وإن اعتقد أن الأمر لله وحده وأنها مجرد سبب، ولكنه ليس مؤثرا فهو مشرك شركا أصغر لأنه جعل ما ليس سببا سببا والتفت إلى غير ذلك بقلبه، وفعله هذا ذريعة للانتقال للشرك الأكبر إذا تعلق قلبه بها ورجا منها جلب النعماء أو دفع البلاء.
[المطلب الرابع التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها]
المطلب الرابع: التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها. التبرك هو طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] (الأنعام: ٩٢، ١٥٥) ، فمن بركته هدايته للقلوب وشفاؤه للصدور وإصلاحه للنفوس وتهذيبه للأخلاق، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
٢ - أن يكون التبرك بأمر غير مشروع، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك، فهذا كله من الشرك.
فعن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة (١) يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله ﷺ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (الأعراف: ١٣٨) ،
стр. 37
لتركبن سنن من كان قبلكم» ، رواه الترمذي وصححه (١) .
فقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار ونحوها من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك، ولهذا أخبر في الحديث أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة، فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذ إله غير الله شرك واضح.
وفي قوله ﷺ في الحديث: «لتركبن سنن من كان قبلكم» إشارة إلى أن شيئا من ذلك سيقع في أمته ﷺ ، وقد قال ذلك ﵊ ناهيا ومحذرا.
[المطلب الخامس النهي عن أعمال تتعلق بالقبور]
المطلب الخامس: النهي عن أعمال تتعلق بالقبور. لقد كان الأمر في صدر الإسلام على منع زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية حماية لحمى التوحيد وصيانة لجنابه، ولما حسن الإيمان وعظم شأنه في الناس ورسخ في القلوب واتضحت براهين التوحيد وانكشفت شبهة الشرك جاءت مشروعية زيارة القبور محددة أهدافها موضحة مقاصدها.
فعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» ، رواه مسلم (٢) .
стр. 38
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكر الموت» (١) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة» (٢) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا» (٣) .
وعن بريدة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» ، رواه مسلم (٤) .
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أن مشروعية زيارة القبور بعد المنع من ذلك إنما كانت لهدفين عظيمين وغايتين جليلتين:
الأولى: التزهيد في الدنيا بتذكر الآخرة والموت والبلى، والاعتبار بأهل القبور مما يزيد في إيمان الشخص ويقوي يقينه ويعظم صلته بالله، ويذهب عنه الإعراض والغفلة.
الثانية: الإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم وطلب المغفرة لهم وسؤال الله العفو عنهم.
стр. 39
هذا الذي دل عليه الدليل، ومن ادعى غير ذلك طولب بالحجة والبرهان.
ثم إن السنة قد جاءت بالنهي عن أمور عديدة متعلقة بالقبور وزيارتها، صيانة للتوحيد وحماية لجنابه، يجب على كل مسلم تعلمها ليكون في أمنة من الباطل وسلامة من الضلال، ومن ذلك:
١ - النهي عن قول الهجر عند زيارة القبور. وقد تقدم قوله ﷺ : «ولا تقولوا هجرا» ، والمراد بالهجر كل أمر محظور شرعا، ويأتي في مقدمة ذلك الشرك بالله بدعاء المقبورين وسؤالهم من دون الله والاستغاثة بهم وطلب المدد والعافية منهم، فكل ذلك من الشرك البواح والكفر الصراح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث عديدة صريحة في المنع من ذلك والنهي عنه ولعن فاعله، ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إنِّي أنهاكم عن ذلك» (١) . فدعاء الأموات وسؤالهم الحاجات وصرف شيء من العبادة لهم شرك أكبر، أما العكوف عند القبور وتحري إجابة الدعاء عندها ومثله الصلاة في المساجد التي فيها القبور فهو من البدع المنكرة.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أنه ﷺ قال في مرضه الذي
стр. 40
لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) .
٢ - الذبح والنحر عند القبور. فإن كان ذلك تقربا إلى المقبورين ليقضوا حاجة للشخص فهو شرك أكبر وإن كان لغير ذلك فهو من البدع الخطيرة التي هي من أعظم وسائل الشرك لقوله ﷺ : «لا عقر في الإسلام» ، قال عبد الرزاق: «كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة» (٢) .
٣ -، ٤، ٥، ٦، ٧- رفعها زيادة على التراب الخارج منها، وتجصيصها، والكتابة عليها، والبناء عليها، والقعود عليها. فكل ذلك من البدع التي ضلت بها اليهود والنصارى وكانت من أعظم ذرائع الشرك، فعن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، وأن يزاد عليه، أو يكتب عليه» . رواه مسلم، وأبو داود، والحاكم (٣) .
