← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30836

شبهات حول السنة

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (78 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] شبهات حول السنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره علي الدين كله وكفى بالله شهيدًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإِحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الله تعالى قد منَّ على عباده بإرسال محمد ﵊، وإنزال القرآن الكريم عليه، وإيتائه السنّة التي هي صنو القرآن الكريم من حيث حجيتها ومنزلتها في التشريع ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فالكتاب هو القرآن العظيم، والحكمة هي السنَّة النبوية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم.

стр. 2

وقد فرض الله على الناس الأخذ بما جاء به محمد ﵊ من السنَّة، وبيَّن أنها قسم من الوحي وجزء منه، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] فالسنَّة النبوية هي قسيمة القرآن تندرج معه في الوحي الإلهي، وهي تبينه وتوضحه، والأخذ بها سبب للاهتداء كما يدل لهذا قول الله ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] فمن كان نصيبه من طاعة النبي ﵊ والأخذ بسنَّته والاستمساك بها أكمل كان حظه من الاهتداء أتمَّ، وعكسه بعكسه، فإن الإنسان يفوته من الاهتداء بقدر ما فاته من السنَّة علمًا وعملا. ومن تمام نصح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 3

لأمته وحرصه عليهم ومحبته الخير لهم أوصاهم بسنّته، وحثهم عليها، وأمرهم بالأخذ بها، كما في قوله ﵊ لأصحابه ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تَأمَّرَ عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدَثَات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» . . [رواه الإمام أحمد في المسند (٤ / ١٢٦) ، والترمذي في كتاب العلم (٢٦٠٠) ، والدارمي في المقدمة (٩٥) ] . ومن دلائل نبوته ﵊ إخباره بما يكون من الدعوة إلى ترك سنَّته والاكتفاء بالقرآن، وتحذيره ممن يدعو إلى ذلك، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» [رواه أبو داود في كتاب السنَّة (٣٩٨٨) ] .

стр. 4

وقد وقع مصداق ما أخبر به ﵊ فوجد قديما وحديثًا من يدعو إلى الاقتصار على القرآن، ويقلل من شأن السنّة وأهميتها، ويطعن في نقلها وحملتها وعلمائها وأهلها. ومن حفظ الله لدينه وفضله على عباده أن هيأ لسنَّة نبيه ﷺ من يحفظها وينقلها ويعلّمها وينافح عنها وينفي عنها الدخيل، ويدحض شبهات المبطلين ويفندها. وهذا الكتاب إسهام كريم من العلامة الكبير الشيخ / عبد الرزّاق عفيفي في نصرة السنَّة النبويَّة، كتبه قديما في تفنيد شبهات أعدائها وخصومها، فرحمه الله رحمة واسعة ورفع درجاته وأعلى منزلته. ويأتي نشر هذا الكتاب قيامًا من الوزارة ببعض الواجب في نصرة السنَّة والذَّب عنها والذود عن حياضها، وإسهامًا منها في دحض ما يروّجه المبطلون وتفنيد ما يزعمونه، ونصحًا للمسلمين، وامتدادًا لجهود المملكة

стр. 5

العربية السعودية في نصرة الإسلام والعناية بمصدريه العظيمين القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة اللذين منهما تستمد المملكة دستورها ومنهاجها. والله المسؤول أن ينفع بهذا الكتاب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى اَله وصحبه وسلَّم. وكالة المطبوعات والبحث العلمي

стр. 6

[مقدمة المؤلف] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . . وبعد: فلا بد من الإقرار والتصديق بوقوع الرسالة، وهي صلة بين الله جل شأنه وبين أنبيائه، ووجوب تكليف العباد بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهذه الأصول الأولى لا بد من إثباتها؛ حتى يكون الاحتجاجٍ بما ورد في السنَّة على إثبات أحكام شرعية، احتجاجا مبنيًّا على أساس وحتى لا يحتاج الناس بعد ذلك إلا إلى دفع شُبه قد ترد. لا بد أن يكون الأصل ثابتًا * من جهة ما أجمع عليه: من وجود موح يوحي بشرع ومن وجود رسل يُوصلون إلى العباد ليهْدوهم سواء السبيل. * ومن جهة الوجوب: وجوب ما جاءت به الرسل

стр. 7

عقيدة وعملا على الأمة التي أرسلت إليها الرسل. فإذا أراد الإنسان أن يستوفي الموضوع فلا بد له من أن يبدأه من أوله، ومن الأساس. أما هذه الرسالة، فستكون في موضوع شبه، أو بعض الشّبه التي وردت على الاحتجاج بالسنَّة أو العمل بها، أو اعتقاد ما جاءت به. * * *

