فجعل سبحانه طاعة الشياطين وأوليائهم في تحليل ما حرم الله شركا به سبحانه. وكذلك من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله، لقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] وعند الترمذي وغيره «أن النبي ﷺ تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي ﵁ فقال: (يا رسول الله لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلون لحكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي ﷺ فتلك عبادتهم) » (١) فصارت طاعتهم في التحليل والتحريم من دون الله عبادة لهم وشركا - وهو شرك أكبر ينافي التوحيد الذي هو
стр. 72
مدلول شهادة أن لا إله إلا الله (١) فإن من مدلولها أن التحليل والتحريم حق له تعالى - وإذا كان هذا فيمن أطاع العلماء والعباد في التحليل والتحريم الذي يخالف شرع الله مع أنهم أقرب إلى العلم والدين، وقد يكون خطؤهم عن اجتهاد لم يصيبوا فيه الحق وهم مأجورون عليه، فكيف بمن يطيع أحكام القوانين الوضعية التي هي من صنع الكفار والملحدين - يجلبها إلى بلاد المسلمين ويحكم بها بينهم - فلا حول ولا قوة إلا بالله.
إن هذا قد اتخذ الكفار أربابا من دون الله، يشرعون له الأحكام، ويبيحون له الحرام، ويحكمون بين الأنام.
стр. 73
[الفصل الثامن الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب الجاهلية]
حكم الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب
الجاهلية ١ - الانتماء إلى المذاهب الإلحادية: كالشيوعية والعلمانية والرأسمالية وغيرها من مذاهب الكفر ردة عن دين الإسلام. فإن كان المنتمي إلى تلك المذاهب يدعي الإسلام فهذا من النفاق الأكبر، فإن المنافقين ينتمون إلى الإسلام في الظاهر، وهم مع الكفار في الباطن - كما قال تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]
فهؤلاء المنافقون المخادعون: لكل منهم وجهان: وجه يلقى به المؤمنين، ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين، وله لسانان: أحدهما يقبله بظاهره المسلمون،
стр. 74
والآخر يترجم عن سره المكنون: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقارا، وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه إلا شرا واستكبارا. فتراهم أبدا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] (١) [البقرة: ١٥] ، وقد أمر الله بالانتماء إلى المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
وهذه المذاهب الإلحادية مذاهب متناحرة، لأنها مؤسسة على الباطل، فالشيوعية تنكر وجود الخالق ، وتحارب الأديان السماوية، ومن يرضى لعقله أن يعيش بلا عقيدة، وينكر البدهيات اليقينية فيكون ملغيا لعقله، والعلمانية تنكر الأديان وتعتمد على
стр. 75
الماديات التي لا موجه لها ولا غاية لها في هذه الحياة إلا الحياة البهيمية؟ والرأسمالية همها جمع المال من أي وجه ولا تقيد بحلال ولا حرام ولا عطف ولا شفقة على الفقراء والمساكين. وقوام اقتصادها على الربا الذي هو محاربة لله ولرسوله. والذي هو دمار الدول والأفراد، وامتصاص دماء الشعوب الفقيرة، وأي عاقل - فضلا عمن فيه ذرة من إيمان - يرضى أن يعيش على هذه المذاهب بلا عقل ولا دين ولا غاية صحيحة من حياته يهدف إليها ويناضل من أجلها. إنما غزت هذه المذاهب بلاد المسلمين لما غاب عن أكثريتها الدين الصحيح، وتربت على الضياع، وعاشت على التبعية.
٢ - والانتماء للأحزاب الجاهلية والقوميات العنصرية هو الآخر كفر وردة عن دين الإسلام، لأن الإسلام يرفض العصبيات والنعرات الجاهلية يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]
стр. 76
ويقول النبي ﷺ : «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من غضب لعصبية» (١) وقال ﷺ : «إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى» (٢) .
وهذه الحزبيات تفرق المسلمين، والله قد أمر بالإجتماع والتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التفرق والاختلاف - قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] إن الله سبحانه يريد منا أن نكون حزبا واحدا، هم حزب الله المفلحون (ولكن العالم الإسلامي أصبح
стр. 77
بعدما غزته أوروبا سياسيا وثقافيا، يخضع لهذه العصبيات الدموية والجنسية والوطنية، ويؤمن بها كقضية علمية وحقيقة مقررة وواقع لا مفر منه. وأصبحت شعوبه تندفع اندفاعا غريبا إلى إحياء هذه العصبيات التي أماتها الإسلام والتغني بها وإحياء شعائرها والافتخار بعهدها الذي تقدم على الإسلام، وهو الذي يلح الإسلام على تسميته بالجاهلية. وقد من الله على المسلمين بالخروج عنها وحثهم على شكر هذه النعمة.