٨ - الصلاة إلى القبور وعندها. فعن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)) ، رواه مسلم (٤) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها
стр. 41
مسجد، إلا المقبرة والحمام» . رواه أبو داود والترمذي (١) .
٩ - بناء المساجد عليها. وهو بدعة من ضلالات اليهود والنصارى وتقدم حديث عائشة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
١٠ - اتخاذها عيدا. وهو من البدع التي جاء النهي الصريح عنها لعظم ضررها، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا (٢) ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني» ، رواه أبو داود وأحمد (٣) .
١١ - شد الرحال إليها. وهو أمر منهي عنه لأنه من وسائل الشرك فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى» . رواه البخاري ومسلم (٤) .
стр. 42
[المطلب السادس التوسل]
المطلب السادس: التوسل. أ- تعريفه: التوسل مأخوذ في اللغة من الوسيلة، والوسيلة والوصيلة معناهما متقارب، فالتوسل هو التوصل إلى المراد والسعي في تحقيقه.
وفي الشرع يراد به التوصل إلى رضوان الله والجنة؛ بفعل ما شرعه وترك ما نهي عنه.
ب- معنى الوسيلة في القرآن الكريم: وردت لفظة " الوسيلة " في القرآن الكريم في موطنين:
١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] (المائدة: ٣٥) .
٢ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] (الإسراء: ٥٧) .
والمراد بالوسيلة في الآيتين، أي: القربة إلى الله بالعمل بما يرضيه، فقد نقل الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره للآية الأولى عن ابن عباس ﵄ أن معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن البصري وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد (١) .
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: " نزلت في نفر من العرب
стр. 43
كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين يعبدونهم لا يشعرون " (١) .
وهذا صريح في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة والعبادات الجليلة، ولذلك قال: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله وينالون به مرضاته من الأعمال الصالحة المقربة إليه.
ج- أقسام التوسل: ينقسم التوسل إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
١ - التوسل المشروع: هو التوسل إلى الله بالوسيلة الصحيحة المشروعة، والطريق الصحيح لمعرفة ذلك هو الرجوع إلى الكتاب والسنة ومعرفة ما ورد فيهما عنها، فما دل الكتاب والسنة على أنه وسيلة مشروعة فهو من التوسل المشروع، وما سوى ذلك فإنه توسل ممنوع.
والتوسل المشروع يندرج تحته ثلاثة أنواع: الأول: التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العظيمة، كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم أن تعافيني، أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي وترحمني، ونحو ذلك.
ودليل مشروعية هذا التوسل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] (الأعراف: ١٨٠) .
стр. 44
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به العبد، كأن يقول: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي، أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك محمد ﷺ وإيماني به أن تفرج عني، أو أن يذكر الداعي عملا صالحا ذا بال قام به فيتوسل به إلى ربه، كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة التي سيرد ذكرها.
ويدل على مشروعيته قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦] (آل عمران: ١٦) ، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] (آل عمران: ٥٣) .
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار الثلاثة كما يرويها عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه، فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من الفرق، فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت (١) عنهم الصخرة، فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي
стр. 45
وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا» . رواه البخاري (١) .
الثالث: التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابة دعائه، كأن يذهب المسلم إلى رجل يرى فيه الصلاح والتقوى والمحافظة على طاعة الله، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج كربته وييسر أمره.
ويدل على مشروعية هذا النوع أن الصحابة ﵃ كانوا يسألون النبي ﷺ أن يدعو لهم بدعاء عام ودعاء خاص.
ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁: «أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول ﷺ قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة (٢)
стр. 46
ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة- ورسول الله ﷺ قائم يخطب- فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب ومنابت الشجر، قال: فانقطعت، وخرجنا نمشي في الشمس» . قال شريك: فسألت أنسا: أهو الرجل الأول؟ قَال: لا أدري (١) .
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ لما «ذكر أن في أمته سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وقال: (هم الذي لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) قام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (أنت منهم) » (٢) . ومن ذلك حديث ذكر النبي ﷺ أويسا القرني وفيه قال: «فاسألوه أن يستغفر لكم» .
وهذا النوع من التوسل إنما يكون في حياة من يطلب منه الدعاء، أما بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له.
٢ - التوسل الممنوع: هو التوسل إلى الله تعالى بما لم يثبت في الشريعة أنه وسيلة، وهو أنواع بعضها أشد خطورة من بعض، منها:
١ - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الموتى والغائبين والاستغاثة بهم
стр. 47
وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات ونحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر الناقل من الملة.
٢ - التوسل إلى الله بفعل العبادات عند القبور والأضرحة بدعاء الله عندها، والبناء عليها، ووضع القناديل والستور ونحو ذلك، وهذا من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد، وهو ذريعة مفضية إلى الشرك الأكبر.