стр. 8

[اختلاف موقف المدافع عن السنة باختلاف حال من يورد الشبهة] اختلاف موقف المدافع عن السنة باختلاف حال من يورد الشبهة إن المسلم الداعية، أو المناظر الذي يثبت حجيَّة السنَّة، والذي يدفع الشبه عنها يختلف موقفه باختلاف من يناظره: فتارة يكون منكرًا للسنَّة من أصلها؛ أي جميع ما جاء عن الرسول ﵊ من الأحاديث قولا أو عملا أو خُلُقًا، ينكره ويكتفي بما جاء في القرآن الكريم، فموقفه الواجب مع هؤلاء أن يثبت لهم حاجة المسلمين في فهمهِم للقرآن وعملهم بالقرآن، حاجتهم في ذلك إلى السنّة التي جاء بها النبي ﷺ قولا وعملا. * * *

стр. 9

[شبهات حول السنة] [الشبهة الأولى الاقتصار على القرآن وإنكار السنة وجوابها] الشبهة الأولى الاقتصار على القرآن وإنكار السنة فإذا لم يُحتج بالقرآن؛ وقال: إن الله تعالى أغنانا بالقرآن لقوله فيه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فالقرآن بيّنٌ، واضحٌ، ومبيِّنٌ لكل شيء، فلا يحتاج معه إلى سُنة، فلماذا نتكلف البحث فيها والركون إليها أو الاحتجاج بها؟ لماذا نتكلف هذا مع أن الله تكفل لنا ببيان كل ما نحتاج إليه في محكم كتابه لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل: ٨٩] وهو القرآن ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فلا حاجة إلى أن نكلف أنفسنا عناء البحث في سنَّة رسول الله ﷺ لنعمل بما فيها وقد أغنانا (١) بالقرآن عنها، ويقول سبحانه في آية

стр. 10

أخرى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] ويريدون بالكتاب القرآن، فيكون المعنى ما فرطنا في القرآن من شيء، ففي القرآن كل شيء فلا حاجة إلى السنَّة، وهذا إنكار للسنَّة بجملتها أو إنكار للحاجة إليها وإلى الاحتجاج بها في الجملة، اكتفاءً بما جاء في القرآن بهاتين الآيتين. * الجواب على هذه الشبهة: وقد أجاب العلماء عن الاستدلال بهاتين الآيتين بأجوبة منها: أنه أراد بقوله تعالى: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ [الأنعام: ٣٨] في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] المراد به اللوح المحفوظ. والسورة مكية، ولم يكن نزل من القرآن إلا قليل، سورة البقرة مدنية، براءة مدنية، النساء مدنية، آل عمران مدنية، كثير من آيات الأحكام والفروع كثير منها مدني،

стр. 11

وما يتصل بالصلاة إنما وضح وتبين وتكامل في المدينة، وأحكام المعاملات إنما نزلت في القرآن بالمدينة ونزلت أصولها في القرآن بعد الهجرة، وأحكام الجنايات من قصاص وديات نزلت في المدينة. والسورة، سورة الأنعام كلها مكية على الصحيح، قد يكون منها آيات تشبه الآيات المدنية، كآيات الذبح وذكر اسم الله على الذبائح، قد يكون مثل هذا نزل بالمدينة، لكن الغالب عليها أنها مكية، فكيف يكون القرآن؟ كيف يكون في الكتاب الذي هو القرآن بيان كل شيء في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآية؟ ، مع أن تلكم الأحكام إنما نزلت أصولها في المدينة لا في مكة. ثم عدد الصلوات وتحديد أوقاتها وعدد ركعاتها وسائر كيفياتها؛ لم تُعرف من القرآن إنما عُرفت من السنَّة. أحكام الزكاة من جهة النصاب ومن جهة المستحقين

стр. 12

لم تكن عُرفت في مكة، بل فريضة الزكاة لم تكن شُرعت في مكة إنما الذي شُرع الصدقات العامة، وفرض الزكاة وبدايتها إنما كان في المدينة، فبيان المستحقين للزكاة إنما نزل في المدينة في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلى آخر الآية التي فيها الأصناف الثمانية، ثم النصاب نصاب الزكاة ليس محددًا في القرآن، وشرطها وهو حول الحول ليس محددًا في القرآن ولا مبينًا فيه. فالواقع يدل على أن القرآن اشتمل على الأصول العامة، وأنه لم يكن فيه كل شيء. تفسير الكتاب في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فتفسير الكتاب بالقرآن في آية: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] تفسير غير صحيح، إنما المراد به اللوح المحفوظ الذي هدى الله تعالى القلم أن يكتب فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.