والطبيعي من المؤمن أن لا يذكر جاهلية تقادم عهدها أو قارب إلا بمقت وكراهية وامتعاض واقشعرار. وهل يذكر السجين المعذب الذي يطلق سراحه أيام اعتقاله وتعذيبه وامتهانه إلا وعرته قشعريرة. وهل يذكر البريء من علة شديدة طويلة أشرف منها على الموت أيام سقمه إلا وانكسف باله وانتقع لونه (١) والواجب أن يعلم أن
стр. 78
هذه الحزبيات عذاب بعثه الله على من أعرض عن شرعه وتنكر لدينه كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] وقال ﷺ : «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (١) إن التعصب للحزبيات يسبب رفض الحق الذي مع الآخرين كحال اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] وكحال أهل الجاهلية الذين رفضوا الحق الذي جاءهم به الرسول ﷺ تعصباَ لما عليه آباؤهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] ويريد أصحاب هذه الحزبيات أن يجعلوها بديلة عن الإسلام الذي منَّ الله به على البشرية.
стр. 79
[الفصل التاسع النظرية المادية للحياة]
النظرية المادية للحياة ومفاسد هذه النظرية هناك نظرتان للحياة، نظرة مادية للحياة ونظرة صحيحة، ولكل من النظرتين آثارها:
(ا) فالنظرة المادية للحياة - (معناها) : أن يكون تفكير الإنسان مقصورا على تحصيل ملذاته العاجلة، ويكون عمله محصورا في نطاق ذلك، فلا يتجاوز تفكيره ما وراء ذلك من العواقب، ولا يعمل له، ولا يهتم بشأنه، ولا يعلم أن الله جعل هذه الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، فجعل الدنيا دار عمل، وجعل الآخرة دار جزاء. فمن استغل دنياه بالعمل الصالح ربح الدارين، ومن ضيع دنياه ضاعت آخرته: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] فالله لا يخلق هذه الدنيا عبثا، بل خلقها لحكمة عظيمة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]
стр. 80
[الكهف: ٧] ، أوجد سبحانه في هذه الحياة من المتع العاجلة والزينة الظاهرة من الأموال والأولاد والجاه والسلطان وسائر المستلذات ما لا يعلمه إلا الله.
فمن الناس - وهم الأكثر - من قصر نظره على ظاهرها ومفاتنها، ومتع نفسه بها ولم يتأمل في سرها، فانشغل بتحصيلها وجمعها والتمتع بها عن العمل لما بعدها. بل أنكر أن يكون هناك حياة غيرها كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] وقد توعد الله تعالى من هذه نظرته للحياة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ - أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]
стр. 81
وهذا الوعيد يشمل أصحاب هذه النظرة، سواء كانوا من الذين يعملون عمل الآخرة يريدون به الحياة الدنيا كالمنافقين والمرائين بأعمالهم أو كانوا من الكفار الذين لا يؤمنون ببعث ولا حساب كحال أهل الجاهلية والمذاهب الهدَّامة من رأسمالية وشيوعية وعلمانية إلحادية، وأولئك لم يعرفوا قدر الحياة ولا تعدو نظرتهم بها أن تكون كنظرة البهائم. بل هم أضل سبيلا، لأنهم ألغوا عقولهم وسخروا طاقاتهم وضيعوا أوقاتهم فيما لا يبقى لهم ولا يبقون له، ولم يعملوا لمصيرهم الذي ينتظرهم ولا بد لهم منه.