٣ - التوسل إلى الله بجاه الأنبياء والصالحين ومكانتهم ومنزلتهم عند الله، وهذا محرم، بل هو من البدع المحدثة؛ لأنه توسل لم يشرعه الله ولم يأذن به. قال تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] (يونس: ٥٩) ولأن جاه الصالحين ومكانتهم عند الله إنما تنفعهم هم، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (النجم: ٣٩) ، ولذا لم يكن هذا التوسل معروفا في عهد النبي ﷺ وأصحابه، وقد نص على المنع منه وتحريمه غير واحد من أهل العلم:
قال أبو حنيفة ﵀: ((يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان أو بحق أوليائك ورسلك أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام)) .
د- شبهات وردها في باب التوسل. قد يورد المخالفون لأهل السنة والجماعة بعض الشبهات والاعتراضات في باب التوسل؛ ليتوصلوا بها إلى دعم تقريراتهم الخاطئة، وليوهموا عوام المسلمين بصحة ما ذهبوا إليه، ولا تخرج شبهات هؤلاء عن أحد أمرين:
الأول: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة يستدل بها هؤلاء على ما ذهبوا إليه، وهذه يفرغ من أمرها بمعرفة عدم صحتها وثبوتها، ومن ذلك:
١ - حديث: «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم» ، أو «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم» ، وهو حديث باطل لم
стр. 48
يروه أحد من أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب الحديث.
٢ - حديث: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور» ، أو «فاستغيثوا بأهل القبور» ، وهو حديث مكذوب مفترى على النبي ﷺ باتفاق العلماء.
٣ - حديث: «لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه» ، وهو حديث باطل مناقض لدين الإسلام، وضعه بعض المشركين.
٤ - حديث: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك» (١) وهو حديث باطل لا أصل له، ومثله حديث: «لولاك ما خلقت الأفلاك» .
فمثل هذه الأحاديث المكذوبة والروايات المختلقة الملفقة لا يجوز لمسلم أن يلتفت إليها فضلا عن أن يحتج بها ويعتمدها في دينه.
الثاني: أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ يسيء هؤلاء فهمها ويحرفونا عن مرادها ومدلولها، ومن ذلك:
١ - ما ثبت في الصحيح: «أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون» (٢) .
стр. 49
ففهموا من هذا الحديث أن توسل عمر ﵁ إنما كان بجاه العباس ﵁ ومكانته عند الله ، وأن المراد بقوله: «كنا نتوسل إليك بنبينا [أي بجاهه] فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا» [أي بجاهه] .
وهذا ولا ريبِ فهم خاطئ وتأويل بعيد لا يدل عليه سياق النص لا من قريب ولا من بعيد؛ إذ لم يكن معروفا لدى الصحابة التوسل إلى الله بذات النبي ﷺ أو جاهه، وإنما كانوا يتوسلون إلى الله بدعائه حال حياته كما تقدم بعض هذا المعنى، وعمر ﵁ لم يرد بقوله: «إنا نتوسل إليك بعم نبينا» أي ذاته أو جاهه، وإنما أراد دعاءه، ولو كان التوسل بالذات أو الجاه معروفا عندهم لما عدل عمر عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس ﵁، بل ولقال له الصحابة إذ ذاك كيف نتوسل بمثل العباس ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق، فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل لا بذاته.
وبهذا يتبين أن الحديث ليس فيه متمسك لمن يقول بجواز التوسل بالذات أو الجاه.
٢ - حديث عثمان بن حنيف: «أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت
стр. 50
بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في» ، رواه الترمذي وأحمد وقال البيهقي إسناده صحيح (١) .
ففهموا من الحديث أنه يدل على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ أو غيره من الصالحين، وليس في الحديث ما يشهد لذلك، فإن الأعمى قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: «إن شئت صبرت وإن شئت دعوت» ، فقال: فادعه، إلى غير ذلك من الألفاظ الواردة في الحديث المصرحة بأن هذا توسل بدعاء النبي ﷺ لا بذاته أو جاهه؛ ولذا ذكر أهل العلم هذا الحديث من معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره ولهذا أورده البيهقي في دلائل النبوة (٢) .
وأما الآن وبعد موت النبي ﷺ فإن مثل هذا لا يمكن أن يكون لتعذر دعاء النبي ﷺ لأحد بعد الموت، كما قال النبي ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ، رواه مسلم (٣) .
والدعاء من الأعمال الصالحة التي تنقطع بالموت.
وعلى كل فإن جميع ما يتعلق به هؤلاء لا حجة فيه؛ إما لعدم صحته، أو لعدم دلالته على ما ذهبوا إليه.
стр. 51
[المطلب السابع الغلو]
المطلب السابع: الغلو. أ- تعريفه: الغلو في اللغة هو مجاوزة الحد، بأن يزيد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق.
