمين العدول، الذين ضبطوا ما نقلوا بسند متصل، ولم ينقض كلام بعضهم بعضًا، وليس هناك تعارض بينهم، وبين القرآن، فأنا أثق بهم أكثر من ثقتي بالأطباء مهما كانوا أقوياء. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 72

[مقال للمؤلف حول تقديم نصوص الكتاب والسنة على العقل] تقديم نصوص الكتاب والسنة على العقل (١) الحمد لله والصلاة والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد: فإن نبينا محمدًا ﷺ قد أيده الله بروح من عنده، أيده في التشريع بالوحي وعصمه من الإخبار عن الكذب: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] وما كان منه ﵊ عن اجتهاده أقره الله تعالى عليه إن أصاب فيه، وكشف له عن الحق وأبان له الصواب إن أخطأ، فكان بفضل الله وتوفيقه على بينة وبصيرة من أمره على كل حال، لم يكله الله لنفسه، ولم يدعه لحسن تفكيره، بل هداه سبحانه في كل شئونه إلى سواء السبيل.

стр. 73

لقد أنزل الله عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدي والفرقان. وأوحى إليه من الأحاديث ما فيه بيان لما أجمل في القرآن، وتفصيل لقواعده، وشرح للعقائد والشرائع، فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ؛ فوجب تصديق ما جاء في كتاب الله وما صح من الأحاديث عن رسول الله ﷺ وتحكيمها في كل شأن من الشئون، والرضا والتسليم لحكمها دون حرج أو ضيق في الصدور تحقيقًا للإيمان، وتطيرًا للقلوب من درن الشرك والنفاق، قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ولا يغتَرَّنَ إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة

стр. 74

في التفكير، وبسطة في العلم، فيجعل عقله أصلا، ونصوص الكتاب والسنّة الثابتة فرعًا، فما وافق منهما عقله قبله واتخذه دينًا، وما خالفه منهما لوى به لسانه وحرَّفه عن موضعه، وأوَّله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره، وإلا رده ما وجد في ظنه إلى ذلك سبيلا- ثقة بعقله- واطمئنانًا إلى القواعد التي أصَّلها بتفكيره واتهامًا لرسول الله ﷺ ، أو تحديدًا لمهمة رسالته وتضييقًا لدائرة ما يجب اتباعه فيه واتهامًا لثقاة الأمة وعدولها، وأئمة العلم، وأهل الأمانة الذين نقلوا إلينا نصوص الشريعة، ووصلت إلينا عن طريقهم قولا وعملا. فإن في ذلك قلبًا للحقائق، وإهدارًا للإنصاف مع كونه ذريعة إلى تقويض دعائم الشريعة وإلى القضاء على أصولها. إذ طبائع الناس مختلفة واستعدادهم الفكري متفاوت وعقولهم متباينة، وقد تتسلط عليهم الأهواء، ويشوب

стр. 75

تفكيرهم الأغراض، فلا يكادون يتفقون على شيء، اللهم إلا ما كان من الحسيّات أو الضروريات. فأي عقل من العقول يُجعَل أصلا يُحَّكم فيِ نصوص الشريعة فتُرَدُّ أو تنزل على مقتضاه فهمًا وتأويلا. أعقل الخوارج في الخروج على الولاة، وإشاعة الفوضى وإباحة الدماء؟ أم عقل الجهمية في تأويل نصوص الأسماء والصفات وتحريفها عن موضعها وفي القول بالجبر. أم عقل المعتزلة ومن وافقهم في تأويل نصوص أسماء الله وصفاته ونصوص القضاء والقدر وإنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة؟ أم عقل الغلاة في إثبات الأسماء والصفات (١) والغلاة في سلب المكلفين المشيئة والقدرة على الأعمال.
следующие страницы →