والبهائم ليس لها مصير ينتظرها وليس لها عقول تفكر بها بخلاف أولئك، ولهذا يقول تعالى فيهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] وقد وصف الله أهل هذه النظرة بعدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧]
стр. 82
فهم وإن كانوا أهل خبرة في المخترعات والصناعات، فهم جُهَّال لا يستحقون أن يوصفوا بالعلم، لأن علمهم لم يتجاوز ظاهر الحياة الدنيا. وهذا علم ناقص لا يستحق أصحابه أن يطلق عليهم هذا الوصف الشريف، فيقال: العلماء، وإنما يطلق هذا على أهل معرفة الله وخشيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ومن النظرة المادية للحياة الدنيا ما ذكره في قصة قارون وما آتاه الله من الكنوز: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] فتمنوا مثله وغبطوه ووصفوه بالحظ العظيم بناء على نظرتهم المادية، وهذا كما هو الحال الآن في الدول الكافرة وما عندها من تقدم صناعي واقتصادي، فإن ضعاف الإيمان من المسلمين ينظرون إليهم نظرة إعجاب دون نظر إلى ما هم عليه من الكفر وما ينتظرهم من سوء المصير، فتبعثهم هذه النظرة الخاطئة إلى تعظيم الكفار واحترامهم
стр. 83
في نفوسهم، والتشبه بهم في أخلاقهم وعاداتهم السيئة، ولم يقلدوهم في الجد وإعداد القوة والشيء النافع من المخترعات والصناعات.
(ب) النظرة الثانية للحياة - (النظرة الصحيحة) : هي أن يعتبر الإنسان ما في هذه الحياة من مال وسلطان وقوى مادية وسيلة يستعان بها لعمل الآخرة، فالدنيا في الحقيقة لا تذم لذاتها، وإنما يتوجه المدح والذم إلى فعل العبد فيها، فهي قنطرة ومعبر للآخرة ومنها زاد الجنة. وخير عيش يناله أهل الجنة إنما حصل لهم بما زرعوه في الدنيا، فهي دار الجهاد والصلاة والصيام والإنفاق في سبيل الله ومضمار التسابق إلى الخيرات. يقول الله تعالى لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] يعني الدنيا.
стр. 84
[الفصل العاشر الرقى والتمائم]
في الرقى والتمائم ١ - الرقى: جمع رقية وهي العُوذةُ التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات، ويسمونها العزائم، وهي على نوعين:
النوع الأول: ما كان خاليا من الشرك بأن يُقْرأ على المريض شيء من القرآن، أو يُعَوَّذ بأسماء الله وصفاته، فهذا مباح، لأن النبي ﷺ قد رقى وأمر بالرقية وأجازها، فعن عوف بن مالك قال: «كنا نرقى في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ . فقال: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا» (١) قال السيوطي: وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسماء الله وصفاته. وأن تكون باللسان العربي وما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها. بل بتقدير الله تعالى (٢) وكيفيتها أن
стр. 85
يقرأ وينفث على المريض، أو يقرأ في ماء ويسقاه المريض، كما جاء في حديث ثابت بن قيس: «أن النبي ﷺ أخذ ترابا من بطحان، فجعله في قدح، ثم نفث عليه، وصبه عليه» (١) .
النوع الثاني: ما لم يخل من الشرك، وهي الرقى التي يستعان فيها بغير الله من دعاء غير الله والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الجن أو بأسماء الملائكة والأنبياء والصالحين، فهذا دعاء لغير الله وهو شرك أكبر، أو يكون بغير اللسان العربي أو بما لا يعرف معناه، لأنه يخشى أن يدخلها كفر أو شرك ولا يعلم عنه، فهذا النوع من الرقية ممنوع.
التمائم: وهي جمع تميمة وهي: ما يعلق بأعناق الصبيان لدفع العين، وقد يعلق على الكبار من الرجال والنساء وهو على نوعين:
стр. 86
النوع الأول من التمائم: ما كان من القرآن - بأن يكتب آيات من القران، أو من أسماء الله وصفاته ويعلقها للاستشفاء بها، فهذا النوع قد اختلف العلماء في حكم تعليقه على قولين:
القول الأول: الجواز، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وحملوا الحديث الوارد في المنع من تعليق التمائم، على التمائم التي فيها شرك.
القول الثاني: المنع من ذلك وهو قول ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد. وفي رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بما رواه ابن مسعود ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرقى والتمائم والتِّولة شرك» (١) .
стр. 87
التولة: شيء يضعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة: الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم.
الثاني: سد الذريعة فإنها تفضي إلى تعليق ما ليس مباحا.
الثالث: أنه إذا علق شيئا من القرآن، فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك (١) .