وفي الشرع: هو مجاوزة حدود ما شرع الله لعباده سواء في العقيدة أو العبادة.
ب- حكمه: التحريم؛ لما جاء من النصوص في النهي عنه والتحذير منه وبيان سوء عواقبه على أهله في العاجل والآجل. قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] (النساء: ١٧١) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (المائدة: ٧٧) .
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والغلو، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» ، رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (١) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هلك المتنطعون» ، قالها ثلاثا، رواه مسلم (٢) .
وعن عمر بن الخطاب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما
стр. 52
أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله» ، رواه البخاري (١) .
والمراد هذا الحديث، أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى فادعوا فيه الربوبية والألوهية، وإنما أنا عبد الله فصفوني بما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله، فأبى الضلال إلا مخالفة لأمره وارتكابا لنهيه وناقضوه أعظم المناقضة فغلوا فيه وبالغوا في إطرائه وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبا منه، فسألوه مغفرة الذنوب وتفريج الكروب وشفاء الأمراض ونحو ذلك مما هو مختص بالله وحده لا شريك له، وكل ذلك من الغلو في الدين.
стр. 53
[المبحث الرابع الشرك والكفر وأنواعهما وفيه مطالب]
[المطلب الأول الشرك]
المبحث الرابع
الشرك والكفر وأنواعهما
وفيه مطالب ما من ريب أن في معرفة المسلم للشرك والكفر وأسبابهما ووسائلهما وأنواعهما فوائد عظيمة، إذا عرفها معرفة يقصد من ورائها السلامة من هذه الشرور والنجاة من تلك الآفات، والله سبحانه يحب أن تعرف سبيل الحق لتحب وتسلك، ويحب أن تعرف سبل الباطل لتجتنب وتبغض، والمسلم كما أنه مطالب بمعرفة سبيل الخير ليطبقها، فهو كذلك مطالب بمعرفة سبل الشر ليحذرها، ولهذا ثبت في الصحيحين عن حذيفة بن اليمان ﵄ أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني» (١) .
ويقول عمر بن الخطاب ﵁: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ".
والقرآن الكريم مليء بالآيات المبينة للشرك والكفر والمحذرة من الوقوع فيهما، والدالة على سوء عاقبتهما في الدنيا والآخرة، بل إن ذلك مقصد عظيم من مقاصد القرآن الكريم والسنة المطهرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] (الأنعام: ٥٥) .
وفيما يِلي ذكر لبعض المطالب المهمة المتعلقة بهذا الجانب.
стр. 54
المطلب الأول: الشرك. أ- تعريفه: يطلق الشرك في اللغة على التسوية بين الشيئين.
وله في الشرع معنيان: عام وخاص.
١ - المعنى العام: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه، ويندرج تحته ثلاثة أنواع:
الأول: الشرك في الربوبية، وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الربوبية، أو نسبة شيء منها إلى غيره، كالخلق والرزق والإيجاد والإماتة والتدبير لهذا الكون ونحو ذلك.
قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣] (فاطر: ٣) .
الثاني: الشرك في الأسماء والصفات، وهو تسوية غير الله بالله في شيء منها، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى: ١١) .
الثالث: الشرك في الألوهية، وهو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الألوهية، كالصلاة والصيام والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر ونحو ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (البقرة: ١٦٥) .
٢ - المعنى الخاص: وهو أن يتخذ لله ندا يدعوه كما يدعو الله ويسأله الشفاعة كما يسأل الله ويرجوه كما يرجو الله، ويحبه كما يحب الله، وهذا هو المعنى المتبادر من كلمة " الشرك " إذا أطلقت في القرآن أو السنة.
стр. 55
ب- الأدلة على ذم الشرك وبيان خطره. لقد تنوعت دلالة النصوص على ذم الشرك والتحذير منه وبيان خطره وسوء عاقبته على المشركين في الدنيا والآخرة.
١ - فقد أخبر الله سبحانه أنه الذنب الذي لا يغفره إلا بالتوبة منه قبل الموت، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (النساء: ٤٨) .
٢ - ووصفه بأنه أظلم الظلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (لقمان: ١٣) .
٣ - وأخبر أنه محبط للأعمال، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] (الزمر: ٦٥) .
٤ - ووصفه بأن فيه تنقصا لرب العالمين ومساواة لغيره به، فقال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ - تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨] (الشعراء: ٩٦- ٩٨) .
٥ - وأخبر أن من مات عليه يكون مخلدا في نار جهنم، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (المائدة: ٧٢) .
إلى غير ذلك من أنواع الأدلة، وهي كثيرة جدا في القرآن الكريم.
ج- سبب وقوع الشرك: إن أصل الشرك وسبب وقوعه في بني آدم هو الغلو في الصالحين
стр. 56
المعظمين، وتجاوز الحد في إطرائهم ومدحهم والثناء عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤] (نوح: ٢٣- ٢٤) .
فهذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح لما ماتوا جعلوا لهم أصناما على صورهم وسموها بأسمائهم قاصدين بذلك تعظيمهم وتخليد ذكرهم وتذكر فضلهم إلى أن آل بهم الأمر إلى عبادتهم.
ويشهد لهذا ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ (ونسخ العلم) (١) العلم عبدت " (٢) .
روى ابن جرير الطبري عن محمد بن قيس عند قوله تعالى: وقالوا لا تذرن آلهتك الآية، قال: " كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون هم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا
стр. 57
وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم " (١) . فجمعوا بين فتنتين:
الأولى: العكوف عند قبورهم.
الثانية: تصوير صورهم ونصبها في مجالسهم والجلوس إليها.
فبهذا وقع الشرك لأول مرة في تاريخ البشرية فهما أعظم وسائل الشرك في كل زمان ومكان.
د- أنواع الشرك: ينقسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر.
١ - الشرك الأكبر: هو اتخاذ ند مع الله يعبد كما يعبد الله، وهو ناقل من ملة الإسلام محبط للأعمال كلها، وصاحبه إن مات عليه يكون مخلدا في نار جهنم لا يقضى عليه فيموت ولا يخفف عنه من عذابها.
أنواع الشرك الأكبر: وينقسم الشرك الأكبر إلى أربعة أنواع:
١ - شرك الدعوة، أي الدعاء، وذلك أن الدعاء من أعظم أنواع العبادة، بل هو لب العبادة كما قال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» ، رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح (٢) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (غافر: ٦٠) .
ولما ثبت أن الدعاء عبادة، فصرفه لغير الله شرك، فمن دعا نبيا أو ملكا أو وليا أو قبرا أو حجرا أو غير ذلك من المخلوقين فهو مشرك كافر، كما
стр. 58
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] (المؤمنون: ١١٧) .
ومن الأدلة على أن الدعاء عبادة وأن صرفه لغير الله شرك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (العنكبوت: ٦٥) ، فأخبر عن هؤلاء المشركين بأنهم يشركون بالله في رخائهم، ويخلصون له في كربهم وشدتهم، فكيف بمن يشرك بالله في الرخاء والشدة عياذا بالله.
٢ - شرك النية والإرادة والقصد، وذلك أن ينوي بأعماله الدنيا أو الرياء أو السمعة، إرادة كلية كأهل النفاق الخلص، ولم يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، فهو مشرك الشرك الأكبر، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] (هود: ١٥-١٦) .
وهذا النوع من الشرك دقيق الأمر بالغ الخطورة.
٣ - شرك الطاعة، فمن أطاع المخلوقين في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، ويعتقد ذلك بقلبه أي أنه يسوغ لهم أن يحللوا ويحرموا ويسوغ له ولغيره طاعته في ذلك مع علمه بأنه مخالف لدين الإسلام فقد اتخذهم أربابا من دون الله وأشرك بالله الشرك الأكبر.
قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] (التوبة: ٣١) .
стр. 59
وتفسير الآية الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية (أي في تبديل حكم الله) لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله فقال: لسنا نعبدهم؟ فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية (في تبديل حكم الله) ، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه» ، قال: بلى. قال: «فتلك عبادتهم» ، رواه الترمذي وحسنه، والطبراني في المعجم الكبير (١) .
٤ - شرك المحبة، والمراد محبة العبودية المستلزمة للإجلال والتعظيم والذل والخضوع التي لا تنبغي إلا لله وحده لا شريك له، ومتى صرف العبد هذه المحبة لغير الله فقد أشرك به الشرك الأكبر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (البقرة: ١٦٥) .
٢ - النوع الثاني من أنواع الشرك، الشرك الأصغر: وهو كل ما كان ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه أو ما جاء في النصوص تسميته شركا ولم يصل إلى حد الأكبر، وهو يقع في هيئة العمل وأقوال اللسان. وحكمه تحت المشيئة كحكم مرتكب الكبيرة.
ومن أمثلته ما يلي:
أ- يسير الرياء، والدليل ما رواه الإمام أحمد وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) ، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال: (الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى
стр. 60
الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (١) .
ب- قول: " ما شاء الله وشئت "، روى أبو داود في سننه عن النبي ﷺ : «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» (٢) .
ج- قول: " لولا الله وفلان "، أو قول: " لولا البط لأتانا اللصوص "، ونحو ذلك، روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس ﵄ في معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] قال: " الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لأصحابه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك " (٣) .
الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر: بين الشرك الأكبر والأصغر فروق عديدة، أهمها ما يلي:
١ - أن الشرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فتحت المشيئة.
