← Акыда

Акыда · id 30846

التوحيد للفوزان

صالح الفوزان

Полный текст (167 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كره ﷺ أن يمدحوه بهذه الألفاظ: أنت سيدنا - أنت خيرنا - أنت أفضلنا - أنت أعظمنا، مع أنه أفضل الخلق وأشرفهم على الإطلاق - لكنه نهاهم عن ذلك ابتعادا بهم عن الغلو والإطراء في حقه وحماية للتوحيد، وأرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبد، وليس فيهما غلو ولا خطر على العقيدة، وهما: عبد الله ورسوله، ولم يحب أن يرفعوه فوق ما أنزله الله من المنزلة التي رضيها له، وقد خالف نهيه ﷺ كثير من الناس، فصاروا يدعونه ويستغيثون به ويحلفون به ويطلبون منه ما لا يطلب إلا من الله كما يفعل في الموالد والقصائد والأناشيد، ولا يميزون بين حق الله وحق الرسول. يقول العلامة ابن القيم في النونية: لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا قربان

стр. 107

٣ - بيان منزلته ﷺ : لا بأس ببيان منزلته بمدحه ﷺ بما مدحه الله به وذكر منزلته التي فضله الله بها واعتقاد ذلك. فله ﷺ المنزلة العالية التي أنزله الله فيها، فهو عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه. وأفضل الخلق على الإطلاق. وهو رسول الله إلى الناس كافة، وإلى جميع الثقلين الجن والإنس. وهو أفضل الرسل، وخاتم النبيين لا نبي بعده، قد شرح الله له صدره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وهو صاحب المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] أي المقام الذي يقيمه الله فيه للشفاعة للناس يوم القيامة ليريحهم ربهم من شدة الموقف، وهو مقام خاص به ﷺ دون غيره من النبيين، وهو أخشى الخلق لله وأتقاهم له، وقد نهى عن رفع الصوت بحضرته ﷺ وأثنى على الذين يغضون أصواتهم عنده، فقال تعالى:

стр. 108

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥] قال الإمام ابن كثير ﵀: هذه آيات أدَّب الله فيها عباده المؤمنين فيما يعاملون به النبي ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام. أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته، ونهى أن يدعى الرسول باسمه كما يدعى سائر الناس فيقال: يا محمد. وإنما يدعى بالرسالة والنبوة فيقال: يا رسول الله، يا نبي الله، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] كما أن الله سبحانه يناديه يا أيها النبي، يا أيها الرسول. وقد صلى الله

стр. 109

وملائكته عليه، وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه فقال تعالى؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] لكن لا يخصص لمدحه ﷺ وقت ولا كيفية معينة إلا بدليل صحيح من الكتاب والسنة. فما يفعله أصحاب الموالد من تخصيص اليوم الذي يزعمون أنه يوم مولده لمدحه بدعة منكرة. ومن تعظيمه ﷺ تعظيم سنته واعتقاد وجوب العمل بها، وأنها في المنزلة الثانية بعد القراَن الكريم في وجوب التعظيم والعمل. لأنها وحي من الله تعالى. كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] فلا يجوز التشكيك فيها والتقليل من شأنها - أو الكلام فيها بتصحيح أو تضعيف لطرقها وأسانيدها أو شرح لمعانيها إلا بعلم وتحفظ، وقد كثر في هذا الزمان تطاول الجهال على سنة الرسول ﷺ ، خصوصا من بعض الشباب الناشئين الذين لا يزالون في المراحل

стр. 110

الأولى من التعليم، وصاروا يصححون ويضعفون في الأحاديث ويجرحون في الرواة بغير علم سوى قراءة الكتب وهذا خطر عظيم عليهم وعلى الأمة، فيجب عليهم أن يتقوا الله، ويقفوا عند حدهم. [الفصل الثاني في وجوب طاعته ﷺ والاقتداء به] في وجوب طاعته ﷺ والاقتداء به تجب طاعة النبي ﷺ بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وهذا من مقتضى شهادة أنه رسول الله، وقد أمر الله تعالى بطاعته في آيات كثيرة تارة مقرونة مع طاعة الله كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وأمثال من الآيات، وتارة يأمر بها مفردة، كما في قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] وتارة يتوعد من عصى رسوله ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]