стр. 13

أما الآية الأخرى وهي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فيقال فيها: المراد بالكتاب القرآن، ولكن سورة النحل التي نزلت فيها هذه الآية أو هذه الجملة سورة مكية، ولم يكن نزل التشريع كله في مكة إنما نزلت أصول التوحيد وما يتصل بمعجزات الرسول ﷺ في مكة، وأما الفروع فقد نزلت في المدينة. فكيف يقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] بالكتاب في هذه الآية من سورة النحل القرآن، لكن ليس المراد ببيانه لكل شيء بيانه لجميع أحكام الفروع، إنما هو مثل الآية التي قال الله فيها: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؛ إخبارًا عن الريح التي أرسلها الله جل شأنه على عاد قوم هود، أرسل عليهم ريحًا وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] وهي إنما دمرت قوم هود:

стр. 14

دمرت عادًا ودمرت ديارهم، فالأمارات الحسية، أو الأدلة الحسية وواقع الهالكين الذين هلكوا وتحدث الله عنهم في القرآن يدل على أن المراد بالآية الخصوص لا العموم، كذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] إلى آخر الآية هي مما أريد به الخصوص، وإلا ففي أي آية من الآيات بيان عدد الصلوات، وبيان تفاصيل الزكوات، أو بيان الحج إلى بيت الله الحرام بأصله وتفاصيله؟ لم يكن شُرعَ في هذا الوقت إنما شُرعَ في المدينة في السنة التاسعة أو السنة العاشرة على الخلاف بين العلماء، وما كان من حج قبل ذلك فهو على الطريقة الموروثة عن إبراهيم الخليل ﵊ لما بنى البيت هو وابنه إسماعيل، وأمره الله أن يؤذن في الناس كان الحج مشروعًا، وممتدا شرعه من أيام رسالة إبراهيم ﵊ إلى أيام العرب في زمن النبي ﷺ وبعد زمنه،

стр. 15

أما فرضُه في شريعة محمد ﷺ فقد نزل ضمن آيات سورة آل عمران، وهذا لم ينزل في مكة، إنما نزل في السنة التاسعة من الهجرة أو في السنة العاشرة التي حج فيها رسول الله ﷺ ، فكيف يقال ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وهو لم يتبين فيه أصل فرضية الحج ولا تفاصيل الحج ولا تفاصيل الصيام. والصيام أيضًا فُرض في المدينة بعد الهجرة بسنة، أين الصيام وتفاصيله؟ ، والجهاد بالسلاح وتفاصيله؟ ، والبيوع وتفاصيلها؟ ، والربا ما نزل إلا في المدينة. فالآية إما أن يقال فيها: إنها من العام الذي أريد به الخصوص، وإما أن يقال: تبيانًا لكل شيء شرعه وفرضه على المسلمين وهم في مكة؛ لأن السورة مكية، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] مما أوجبه عليهم وشرعه لهم لا أنها بيان لكل حكم من أحكام الإسلام. فهؤلاء الذين أنكروا السنَّة جُملة أو قالوا لا حاجة

стр. 16

إليها جملة بتمامها اكتفاءً بالقرآن واستدلالا بهاتين الآيتين، قد أخطأوا الطريق ولم يعرفوا تاريخ التنزيل، ولم يعرفوا واقع التشريع، وأن بيان ما في القرآن من العبادات والمعاملات واقع في السنّة، ثم أين تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها؟ أين تحريم زواج الإنسان بامرأة أبيه. إنما كان هذا كله في المدينة، تفاصيل الأحوال الشخصية من مواريث، وزيجات، ووصايا، ونكاح، وطلاق، تفاصيل هذا كله إنما كان بالمدينة، في الآيات التي نزلت بالمدينة، وبيَّنها الرسول ﷺ في سنته. فواقع التشريع، وعمل المسلمين جميعًا: برهانٌ واضحٌ يدل دلالة ضرورية على أن السنَّة جاءت بيانًا للقرآن، بيَّنت في مكة ما يحتاجون إليه، بقدر ما نزل من أحكام أصول التشريع، وبيَّنت في المدينة ما طرأت الحاجة إليه من بيوع، ومعاملات، وجنايات، وحدود.

