[مقدمة معالي الوزير الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ]
كتاب
أصول الإيمان
في ضوء الكتاب والسنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة بقلم معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المشرف العام على المجمع الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، القائل: «بلغوا عني ولو آية» [البخاري: ٣٤٦١] .
أما بعد: فإنفاذًا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله- في إيصال الخير إلى عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بدءًا بالعناية بكتاب الله، والعمل على تيسير نشره، وترجمة معانيه، وتوزيعه بين المسلمين، والراغبين في دراسته من غيرهم، ثم نشر ما ينفع المسلمين في جميع شؤون حياتهم الدينية والدنيوية.
وإيمانًا من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، بأهمية الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة فإنه يسرها أن تقدم كتاب:
((أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة))
стр. 2
وذلك لتبصير المسلمين في أمور العقيدة التي هي أساس الإيمان، لقوله صلى الله ﷺ : «إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» [البخاري: ٥٢] ، وستتبعه إن شاء الله تعالى سلسلة من الكتب في الحديث، والفقه، والذكر والدعاء، والتي نرجو من الله العلي القدير أن ينفع بها عموم المسلمين.
وبهذه المناسبة يسرني أن أشكر الإخوة الذين قاموا بإعداد الكتاب (تأليفًا، ومراجعة، وصياغة) جهدهم المخلص، وللأمانة العامة للمجمع حسن اهتمامها ومتابعتها، وأدعو الله تعالى أن يحفظ هذه البلاد راعية للدين، وحامية للعقيدة الصحيحة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني، حفظهم الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 3
[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدِّمة الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمَّ علينا النعمة، وجعل أمَّتنا -أمَّة الإسلام- خيرَ أمَّة، وبعث فينا رسولًا منَّا يتلو علينا آياته ويزكينا، ويعلِّمنا الكتاب والحكمة، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله للعالمين رحمة، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإنَّ الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (الذاريات: ٥٦) . ولذا كان التوحيد والعقيدة الصحيحة المأخوذةُ من منبعها الأصلي وموردها المبارك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هي الغاية لتحقيق تلك العبادة، فهي الأساس لعمارة هذا الكون، وبفقدها يكون فساده وخرابه واختلاله، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] (الأنبياء: ٢٢) ، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (الطلاق: ١٢) ، إلى غير ذلك من الآيات.
ولما كان غير ممكن للعقول أن تستقلَّ بمعرفة تفاصيل ذلك بعث الله
стр. 4
رسلَه وأنزل كتبَه؛ لإيضاحه وبيانه وتفصيله للناس حتى يقوموا بعبادة الله على علم وبصيرة وأسسٍ واضحةٍ ودعائم قويمةٍ، فتتابع رسلُ الله على تبليغه، وتوالوا في بيانه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] (فاطر: ٢٤) ، وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] (المؤمنون: ٤٤) ، أي يتبع بعضُهم بعضًا إلى أن ختمهم بسيِّدهم وأفضلهم وإمامهم نبيِّنا محمد ﷺ ، فبَلّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده ودعا إلى الله سرًّا وجهرًا، وقام بأعباء الرسالة أكملَ قيام، وأوذيَ في الله أشدَّ الأذى، فصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولم يزل داعيًا إلى الله هاديًا إلى صراطه المستقيم حتى أظهر الله به الدِّين، وأتم به النِّعمة، ودخل الناس بسبب دعوته في دين الله أفواجًا، ولم يَمُت ﷺ حتى أكمل الله به الدِّين وأتمَّ به النِّعمة، وأنزل في ذلك سبحانه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (المائدة: ٣) .
فبيَّن صلوات الله وسلامه عليه الدين كلَّه أصوله وفروعه، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀: " مُحال أن يُظنَّ بالنبي ﷺ أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد ".
وقد كان ﷺ داعيةً إلى توحيد الله وإخلاص الدِّين لله ونبذ الشرك كلِّه كبيرِه وصغيره شأن جميع المرسلين؛ إذ أنَّ الرسلَ كلَّهم متَّفقون على ذلك، متضافرون على الدعوة إليه، بل هو منطلقُ دعوتهم وزبدة رسالتهم وأساس بعثتهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] (النحل: ٣٦) ، وقال:
стр. 5
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (الأنبياء: ٢٥) ، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] (الزخرف: ٤٥) ، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] (الشورى: ١٣) .
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أَنه قال: «الأنبياء إخوة لعلَّات، أمَّهاتُهم شتَّى ودينُهم واحد» (١) فالدِّين واحدٌ، والعقيدة واحدةٌ، وإنَّما حصل التنوُّعُ بينهم في الشرائع، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (المائدة: ٤٨) .
ولذا ينبغي أن يكون متقرِّرا لدى كلِّ مسلم وواضحا لدى كلِّ مؤمن أنَّ العقيدة لا مجال فيها للرأي والأخذ والعطاء، وإنَّما الواجب على كلِّ مسلم في مشارق الأرض ومغاربها أن يعتقد عقيدة الأنبياء والمرسلين، وأن يؤمن بالأصول التي آمنوا بها ودعوا إليها دون تشكُّكٍ أو تردُّدٍ، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (البقرة: ٢٨٥) .