النوع الثاني من التمائم: التي تعلق على الأشخاص ما كان من غير القرآن - كالخرز والعظام والودع والخيوط والنعال والمسامير وأسماء الشياطين والجن والطلاسم، فهذا محرم قطعا وهو من الشرك، لأنه تعلق على غير الله سبحانه وأسمائه وصفاته
стр. 88
وآياته، وفي الحديث: «من تعلق شيئا وكل إليه» (١) أي وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق بالله والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره من المخلوقين والتمائم والأدوية والقبور وكله الله إلى ذلك الذي لا يغني عنه شيئا ولا يملك له ضرّا ولا نفعا فخسر عقيدته وانقطعت صلته بربه وخذله الله.
والواجب على المسلم المحافظة على عقيدته مما يفسدها أو يخل بها، فلا يتعاطى ما لا يجوز من الأدوية، ولا يذهب إلى المخرفين والمشعوذين؛ ليتعالج عندهم من الأمراض، لأنهم يمرضون قلبه وعقيدته، ومن توكل على الله كفاه.
وبعض الناس يعلق هذه الأشياء على نفسه، وهو ليس في مرض حسي، وإنما في مرض وهمي، وهو الخوف
стр. 89
من العين والحسد، أو يعلقها على سيارته أو دابته أو باب بيته أو دكانه. وهذا كله من ضعف العقيدة هو المرض الحقيقي الذي يجب علاجه بمعرفة التوحيد والعقيدة الصحيحة.
стр. 90
[الفصل الحادي عشر الحلف بغير الله والتوسل والاستغاثة بالمخلوق]
في بيان حكم الحلف بغير الله
والتوسل والاستغاثة بالمخلوق (ا) الحلف بغير الله: الحلف: هو اليمين - وهي توكيد الحكم بذكر مُعظَّم على وجه الخصوص. والتعظيم: حق لله تعالى فلا يجوز الحلف بغيره، فقد أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بأسمائه وصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره (١) والحلف بغير الله شرك لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٢) وهو شرك أصغر. إلا إذا كان المحلوف به معظَّما عند الحالف إلى درجة عبادته له فهذا شرك أكبر. كما هو الحال اليوم عند عُبَّاد القبور، فإنهم يخافون من يعظمون من أصحاب القبور أكثر من خوفهم من الله وتعظيمه، بحيث إذا طلب من أحدهم أن يحلف
стр. 91
بالولي الذي يعظمه لم يحلف به إلا إذا كان صادقا، وإذا طلب منه أن يحلف بالله حلف به وإن كان كاذبا.
فالحلف تعظيم للمحلوف به لا يليق إلا بالله، ويجب توقير اليمين بالله، فلا يكثر منها - قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي لا تحلفوا إلا عند الحاجة وفي حالة الصدق والبر - لأن كثرة الحلف أو الكذب فيها يدلان على الاستخفاف بالله وعدم التعظيم له، وهذا ينافي كمال التوحيد، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» وجاء فيه: «ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إِلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» (١) . فقد شدد الوعيد على كثرة الحلف مما يدل على تحريمه احتراما لاسم الله تعالى وتعظيما له سبحانه. وكذلك يحرم الحلف بالله كاذبا وهي
стр. 92
الغموس (١) وقد وصف الله المنافقين بأنهم يحلفون على الكذب وهم يعلمون.
فنخلص من ذلك:
١ - تحريم الحلف بغير الله تعالى: كالحلف بالأمانة أو الكعبة أو بالنبي لمجد وأن ذلك شرك.
٢ - تحريم الحلف بالله كاذبا متعمدا وهي الغموس.
٣ - تحريم كثرة الحلف بالله ولو كان صادقا إذا لم تدع إليه حاجة، لأن هذا استخفاف بالله سبحانه.
٤ - جواز الحلف بالله إذا كان صادقا وعند الحاجة.
(ب) التوسل بالمخلوق إلى الله تعالى: التوسل: وهو التقرب إلى الشيء والتوصل إليه والوسيلة: القربة، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] أي: القربة إليه سبحانه بطاعته واتباع مرضاته.
стр. 93
والتوسل قسمان: القسم الأول: توسل مشروع وهو أنواع: ١ - النوع الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما أمر تعالى بذلك في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
٢ - النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان والأعمال الصالحة: التي قام بها المتوسل، كما قال تعالى عن أهل الإيمان: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] وكما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم (١) فخرجوا يمشون.