стр. 17

كل هذا ما نزلت تفصيلات آياته إلا في المدينة، ولم يبيِّن الرسول تفصيله قولا وعملا إلا في المدينة. فهذا الاستدلال بالآيتين استدلال مردود، ولا نقول: الآيتان مردودتان، هذا هو التعبير الدقيق، ما يقال: رد على الدليل بكذا، إنما يقال رد على استدلالهم بالآيتين بكذا. قلت ابتداءً: إن موقف الداعية من المدعوين يختلف باختلاف حالهم، فمن أنكر الاحتجاج بالسنَّة جملة اكتفاءً بكتاب الله- احتج بالآيتين والرد عليهم كما سبق ذكره.

стр. 18

[الشبهة الثانية رد بعض الأحاديث لمخالفتها للعقل والجواب عنها] الشبهة الثانية رد بعض الأحاديث لمخالفتها للعقل أو لمعارضتها المستقر في بعض الأذهان بعض الناس من المسلمين يردُّ بعض أحاديث: إما لمعارضتها لفكره فيما يزعم، أو معارضتها لما يرى أن الطب جاء به، وأن الطب قرَّر قرارًا صحيحًا في أمور لا يليقُ أن يأتي على خلافها حديث عن الرسول ﷺ . فأمثال هؤلاء يردون أحاديث: إما لمعارضتها لفكرهم وعقولهم، وإما لمعارضتها لقواعد صحيّة. مثَلاَ: فحديث الذباب والأمر بغمسه إذا سقط في الطعام أو في الشراب: أولا: يرده جماعة ممن اقتنعوا بالطب، وبالنظريات الطبية، وقدسوا النظريات الطبية، ووثقوا بعقول الأطباء وبتجارب الأطباء، أعظم وأقوى من ثقتهم بتشريع الله

стр. 19

وبما صح عن رسول الله ﷺ ، حسنوا نظرهم بالنظريات الطبية أكثر مما حسنوه بما صح عن رسول الله ﷺ . * وفي هذا طعن في أحد أمرين: - إما طعن في المشرعَ. - أو في المبلَغ وهو الرسول ﷺ ، أو خفض لوظيفته ومهمته. * يقولون: إن وظيفة التشريع صيام، وصلاة وكذا. . . وليس له دراية بالطب، وما الذي يدخله في الطب؟ فهو له دائرة محدودة يدور فيها هي دائرة التشريع من صلاة، وصيام، وبيع، وشراء، وأمثال ذلك، فما الذي يدخله في هذا؟ . . . هذا ليس من اختصاصه، فالعمل فيه إنما يكون على النظريات الطبية لا على ما جاء عن الرسول ﷺ لأن الفن ليس فنًّا له ولا هو من اختصاصه. ثانيًا: وإما أن يكون ردهم لهذا الحديث من جهة أخرى، هي طعنهم في الرواة الذين رووا هذا الحديث.

стр. 20

* الجواب على هذه الشبهة: أما من الجهة الأولى: فالرسول ﷺ بيَّن لهم العلَّة؛ فقال: «إن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء» . وتعليله هذا- وهو أميٌّ لم يدخل مدارس طب، ولم يتفنن بتجارب قام بها- دليلٌ على أنه إنما تكلم بهذا عن طريق الوحي من الله جل شأنه. والله سبحانه عليم بخواص مخلوقاته؛ فهو عليم بجناح الذباب، وما فيه من داء وما فيه من دواء، وأن هذا يكون علاجًا لهذا، يقول الله : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ومعروف في الذباب، أنه إذا هبط من أعلى إلى أسفل في كل مرة أنه يهبط بميل، حتى الطائرات؛ ما تنزل الطائرة رأسية؛ لا بد أن تنزل مائلة إلا إن كانت طائرات مروحية (هليوكبتر) ، إنما الطائرات العادية المعروفة تنزل مائلة؛ ثم إذا أرادت أن تنزل من الجانب الآخر تميل. . وهكذا، هذا