فهذا شأنُ المؤمنين، وهذا سبيلهم: الإيمان والتسليم والإذعان والقبول، وعندما يكون المؤمن كذلك ترافقه السلامة، ويتحقق له الأمن والأمان، وتزكو نفسُه، ويطمئنُّ قلبُه، ويكون بعيدًا تمام البعد عمَّا يقع فيه ضلَّال الناس
стр. 6
بسبب عقائدهم الباطلة من تناقض واضطراب وشكوك وأوهام وحَيرة وتذبذب.
والعقيدة الإسلامية الصحيحة بأصولها الثابتة وأسسها السليمة وقواعدها المتينة هي - دون غيرها - التي تحقِّق للناس سعادتهم ورفعتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة؛ لوضوح معالمها، وصحَّة دلائلها، وسلامة براهينها وحججها، ولموافقتها للفطرة السليمة، والعقول الصحيحة، والقلوب السويَّة.
ولهذا فإنّ العالَمَ الإسلامي كلّه في أشدِّ الحاجة إلى معرفة هذه العقيدة الصافية النقيَّة؛ إذ هي قطبُ سعادته الذي عليه تدور، ومستقر نجاته الذي عنه لا تحور.
وفي هذا المؤلّف الوجيز يجد المسلم أصولَ العقيدة الإسلامية وأهمَّ أسسها وأبرزَ أصولها ومعالمها ممَّا لا غنى لمسلم عنه، ويجد ذلك كله مقرونا بدليله، مدعَّمًا بشواهده، فهو كتاب مشتمل على أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، وهي أصول عظيمة موروثة عن الرسل، ظاهرة غاية الظهور، يمكن لكل مميِّز من صغير وكبير أن يُدركها بأقصر زمان وأوجز مدَّة، والتوفيق بيد الله وحده. وبهذه المناسبة نتقدم بالشكر الجزيل للذين ساهموا في إعداد هذا الكتاب وهم: الدكتور صالح بن سعد السحيمي، والدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، والدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي. كما نشكر اللذين قاما بمراجعته وصياغته وهما: الدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي، والدكتور أحمد بن عطية الغامدي.
وإنَّا لنرجوه سبحانه أن ينفع به عمومَ المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الأمانة العامة
لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
стр. 7
[تمهيد]
تمهيد لا يخفى على كل مسلم أهمية الإيمان، وعظم شأنه، وكثرة عوائده وفوائده على المؤمن في الدنيا والآخرة، بل إن كل خير في الدنيا والآخرة متوقف على تحقق الإيمان الصحيح، فهو أجل المطالب، وأهم المقاصد، وأنبل الأهداف، وبه يحيا العبد حياة طيبة سعيدة، وينجو من المكاره والشرور والشدائد، وينال ثواب الآخرة ونعيمها المقيم وخيرها الدائم المستمر الذي لا يحول ولا يزول.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (النحل: ٩٧) . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] (الإسراء: ١٩) .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا﴾ [طه: ٧٥] (طه: ٧٥) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا - خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨] (الكهف: ١٠٧، ١٠٨) . والآيات في هذا المعنى في القرآن الكريم كثيرة.
وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان يقوم على الأصول الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وقد جاء ذكر هذه الأصول في القرآن الكريم والسنة النبوية في مواطن عديدة. منها:
١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] (النساء: ١٣٦) .
стр. 8
٢ - وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (البقرة: ١٧٧) .
٣ - وقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (البقرة: ٢٨٥) .
٤ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (القمر: ٤٩) .
٥ - وثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب المشهور بحديث جبريل «أن جبريل سأل النبي ﷺ فقال: أخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١) .
فهذه أصول ستة عظيمة يقوم عليها الإيمان، بل لا إيمان لأحد إلا بالإيمان بها، وهي أصول مترابطة متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض، فالإيمان ببعضها مستلزم للإيمان بباقيها، والكفر ببعضها كفر بباقيها.
ولذا كان متأكدا في حق كل مسلم أن تعظم عنايته واهتمامه بهذه الأصول علما وتعلما وتحقيقا.
وفيما يلي بيان ما يتعلق بالأصل الأول من هذه الأصول وهو الإيمان بالله.
стр. 9
[الباب الأول الإيمان بالله]
الباب الأول: الإيمان بالله إن الإيمان بالله هو أهم أصول الإيمان، وأعظمها شأنا، وأعلاها قدرا، بل هو أصل أصول الإيمان، وأساس بنائه، وقوام أمره، وبقية الأصول متفرعة منه، راجعة إليه، مبنية عليه. والإيمان بالله هو الإيمان بوحدانيته سبحانه في ربوبية، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، فهذه أصول ثلاثة يقوم عليها الإيمان بالله، بل إن الدين الإسلامي الحنيف إنما سمي توحيدا لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا ندَّ له.
وبهذا يعلم أن توحيد الأنبياء والمرسلين ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأنَّ الله تعالى رب كلّ شيء ومليكُه وخالقُه ورازقُه، وأَنه المحيي المميتُ النافعُ الضار، المتفرِّدُ بالإجابة عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يُرجع الأمرُ كله، لا شريك له في ذلك.