стр. 61
٢ - أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
٣ - أن الشرك الأكبر مخرج لصاحبه من ملة الإسلام، وأما الشرك الأصغر فلا يخرجه منها.
٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد في النار ومحرمة عليه الجنة، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب.
[المطلب الثاني الكفر]
المطلب الثاني: الكفر. أ- تعريفه: الكفر لغة يطلق على الستر والتغطية.
وشرعا: ضد الإيمان، وهو: عدم الإيمان بالله ورسوله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل عن شك وريب، أو إعراض عن ذلك حسدا وكبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة.
ب- أنواع الكفر: الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار، والأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.
أولا: الكفر الأكبر. وهو خمسة أنواع:
أ- كفر التكذيب، وهو اعتقاد كذب الرسل ﵈، فمن كذبهم فيما جاؤوا به ظاهرا أو باطنا فقد كفر، والدليل قوله تعالى:
стр. 62
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] (العنكبوت: ٦٨) .
٢ - كفر الإباء والاستكبار، وذلك بأن يكون عالما بصدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، لكن لا ينقاد لحكمه ولا يذعن لأمره، استكبارا وعنادا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] (البقرة: ٣٤) .
٣ - كفر الشك، وهو التردد، وعدم الجزم بصدق الرسل، ويقال له كفر الظن، وهو ضد الجزم واليقين.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا - وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا - قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا - لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٨] (الكهف: ٣٥- ٣٨) .
٤ - كفر الإعراض، والمراد الإعراض الكلي عن الدين، بأن يعرض بسمعه وقلبه وعلمه عما جاء به الرسول ﷺ ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] (الأحقاف: ٣) .
٥ - كفر النفاق، والمراد النفاق الاعتقادي بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر (١) والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] (المنافقون: ٣) .
стр. 63
والنفاق على ضربين: ١ - نفاق اعتقاد وهو كفر أكبر ناقل من الملة وهو ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به، أو بغض الرسول، أو بغض ما جاء به، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية لانتصار دين الرسول.
٢ - ونفاق عملي وهو كفر أصغر لا ينقل من الملة، إلا أنه جريمة كبيرة وإثم عظيم، ومنه ما ذكره النبي ﷺ في الحديث حيث قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» متفق عليه (١) .
وقال ﵊: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» ، رواه البخاري (٢) .
ثانيا: الكفر الأصغر وهو لا يخرج صاحبه من الملة ولا يوجب الخلود في النار وإنما عليه الوعيد الشديد، وهو كفر النعمة، وجميع ما ورد في النصوص من ذكر الكفر الذي لا يصل إلى حد الكفر الأكبر. ومن الأمثلة عليه:
ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] (النحل: ١١٢) .
стр. 64
وفي قوله ﷺ : «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميت» ، رواه مسلم (١) .
وفي قوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ، رواه البخاري ومسلم (٢) .
فهذا وأمثاله كفر دون كفر وهو لا يخرج من الملة الإسلامية.
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] (الحجرات: ٩، ١٠) ، فسماهم الله مؤمنين مع الاقتتال.
ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (النساء: ٤٨) ، فدلت الآية الكريمة على أن كل ذنب دون الشرك تحت المشيئة أي إن شاء الله عذبه بقدر ذنبه وإن شاء عفا عنه من أول وهلة، إلا الشرك به فإن الله لا يغفره كما هو صريح في الآية وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (المائدة: ٧٢) .
стр. 65
[المبحث الخامس ادعاء علم الغيب وما يلحق به]
المبحث الخامس
ادعاء علم الغيب وما يلحق به الغيب هو كل ما غاب عن العقول والأنظار من الأمور الحاضرة والماضية والمستقبلة، وقد استأثر الله بعلمه واختص نفسه سبحانه بذلك.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] (النمل: ٦٥) ، وقال تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] (الكهف: ٢٦) ، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] (الرعد: ٩) .
فلا يعلم الغيب أحد إلا الله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عمن هو دونهما.
قال الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] (هود: ٣١) ، وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣] (الأحقاف: ٢٣) ، وقال تعالى لنبيه محمد ﵊: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] (الأنعام: ٥٠) ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٢] (البقرة: ٣١- ٣٢) .
ثم إنه سبحانه قد يطلع بعض خلقه على بعض الأمور المغيبة عن طريق
стр. 66
الوحي، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا - لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨] (الجن: ٢٦-٢٨) ، وهذا من الغيب النسبي الذي غاب علمه عن بعض المخلوقات دون بعض، أما الغيب المطلق فلا يعلمه إلا هو سبحانه، ومن ذا الذي يدعي علمه وقد استأثر الله به.
ولهذا فإن الواجب على كل مسلم أن يحذر من الدجاجلة والكذابين المدعين لعلم الغيب المفترين على الله، الذين ضلوا في أنفسهم وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل، كالسحرة والكذابين والمنجمين، وغيرهم.