стр. 21

النظام الكوني والطيور إذا أرادت أن تنزل تنزل بجناح، وإذا أرادت أن تقف في الجو تنصب الجناحين إلى الجانبين كما نراها. القصد أن الذباب كسائر الطيور إذا نزل بالجناح مال على أحد جناحيه، فإذا غمسته كان جناحه الثاني وما فيه من شفاء علاجًا لما أصاب الشراب أو الطعام من الداء الذي نزل في الطعام من الجناح الآخر. فهذا التعليلُ دليلٌ على أنه- وهو أميٌّ لم يقرأ ولم يكتب وليس صاحب تجارب في الطب، ولمْ يدخل مدارس طب، ولا جامعات طب- ليس تخمينا من عند نفسه ودخوله فيما لا يخصه من عند نفسه، إنما هو بوحي من الله جل شأنه والله عليم بمخلوقاته وما فيها من خواص. والرسول ﷺ مكلف بالبلاغ عن الله، وقد بلَّغ هذا عن ربه ويجب على الإنسان أن يثق بوحي الله جل شأنه أعظم من ثقته بنظريات الأطباء. إن الأطباء لم يتفقوا على ما بنى عليه هؤلاء المعترضون

стр. 22

على هذا الحديث، هم مختلفون أيضًا فيما بينهم، والمسألة مسألة نظرية اجتهادية من الأطباء. فكيف يُرَدُّ بمسألة نظرية اجتهادية- مازالت تحت البحث- حديث رسول الله ﷺ ؟ وأما من الجهة الثانية جهة السند: فالسند على طريقة المحدثين سند صحيح مستوف الشروط التي اشترطها علماء الحديث. والناس الذين اعترضوا على هذا الحديث من جهة رجاله ليس عندهم سند يستندون إليه في ذلك، وهم فيِ معاملتهم وقبولهم للأخبار التي تصل إليهم يعتقدون يقينًا أو يظنون ظنًّا غالبًا بما وصلهم من الأخبار، يعتقدون ما دلت عليه فيلزمهم أن يقبلوا ما جاء عن رواة هذا الحديث، لأنهم أوثق وأضبط وأعدل من الرواة الذين يروون لهم أخبارًا بسفر فلان وفي إدانة فلان، وفي شهادة فلان، هم يقبلون ذلك عن أقل من الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 23

هذا الحديث. ثم إن الذين يردون بعض الأحاديث لأنها لا تتفق مع أفكارهم ومداركهم يسلكون في ردِّها أحد ثلاثة مسالك: * الأول: فإما أن يردوها ويكذبوها، ويقولون: خالفت العقل إن لم يمكنهم أن يؤولوها. * الثاني: وإما أن يتأولوها على خلاف ما دلَّت عليه مع كثرتها. * الثالث: وإما أن يردوها لأنها أخبار آحاد. . وهذا أيضًا وضع غير سليم واعتراض غير سليم فإن عقولهم يعتريها الخطأ والصواب، والوحي- الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وثبت عنهم- جاء عن الصادق الأمين بوحي من ربه، وهو لا ينطق عن الهوى.

стр. 24

[الرد على أهل المسلك الأول القائلين برد السنة لمخالفتها العقل] الرد على أهل المسلك الأول القائلين برد السنة لمخالفتها العقل فيجب على الإنسان أن يتهم عقله وتفكيره بدلا من أن يتهم رسوله ﷺ ، أو الرواة العدول، أو أن يتهم ربه في وحيه، وليثق بربه وبرسوله ﷺ أكثر من ثقته في تفكيره، فإن العقل قاصر، وجُرب عليه الخطأ كثيرًا ومداه محدود، وما يجهله أكثر مما يعلمه. فعليه أن يعتقد في تفكيره القصور، وأن يعتقد في وحي الله الكمال والصدق، وأن يعتقد- في الرواة الذين استوفوا شروط النقل المضبوطة المعروفة عند المحدثين الثقة بهم أكثر من ثقته بتفكيره. هذا جواب على من ينكر الحديث لمعارضته لتفكيره. فيُقَال اتهم عقلك بالقصور فإن ما يعلمه أقل مما يجهله، اتهم عقلك بالخطأ وبالجهل في تفكيرك لأنك كثيرًا ما تخطئ، وجُرب عليك هذا، أما هؤلاء العدول

стр. 25

الضباط (١) الذين استوفوا شروط النقل، نقل الأحاديث، فهؤلاء يندر فيهم أن يخطئ أحدهم وخطؤه إلى جانب صوابه قليل جدًّا، بل نادر.