القسم الثاني: توحيد الألوهية، وهو إفراد الله وحده بالذلِّ والخضوع والمحبَّة والخشوع والركوع والسجود والذبح والنذر، وسائر أنواع العبادة لا شريك له.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله تعالى. بما سمى ووصف نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ وتنزيهه عن النقائص والعيوب ومماثلة الخلق فيما هو من خصائصه والإقرار بأنَّ الله بكلِّ شيء عليم، وعلى كلِّ شيء قدير، وأنَّه الحيُّ القيُّوم الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، وأنَّه سميع بصير، رؤوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنَّه المَلِك القدوس السلام المؤمن
стр. 10
المهيمن العزيز الجبَّار المتكبِّر، سبحان الله عمَّا يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى، والصفات العلى.
ولكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة دلائلُ كثيرة من الكتاب والسنة.
فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم.
وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد قد أخذها أهل العلم بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وهو استقراء تامٌّ لنصوص الشرع، أفاد هذه الحقيقة الشرعية، وهي أنّ التوحيد المطلوب من العباد هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته، فمَن لم يأت بهذا جميعه فليس بمؤمن، وفيما يلي فصول ثلاثة في كل فصل منها بيان لقسم من هذه الأقسام:
стр. 11
[الفصل الأول توحيد الربوبية]
[المبحث الأول معناه وأدلته من الكتاب والسنة]
الفصل الأول: توحيد الربوبية المبحث الأول: معناه وأدلته من الكتاب والسنة والعقل والفطرة أولا: تعريفه: أ- لغة: الربوبية مصدر من الفعل ربب، ومنه الربُّ، فالربوبية صفة الله، وهي مأخوذة من اسم الرب، والرب في كلام العرب يطلق على معان: منها المالك، والسيد المطاع، والمُصْلِح.
ب- أما في الاصطلاح: فإن توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله.
ومنها الخلق والرزق والسيادة والإنعام والملك والتصوير، والعطاء والمنع، والنفع والضر، والإحياء والإماتة، والتدبير المحكم، والقضاء والقدر، وغير ذلك من أفعاله التي لا شريك له فيها، ولهذا فإن الواجب على العبد أن يؤمن بذلك كله.
ثانيا: أدلته: أ- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ - هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١٠ - ١١] (لقمان: ١٠، ١١) . وقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] (الطور: ٣٥)
ب- من السنة: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن الشخير ﵁ مرفوعا وفيه: (السيد الله ﵎. .) . وقد ثبت في
стр. 12
الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قال في وصيته لابن عباس ﵄:. . «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (١) .
ج- دلالة العقل: دل العقل على وجود الله تعالى وانفراده بالربوبية وكمال قدرته على الخلق وسيطرته عليهم، وذلك عن طريق النظر والتفكر في آيات الله الدالة عليه. وللنظر في آيات الله والاستدلال بها على ربوبيته طرق كثيرة بحسب تنوع الآيات وأشهرها طريقان:
الطريق الأول: النظر في آيات الله في خلق النفس البشرية وهو ما يعرف بـ (دلالة الأنفس) ، فالنفس آية من آيات الله العظيمة الدالة على تفرد الله وحده بالربوبية لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (الذاريات: ٢١) ، وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] (الشمس: ٧) ، ولهذا لو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له ربا خالقا حكيما خبيرا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها؟ أو أن يحولها إلى علقة، أو يحول العلقة إلى مضغة، أو يحول المضغة عظاما، أو يكسو العظام لحما؟
الطريق الثاني: النظر في آيات الله في خلق الكون وهو ما يعرف بـ (دلالة الآفاق) ، وهذه كذلك آية من آيات الله العظيمة الدالة على ربوبيته، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] (فصلت: ٥٣) .
стр. 13
ومن تأمل الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم وكواكب وشمس وقمر، وما اشتملت عليه الأرض من جبال وأشجار وبحار وأنهار، وما يكتنف ذلك من ليل ونهار وتسيير هذا الكون كله بهذا النظام الدقيق؛ دله ذلك على أن هناك خالقا لهذا الكون، موجدًا له مدبِّرًا لشؤونه، وكلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات وتغلغل فكره في بدائع الكائنات علم أنها خُلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به الله عن نفسه وأدلة على وحدانيته.
وقد جاء في بعض الآثار أن قوما أرادوا البحث مع الإمام أبي حنيفة في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم ﵀: " أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام وغيره بنفسها وتعود بنفسها، فترسو بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد؟ ".
فقالوا: " هذا محال لا يمكن أبدا. فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ ".
فنبه إلى أن اتساق العالم ودقة صنعه وتمام خلقه دليل على وحدانية خالقه وتفرده.
стр. 14
[المبحث الثاني بيان أن الإقرار بهذا التوحيد وحده لا ينجي من العذاب]
المبحث الثاني:
بيان أن الإقرار بهذا التوحيد وحده لا ينجي من العذاب إن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة كما تقدم؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل ﵈، ولا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية.