стр. 94
٣ - النوع الثالث: التوسل إلى الله تعالى بتوحيده، كما توسل يونس ﵇: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]
٤ - النوع الرابع: التوسل إلى الله تعالى بإظهار الضعف والحاجة والافتقار إلى الله، كما قال أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]
٥ - النوع الخامس: التوسل إلى الله بدعاء الصالحين الأحياء، وكما كان الصحابة إذا أجدبوا طلبوا من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم، ولما توفي صاروا يطلبون من عمه العباس ﵁ فيدعو لهم (١) .
٦ - النوع السادس: التوسل إلى الله بالاعتراف بالذنب: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]
стр. 95
القسم الثاني: توسل غير مشروع: وهو التوسل بطلب الدعاء والشفاعة من الأموات، والتوسل بجاه النبي ﷺ ، والتوسل بذوات المخلوقين أو حقهم، وتفصيل ذلك كما يلي:
١ - طلب الدعاء من الأموات لا يجوز: لأن الميت لا يقدر على الدعاء، كما كان يقدر عليه في الحياة، وطلب الشفاعة من الأموات لا يجوز، لأن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حيا، كالعباس وكيزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا عند غيره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، وقد قال عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا، فجعلوا هذا بدلا من ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.
стр. 96
وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به يعني (١) . لو كان حائزا. فتركهم لذلك دليل على عدم جواز التوسل بالأموات، لا بدعائهم ولا بشفاعتهم، فلو كان طلب الدعاء منه والاستشفاع به حيا وميتا، سواء لم يعدلوا عنه إلى غيره ممن هو دونه.
٢ - التوسل بجاه النبي ﷺ أو بجاه غيره لا يجوز: والحديث الذي فيه: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي. فإن جاهي عند الله عظيم» حديث مكذوب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها. ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث (٢) وما دام لم يصح فيه دليل فهو لا يجوز، لأن العبادات لا تثبت إلا بدليل صحيح صريح. ٣ - التوسل بذوات المخلوقين لا يجوز: لأنه إن كان الباء للقسم فهو إقسام به على الله تعالى،
стр. 97
وإذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز وهو شرك كما في الحديث، فكيف بالإقسام بالمخلوق على الخالق جلّ وعلا. وإن كانت الباء للسببية، فالله سبحانه لم يجعل السؤال بالمخلوق سببا للإجابة، ولم يشرعه لعباده.
٤ - والتوسل بحق المخلوق لا يجوز لأمرين: الأول: أن الله سبحانه لا يجب عليه حق لأحد، وإنما هو الذي يتفضل سبحانه على المخلوق بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] فكون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق فضل وإنعام، وليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق.
الثاني: أن هذا الحق الذي تفضل الله به على عبده هو حق خاص به لا علاقة لغيره به، فإذا توسل به غير مستحقه كان متوسلا بأمر أجنبي لا علاقة له به، وهذا لا يجديه شيئا.
стр. 98
وأما الحديث الذي فيه: «أسألك بحق السائلين» فهو حديث لم يثبت، لأن في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف مجمع على ضعفه، كما قال بعض المحدثين. وما كان كذلك فإنه لا يحتج به في هذه المسألة المهمة من أمور العقيدة، ثم إنه ليس فيه توسل بحق شخص معين، وإنما فيه التوسل بحق السائلين عموما وحق السائلين الإجابة كما وعدهم الله بذلك، وهو حق أوجبه على نفسه لهم لم يوجبه عليه أحد، فهو توسل بوعده الصادق لا بحق المخلوق.
(ج) حكم الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق: الاستعانة: طلب العون والمؤازرة في الأمر.
والاستغاثة: طلب الغوث وهو إزالة الشدة.
فالاستعانة والاستغاثة بالمخلوق على نوعين: النوع الأول: الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا جائز. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]
стр. 99
النوع الثاني: الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله: كالاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء، والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر - فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر - وقد كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله» (١) كره ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقه. وإن كان مما يقدر عليه في حياته حماية لجناب التوحيد وسدّا لذرائع الشرك، وأدبا وتواضعا لربه، وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال. فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته، فكيف يستغاث به بعد مماته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله (٢) وإذا كان هذا لا يجوز في حقه ﷺ فغيره من باب أولى.