стр. 26

[الرد على أهل المسلك الثاني القائلين برد السنة بتأويلها على ظاهرها] الرد على أهل المسلك الثاني القائلين برد السنة بتأويلها على ظاهرها ويمكن لهؤلاء أن يحملوا ذلك النوع من الأحاديث على غير ظاهره وهم يسلكون هذا المسلك في كتاب الله جل شأنه أيضًا، ويتأولون كثيرًا من (١) نصوص آيات الأسماء والصفات ونصوص الرؤية، كقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وغيرها من آيات الأسماء والصفات. (٢) وأحاديث عذاب القبر، ونعيم القبر، وسؤال القبر، وعذاب الأبدان: يحملون العذاب على عذاب الأرواح، وكذلك بعث الأجساد يحملونه على بعث الأرواح. (٣) وينكرون عروج النبي ﷺ ببدنه إلى السماء، وإسراءه من مكة إلى بيت المقدس ببدنه، ويقولون: هذا

стр. 27

إسراء بالروح، وعروج بالروح؛ تحكيمًا للسنن الكونية، والعادات المألوفة في الخلق، فإن الإنسان لا يسير تلك المسافة في جزء ليلة، ولا يعرج إلى السماء السابعة في جزء ليلة. الأنبياء ليسوا كغيرهم في المعجزات، وقياس غيرهم عليهم في المعجزات باطل: ولا ينظرون إلى أن الأنبياء جاءوا بخوارق العادات، فخوارق العادات بالنظر إلى الأنبياء والمعجزات الكونية والسنن الكونية التي خصَّ الله بها الأنبياء، هذه تعتبر عادية بالنظر لخصوص الأنبياء، وإن كانت خارقة للعادة وغير مألوفة بالنظر لغير الأنبياء، فلماذا تقيسون الأنبياء بما أوتوا من الله على الأفراد العاديين، هذا قياس باطل، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن الأنبياء يختلفون عن غيرهم في جريان خوارق العادات على أيديهم معجزة لهم.

стр. 28

[استطراد في الرد على منكري الإسراء والمعراج] استطراد في الرد على منكري الإسراء والمعراج ثم الإسراء قد ثبت في القرآن، فتأويلهمٍ لا يكون تأويلا لحديث الإسراء، وإنما هو تأويل- أيضا- للقرآن، القرآن جاء فيه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] ثم كثير من النصارى، فقط يعتقدون في عيسى أنه يُحيي الموتى بإذن الله، وَأنه يُبرئ الأكمه الذي ولد أعمى، يبرئه بإذن الله، وأنه يُصوِّرُ طيرًا فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وأنه يُبرئ الأبرص بإذن الله، وليس بطريقة علاج؛ فهو لم يفتح مستشفى، إنما هي خوارق عادات (١) وكذلكم اليهود يؤمنون بخوارق العادات، فما الذي

стр. 29

جعل خوارق العادات لموسى بانفلاق البحر، ونجاة موسى ومن معه على الشاطئ الآخر، وجَعْل الممر يابسًا اثنى عشر طريقًا على عدد الأسباط، حتى لا يتنازع سبط مع سبط جعلها يبسًا يمرون في هذه الممرات دون أن يغرقوا، والماء متماسك بدون حواجز؛ هذا سلب لخاصية الماء، معجزةً لموسى وإكرامًا له ولمن معه حيث أنجاهم بإذنه ، ثم ما جعله نجاةً لموسى ومن معه جعله نكبة ودمارًا وهلاكًا لخصومه وأعدائه. إن الكفار من اليهود والنصارى يعترفون بخوارق العادات وبهذه المعجزات، العرب يؤمنون بإبراهيم ﵇، وبأن الله نجّاه من النار حين ألقيَ فيها، فما الذي يجعلهمْ يؤمنون بسلب الله خاصية النار حتى تكون بردًا وسلاما على إبراهيم، ولا يؤمنون بالإسراء بمحمد ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج به إلى السماء السابعة؟ ! (أ) يذكرون في عروجه، وفي إسرائه، يقولون:

стр. 30

(١) هذه السرعة إلى هذا الحد تمزِّق البدن، لأن احتكاك البدن بالهواء الذي في الجو يُولِّدُ نارًا؛ فيحترق. (٢) كذلك الصعود لأعلى بهذه السرعة يُوَلِّدُ نارًا؛ فيحترق، وأي شيء آخر إذا صعد إلى أعلى حتى لم يكن هناك هواء ينفجر ويتمزّق؛ لأن الضغط الخارجي على جلده وعلى جسمه من جميع الجهات بالهواء فُقدَ، فينفجر. (ب) يقولون في الطبقات التي لا هواء فيها: الذين يصعدون في هذه الأيامِ ويريدون القمر، يتزودون ويأخذون لأنفسهم هواء، ويأخذون وقايات من هنا ومن هناك، والعرب ما كان عندهم هذا الاختراع. فكيف صعد الرسول ﷺ إلى أعلى؟ وكيف تغلّب على الجاذبية الأرضية؟ وكيف لم يثبُتْ على الجاذبية التي فوق جاذبية الكواكب (المجموعة الشمسية وأمثالها) ؟