ولذا يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (يوسف: ١٠٦) ، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله ربا وخالقا ورازقا ومدبرا- وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع.
وبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين.
قال ابن عباس ﵄: " من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون ".
وقال عِكْرِمَة: " تسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره ".
وقال مجاهد: " إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره ".
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن زيد: " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربُّه، وأنَّ الله خالقُه ورازقُه، وهو
стр. 15
يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] (الشعراء: ٧٥- ٧٧) " (١) .
والنصوص عن السلف في هذا المعنى كثيرة، بل لقد كان المشركون زمن النبي ﷺ مقرين بالله ربا خالقا رازقا مدبرا، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء يدعونهم ويستغيثون بهم وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم.
وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] (العنكبوت: ٦١) ، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] (العنكبوت: ٦٣) ، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] (الزخرف: ٨٧) ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] (المؤمنون: ٨٤- ٨٩) .
فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق
стр. 16
العالم وتدبر شؤونه، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الرب سبحانه، ويقرون أن أوثانهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا استقلالا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تسمع ولا تبصر، ويقرون أن الله هو المتفرد بذلك لا شريك له، ليس إليهم ولا إلى أوثانهم شيء من ذلك، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق والرب وما عداه مربوب، غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، يشفعون لهم بزعمهم عند الله ويقربونهم إليه زلفى؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (الزمر: ٣) ، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا.
ومع هذا الإقرار العام من المشركين لله بالربوبية إلا أنه لم يدخلهم في الإسلام بل حكم الله فيهم بأنهم مشركون كافرون وتوعدهم بالنار والخلود فيها واستباح رسوله ﷺ دماءهم وأموالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة.
وبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينجي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وتستلزم إفراد الله وحده بالعبادة. فإذا لم يأت بذلك فهو كافر حلال الدم والمال.
стр. 17
[المبحث الثالث مظاهر الانحراف في توحيد الربوبية]
المبحث الثالث: مظاهر الانحراف في توحيد الربوبية بالرغم من أن توحيد الربوبية أمر مركوز في الفطر، مجبولة عليه النفوس، متكاثرة على تقريره الأدلة، إلا أنه وجد في الناس من حصل عنده انحراف فيه، ويمكن تلخيص مظاهر الانحراف في هذا الباب فيما يلي:
١ - جحد ربوبية الله أصلًا وإنكار وجوده سبحانه، كما يعتقد ذلك الملاحدة الذين يسندون إيجاد هذه المخلوقات إلى الطبيعة، أو إلى تقلب الليل والنهار، أو نحو ذلك ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] (الجاثية: ٢٤) .
٢ - جحد بعض خصائص الرب سبحانه وإنكار بعض معاني ربوبيته، كمن ينفي قدرة الله على إماتته أو إحيائه بعد موته، أو جلب النفع له أو دفع الضر عنه، أو نحو ذلك.
٣ - إعطاء شيء من خصائص الربوبية لغير الله سبحانه، فمن اعتقد وجود متصرف مع الله في أي شيء من تدبير الكون من إيجاد أو إعدام أو إحياء أو إماتة أو جلب خير أو دفع شر أو غير ذلك من معاني الربوبية فهو مشرك بالله العظيم.
стр. 18
[الفصل الثاني توحيد الألوهية]
الفصل الثاني: توحيد الألوهية الألوهية مشتقة من اسم الإله، أي المعبود المطاع، فالإله اسم من أسماء الله الحسنى، والألوهية صفة من صفات الله العظيمة، فهو سبحانه المألوه المعبود الذي يجب أن تألهه القلوب وتخضع له وتذل وتنقاد؛ لأنه سبحانه الرب العظيم، الخالق لهذا الكون، المدبر لشؤونه، الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، ولهذا فإن الذل والخضوع لا ينبغي إلا له، فحيث كان متفردا بالخلق والإنشاء والإعادة لا يشركه في ذلك أحد وجب أن ينفرد وحده بالعبادة دون سواه لا يشرك معه في عبادته أحد.
فتوحيد الألوهية هو إفراد الله وحده بالعبادة، وذلك بأن يعلم العبدُ علمَ اليقِين أن الله وحده هو المألوه المعبود على الحقيقة، وأن صفات الألوهية ومعانيها ليست موجودة في أحد من المخلوقات ولا يستحقها إلا الله تعالى، فإذا علم العبد ذلك واعترف به حقا أفرد الله بالعبادة كلها الظاهرة والباطنة، فيقوم بشرائع الإسلام الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبرِّ الوالدين وصلة الأرحام، ويقوم بأصوله الباطنة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، لا يقصد بشيء من ذلك غرضا من الأغراض غير رضا ربه وطلب ثوابه.
وفي هذا الفصل سيتم تناول جملةٍ من المباحث المهمة المتعلقة بهذا النوع من التوحيد.
стр. 19
[المبحث الأول أدلته وبيان أهميته]
[المطلب الأول أدلّتُه]
المبحث الأول أدلته، وبيان أهميته المطلب الأول: أدلّتُه. لقد تضافرت النصوص وتظاهرت الأدلة على وجوب إفراد الله بالألوهية، وتنوعت في دلالتها على ذلك:
١ - تارة بالأمر به، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] (البقرة: ٢١) ، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (النساء: ٣٦) ، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (الإسراء: ٢٣) ، ونحوها من الآيات.