стр. 100
[الباب الثالث في بيان ما يجب اعتقاده في الرسول وأهل بيته وصحابته]
[الفصل الأول في وجوب محبة الرسول وتعظيمه]
الباب الثالث
في بيان ما يجب اعتقاده في الرسول ﷺ
وأهل بيته وصحابته وذلك في فصول:
الفصل الأول: في وجوب محبة الرسول وتعظيمه، والنهي عن الغلو والإطراء في مدحه، وبيان منزلته ﷺ .
الفصل الثاني: في وجوب طاعته والاقتداء به.
الفصل الثالث: في مشروعية الصلاة والسلام عليه.
الفصل الرابع: في فضل أهل البيت وما يجب لهم من غير جفاء ولا غلو.
الفصل الخامس: في فضل الصحابة وما يجب اعتقاده فيهم. ومذهب أهل السنة والجماعة فيما حدث بينهم.
الفصل السادس: في النهي عن سب الصحابة وأئمة الهدى.
стр. 101
في وجوب محبة الرسول وتعظيمه والنهي عن الغلو
والإطراء في مدحه وبيان منزلته ﷺ ١ - وجوب محبته وتعظيمه ﷺ : يجب على العبد أولا محبة الله وهي من أعظم أنواع العبادة - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] لأنه هو الرب المتفضل على عباده بجميع النعم ظاهرها وباطنها، ثم بعد محبة الله تعالى محبة رسوله محمد ﷺ ، لأنه هو الذي دعا إلى الله، وعرّف به، وبلَّغ شريعته، وبيَّن أحكامه، فما حصل للمؤمنين من خير في الدنيا والآخرة فعلى يد هذا الرسول، ولا يدخل أحد الجنة إلا بطاعته واتباعه ﷺ ، وفي الحديث: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» (١) .
стр. 102
فمحبة الرسول تابعة لمحبة الله تعالى لازمة لها وتليها في المرتبة، وقد جاء بخصوص محبته ﷺ ووجوب تقديمها على محبة كل محبوب سوى الله تعالى قوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (١) .
بل ورد أنه يجب على المؤمن أن يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه، كما في الحديث: «أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن أحب إلى من نفسي، فقال: الآن يا عمر» (٢) .
ففي هذا أن محبة الرسول ﷺ واجبة ومقدمة على محبة كل شيء سوى محبة الله، فإنها تابعة لها لازمة لها، لأنها محبة في الله ولأجله، تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن وتنقص بنقصها، وكل من كان محبّا لله فإنما يحب في الله
стр. 103
ولأجله. ومحبته ﷺ تقتضي تعظيمه وتوقيره واتباعه وتقديم قوله على قول كل أحد من الخلق وتعظيم سنته. قال العلامة ابن القيم ﵀: وكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسول الله ﷺ وتعظيمه فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له، فهي محبة من موجبات محبة الله.
والمقصود أن النبي ﷺ ألقى الله عليه من المهابة والمحبة. ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله ﷺ في صدور أصحابه ﵃. قال عمرو بن العاص بعد إسلامه: إنه لم يكن شخص أبغض إليَّ منه. فلما أسلمت لم يكن شخص أحب إليه منه، ولا أجل في عينه منه، قال: ولو سئلت أن أصفه لكم لما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالا له (١) .
стр. 104
وقال عروة بن مسعود لقريش: يا قوم والله لقد وفدت إلى كسرى وقيصر والملوك فما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ﷺ ، والله ما يحدون النظر إليه تعظيما له، وما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فيدلك بها وجهه وصدره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. انتهى (١) .
٢ - النهي عن الغلو والإطراء في مدحه: الغلو: تجاوز الحد - يقال: غلا غلوا، إذا تجاوز الحد في القدر، قال تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] أي تجاوزوا الحد.
والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه - والمراد بالغلو في حق النبي ﷺ : مجاوزة الحد في قدره بأن يرفع عن مرتبة العبودية والرسالة ويجعل له شيء من خصائص الإلهية، بأن يدعى ويستغاث به من دون الله ويحلف به.
стр. 105
والمراد بالإطراء في حقه ﷺ : أن يزاد في مدحه - فقد نهى ﷺ عن ذلك بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم - إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١) أي لا تمدحوني بالباطل ولا تجاوزوا الحد في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ﵇، فادعوا فيه الألوهية، وصفوني بما وصفني به ربي، فقولوا: عبد الله ورسوله. «ولما قال له بعض أصحابه: أنت سيدنا: فقال: السيد الله ﵎ ولما قالوا: وأفضلنا وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» (٢) .