стр. 111

أي تصيبهم فتنة في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة أو عذاب أليم في الدنيا بقتل أو حَدٍّ أو حبس أو غير ذلك من العقوبات العاجلة، وقد جعل الله طاعته ﷺ سببا لنيل محبة الله للعبد ومغفرة ذنوبه - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] وجعل طاعته هداية ومعصيته ضلالا - قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] وأخبر أن فيه القدوة الحسنة لأمته، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]

стр. 112

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، والله أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. وقد كرر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو أربعين موضعا من القرآن، فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب، فإن الطعام والشراب إذا فات الحصول عليهما حصل الموت في الدنيا، وطاعة الرسول واتباعه إذا فاتا حصل العذاب والشقاء الدائم، وقد أمر ﷺ بالاقتداء به في أداء العبادات، وأن تؤدى على الكيفية التي كان يؤديها بها، فقال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢) وقال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) .

стр. 113

وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» (١) إلى غير ذلك من النصوص التي فيها الأمر بالاقتداء به والنهي عن مخالفته. [الفصل الثالث في مشروعية الصلاة والسلام على الرسول ﷺ ] في مشروعية الصلاة والسلام على الرسول ﷺ من حقه الذي شرع الله له على أمته أن يصلوا ويسلموا عليه فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقد ورد أن معنى: صلاة الله تعالى - ثناؤه عليه عند الملائكة. وصلاة الملائكة الدعاء. وصلاة الآدميين الاستغفار (٢) وقد أخبر الله سبحانه في هذه الآية عن منزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثنى عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجمع الثناء عليه من أهل العالم العلوي والسفلي.

стр. 114

ومعنى " سلموا تسليما " أي حيوه بتحية الإسلام - فإذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما، فلا يقول: صلى الله عليه فقط، ولا يقول: ﵇ فقط، لأن الله تعالى أمر بهما جميعا. وتشرع الصلاة عليه ﷺ في مواطن يتأكد طلبها فيها: إما وجوبا، وإما استحبابا مؤكدا. وذكر ابن القيم ﵀ في كتابه " جلاء الإفهام " واحدا وأربعين موطنا - بدأها بقوله الموطن الأول: وهو أهمها وآكدها في الصلاة في آخر التشهد - وقد أجمع المسلمون على مشروعيته واختلفوا في وجوبه فيها (١) ثم ذكر من المواطن آخر القنوت وفي الخطب كخطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء، وبعد إجابة المؤذن، وعند الدعاء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند ذكره ﷺ ثم ذكر ﵀ الثمرات الحاصلة من الصلاة على النبي ﷺ فذكر فيها أربعين فائدة (٢) .

стр. 115

منها: امتثال أمر الله سبحانه بذلك. ومنها: حصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة، ومنها رجاء إجابة الدعاء إذا قدمها أمامه. ومنها أنها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال الوسيلة له ﷺ ، ومنها أنها سبب لغفران الذنوب، ومنها أنها سبب لرد النبي ﷺ على المصلي والمسلِّم عليه، فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الكريم.

стр. 116

[الفصل الرابع في فضل أهل البيت وما يجب لهم من غير جفاء ولا غلو] في فضل أهل البيت وما يجب لهم من غير جفاء ولا غلو أهل البيت هم آل النبي ﷺ الذين حرم عليهم الصدقة وهم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وبنو الحارث بن عبد المطلب وأزواج النبي ﷺ وبناته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] قال الإمام ابن كثير ﵀: ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي واعلمن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسنة، قال قتادة وغير واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس،

стр. 117

وأن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق ﵂ أوْلاهنَّ بهذه النعمة وأخَضَهُن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه، وقال بعض العلماء: لأنه لم يتزوج بكرا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ (يريد أنها لم تتزوج غيره) فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية - انتهى من تفسير ابن كثير. فأهل السنة والجماعة يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم (اسم موضع) : «أذكركم الله في أهل بيتي» (١) فأهل السنة يحبونهم ويكرمونهم، لأن ذلك من محبة النبي ﷺ وإكرامه، وذلك شرط أن يكونوا متبعين