٢ - وتارة ببيان أنه الأساس لوجود الخليقة والمقصود من إيجاد الثقلين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (الذاريات: ٥٦) .
٣ - وتارة ببيان أنه المقصود من بعثة الرسل كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (النحل: ٣٦) ، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (الأنبياء: ٢٥) .
٤ - وتارة ببيان أنه المقصود من إنزال الكتب الإلهية، كما في قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] (النحل: ٢) .
٥ - وتارة ببيان عظيم ثواب أهله وما أعد لهم من أجور عظيمة ونعم كريمة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] (الأنعام: ٨٢) .
стр. 20
٦ - وتارة بالتحذير من ضده، وبيان خطورة مناقضته، وذكر ما أعد سبحانه من عقاب أليم لمن تركه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (المائدة: ٧٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] (الإسراء: ٣٩) .
إلى غير ذلك من أنواع الأدلة المشتملة على تقرير التوحيد والدعوة إليه والتنويه بفضله وبيان ثواب أهله وعظم خطورة مخالفته.
والسنة النبوية كذلك مليئة بالأدلة على هذا التوحيد وأهميته، من ذلك:
١ - ما رواه البخاري في صحيحه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذبهم» (١) .
٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: لما بعث النبي ﷺ معاذا نحو اليمن قال له: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات» . . . . الحديث، رواه البخاري (٢) .
٣ - وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من
стр. 21
مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار» ، رواه البخاري (١) .
٤ - وعن جابر بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» ، رواه مسلم (٢) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
[المطلب الثاني بيان أهميته وأنه أساس دعوة الرسل]
المطلب الثاني: بيان أهميته وأنه أساس دعوة الرسل. لا ريب أن توحيد الألوهية هو أعظم الأصول على الإطلاق وأكملها وأفضلها وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وخلق المخلوقات وشرع الشرائع لقيامه، وبوجوده يكون الصلاح، وبفقده يكون الشر والفساد، ولذا كان هذا التوحيد زبدة دعوة الرسل وغاية رسالتهم وأساس دعوتهم، يقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (النحل: ٣٦) ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (الأنبياء: ٢٥) .
وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة أن توحيد الألوهية هو مفتاح دعوة الرسل، وأن كل رسول يبعثه الله يكون أول ما يدعو قومه إليه توحيد الله وإخلاص العبادة له، قال الله تعالى:
стр. 22
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] (الأعراف: ٦٥) ، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] (الأعراف: ٧٣) ، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] (الأعراف: ٨٥) .
[المطلب الثالث بيان أنه محور الخصومة بين الرسل وأممهم]
المطلب الثالث: بيان أنه محور الخصومة بين الرسل وأممهم. تقدم أن توحيد العبادة هو مفتتح دعوات الرسل جميعهم، فما من رسول بعثه الله إلا وكان أول ما يدعو قومه إليه هو توحيد الله، ولذا كانت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم في ذلك، فالأنبياء يدعونهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، والأقوام يصرون على البقاء على الشرك وعبادة الأوثان إلا من هداه الله منهم.
قال الله تعالى عن قوم نوح ﵇: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤] (نوح: ٢٣-٢٤) ، وقال عن قوم هود ﵇: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] (الأحقاف: ٢٢) ، ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] (هود: ٥٣) .
وقال عن قوم صالح ﵇: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] (هود: ٦٢) .
стр. 23
وقال عن قوم شعيب ﵇: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] (هود: ٨٧) .
وقال عن كفار قريش: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ - أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ - وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ - مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٤ - ٧] (ص: ٤-٧) .
وقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا - إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا - أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا - أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٤] (الفرقان: ٤١- ٤٤) .
فهذه النصوص وما جاء في معناها تدل أوضح دلالة أن المعترك والخصومة بين الأنبياء وأقوامهم إنما كان حول توحيد العبادة والدعوة إلى إخلاص الدين لله.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (١) .
стр. 24
وثبت في الصحيح أيضا عن النبي ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله» (١) .
стр. 25
[المبحث الثاني وجوب إفراد الله بالعبادة وتحته مطالب]
[المطلب الأول معنى العبادة والأصول التي تُبنى عليها]
المبحث الثاني
وجوب إفراد الله بالعبادة، وتحته مطالب المطلب الأول: معنى العبادة والأصول التي تُبنى عليها. العبادة في اللغة: الذل والخضوع، يقال: بعير معبد، أي: مذلل، وطريق معبد: إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام.
وشرعا: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وسيأتي ما يوضح ذلك عند ذكر بعض أنواع العبادة.
وهي تبنى على ثلاثة أركان:
الأول: كمال الحب للمعبود سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (البقرة: ١٦٥) .
الثاني: كمال الرجاء، كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] (الإسراء: ٥٧) .
الثالث: كمال الخوف من الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] (الإسراء: ٥٧) .