стр. 31

وكيف خلص من الجاذبية الأرضية، ولا أجنحة له، ولا طائرة ركبها، إنما هو بُراق؟ !! هذه شبه يوردونها على الإسراء، ويوردونها على المعراج. وقد ألَّفَ بعض أهل السنَّة في هذا تأليفًا يرد فيه على أولئك، منهم الشيخ محمد عبد الحليم الرمالي (١) له رسالة صغيرة في الإسراء والمعراج ذكر فيها جميع الشُبه التي ترد على الإسراء والمعراج سواء كانت من جهة الحديث أو كانت من جهة السنن الكونية، فالرد عليها واحد. والرد: أن خوارق العادات في معجزات الأنبياء سنن تشبه السنن العادية بالنظر لفاعل الخلق جل وعلا، فهم

стр. 32

في معجزاتهم يسيرون في طريق كوني عادي بالنظر لهم؛ كما أن الناس يسيرون على سطح الأرض سيرًا عاديًّا، وكما أن الطيور ترتفع بأجنحتها ارتفاعًا وصعودًا عاديًّا فالرد واحد: وهو أن هذه المعجزات من خوارق العادات التي أجراها الله جل شأنه على أيدي رسله عليهم الصلاة والسلام. * والموضوع في ذاته طويل إذا دُرس أصله: ١ - من جهة إثبات وجود الله. ٢ - إلى جانب إثبات حاجة العباد والمخلوقات إلى موجد. ٣ - إلى جانب وحدانية الله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته وفي تشريعه. ٤ - إلى جانب إمكان حاجة البشر إلى الرسالة. ٥ - وإمكان الرسالة. ٦ - ثبوت الوحي. ٧ - وثبوت الرسالة.

стр. 33

فالأمر يحتاج إلى إثبات هذا كله، وهو عبارة عن مقرر توحيد يدرس في سنوات (١) وأنا أتكلم في دائرة محدودة في " شبهات حول السنة ".

стр. 34

[الرد على أهل المسلك الثالث القائلين برد السنة لأنها أخبار آحاد] الرد على أهل المسلك الثالث القائلين برد السنة لأنها أخبار آحاد والذين يعترضون على الأحاديث، أو على بعض الأحاديث: يؤمنون بما تواتر من الأحاديث لفظًا ومعنى، وهو عدد قليل من الأحاديث؛ كحديث: «من كذب عليَّ متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار» (١) أو الأحاديث المتواترة معنى، كأحاديث رؤية الله تعالى (٢) وأحاديث المسح على الخفين، وأحاديث عذاب القبر ونعيم القبر (٣) . يؤمنون بمثل هذا: إما لمجيئه في القرآن، وإما لتواتره

стр. 35

في السنَّة، وإما لوجوده في الاثنين جميعًا. لكنهم لا يؤمنون بأحاديث الآحاد، وذلك لأنهم يرون أنها لا تفيد إلا ظنا غير غالب. فيردون أمثال هذه الأحاديث ولا يحتجون بها أصلا، أو يحتجون بها في الفروع دون الأصول. أما شبهتهم في رد حجية (حديث الآحاد) (١) فهم يقولون: إن الراوي يخطئ ويصيب، وإن الراوي قد يكون عدلا فيما يظهر؛ وهو كذاب أو منافق في باطن أمره. ويقولون: إن عمر بن الخطاب ردَّ على أبي موسى الأشعري ﵄ حديثه في الانصراف بعد الاستئذان ثلاثًا. فيقولون: هذا عمر بن الخطاب لم يقبل رواية صحابي جليل لحديث، فهذا يدل على أن في رواية الواحد دخنًا،

стр. 36

وأنه مثار تهمة فلا نعملُ به حتى يتأيد بغيره (١) وقد ورد مثل هذا عن علي بن أبي طالب ﵁ في أعرابي. * الجواب على هذه الشبهة: وهذا وأمثاله يُرد عليه بأمرين: الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب لم يكذبه إنما أراد: ١ - أن يتثبت من جهة. ٢ - وإلى جانب التثبت: خاف عمر بن الخطاب ﵁ أن يجترئ الناس على سنة الرسول ﷺ ، فأظهر لهم القوة حتى يحتاطوا لأنفسهم عند البلاغ فلا يبلغ إلا وهو واثق مما يتكلمِ به، هذا جانب بدليل أنه قَبلَ خبر الواحد في مرات أخر: - قبل خبر الواحد في إملاص المرأة.