وفيما يلي عرض لجملة من أعمال هؤلاء التي يدعون بها علم الغيب، ويضلون بها عوام المسلمين وجهالهم، ويفسدون بها عقيدتهم وإيمانهم.
١ - السحر: وهو في اللغة ما خفي ولطف سببه.
وفي الاصطلاح هو عزائم ورقى وعقد يؤثِّر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه بإذن الله، وهو كفر، والساحر كافر بالله العظيم، وما له في الآخرة من خلاق، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (البقرة: ١٠٢) .
стр. 67
ومنه النفث في العقد، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ - وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ - وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ - وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥]
٢ - التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية التي لم تقع، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس علما من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» ، رواه أبو داود (١) .
٣ - زجر الطير والخط في الأرض: فعن قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «العيافة والطيرة والطرق من الجبت» (٢) أي من السحر، والعيافة زجر الطير والتفاؤل والتشاؤم بأسمائها وأصواتها وممرها، والطرق الخط يخط في الأرض، أو الضرب بالحصى وادعاء علم الغيب.
٤ - الكهانة: وهي ادعاء علم الغيب، والأصل فيها استراق الجن السمع من كلام الملائكة فتلقيه في أذن الكاهن.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » رواه أبو داود وأحمد والحاكم (٣) .
стр. 68
٥ - كتابة حروف أبا جاد: وذلك بأن يجعل لكل حرف منها قدرا معلوما من العدد ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة، ثم يحكم عليها بالسعود أو النحوس ونحو ذلك.
قال ابن عباس ﵄ في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ((ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق)) ، رواه عبد الرزاق في المصنف (١) .
٦ - القراءة في الكف والفنجان ونحو ذلك مما يدعي به بعض هؤلاء معرفة الحوادث المستقبلة من موت وحياة وفقر وغنى وصحة ومرض ونحو ذلك.
٧ - تحضر الأرواح: ويزعم أربابه أنهم يستحضرون أرواح الموتى ويسألونها عن أخبار الموتى من نعيم وعذاب وغير ذلك، وهو نوع من الدجل والشعوذة الشيطانية، ويراد منها إفساد العقائد والأخلاق والتلبيس على الجهال وأكل أموالهم بالباطل والتوصل إلى دعوى علم الغيب.
٨ - التطير: وهو التشاؤم بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرها، وهذا باب من الشرك وهو من إلقاء الشيطان وتخويفه.
فعن عمران بن حصين مرفوعا: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » ، رواه البزار (٢) .
стр. 69
والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين، ويمنحهم الفقه في الدين، ويعيذهم من خداع المجرمين وتلبيس أولياء الشياطين.
стр. 70
[الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات]
[تمهيد في الإيمان بالأسماء والصفات وأثر ذلك على المسلم]
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات ويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث:
التمهيد: الإيمان بالأسماء والصفات وأثر ذلك على المسلم.
المبحث الأول: تعريفه وأدلته.
أولا: تعريفه.
ثانيا: المنهج الحق في إثباته.
ثالثا: أدلة هذا المنهج.
المبحث الثاني: أمثلة تطبيقية لإثبات الأسماء والصفات في ضوء الكتاب والسنة.
المبحث الثالث: قواعد في باب الأسماء والصفات.
стр. 71
التمهيد: الإيمان بالأسماء والصفات وأثر ذلك في سلوك المسلم إن للإيمان بأسماء الله وصفاته آثارا عظيمة في نفس المسلم وتحقيقه لعبادة ربه. فمن آثارها تلك المعاني التي يجدها العبد في عبوديته القلبية التي تثمر التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه، وحفظ جوارحه، وخطرات قلبه، وضبط هواجسه حتى لا يفكر إلا فيما يرضي الله تعالى، ويحب لله وفي الله، به يسمع، وبه يبصر، ومع ذلك هو واسع الرجاء وحسن الظن بربه.
هذه المعاني وغيرها مما يتعلق بالإيمان بمعاني الأسماء والصفات تثمر العبودية الظاهرة والباطنة على تفاوت بين شخص وآخر وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فلاسمه "الغفار" أثره العظيم في محبته وعدم اليأس من رحمته ولاسمه " شديد العقاب " أثره الكبير في خشيته وعدم الجرأة على محارمه. وهكذا لأسمائه الأخرى وصفاته آثارها بحسب دلالاتها المتنوعة في نفس المسلم واستقامته على شرع الله بل وتحقيق محبته في القلوب التي هي أساس سعادة المسلم في الدنيا والآخرة، ومفتاح كل خير وأعظم عون للعبد على عبادته لربه على أكمل الوجوه إذ الأعمال الظاهرة تخف وتثقل على النفس بحسب المحبة القلبية لله تعالى.