وقد جمع الله سبحانه بين هذه الأركان الثلاثة العظيمة في فاتحة الكتاب في قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] فالآية الأولى فيها المحبة؛ فإن الله منعم، والمنعم يُحبُّ على قدر إنعامه، والآية الثانية فيها الرجاء، فالمتصف بالرحمة ترجى رحمته، والآية الثالثة فيها الخوف، فمالك الجزاء والحساب يخاف عذابه.
ولهذا قال تعالى عقب ذلك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أي: أعبدك يا رب هذه
стр. 26
الثلاث: بمحبتك التي دل عليها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ورجائك الذي دل عليه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] وخوفك الذي دل عليه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
والعبادة لا تقبل إلا بشرطين: ١ - الإخلاص فيها للمعبود؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الخالص لوجهه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (البينة: ٥) ، وقَال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] (الزمر: ٣) ، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] (الزمر: ١٤) .
٢ - المتابعة للرسول ﷺ ؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الموافق لهدي الرسول ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (الحشر: ٧) ، وقَال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (النساء: ٦٥) .
وقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) (أي مردود عليه) .
فلا عبرة بالعمل ما لم يكن خالصا لله صوابا على سنة رسول الله ﷺ ، قال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] (هود: ٧، الملك: ٢) : " أخلصه وأصوبه "، قيل: يا أبا علي، وما أخلصه وأصوبه؟ قال: " إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا
стр. 27
كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة " (١) .
ومن الآيات الجامعة لهذين الشرطين قوله تعالى في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (الكهف: ١١٠) .
[المطلب الثاني ذكر بعض أنواع العبادة]
المطلب الثاني: ذكر بعض أنواع العبادة. العبادة أنواعها كثيرة، فكل عمل صالح يحبه الله ويرضاه قولي أو فعلي ظاهر أو باطن فهو نوع من أنواعها وفرد من أفرادها، وفيما يلي ذكر بعض الأمثلة على ذلك:
١ - فمن أنواع العبادة: الدعاء، بنوعيه دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
قال الله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] (غافر: ١٤) ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (الجن: ١٨) ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ - وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] (الأحقاف: ٥- ٦) .
فمن دعا غير الله بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا، ومن دعا حيا. بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، أو يا فلان اسقني، ونحو ذلك فلا شيء عليه، ومن دعا ميتا أو غائبا. بمثل هذا فإنه مشرك؛ لأن الميت والغائب لا يمكن أن يقوم. بمثل هذا.
стр. 28
والدعاء نوعان: دعاء المسألة ودعاء العبادة.
فدعاء المسألة، هو سؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ودعاء العبادة يدخل فيه كل القربات الظاهرة والباطنة؛ لأن المتعبد لله طالب بلسان مقاله ولسان حاله من ربه قبول تلك العبادة والإثابة عليها.
وكل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.
٢ -، ٣، ٤ - ومن أنواع العبادة: المحبة والخوف والرجاء، وقد تقدم الكلام عليها وبيان أنها أركان للعبادة.
٥ - ومن أنواعها: التوكل، وهو الاعتماد على الشيء.
والتوكل على الله: هو صدق تفويض الأمر إلى الله تعالى اعتمادا عليه وثقة به مع مباشرة ما شرع وأباح من الأسباب لتحصيل المنافع ودفع المضار، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] (المائدة: ٢٣) ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] (الطلاق: ٣) .
٦ -، ٧، ٨- ومن أنواع العبادة: الرغبة والرهبة والخشوع.
فأما الرغبة: فمحبة الوصول إلى الشيء المحبوب، والرهبة: الخوف المثمر للهرب من المخوف، والخشوع: الذل والخضوع لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي، قال الله تعالى في ذكر هذه الأنواع الثلاثة من العبادة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (الأنبياء: ٩٠) .
٩ - ومن أنواعها: الخشية، وهي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]
стр. 29
(البقرة: ١٥٠) .
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] (المائدة: ٣) .
١٠ - ومنها الإنابة، وهي الرجوع إلى الله تعالى بالقيام بطاعته واجتناب معصيته، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] (الزمر: ٥٤) .
١١ - ومنها: الاستعانة، وهي طلب العون من الله في تحقيق أمور الدين والدنيا، قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال ﷺ في وصيته لابن عباس: «إذا استعنت فاستعن بالله» (١) .
١٢ - ومنها: الاستعاذة، وهي طلب الإعاذة والحماية من المكروه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] وقال تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٤]
١٣ - ومنها الاستغاثة، وهو طلب الغوث، وهو الإنقاذ من الشدة والهلاك، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] (الأنفال: ٩) .
١٤ - ومنها الذبح، وهو إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه الخصوص تقربا إلى الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] (الأنعام: ١٦٢) ، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] (الكوثر: ٢) .
١٥ - ومنها النذر، وهو إلزام المرء نفسه بشيء ما، أو طاعة لله غير واجبة، قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] (الإنسان: ٧) .
стр. 30
فهذه بعض الأمثلة على أنواع العبادة، وجميع ذلك حق لله وحده لا يجوز صرف شيء منه لغير الله.