стр. 37

- ثم الرسول ﷺ قد اعتمد خبر الواحد، فكان يُرسل رسولا واحدًا بكتابه (١) وما أدرى أولئك أن هذا صادق في أن هذا كتاب الرسول ﵊، وليس عندهم بصمة له، ولا عندهم صورة لخاتمه. ما الذي يدريهم بأن دحية الكلبي (٢) رسول رسول الله ﷺ ؟ وكيف لزمهم البلاغ؟ وكيف أصيب كسرى (٣) بعذاب من عند الله حينما مزق الكتاب؛ كيف لزمتهم الحجة؛ فالرسول ﷺ لم يرسل الواحد؛ إلا وهو يعتقد أن الحجة تقوم به، وهذا أمر معلوم بالضرورة من إرسال الرسول ﷺ أفرادًا إلى جهات لنشر الدعوة وإقامة الحجة، وقد أرسل

стр. 38

معاذ بن جبل ﵁ ليقضي، ويكون أميرًا في اليمن، وأرسل عليًّا ﵁ وأرسل أبا موسى الأشعري ﵁. القصد: أن إرسال الواحد من الرسول ﷺ قد تكرَّر مرات، وَهو لا يرسله إلا إذا كان يعتقد أن الحجة تقوم به، وأن خبرهُ يجبُ أن يُصَدَّق. والمهم فيه أن يتخير عدلا، أمينًا، صادقًا، وأنه يقوى على البلاغ. وليس من المهم أن يكون عددًا بدليل أنه أرسل فردًا فردًا إلى دول، وليس إلى أفراد، وفى أصل الدين وهو العقيدة وليس في الفروع فقط. فهذا بيان من النبي ﷺ يُحتج به على قبول خبر الواحد، ضد هؤلاء الذين يتهمون الراوي إذا كان واحدًا، وإن كان: - عدلا، ضابطًا. - مع اتصال الإسناد.

стр. 39

- ومع عدم مخالفة من هو أوثق منه. - ومع عدم الوقوف على علة قادحة يُرَدُّ بها الحديث. هذا العمل من الرسول ﷺ يرد عليهم، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ قَبلَ خبر الواحد عدة مرات، فلماذا يتمسكون بهذه القصة، ولا يتمسكون بغيرها وغيرها أكثر منها. الأمر الثاني: في عمر بن الخطاب ﵁. عمر بن الخطاب ﵁ كان عنده قوة في التثبت وكان يجتهد ويستوثق أكثر، لا لأنه مُتَّهم لمن استوثق في خبره، كما جاء في حادث التحقيق مع سعد بن أبي وقاص ﵁ لما كان- في العراق- أميرًا وقاضيا وقائد السرية، وإمامًا في الصلاة وخطيبًا في الجمعة، اشتكاه واحد من العراقيين إلى عمر بن الخطاب ﵁، وكتب إليه كتابا؛ يقول فيه: " إنه لا يخرج بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يحسن الصلاة "، فأرسل شخصًا يُحقِّقُ في الموضوع، مع أنه واثق من سعد بن أبي وقاص ﵁، لكن لا يريد

стр. 40

الفتن ولا القلاقل، ويريد أن يستوثق أكثر، وفعلا حقَّقَ داخل المساجد ومرَّ على أناس هنا وهناك، فكلهم يثنون خيرا على سعد بن أبي وقاص ﵁، إلا المكان الذي فيه بؤرة الفساد والرجل الذي بلَّغ فانتصَبَ له، فحكى نفس الكلمة وسعد يسمع، فقال: " اللهم إن كان كاذبًا فأطل عمره، وأدم فقره، وأكثر عياله، وعرّضه للفتن " (١) أربع دعوات نظير أربع تهم وجهها الرجل إلى سعد بن أبي وقاص ﵁، فطال عمر الرجل، وكثر عياله، ودام فقره، وكبر في السن حتى صار وهو يمشي في الطريق ينظر إلى النساء بعين خائنة، وقد سقط حاجبه على عينه، فيقال له: ما بك وقد شبت؟ فيقول: مسكين، أصابتني دعوة سعد. أقول: عمر بن الخطاب (لما استخلفَ ستة) (٢) حينما طُعن، وأيس من أن يبقى، فقالوا: استخلف؟ فقال: لا أحملكم حيًّا وميتًا، ولما ألحوا عليه استخلف ستة يختارون
следующие страницы →