فإكمال العمل وتحسينه على ما أراد الله منوط بالمحبة القلبية لله. والمحبة منوطة بمعرفة الله بأسمائه وصفاته. ولهذا كان أعظم الناس عبادة لله رسل الله الذين هم أعظم الناس محبة له وأعرفهم به.
стр. 72
[المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات وأدلته]
المبحث الأول
تعريف توحيد الأسماء والصفات وأدلته أولا: تعريفه: توحيد الأسماء والصفات: هو إثبات ما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفى الله عن نفسه، ونفاه عنه رسوله ﷺ من الأسماء والصفات والإقرار لله تعالى بمعانيها الصحيحة ودلالاتها واستشعار آثارها ومقتضياتها في الخلق.
ثانيًا: المنهج في إثباته: يقوم المنهج الحق في باب الأسماء والصفات على الإيمان الكامل والتصديق الجازم بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
والتحريف: هو التغيير وإمالة الشيء عن وجهه. وهو قسمان:
١ - تحريف لفظي. وذلك بالزيادة في الكلمة أو النقص أو تغيير حركة في الكلمة كتحريف كلمة استوى في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (طه: ٥) إلى استولى. قال صاحب النونية:
نون اليهود ولام جهمي هما ... في وحي رب العرش زائدتان
٢ - تحريف معنوي. وذلك بتفسير اللفظ على غير مراد الله ورسوله منه
стр. 73
كمن فسر " اليد " لله تعالى بالقوة أو النعمة. فإن هذا تفسير باطل لا يدل عليه الشرع ولا اللغة.
والتعطيل: هو نفي صفات الله تعالى كمن زعم أن الله تعالى لا يتصف بصفة.
والفرق بين التحريف والتعطيل هو أن التحريف نفي المعنى الصحيح الذي دلت عليه النصوص واستبداله بمعنى آخر غير صحيح أما التعطيل فهو نفي المعنى الصحيح من غير استبدال له بمعنى آخر.
والتكييف: تعيين كيفية الصفة والهيئة التي تكون عليها كفعل بعض المنحرفين في هذا الباب الذين يكيفون صفات الله فيقولون كيفية يده: كذا وكذا، وكيفية استوائه على هيئة كذا وكذا. فإن هذا باطل إذ لا يعلم كيفية صفات الله إلا هو وحده وأما المخلوقون فإنهم يجهلون ذلك ويعجزون عن إدراكه.
والتمثيل: هو التشبيه كمن يقول لله سمع كسمعنا ووجه كوجوهنا تعالى الله عن ذلك.
وينتظم المنهج الحق في باب الأسماء والصفات في ثلاثة أصول من حققها سلم من الانحراف في هذا الباب. وهي:
الأصل الأول: تنزيه الله جل وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين.
الأصل الثاني: الإيمان. بما سمى ووصف الله به نفسه وبما سماه ووصفه به
стр. 74
رسوله ﷺ على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته.
الأصل الثالث: قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله تعالى لأن إدراك المخلوق لذلك مستحيل.
فمن حقق هذه الأصول الثلاثة فقد حقق الإيمان الواجب في باب الأسماء والصفات على ما قرره الأئمة المحققون في هذا الباب.
ثالثًا: أدلة هذا المنهج: دلت الأدلة من كتاب الله تعالى على تقرير هذا المنهج.
فمن الأدلة على الأصل الأول: وهو تنزيه الرب عن مشابهة المخلوقين، قول الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى: ١١) . ومقتضى الآية نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق من كل وجه مع إثبات السمع والبصر لله وفي هذا إشارة إلى أن ما يثبت لله من السمع والبصر ليس كما يثبت للمخلوقين من هاتين الصفتين مع كثرة من يتصف بهما من المخلوقين. وما يقال في السمع والبصر يقال في غيرهما من الصفات. واقرأ قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] أورد ابن كثير في تفسير الآية ما رواه البخاري في التوحيد (١٣ / ٣٧٢) والإمام أحمد في المسند (٦ / ٤٦) عن عائشة ﵂ قالت: " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع فأنزل الله عز وجل
стр. 75
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلى آخر الآية " (١) .
ومن الأدلة أيضًا قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] (النحل: ٧٤) . قال الطبري في تفسير الآية: " فلا تمثلوا لله الأمثال ولا تشبهوا له الأشباه فإنه لا مثل له ولا شبه " (٢) .
وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (مريمَ: ٦٥) قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: " هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا ".
ومن الأدلة لهذا الأصل: قول الله ﵎: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] (الإخلاص: ٤) قال الطبري: " ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء ".
ومن الأدلة على الأصل الثاني: وهو الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته، قول الله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقرة: ٢٥٥) . وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] (الحديد: ٣) . وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ - هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] (الحشر: ٢٢- ٢٤) .