والعبادة بحسب ما تقوم به من الأعضاء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عبادات القلب، كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والخشية والرهبة والتوكل ونحو ذلك.
القسم الثاني: عبادات اللسان، كالحمد والتهليل والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن والدعاء ونحو ذلك.
القسم الثالث: عبادات الجوارح، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقة والجهاد، ونحو ذلك.
стр. 31
[المبحث الثالث حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد]
[المطلب الأول الرقى]
المبحث الثالث
حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد لقد كان النبي ﷺ حريصا أشد الحرص على أمته؛ لتكون عزيزة منيعة محققة لتوحيد الله ، مجانبة لكل الوسائل والأسباب المفضية لما يضاده ويناقضه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (التوبة: ١٢٨) .
وقد أكثر ﷺ في النهي عن الشرك وحذر وأنذر وأبدأ وأعاد وخص وعم في حماية الحنيفية السمحة ملة إبراهيم التي بعث بها من كل ما قد يشوبها من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص، وهذا كثير في السنة الثابتة عنه ﷺ ، فأقام الحجة، وأزال الشبهة، وقطع المعذرة، وأبان السبيل.
وفي المطالب التالية عرض يتبين من خلاله حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد وسده كل طريق يفضي إلى الشرك والباطل.
المطلب الأول: الرقى. أ- تعريفها: الرقى جمع رقية، وهي القراءة والنفث طلبا للشفاء والعافية، سواء كانت من القرآن الكريم أو من الأدعية النبوية المأثورة.
ب- حكمها: الجواز، ومن الأدلة على ذلك ما يلي:
فعن عوف بن مالك ﵁ قال: «كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن
стр. 32
فيه شرك» ، رواه مسلم (١) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «رخص رسول الله ﷺ في الرقية من العين (٢) والحمة (٣) والنملة» (٤) "، رواه مسلم (٥) .
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» ، رواه مسلم (٦) .
وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: (أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما) » ، رواه البخاري ومسلم (٧) .
ج- شروطها: ولجوازها وصحتها شروط ثلاثة:
الأول: أن لا يعتقد أنها تنفع لذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو محرم، بل هو شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله.
الثاني: أن لا تكون بما يخالف الشرع كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله أو استغاثة بالجن وما أشبه ذلك، فإنها محرمة، بل شرك.
الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم
стр. 33
والشعوذة فإنها لا تجوز.
وقد سئل الإمام مالك ﵀: أيرقي الرجل ويسترقي؟ فقال: " لا بأس بذلك، بالكلام الطيب ".
د- الرقية الممنوعة: كل رقية لم تتوفر فيها الشروط المتقدمة فإنها محرمة ممنوعة، كأن يعتقد الراقي أو المرقي أنها تنفع وتؤثر بذاتها، أو تكون مشتملة على ألفاظ شركية وتوسلات كفرية وألفاظ بدعية، ونحو ذلك، أو تكون بألفاظ غير مفهومة كالطلاسم ونحوها.
[المطلب الثاني التمائم]
المطلب الثاني: التمائم. أ- تعريفها: التمائم جمع تميمة، وهي ما يعلق على العنق وغيره من تعويذات أو خرزات أو عظام أو نحوها لجلب نفع أو دفع ضر، وكان العرب في الجاهلية يعلقونها على أولادهم يتقون بها العين بزعمهم الباطل.
ب- حكمها: التحريم،
بل هي نوع من أنواع الشرك؛ لما فيها من التعلق بغير الله؛ إذ لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته.
عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» ، رواه أبو داود والحاكم (١) .
وعن عبد الله بن عكيم ﵁ مرفوعا: «من تعلق شيئا وكل إليه» ، رواه
стр. 34
أحمد والترمذي والحاكم (١) .
وعن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعا: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» ، رواه أحمد والحاكم (٢) .
وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من علق تميمة فقد أشرك» ، رواه أحمد (٣) . فهذه النصوص وما في معناها في التحذير من الرقى الشركية التي كانت هي غالب رقى العرب فنهي عنها لما فيها من الشرك والتعلق بغير الله تعالى.
ج- وإذا كان المعلق من القرآن الكريم، فهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فذهب بعضهم إلى جواز ذلك، ومنهم من منع ذلك، وقال لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء، وهو الصواب لوجوه أربعة:
١ - عموم النهي عن تعليق التمائم، ولا مخصص للعموم.
٢ - سدا للذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن.
٣ - أنه إذا علق فلا بد أن يمتهن المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء، ونحو ذلك.
٤ - أن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به على المريض فلا تتجاوز.
стр. 35
[المطلب الثالث لبس الحلقة والخيط ونحوها]
المطلب الثالث: لبس الحلقة والخيط ونحوها. أ- الحلقة قطعة مستديرة من حديد أو ذهب أو فضة أو نحاس أو نحو ذلك، والخيط معروف، وقد يجعل من الصوف أو الكتان أو نحوه، وكانت العرب في الجاهلية تعلق هذا ومثله لدفع الضر أو جلب النفع أو اتقاء العين، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] (الزمر: ٣٨) ، ويقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] (الإسراء: ٥٦) .
وعن عمران بن حصين ﵁: «أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» ، رواه أحمد (١) .