стр. 118

للسنة مستقيمين على الملة. كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وبنيه، أما من خالف السنة ولم يستقم على الدين فإنه لا يجوز موالاته ولو كان من أهل البيت. فموقف أهل السنة والجماعة من أهل البيت موقف الاعتدال والإنصاف، يتولون أهل الدين والاستقامة منهم. ويتبرءون ممن خالف السنة وانحرف عن الدين ولو كان من أهل البيت، فإن كونه من أهل البيت ومن قرابة الرسول لا تنفعه شيئا حتى يستقيم على دين الله، فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فقال يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله

стр. 119

شيئا» (١) والحديث: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) ويتبرأ أهل السنة والجماعة من طريقة الروافض الذين يغلون في بعض أهل البيت ويَدَّعون لهم العصمة، ومن طريقة النواصب الذين ينصبون العداوة لأهل البيت المستقيمين ويطعنون فيهم ومن طريقة المبتدعة والخرافيين الذين يتوسلون بأهل البيت ويتخذونهم أربابا من دون الله. فأهل السنة في هذا الباب وغيره على النهج المعتدلة والصراط المستقيم الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا جفاء ولا غلو في حق أهل البيت وغيرهم، وأهل البيت المستقيموَن ينكرون الغلو فيهم ويتبرءون من الغلاة، فقد حرّق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ الغلاة الذين غلوا فيه بالنار. وأقره ابن عباس ﵁ على قتلهم، لكن يرى قتلهم بالسيف بدلا من التحريق، وطلب علي ﵁ عبد الله بن سبأ رأس الغلاة ليقتله لكنه هرب واختفى.

стр. 120

[الفصل الخامس في فضل الصحابة وما يجب اعتقاده فيهم] في فضل الصحابة وما يجب اعتقاده فيهم ومذهب أهل السنة والجماعة فيما حدث بينهم ما المراد بالصحابة، وما الذي يجب اعتقاده فيهم؟ الصحابة جمع صحابي: وهو من لقي النبي ﷺ مؤمنَاَ به ومات على ذلك، والذي يجب اعتقاده فيهم أنهم أفضل الأمة وخير القرون لسبقهم واختصاصهم بصحبة النبي ﷺ والجهاد معه وتحمل الشريعة عنه وتبليغها لمن بعدهم، وقد أثنى الله عليهم في محكم كتابه، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]

стр. 121

وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨ - ٩] ففي هذه الآيات أن الله سبحانه أثنى على المهاجرين والأنصار، ووصفهم بالسبق إلى الخيرات، وأخبر أنه قد رضي عنهم، وأعد لهم الجنات، ووصفهم بالتراحم فيما بينهم والشدة على الكفار، ووصفهم بكثرة الركوع والسجود وصلاح القلوب، وأنهم يعرفون بسيما الطاعة والإيمان، وأن الله اختارهم لصحبة نبيه ليغيظ بهم أعداءه الكفار، كما وصف المهاجرين بترك

стр. 122

أوطانهم وأموالهم من أجل الله ونصرة دينه وابتغاء فضله ورضوانه، وأنهم صادقون في ذلك. ووصف الأنصار بأنهم أهل دار الهجرة والنصرة والإيمان الصادق ووصفهم بمحبة إخوانهم المهاجرين وإيثارهم على أنفسهم ومواساتهم لهم وسلامتهم من الشح، وبذلك حازوا على الفلاح. هذه بعض فضائلهم العامة، وهناك فضائل خاصة ومراتب يفضل بها بعضهم بعضا. ﵃ وذلك بحسب سبقهم إلى الإسلام والجهاد والهجرة. فأفضل الصحابة الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة - وهم هؤلاء الأربعة وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، ويَفْضُلُ المهاجرون على الأنصار، وأهل بدر وأهل الرضوان، ويَفضُل من أسلم قبل الفتح وقاتل على من أسلم بعد الفتح.

стр. 123

٢ - مذهب أهل السنة والجماعة فيما حدث بين الصحابة من القتال والفتنة: سبب الفتنة: تآمر اليهودُ على الإسلام وأهله فدسوا ماكرا خبيثا تظاهر بالإسلام كذبا وزورا هو عبد الله بن سبأ من يهود اليمن، فأخذ هذا اليهودي ينفث حقده وسمومه ضد الخليفة الثالث من الخلفاء الراشدين: عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، ويختلق التهُم ضده. فالتف حوله من انخدع به من قاصري النظر وضعاف الإيمان ومحبي الفتنة، وانتهت المؤامرة بقتل الخليفة الراشد عثمان ﵁ مظلوما، وعلى أثر مقتله حصل الاختلاف بين المسلمين وشبت الفتنة بتحريض من اليهودي وأتباعه وحصل القتال بين الصحابة عن اجتهاد منهم. قال شارح الطحاوية: إن أصل الرفض إنما يحدثه منافق زنديق، قصده إبطال دين الإسلام والقدح في الرسول ﷺ كما ذكر ذلك العلماء، فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر الإسلام أراد أن يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما

стр. 124

فعل بولس بدين النصرانية، فأظهر التنسك، ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى سعى في فتنة عثمان وقتله، ثم لما قدم على الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك عليّا فطلب قتله فهرب منه إلى قرقيس، وخبره معروف في التاريخ. قال شيح الإسلام ابن تيمية ﵀: فلما قتل عثمان ﵁ تفرقت القلوب وعظمت الكروب، وظهرت الأشرار وذل الأخيار، وسعى في الفتنة من كان عاجزا عنها، وعجز عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته، فبايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وهو أحق الناس بالخلافة حينئذ وأفضل من بقي، لكن كانت القلوب متفرقة، ونار الفتنة متوقدة، فلم تتفق الكلمة، ولم تنتظم الجماعة، ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة من كل ما يريدونه من الخير ودخل في الفرقة والفتنة أقوام، وكان ما كان (١) .

стр. 125

وقال أيضا مبينا عذر المتقاتلين من الصحابة في قتال علي ومعاوية: ومعاوية لم يدع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل عليا ولم يقاتل على أنه خليفة ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه: ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدئوا عليا وأصحابه بالقتال ولا يعلو. بل لما رأى علي ﵁ أصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد. وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب وهم أهل شوكة، رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب فتحصل الطاعة والجماعة، وهم (أي معاوية ومن معه) قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلوميِن، قالوا: لأن عثمان قتل مظلوماَ باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي وهم غالبون لهم شوكة، فإذا بايعنا ظلمونا واعتدوا علينا. وعلي لا يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن عثمان، وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف.

стр. 126

ومذهب أهل السنة والجماعة في الاختلاف الذي حصل والفتنة التي وقعت من جرائها الحروب بين الصحابة يتلخص في أمرين: الأمر الأول: أنهم يمسكون عن الكلام فيما حصل بين الصحابة، ويكفون عن البحث فيه، لأن طريق السلامة هو السكوت عن مثل هذا، ويقولون؛ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] الأمر الثاني: الإجابة عن الآثار المروية في مساوئهم وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الآثار منها ما هو كذب قد افتراه أعداؤهم ليشوهوا سمعتهم. الوجه الثاني: أن هذه الآثار منها ما قد زيد ونقص فيه وغُيّر عن وجهه الصحيح ودخله الكذب، فهو محرف لا يلتفت إليه. الوجه الثالث: أن ما صح من هذه الآثار - وهو

стр. 127

القليل، هم فيه معذورون، لأنهم إما مجتهدون مصيبون. وإما مجتهدون مخطئون - فهو من موارد الاجتهاد الذي إن أصاب المجتهد فيه فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور. لما في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» (١) . الوجه الرابع: أنهم بشر يجوز على أفرادهم الخطأ، فهم ليسوا معصومين من الذنوب بالنسبة للأفراد - لكن ما يقع منهم فله مكفرات عديدة منها: ١ - أن يكون قد تاب منه - والتوبة تمحو السيئة مهما كانت. كما جاءت به الأدلة. ٢ - أن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم - إن صدر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]

стр. 128

٣ - أنهم تضاعف لهم الحسنات أكثر من غيرهم ولا يساويهم أحد في الفضل، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ «أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به أفضل من جبل أحد ذهبا إذا تصدق به غيرهم» (١) ﵃ وأرضاهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة ولا القرابة ولا السابقين ولا غيرهم، بل يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم، والله تعالى يغفر لهم بالتوبة ويرفع لهم درجاتهم ويغفر لهم بحسنات ماحية أو بغير ذلك من الأسباب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ - لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ - لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥] وقال تعالى:

стр. 129

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٦] انتهى (١) . وقد اتخذ أعداء الله ما وقع بين الصحابة وقت الفتنة من الاختلاف والاقتتال سببا للوقيعة بهم والنيل من كرامتهم، وقد جرى على هذا المخطط الخبيث بعض الكتاب المعاصرين الذين يعرفون بما لا يعرفون فجعلوا أنفسهم حكما بين أصحاب رسول الله ﷺ يُصَوِّبون بعضهم ويخطئون بعضهم بلا دليل، بل بالجهل واتباع الهوى وترديد ما يقوله المغرضون والحاقدون من المستشرقين وأذنابهم - حتى شككوا بعض ناشئة المسلمين ممن ثقافتهم ضحلة بتاريخ أمتهم المجيدة، وسلفهم الصالح الذين هم خير القرون، لينفذوا بالتالي إلى الطعن في

стр. 130

الإسلام وتفريق كلمة المسلمين، وإلقاء البغض في قلوب آخر هذه الأمة لأولها بدلاَ من الاقتداء بالسلف الصالح والعمل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]

стр. 131

[الفصل السادس في النهي عن سب الصحابة وأئمة الهدى] في النهي عن سب الصحابة وأئمة الهدى ١ - النهي عن سب الصحابة: من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وطاعة لرسول الله ﷺ في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباَ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١) . ويتبرءون من طريقة الرافضة والخوارج الذين يسبون الصحابة ﵃ ويبغضونهم ويجحدون فضائلهم ويكفرون أكثرهم. وأهل السنة يقبلون ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم ويعتقدون أنهم خير القرون كما قال النبي ﷺ : «خيركم قرني» الحديث (٢) «ولما ذكر ﷺ

стр. 132

افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة وأنها في النار إلا واحدة، وسألوه عن تلك الواحدة قال: هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١) . قال أبو زرعة وهو أجلّ شيوخ الإمام مسلم: إذا رأيت الرجل ينتقص امرأً من الصحابة فاعلم أنه زنديق، وذلك أن القرآن حق والرسول حق وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة. فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة. فيكون الجرح به أليق والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق - قال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: من سب أحدا من الصحابة مستحلا كفر، وإن لم يستحل فسق، وعنه يكفر مطلقا، ومن فسقهم أو طعن في دينهم أو كفرهم كفر (٢) . ٢ - النهي عن سب أئمة الهدى من علماء هذه الأمة: يلي الصحابة في الفضيلة والكرامة والمنزلة أئمة الهدى

стр. 133

من التابعين وأتباعهم من القرون المفضلة ومن جاء بعدهم ممن تبع الصحابة بإحسان كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فلا يجوز تنقصهما وسبهم، لأنهم أعلام هدى، فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] قال شارح الطحاوية: (فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتَهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، ولكن

стр. 134

إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له في تركه من عذر) . وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله. الثاني: اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول. الثالث: اعتقاده أن الحكم منسوخ. لهم الفضل علينا، والمنة بالسبق وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] والحط من قدر العلماء بسبب وقوع الخطأ الاجتهادي من بعضهم هو من طريقة المبتدعة، ومن مخططات أعداء الآفة للتشكيك في دين الإسلام ولإيقاع العداوة بين المسلمين، ولأجل فصل خلف الأمة عن سلفها، وبث

стр. 135

الفرقة بين الشباب والعلماء كما هو الواقع الآن، فلينتبه لذلك بعض الطلبة المبتدئين الذين يحطون من قدر الفقهاء ومن قدر الفقه الإسلامي ويزهدون في دراسته والانتفاع بما فيه من حق وصواب - فليعتزوا بفقههم وليحترموا علماءهم، ولا ينخدعوا بالدعايات المضللة والمغرضة والله الموفق.

стр. 136

[الباب الرابع البدع] [الفصل الأول تعريف البدعة أنواعها أحكامها] الباب الرابع: البدع ويتضمن الفصول التالية: الفصل الأول: تعريف البدعة - أنواعها - أحكامها. الفصل الثاني: ظهور البدع في حياة المسلمين. والأسباب التي أدت إليها. الفصل الثالث: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة، ومنهج أهل السنة والجماعة في الرد عليهم. الفصل الرابع: في الكلام على نماذج من البدع المعاصرة وهي: ١ - الاحتفال بالمولد النبوي. ٢ - التبرك بالأماكن والآثار والأموات ونحو ذلك. ٣ - البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله.

стр. 137

تعريف البدعة - أنواعها وأحكامها ١ - تعريفها - البدعة في اللغة: مأخوذة من البَدع وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي مخترعها على غير مثال سابق، قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] أي ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل ويقال: أبَدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبق إليها. والابتداع على قسمين: ١ - ابتداع في العادات: كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح لأن الأصل في العادات الإباحة. ٢ - وابتداع في الدين، وهذا محرم، لأن الأصل فيه التوقف، قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) .

стр. 138

وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) . ٢ - أنواع البدع - البدعة في الدين نوعان: النوع الأول: بدعه قولية اعتقادية: كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم. النوع الثاني: بدعة في العبادات: كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها وهي أقسام: القسم الأول: ما يكون في أصل العبادة: بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع. كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صياما غير مشروع أصلا أو أعيادا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها. القسم الثاني: ما يكون من الزيادة في العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلا.

стр. 139

القسم الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﷺ . القسم الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليله بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل. ٣ - حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها: كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة، لقوله ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١) . وقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢) وفي رواية: «من عمل عملاَ ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) فدل الحديثان على أن كل محدث في

стр. 140

الدين فهو بدعة. وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح، كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها. وتقديم الذبائح والنذور لها. ودعاء أصحابها. والاستغاثة بهم؛ وكأقوال غلاة الجهمية والمعتزلة - ومنها ما هو من وسائل الشرك، كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها - ومنها ما هو فسق اعتقادي كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية. ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع (١) .

стр. 141

تنبيه: من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو مخطئ ومخالف لقوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» لأن الرسول ﷺ حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة. قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: فقوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة. والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة انتهى (١) . وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة، إلا قول عمر ﵁ في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه) .

стр. 142

وقالوا أيضا: إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف مثل جمع القرآن في كتاب واحد. وكتابة الحديث وتدوينه. والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع فليست محدثة، وقول عمر (نعمت البدعة) . يريد البدعة اللغوية لا الشرعية، فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه إذا قيل إنه بدعة فهو بدعة لغة لا شرعا. لأن البدعة شرعا. ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه، وجمع القراَن في كتاب واحد له أصل في الشرع، لأن النبي ﷺ كان يأمر بكتابة القراَن، لكن كان مكتوبا متفرقا فجمعه الصحابة ﵃ في مصحف واحد، حفظا له، والتراويح قد صلاها النبي ﷺ بأصحابه ليالي وتخلف عنها في الأخير خشية أن تفرض عليهم واستمر الصحابة ﵃ يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ على إمام واحد كما كانوا خلف النبي ﷺ معه وليس هذا بدعة في الدين، وكتابة الحديث أيضا لها أصل

стр. 143

في الشرع فقد أمر النبي ﷺ بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده ﷺ خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي ﷺ انتفى هذا المحذور - لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته ﷺ ، فدون المسلمون الحديث بعد ذلك حفظا له من الضياع، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ من الضياع وعبث العابثين. [الفصل الثاني ظهور البدع في حياة المسلمين والأسباب التي أدت إليها] ظهور البدع في حياة المسلمين والأسباب التي أدت إليها ١ - ظهور البدع في حياة المسلمين وتحته مسألتان: المسألة الأولى: وقت ظهور البدع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في

стр. 144

أواخر الخلفاء الراشدين كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: «من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؟ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (١) وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الإرجاء، وبدعة التشيع والخوارج ولما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، ثم في أواخر عصر الصحابة حدثَ القدرية في آخر عصر ابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة، وحدثت المرجئة قريبا من ذلك. وأما الجهمية فإنها حدثت في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز، وقد روي أنه أنذر بهم، وكان ظهور جهم بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك. هذه البدع ظهرت في القرن الثاني والصحابة موجودون وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال وحدثت الفتن بين المسلمين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف وبدعة البناء على القبور

стр. 145

بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت زادت البدع وتنوعت. المسألة الثانية: مكان ظهور البدع: تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله ﷺ وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان والعراقان، والشام. منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية. فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال. والنسك الفاسد وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، وأما التجهم فإنما ظهر من ناحية خراسان وهو شر البدع، وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وأما المدينة النبوية فكانت
следующие страницы →