وقال له ناس: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » (٣) .
стр. 106
كره ﷺ أن يمدحوه بهذه الألفاظ: أنت سيدنا - أنت خيرنا - أنت أفضلنا - أنت أعظمنا، مع أنه أفضل الخلق وأشرفهم على الإطلاق - لكنه نهاهم عن ذلك ابتعادا بهم عن الغلو والإطراء في حقه وحماية للتوحيد، وأرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبد، وليس فيهما غلو ولا خطر على العقيدة، وهما: عبد الله ورسوله، ولم يحب أن يرفعوه فوق ما أنزله الله من المنزلة التي رضيها له، وقد خالف نهيه ﷺ كثير من الناس، فصاروا يدعونه ويستغيثون به ويحلفون به ويطلبون منه ما لا يطلب إلا من الله كما يفعل في الموالد والقصائد والأناشيد، ولا يميزون بين حق الله وحق الرسول.
يقول العلامة ابن القيم في النونية:
لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا قربان
стр. 107
٣ - بيان منزلته ﷺ : لا بأس ببيان منزلته بمدحه ﷺ بما مدحه الله به وذكر منزلته التي فضله الله بها واعتقاد ذلك. فله ﷺ المنزلة العالية التي أنزله الله فيها، فهو عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه. وأفضل الخلق على الإطلاق. وهو رسول الله إلى الناس كافة، وإلى جميع الثقلين الجن والإنس. وهو أفضل الرسل، وخاتم النبيين لا نبي بعده، قد شرح الله له صدره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وهو صاحب المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] أي المقام الذي يقيمه الله فيه للشفاعة للناس يوم القيامة ليريحهم ربهم من شدة الموقف، وهو مقام خاص به ﷺ دون غيره من النبيين، وهو أخشى الخلق لله وأتقاهم له، وقد نهى عن رفع الصوت بحضرته ﷺ وأثنى على الذين يغضون أصواتهم عنده، فقال تعالى:
стр. 108
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]
قال الإمام ابن كثير ﵀: هذه آيات أدَّب الله فيها عباده المؤمنين فيما يعاملون به النبي ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام. أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته، ونهى أن يدعى الرسول باسمه كما يدعى سائر الناس فيقال: يا محمد. وإنما يدعى بالرسالة والنبوة فيقال: يا رسول الله، يا نبي الله، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] كما أن الله سبحانه يناديه يا أيها النبي، يا أيها الرسول. وقد صلى الله
стр. 109
وملائكته عليه، وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه فقال تعالى؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] لكن لا يخصص لمدحه ﷺ وقت ولا كيفية معينة إلا بدليل صحيح من الكتاب والسنة. فما يفعله أصحاب الموالد من تخصيص اليوم الذي يزعمون أنه يوم مولده لمدحه بدعة منكرة.
ومن تعظيمه ﷺ تعظيم سنته واعتقاد وجوب العمل بها، وأنها في المنزلة الثانية بعد القراَن الكريم في وجوب التعظيم والعمل. لأنها وحي من الله تعالى. كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] فلا يجوز التشكيك فيها والتقليل من شأنها - أو الكلام فيها بتصحيح أو تضعيف لطرقها وأسانيدها أو شرح لمعانيها إلا بعلم وتحفظ، وقد كثر في هذا الزمان تطاول الجهال على سنة الرسول ﷺ ، خصوصا من بعض الشباب الناشئين الذين لا يزالون في المراحل
стр. 110
الأولى من التعليم، وصاروا يصححون ويضعفون في الأحاديث ويجرحون في الرواة بغير علم سوى قراءة الكتب وهذا خطر عظيم عليهم وعلى الأمة، فيجب عليهم أن يتقوا الله، ويقفوا عند حدهم.
[الفصل الثاني في وجوب طاعته ﷺ والاقتداء به]
في وجوب طاعته ﷺ والاقتداء به تجب طاعة النبي ﷺ بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وهذا من مقتضى شهادة أنه رسول الله، وقد أمر الله تعالى بطاعته في آيات كثيرة تارة مقرونة مع طاعة الله كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وأمثال من الآيات، وتارة يأمر بها مفردة، كما في قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] وتارة يتوعد من عصى رسوله ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]