وعن حذيفة بن اليمان ﵁: (أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (يوسف: ١٠٦) (٢) .
ب- حكم لبس الحلقة والخيط ونحو ذلك، محرم فإن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد وجود خالق مدبر مع الله تعالى الله عما يشركون.
стр. 36
وإن اعتقد أن الأمر لله وحده وأنها مجرد سبب، ولكنه ليس مؤثرا فهو مشرك شركا أصغر لأنه جعل ما ليس سببا سببا والتفت إلى غير ذلك بقلبه، وفعله هذا ذريعة للانتقال للشرك الأكبر إذا تعلق قلبه بها ورجا منها جلب النعماء أو دفع البلاء.
[المطلب الرابع التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها]
المطلب الرابع: التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها. التبرك هو طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] (الأنعام: ٩٢، ١٥٥) ، فمن بركته هدايته للقلوب وشفاؤه للصدور وإصلاحه للنفوس وتهذيبه للأخلاق، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
٢ - أن يكون التبرك بأمر غير مشروع، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك، فهذا كله من الشرك.
فعن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة (١) يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله ﷺ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (الأعراف: ١٣٨) ،
стр. 37
لتركبن سنن من كان قبلكم» ، رواه الترمذي وصححه (١) .
فقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار ونحوها من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك، ولهذا أخبر في الحديث أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة، فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذ إله غير الله شرك واضح.
وفي قوله ﷺ في الحديث: «لتركبن سنن من كان قبلكم» إشارة إلى أن شيئا من ذلك سيقع في أمته ﷺ ، وقد قال ذلك ﵊ ناهيا ومحذرا.
[المطلب الخامس النهي عن أعمال تتعلق بالقبور]
المطلب الخامس: النهي عن أعمال تتعلق بالقبور. لقد كان الأمر في صدر الإسلام على منع زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية حماية لحمى التوحيد وصيانة لجنابه، ولما حسن الإيمان وعظم شأنه في الناس ورسخ في القلوب واتضحت براهين التوحيد وانكشفت شبهة الشرك جاءت مشروعية زيارة القبور محددة أهدافها موضحة مقاصدها.
فعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» ، رواه مسلم (٢) .
стр. 38
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكر الموت» (١) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة» (٢) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا» (٣) .
وعن بريدة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» ، رواه مسلم (٤) .
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أن مشروعية زيارة القبور بعد المنع من ذلك إنما كانت لهدفين عظيمين وغايتين جليلتين:
الأولى: التزهيد في الدنيا بتذكر الآخرة والموت والبلى، والاعتبار بأهل القبور مما يزيد في إيمان الشخص ويقوي يقينه ويعظم صلته بالله، ويذهب عنه الإعراض والغفلة.
الثانية: الإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم وطلب المغفرة لهم وسؤال الله العفو عنهم.
стр. 39
هذا الذي دل عليه الدليل، ومن ادعى غير ذلك طولب بالحجة والبرهان.
ثم إن السنة قد جاءت بالنهي عن أمور عديدة متعلقة بالقبور وزيارتها، صيانة للتوحيد وحماية لجنابه، يجب على كل مسلم تعلمها ليكون في أمنة من الباطل وسلامة من الضلال، ومن ذلك:
١ - النهي عن قول الهجر عند زيارة القبور. وقد تقدم قوله ﷺ : «ولا تقولوا هجرا» ، والمراد بالهجر كل أمر محظور شرعا، ويأتي في مقدمة ذلك الشرك بالله بدعاء المقبورين وسؤالهم من دون الله والاستغاثة بهم وطلب المدد والعافية منهم، فكل ذلك من الشرك البواح والكفر الصراح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث عديدة صريحة في المنع من ذلك والنهي عنه ولعن فاعله، ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إنِّي أنهاكم عن ذلك» (١) . فدعاء الأموات وسؤالهم الحاجات وصرف شيء من العبادة لهم شرك أكبر، أما العكوف عند القبور وتحري إجابة الدعاء عندها ومثله الصلاة في المساجد التي فيها القبور فهو من البدع المنكرة.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أنه ﷺ قال في مرضه الذي
стр. 40
لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) .
٢ - الذبح والنحر عند القبور. فإن كان ذلك تقربا إلى المقبورين ليقضوا حاجة للشخص فهو شرك أكبر وإن كان لغير ذلك فهو من البدع الخطيرة التي هي من أعظم وسائل الشرك لقوله ﷺ : «لا عقر في الإسلام» ، قال عبد الرزاق: «كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة» (٢) .
٣ -، ٤، ٥، ٦، ٧- رفعها زيادة على التراب الخارج منها، وتجصيصها، والكتابة عليها، والبناء عليها، والقعود عليها. فكل ذلك من البدع التي ضلت بها اليهود والنصارى وكانت من أعظم ذرائع الشرك، فعن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، وأن يزاد عليه، أو يكتب عليه» . رواه مسلم، وأبو داود، والحاكم (٣) .
٨ - الصلاة إلى القبور وعندها. فعن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)) ، رواه مسلم (٤) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها